رجال أعمال أم صُنّاع أموال؟
دخلتُ إلى ذلك المبنى العريق المزينِ بأفخر أنواع الديكور والإضاءات الأسطورية الزرقاء من الخارج مع بعض الرفاق وكأننا ندخل جنة على أرض الدنيا, رحبَ بنا الحراس مع بعض الابتسامات الغريبة التي لم أعهد مثلها في حياتي ولا أستطيع أن افسر معناها, فليست ابتسامة ترحيب ولا سخرية ولا حب ولا حتى احترام أو مجاملة!
تلفتنا يمنة ويسرة, وإذا بنا نرى أفخر أنواع المأكولات والمشروبات المحضرة للزوار, وكل صنف أغلى من الصنف الآخر بأضعاف مضاعفة, أي إننا لو جمعنا كل ما لدينا فلن نحظى إلا بفطيرة أو فطيرتين أمام هذه الأصناف الرغيدة التي لم يسبق لنا أن تذوقناها أو حتى رأيناها!
كنا قد خططنا مسبقاً لدخول المحاضرة كزيارة ميدانية في هذا المبنى بناءً على طلب من الجامعة لمعرفة أوضاع سوق العمل والتخالط مع الموظفين والعملاء ورجال الأعمال وما أدراك ما رجال الأعمال؟!
سجلنا أسماءنا لدخول المحاضرة, وكان المسؤولون في قمة الطيب والأخلاق وفي قمة الفخر والاعتزاز حتى أنهى تسجيلنا وانتهى بجملة لطيفة قالها وهو يهز رأسه احتراماً " شكراً على تسجيلكم "
بحثنا عن القاعة في ذلك المبنى الضخم وصعدنا جميع الأدوار علنا نجد مرتع تلك القاعة إلا أننا لم نجدها فانتبه لنا أحد رجال الأمن قائلاً بصوت يملؤه الحيرة والغضب: " أين تقصدون"
فأجبنا: " قاعة المحاضرات! "
فقال لنا وهو يشتعل غيظاً: " إنها في الدور الأول! "
فحملنا ذنباً لم نرتكبه وأشعَرَنا بغباء لم نكنِ السبب فيه؛ إنما كان السبب في كوننا أغراباً فقط على مثل هذه الصروح العظيمة, أو المتاهية!
وكنا نركب ونصعد, ونرى رجال الأعمال على عدة أصناف؛ فالبعض يبتسم في وجهك عند الذهاب وعند الإياب, والآخر لا يكلفُ بؤبؤ عينِه عناء النظر أبداً؛ فلا يرى أمامه إلا وجهته, وهناك مجموعة همها الضحك والمرح على كل شاردة وواردة, والبعض ينظرُ إليك بعيون عميقة لا تكاد تفهم مقصدها إلا إذا تحدثتَ إليه, ومنهم من يجلس وحيداً مشَبِّكاً يديه ويفكر بعمق شديد؛ حتى لا تكاد تكلمه إلا ويفزع منكَ خائفاً بسبب العمق الشديد في التفكير.
هم يمشون, وتَحُفهمُ الأموال , هم يمشون, وتًحُفهم السلطة والكبرياء, هم يمشون وتحفهم العزة والاطمئنان, هم يمشون, ولا يدرون, ويقولون وهم لا يعلمون " أئنّا إلى المال أم المال إلينا ؟! "
الأرباح والجوائز متتالية, والمشاريع متضاربة, والأسواق لن تنتهي إلا بانتهاء العمر, أو الثروة!
دخلنا إلى القاعة, فإذا بأحد مدراء إحدى الشركات يتكلم, وكأن المال يخرج مع كل حرف يخرج من فمه, وكأنه أخذ حماماً دافئاً مع نقوده قبل أن يحضر إلى القاعة, نسبة الرضى والقناعة والشبع في كلامه كبيرة جداً, ولكن نسبة الطمع فيه أكبر وأكبر, لقد كان يسعى إلى نجاح أكبر, ومع كل هذه النجاحات الجبارة؛ فإنه يسعى إلى نجاحات مضاعفة, وكأنه رسم خطة جديدة لهذا النجاح وهو متأكد من نجاحه على حسب قوله " 150 % "
بدأنا بكتابة الملاحظات, إلا أن أشياء أخرى شدتني غير تسجيل الملاحظات, وتلك الأشياء هي, لغة الجسد لرجال الأعمال وهم جالسون يستمعون إلى ذلك المدير.
بدأت بالنظر إلى الجمهور الحاضر, فوجدتهم أكثر شبعاً من المدير نفسه؛ فهم أيضاً مدراء لشركات كبيرة عندنا وكل يحاول أن يفهم ويثقف نفسه ويستفيد من تجارب الآخرين علها تناسب مطالبه واحتياجاته!
فرجل كان جالساً وواضعاً كل إصبع في يديه اليمنى مع المقابل له في يده اليسرى, وبقي على هذه الوضعية طوال فترة المحاضرة, وأخر كان يضع يده على خده وهو يائس تماماً ورأسه مرتخٍ نحو الأمام وكأنه على وشك النوم, وآخر كان يضحك على أمور لم أفهمها, وآخرون كانوا يتحدثون أثناء المحاضرة, ورأيت رجلاً, كان جالساً مسنداً ظهره إلى الكرسي, وما أن تُذكر نقطة تهمه إلا وقد تقدم جسدهُ إلى الأمام كثيراً فما يلبث حتى يعود إلى الوضعية القديمة والتي تدل على نفوره من الاستماع!
شعرت بأنني لو آخذ بمقدار 0.0000000001 من كل رجل هناك؛ فإنني سأسصبح مثلهم, عبد مالٍ وعبد دنيا, أيُّ رجلٍِ ذاك الذي يسخر كل وقته وجهده من أجل الإنتاج والعمل وصنع المال والثروة من دون الاكتراث إلى الأمور الأخرى والتي هي أكثر أهمية من المال!
ما فائدة الأموال إن كان لرجل لا يرى زوجته أو أولاده إلا نادراً فهو يعمل في اليوم 17 ساعة؛ فما بقي من اليوم إلا النوم!
كثير من المطلقين بهذا السبب التافه والحقير والذي يقتل المجتمع والعلاقات الأسرية والاجتماعية بل إن نسبة 80% من المطلقين في أمريكا يطلقون بهذا السبب؛ فالرجل يتزوج العمل كضرة على الأولى, ولا يعطي الأولى أي اكتراث مما يؤدي إلى الانفصال!
انتهت المحاضرة وأنا في قمة الذهول والاندهاش من هذا الكم الكبير من رجال الأعمال, ولم أكن أتصور أن أجتمع بهذا العدد الهائل منهم أو أن أكلمهم أو أسلم عليهم, حتى إن بعضهم يرد عليكَ السلام من دون أن تسلم؛ لأنه اعتاد على أسلوب المجاملة والترحيب في هذا المجال؛ ولكن الله أعلم بالنفوس!
وما أن انتهت المحاضرة إلا وقد أقبل الرجال على ذلك المدير ينهالون عليه بالأسئلة والنقاشات حتى أنساهمُ الشيطان ذكر ربهم وسهوا عن الصلاة, وقد ذهبت مع رفقتي لأداء الصلاة وانتهينا منها وعدنا إلى القاعة ولازالوا يتحدثون ويناقشون وكأن لم يسمعوا أذاناً, أو نداءً.
لا أظن - حتماً - أن هذه النقاشات هي أهم من الصلاة مهما كانت الأسباب فالدينُ يأتي أولاً في كل شيء وهذا ما هو - مفروض - في الدول الإسلامية ولكن لكل حادث حديث " ولكل رجل أعمال رأس مال " لكن " لكل رجل دين رأس علم "
كما أنني لا أظن أن أحداً من أولئك الرجال قد جرب الفقر, لأنهم حائرون في عمل المشاريع, أي أن لديهم رؤوس أموال طائلة, لكنهم حائرون في إدارتها لقلة خبرتهم وقصورهم إما في التعليم أو الخبرة, أو القيادة.
ولو كانوا جربوه, لما احتاروا, لأنه لا يقدر قيمة الفلس إلى الفقير, ولا يعرف طعم التمرة إلى الفقير, ولا يقدر معنى المال إلا الفقير, إذا استثنينا رجال العلم والمطلعين.
فرجال أعمال أم صُنّاع أموال؟!
حقاً لا أعلم ..!
.
.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,
اعذروني حقاً على هذا الأسلوب العشوائي في الكتابة, ولكن ما كان بيدي إلا تفريغ بعض من هذه الأفكار التي كان لا بد لها أن تكتب, ومن ثم, كان لابد لها أن تقرأ, ومن ثم, كان لابد لها أن تفهم, وبصراحة تامة, مع كل نقطة من هذا الموضوع تراودني أفكار أكبر ولكني لا أريد أن أخرج عن إطار الموضوع وآمل أن أكون قد نجحت في ذلك فالموضوع ليس بالسهولة التي يبدو عليها, وقد لا يُفهم المضمون جيداً إلا من أولئك الذين شاركوني التجربة أو عاشوا تجربة مثلها أو على أقل تقدير, تأملوا في الموضوع جيداً!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ^__^