| '' قـراءة '' فـي مـشهد [ الثقـافـة ] |
http://www.mexat.com/vb/attachment.p...1&d=1252808254
نص الموضوع ( نص مسترسل ) :
دائماً يعد مفهوم الثقافة من المفاهيم الغامضة التي لا تحتمل تأويلاً واحداً قطعياً ، باعتبار مصطلح ( ثقافة ) مصطلحاً حديثاً لا نجد له أصولاً في تاريخ اللغة العربية ، كثير من المفكرين والفلاسفة أصدروا تعريفات متعددة لهذا المفهوم لكن مع ذلك يظل معنى الثقافة واحداً عند العوام وعامة الشعب ، وإن كان مفهومها موضوع بحث متشعب عند طلاب الأدب والفلسفة .. فهل الثقافة تعني العلم ؟ المعرفة ؟ كثرة المعلومات العامة ؟ وهل تتحقق بالإغراق في قراءة الكتب والمقالات وسماع البرامج والمحاضرات ؟
* * *
لست متخصصاً في هذا الموضوع بل لا أكاد أعرف شيئاً عن تفاصيله ، لكن أقرب تعريف سمعته واقتنعت به هو أن الثقافة هي ما يبقى في العقل بعد نسيان كل شيء ، نحن ندرس مواد كثيرة منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية ، لكن الطالب المتخرج لن يتذكر كل كتاب قرأته طيلة فترة تعليمه وبتفاصيله الدقيقة ، أي أن الطالب المتخرج من الجامعة يكون قد نسي تماماً النصوص التي درسها وحفظها واستعد بها لإجراء الامتحانات ، لكن عند المقارنة بينه وبين شخص لم يدرس شيئاً في حياته سيبدو الفرق واضحاً بين الطالب الجامعي والطالب المتخرج من المرحلة الإعدادية مثلاً ..
هذا ما يسمى بالتكوين المعرفي ، وهو تكوين متدرج وغير مباشر لشخصية الإنسان عبر المناهج الأكاديمية التي درسها طوال فترة تعليمه ، وتختلف جودة التكوين المعرفي بين شخص وآخر باختلاف نسبة التخلص من أنواع الأمية الثلاثة .. فهناك أمية هجائية يسهل التخلص منها في المرحلة الابتدائية عبر تعلم الحروف اللغوية والقراءة والكتابة ، وهناك النوع الثاني من الأمية وهو الأمية المعرفية ، ويتم التخلص منها عبر القراءة المتنوعة واكتساب قدر لا بأس به من المعلومات سواء في مجال التخصص أو في المعلومات العامة ، أما النوع الثالث فهو الأمية المنهجية ، ومعناه أن ليس كل شخص يعرف القراءة والكتابة وله رصيد من المعلومات في رأسه سواء أكان تحصيلها أكاديمياً أو حراً ، قادر على أن يضع بنفسه بحثاً في موضوع ما بحيث يحترم فيه أسس ومبادئ المنهج العلمي في البحث والتنظيم وبالتالي إنتاج موضوع مستقل مرتب الأفكار يستحق القراءة ويقبل النقد الخارجي ..
لمحاربة هذا النوع من الأمية كان من الواجب على الطالب أن يدرس علم مناهج البحث وهو العلم الذي يؤطر مجال التخصص من حيث الأدوات والطرق اللازمة للخوض فيه ودراسته ، وكذلك علم الابستمولوجيا أو فلسفة العلوم وهو العلم الذي يعني بمعرفة الأصول الأولى للعلم وكيف تم تكوينه من الأساس وهل ما تتم دراسته أو التخصص فيه يتوفر على شروط [ العلمية ] و [ الموضوعية ] التي تجعل منه [ علماً ] قابلاً للتدريس الأكاديمي أم لا .. ( كلمة '' ابستمولوجيا '' تترجم عربياً بـ '' علم العلم '' أو '' علم المعرفة '' ).
* * *
تجاوزاً لكل هذه المفاهيم الأكاديمية ، تبقى الثقافة مفهوماً مسلماً به عند عامة الناس وإن كان معظمهم وحتى بعض المثقفين منهم مع الأسف يفتقرون للمنهج السليم في البحث عن مراجع الثقافة وطريقة تقبل المعلومات الواردة والتي أصبحت سيلاً جارفاً في الآونة الأخيرة بفضل ثورة الإعلاميات والتواصل .. وبرأيي أن مشكل الثقافة في مجتمعنا المعيش يتجلى في ثلاثة مستويات عند ثلاث فئات اجتماعية وهي كالآتي :
- المستوى الأول ، عند غير المتعلمين أو الذين لم يتجاوزوا سوى الأمية الهجائية : عند هؤلاء نجد أن مشكلة الثقافة لديهم تتجلى في مصادر اكتساب هذه الثقافة والتشدد في التعصب لها أحياناً سواء بتأييد بعض المفاهيم أو رفض بعضها ، ولو بحثت ستجد أن لا أساس لمواقفهم سوى أنهم ألفوا آباءهم على تلك المواقف أو وجدوها كذلك منذ فُتحت أعينهم على المجتمع المحيط بهم ، ولهذا نجد أن شريحة كبيرة من العوام غير المكونين معرفياً تستمد قناعاتها فقط من المخلفات الفكرية والفضلات المعرفية الموجودة في البيت والشارع وقد يقود التعصب بعضهم إلى عدم قبول أية فكرة جديدة مهما تحلت بالمنطقية وحجة الإقناع ، بل قد يرى بعضهم أن الدارسين والمثقفين هم أشخاص قضوا أعمارهم وسط الجامعات والكتب ولم يدخلوا في معترك الحياة ولذا فإن معلوماتهم وأفكارهم هي مجرد عبث لا فائدة منه .. مع الأسف وجود مشكل كهذا وعند شريحة كبيرة من المجتمع هو دليل على قلة الوعي وغلبة الخضوع للمسلّمات البديهية الموجودة في المجتمع أو القادمة من الماضي دون تكلف عناء البحث عن مدى صحة تلك الأفكار وعلميّتها ..
- المستوى الثاني ، عند السائرين في طريق التعلم أو الذين هم في صدد محاربة الأمية المعرفية : كثير من هؤلاء يظهرون بمظهر المثقفين وذلك بسبب امتلاء رؤوسهم بالمعلومات العامة التي أتت من مطالعة الكتب أو مشاهدة البرامج الوثائقية ، ويتفاوت تكوينهم المعرفي بتفاوت نسبة اطلاعهم على المراجع العلمية وهذا أمر حسن وجيد جداً أن يتعطش الشباب لتحصيل المعرفة والثقافة العامة لكن الإشكالية هنا تتمثل في أمور عديدة أذكر منها :
- عدم الاعتماد على منهج علمي معتمد في التحصيل ، إذا اعتبرنا أن طريق التكوين العصامي هي أصعب من التكوين الأكاديمي بكثير ، لأن إدراك الأساليب المنهجية في البحث واستيعابها والعمل بها هو أمر في غاية الصعوبة حتى على الجامعيين فما بالك بالعصامي الذي يسعى لتكوين نفسه بنفسه ، ولهذا نجد أن الثقافة الناتجة عن قراءة معلومات متفرقة من هنا وهناك هي ثقافة ناقصة بحيث أن المعلومات المجردة والمتدفقة عبر وسائل الإعلام هي معلومات تفتقر إلى الاستناد على أساس مرجعي وتفتقر إلى المسار الذي يقودها لتحصيل نتيجة ما ، كما أنها قد تخلو من المصداقية أيضاً ولذا فإن أسلوب البحث الحر عن معلومات ثقافية عامة قد لا يمنحك تكويناً معرفياً متكاملاً ..
- سوء تقدير قيمة المعلومات المحصل عليها ، وذلك لأنها معلومات مجردة قد تكون مجهولة المصدر وقد يكون المطلع على جهل بقيمة المصدر وأهميته التاريخية وقيمته الفكرية ، ويتجلى هذا كمثال في تعامل بعض هؤلاء المثقفين البسطاء مع مواضيع خلافية اختلف فيها كبار الفلاسفة والعلماء في مجال معين ، فنجد أن القارئ البسيط يتسرع في إصدار الأحكام والتحيز لفئة معينة بل ومهاجمة الفئات المخالفة لها مستجيباً بذلك لتهييج عاطفي يكون قد تعرض له من طرف أحد التوجهات دون حتى أن تكون له قراءة شاملة وموضوعية لكل التوجهات المتناقضة ، لذا وقبل أن يخوض المرء في مواضيع الخلاف ويبدي تحيزه إلى فئة ما ودفاعه عنها يجب أن يبدأ أولاً بالاطلاع الواسع على كل الإشكالات الخلافية بين الأفكار وأسبابها وأهدافها حتى تتكون له نظرة واضحة عن الوضع ، فيسهل عليه إذ ذاك اعتناق المذهب الذي يراه مناسباً بحسب ما اقتنع به وسيكون بذلك قادراً على المناقشة والإقناع لأنه سيكون قد اطلع على أفكار الغير وعرف كيف ينقدها وينقضها بالعقل والمنطق بعيداً عن الاستثارة العاطفية التي تدل في كثير من الأحيان على الخواء الفكري ..
- عدم التدرج المنهجي في التحصيل المعرفي ، وهذا أيضاً من أسباب انعدام المنهجية السليمة في التحصيل والتي تمنح الطالب تدرجاً مناسباً يبدأ به من أصول العلم منتقلاً به شيئاً فشيئاً إلى الفروع وهذا نحو إحاطة شاملة بمجال التخصص تحيل الطالب انتهاءً إلى إبداع شيء جديد فيه وهذا شأن طلبة الماجستير والدكتوراه ، إنعدام هذه المنهجية عند بعض القراء الأحرار يجعلهم غير قادرين على تمييز الكتاب الذي يقرؤونه هل تنبغي قراءته أولاً أم أن هناك كتباً أخرى تجب قراءتها قبلاً حتى يمكن فهم الكتاب الأكثر تقدماً وتعقيداً ، إنعدام هذا التدرج قد يصيب بعض الطلاب بالإحباط الشديد واليأس لعدم قدرتهم على فهم ما يقرؤونه وافتقارهم إلى الأسس الأولى التي لا يصح أن يتعمق أحدنا في علم ما إلا إذا تمكن منها ، فلا يمكن مثلاً بناء سقف البيت قبل جدرانه ولا يمكن بناء الجدران دون أساس متين ..
وكمثال بسيط على هذه الإشكالية نجد مثلاً شاباً حديث الإقبال على التدين بعد أن كان على غفلة ، نجده عوض أن يبدأ بالتعرف على عقيدته أولاً ثم يتعرف على بعض الأحكام الفقهية البسيطة ، ينتقل مباشرة للخوض في حديث حول الملكوت أو الذات الإلهية أو الاستواء على العرش ويبحث ويناقش في مواضيع فلسفية تجادل فيها كبار العلماء ومازالت تشكل بالنسبة لهم محلات نقاش وخلاف ، عواقب مثل هذا الخوض قد تكون وخيمة لذا وجب التنبيه على أهمية التدرج السليم في تحصيل العلم حتى يكون البناء الثقافي للقارئ الحر بناءً سليماً ..
يــتبع