لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
" لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
لكم فكرتكم شجرة صلبة تتمسك عروقها بتربة التقاليد و تنمو فروعها بقوة الاستمرار ؛ ولي فكرتي سحابة تتهادى في الفضاء ، ثم تهبط قطراً ، ثم تسيل جدولاً إلى البحر ، ثم تتصاعد ضباباً نحو الأعالي . لكم فكرتكم برجاً متيناً راسخاً لا تهزه الأنواء ولا تُحركه العواصف ؛ ولي فكرتي أعشاباً لينة تميل إلى كل ناحية و تجد بميلها بهجة و سروراً . لكم فكرتكم مذهباً قديماً لا يُغير ولا يتغير ؛ و لي فكرتي بدعة جديدة أغربلها و تُغربلني كلَ صباحٍ و كلَ مساء .
لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
لكم من فكرتكم أن يصرع قويكم ضعيفكم ، و يحتال داهِيكُم على ساذجكُم ؛ ولي من فكرتي أن أحرث الأرض بمعولي و أستثمرها بمنجلي ، و أن أبني بيتاً من الحجارة و الطين ، و أن أحوك ثوباً من الصوف أو الكتان . لكم من فكرتكم مصاهرة الجاه و الثروة ، ولي من فكرتي الاتكال على النفسِ . لكم من فكرتكم الجدَُ وراء السمعة ، و الركض خلف الشهرة ، ولي من فكرتي أن أطرح السمعة والشهرة حبتين من الرمل على شاطئ الأبدية . لكم من فكرتكم أن تحلموا بصروح أثاثها من الصندل المُرصع و رياشها من الحرير المفتول ، ولي من فكرتي أن أكون نظيف الروح و الجسم حتى و لو كنت بدون مكان أسند إليه رأسي . لكم من فكرتكم أن تكونوا موظفين مُلقبين ، ولي من فكرتي أن أكون خادماً نافعاً .
لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
لكم من فكرتكم قواميسها الاجتماعية و الدينية و مطالبها الفنية و السياسية ، ولي من فكرتي أوليَات قليلة بسيطة . تقول فكرتكم : (( امرأة حسناء قبيحة ، فاضلة عاهرة ، حاذقة بليدة )) ، أما فكرتي فتقول : (( كل امرأة والدة كل رجل ، كل امرأة أخت كل رجل ، كل امرأة ابنة كل رجل )) . و تقول فكرتكم : (( لص، مجرم ، قاتل ، خبيث ، عَقوق )) . أما فكرتي فتقول : (( إنما اللص صنيعة المُحتكر ، والمجرم خليقة الظالم ، و القاتل حليف القتيل ، و الخبيث ثمرة العربيد ، والعقوق نتيجة الصارم )) . و تقول فكرتكم : (( شرائع ، محاكم ، قُضاة ، عُقوبات )) . أما فكرتي فتقول : (( إذا كان ثَمَ من شريعة وضعية فكلنا يُخالفها أو كلنا يخضع لها . و إن كان من ناموس أساسي فكلنا واحد أمام ذلك الناموس . فمن يتأفف من الساقطين كان منهم ، و من يَلُمَُ أذياله كيلا تلامس المُنطرحين على الأوحال كان مغموراً بالأوحال . أما الذي يُفاخر بترفعه عن العثور و الزلل فإنما يُفاخر بترفع الإنسانية جمعاء ، و الذي يتبجح بعصمته إنما يتبجح بعصمة الحياة نفسها )) . و تقول فكرتكم : (( الماهر ، المتفنن ، الأستاذ ، النابغة ، العبقري ، الفيلسوف ، الإمام )) . أما فكرتي فتقول : (( الودود ، المُحب ، الحليف ، الصادق ، المستقيم ، المُضحي ، المُستشهد )) . و تقول فكرتكم : (( الموسوية ، البرهمية ، البوذية ، المسيحية ، الإسلام )) . أما فكرتي فتقول : (( ليس هناك سوى دين واحد مُجرد مُطلق تعددت مظاهره و ظلَ مجرداً ، و تشعبت سُبُله ، و لكن مثلما تتفرع الأصابع من الكفَ الواحدة )) . و تقول فكرتكم : (( الكافر ، المشرك ، الدهري ، الخارجي ، الزنديق )) . أما فكرتي فتقول : (( الحائر ، التائه ، الضعيف ، الضرير ، اليتيم بعقله وروحه )) . و تقول فكرتكم : (( الغني ، الفقير ، الواهب ، المُستعطي )) . أما فكرتي فتقول : (( كُلنا فقير ولا غني سوى الحياة ، كلَُنا مستعطٍ ولا واهب إلا الحياة )) .
لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
تدعي فِكرتُكُم أن الأمم بالسياسة والأحزاب و المُؤثرات و التقارير و المُعاهدات . أما فكرتي فَتُحَتم أن الأمم بالعمل ، العمل في الحقل و في الكرم ، العمل أمام النول و في المصبغة ، العمل في المَقلع و في الغاب ، العمل في المكتب و في المطبعة . و ترى فكرتكم القوة الغالبة بالفيالق و المدافع و المُدرعات و الغواصات والطيارات و الغازات السامة . أما فكرتي فتجزم أنَ لا قوة إلا بالحق ، و لا عزم إلا للحقيقة ، و مهما طال عهد المنتصرين بالقوة العضلية و الآلية فهم المغلوبون في النهاية . و تفصل فكرتكم بين العملي و الخيالي ، و بين و تحسب فكرتكم أن أمجاد الشعوب بأبطالها الفاتحين فتترنم بذكر نمرود ، و نبوخذ نَصر ، ورَعمسيس ، و الإسكندر ، و قيصر ، وهَنيبال ، ونابليون . أما فكرتي فتقرر أن الأبطال هم كنفشيوس ، و ليوتسي ، و أفلاطون ، و علي بن أبي طالب ، و الغزالي ، و جلال الدين الرومي ، و كوبرنيكوس ، و باستور . الصوفي و المادي . أما فكرتي فتعلم أن للحياة وحدانية ذات أوزان و قياسات و جداول لا تنطبق على أوزانكم و قياساتكم و جداولكم . فرب من تعدونه خيالياً كان من العمليين ، و رب من تحسبونه مادياً كان من الواهمين الموهمين .
لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي ..
لكم فكرتكم فاتبعوها مُتنقلة بين الخرائب و متاحف المُحنطات و المُحَجرات ، ولي فكرتي و أنا أرقبها مُرفرفة بين الضباب و السديم . لكم فكرتكم فمجدوها جالسة على عرشٍ من الجماجم ، ولي فكرتي و أنا أتأملها هائمة في الأودية البعيدة المجهولة . لكم فكرتكم فاثنوا عليها مُزمرة و افرحوا بنفوسكم راقصين ، ولي فكرتي . و فكرتي تُؤثِرُ حشرجة النزعِ على تزميركم ، و السجون على مراقصكم . لكم فكرتكم و هي فكرة جميع المستأنسين المتآلفين المُرتاحين ، و لي فكرتي و هي فكرة كلُ ضائع في مسقط رأسه ، وكل غريب في أمته ، و كل مستوحش بين أهله و خلانه .
لكُم فِكرتُكُم ولي فِكرتي . "