'
,
لا أحد يستطيع إيقاف زحف السلوك العدواني تجاه الآخرين مهما فعل، غير الضمير الإنساني نفسه،
فكلما تعمق الناس في حياتهم اليومية، وجدوها بسيطة ومركبة، سطحية وعميقة ،تحتاج إلى فكر ثاقب لفهم أغوارها وكينونتها ، ووعي هام ونضج ثابت للتفاعل معها ،
فالنخب تؤمن بالتنظير وإحداث المشاريع وعامة الناس تهتم بكل ما هو مادي للتغلب على مشاكل الحياة، وبينهما يضيع آخرون في متاهات العشوائية والارتجال،
لا يعرفون من أين ينطلقون والى أي اتجاه يذهبون يؤثر ذلك في أخلاقهم فيعمق خلافاتهم ،ويقوي الكراهية بينهم فتعم التفرقة صفوفهم ، وتتباعد وجهات نظرهم للأشياء، فتنشط الفوضى بشكل كبير وتستمر إلى مالا نهاية.
الناس كالمعادن، مختلفون ومتناقضون، تتحكم فيهم تراكمات الزمن ، كل وتوابثه ووازعه وتأثيراته ،
فهي مرجعياته ينظر إليها كركائز أساسية ، ودعائم قوية تجعله يقتنع بقدراته ،
فتنمو في دواخله مصداقية الثقة بنفسه والاعتزاز بها، وتكبر مع الزمن لتقوية الذات فتظهر بوادر الأنانية والاستقلال الشخصي وتنمحي أحيانا أمامه كل الفوارق ،
فيعطيه ذلك زخما قويا للاندماج أفضل مع محيطه رغم العوائق والحواجز المرتبطة بالمواقف والانفعالات التي قد تحدثها طبيعة التفاعلات المنظمة والطارئة .
يقوم الإنسان بمبادرات تصطدم أحيانا بالواقع ، لا يستطيع إيجاد الحل المناسب لها فتنقص حيويته ويتراجع نشاطه وقد يتعقد فيصعب إخراجه من انطوائه وعزلته وتنعدم الثقة لديه وقد يصبح عالة على المجتمع إذا أحس بأن هذا الأخير لا يحتاج إلى خدماته،
وقد يفسر ذلك بهشاشة الشخصية لدى الشخص الذي تعرض لهذه الوضعية أو بالضعف الذي يصيب وعيه فيجرح كبرياءه ويحس بالدونية.
عالم غريب فعلا، تتميز غرابته في تناقضاته الكثيرة ، ومهما فعل الناس فلن يجدوا تفسيرات لكل ما هو كائن،
رغم ما عرفه العلم من تطور،فأشياء عديدة مازالت غامضة لم يستطع أي احد فك رموزها مع تقدير خاص لكل العلماء الذين فسروا بعضا من هذا العالم الذي يكبرنا بملايين السنين ، فقام الناس بتدميره وتخريبه عن وعي أو بدون وعي،
فقضوا على كل شيئ فيه بأنانية لإشباع الحاجات والاكتفاء الذاتي معلنين الحرب على الكون برا وبحرا وجوا ،
لا وازع لهم غير الربح السريع ، وجمع الاحتياطات المبالغ في ادخارها والانتفاع بها والتباهي باحتوائها ،
فالناس صنعوا كل الوسائل من الطبيعة فسخروا كل إمكانياتها لفائدتهم غير مبالين بالدمار الذي يحدثونه بها ويلحقونه بأنفسهم........
من نتائج هذا السلوك الأمراض العارضة والفتاكة التي تنجم عنها مضاعفات تلحق بالبشرية جمعاء ، فالإنسان لا يكره الطبيعة ، إلا أنه يسيئ فهمها ويقضي بأنانيته الزائدة على كل جزئياتها ،
رغم ما يعرفه عن كونها مصدر رزق وما تحمله من دلالات كبرى في الحياة ،
فهي مليئة بالأسرار لم تكتشف بعد ، وما زالت بعض عوارضها كالطلاسم غير مفهومة للفقهاء والعلماء والفلكيين وغيرهم ، فكيف للناس البسطاء أن يعرفوا خباياها التي تزخر بها ،
وكيف لهم أن يبحثوا في أعماقها لإيقاف الزلازل وحصر الفيضانات والحد من خطر مياه المحيطات وثلوج القطب المتجمد الشمالي ، والقضاء على كل الكوارث ، فمهما فعلوا لن ينفذوا إلى كل أسرارها وهذا يفسر عظمة الله تعالى ، حيث أبدع في خلق هذا الكون العجيب الذي تبحث النخب الفكرية عن مفاتيحه لحل ألغازه ، ولا يكترث البسطاء من الناس به ، بل يسهم أغلبهم في تدمير مكوناته من دون وعي بذلك وهو أمر يحتاج الى ردع واقعي تفاوضي ينبني على التواصل الإعلامي واللقاءات الخاصة بالتوعية للوصول إلى تسوية جماعية.
'
,
...
