بسـمـ الـلـه الـــرحمـــنـ الرحــــيمـ
هل الشجاعة تعني أن يقذف الإنسان بنفسه على المكاره فقط ؟
إذ أن الشجاعة إن كانت تعني هذا المعنى فأن يقذف الإنسان نفسه في الذنوب وهي المكاره ستؤدي به إلى نهاية وخيمة ، هل تسمى هذه شجاعة ؟
لا طبعاً ،
إذاً الشجاعة محفوفة بأطر سليمة من ناحية لا هي من الجبن ولا هي من التهور ، فلنتوقف عند الشجاعة في ميادينها لنستخلص فحوى معناها الاصطلاحي .
الإنسان حينما أودع فيه الشهوات جعله كائناً متحركاً في حركة ، هذه الحركة واسعة جداً يمكن أن نعبر عنها بمئة وثمانين درجة ، لكن الطريق الموصل إلى سلامته وسعادته يجب أن يبقى في درجات محددة ولتكن مئة درجة ...
فالشجاعة أن توقع الحركة وفق منهج الله ،
أنا حينما ألقي بنفسي إلى التهلكة أكون خالفت منهج الله ، وحينما أضن بنفسي عن أية مخاطرة أكون قد خالفت منهج الله ، أما حينما يرتسم في ذهني هدف نبيل واضح يرضى الله عنه وهو إذا وصلته سبب سعادتي ورقيي ؛ هذا الهدف ينبغي أن أسعى إليه مع كلفة باهظة ،
هذه الشجاعة أن أضحي بالغالي من أجل الأغلى ، أن أضحي بالدنيا من أجل الآخرة ، أن أضحي بحياتي من أجل ديني ،
دائماً عندنا أولويات ، المؤمن تقع في حياة المؤمن اولويات هذا الدين العظيم ، لذلك الشجاعة كما قيل الإقدام على المكاره :
﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾
هذا الذي يقبع وراء طاولة الدراسة ، ويدرس سنوات طويلة بجهد جهيد ، لا ينام الليل ، يتابع الدروس ، يحضر المحاضرات ، يؤدي الوظائف ، يتفوق ، ينجح ، بعد مرحلة ما يغدو في مرتبة عالية ، وله دخل كبير ، عندئذ يقطف ثمار تعبه الطويل.
يوجد بالحياة الدنيا كمبدأ لافوا زيه مصونية المادة يعني أي جهد تبذله في البداية تحصله في النهاية ، وأي جهد تضن به في البداية تدفع ثمنه باهظاً في النهاية ، الشجاعة حركة لكن الحركة ينبغي أن يكون لها هدف واضح ، هدف نبيل ، هدف مشروع ، هدف سمح الله به ،
أنا حينما أضحي ببعض ما أملك من أجل هذا الهدف أكون شجاعاً ، أما الذي يقترف المعاصي والآثام لا يعدّ شجاعاً مع أنه يقتحم إلى المهالك ، الذي يسرق المال و يضحي بحياته لا يسمى شجاعاً ، لا بد من هدف نبيل ، ولا بد من سبل نبيلة لتحقيق هذا الهدف ، لذلك الشجاعة إقدام على المهالك والمكاره والمتاعب من أجل هدف نبيل .
كان من الممكن أن يكون الطرف الآخر في كوكب آخر ، لاسترحنا وأرحنا ، وقد كان من الممكن أن يكونوا في قارة أخرى ، وكان من الممكن أن يكونوا في حقبة أخرى ، في قرن معين يأتي المؤمنون ، في قرن آخر يأتي غير المؤمنين ، لا في حروب ولا منازعات ولا اجتياح ولا حروب أهلية ولا مآسي التي تئن منها البشرية ، ولكن شاءت حكمة الله أن نجتمع معاً في كل زمان ومكان ، وفي بلاد متقاربة !!!
لماذا ؟
قال بعض العلماء :
لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي ، ولأن أهل الحق لا يستحقون جنة عرضها السموات والأرض إلا ببذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس ، وكان من الممكن أن ينتصر الله من أعداء دينه ، ولكن شاءت حكمته أن يجعل النصر على أيدينا فلذلك لا بد من الشجاعة .
الحياة مركبة تركيباً عجيباً ، مركبة تركيباً امتحانياً :
﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ .
( سورة المؤمنون ) .
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
( سورة العنكبوت ) .
مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن نصل إلى شيء ثمين من دون امتحان .
{ بعض مظاهر الشجاعة }
حينما يصدق الانسان سواء في كلامه , عمله , مشاعره ,رأيه ... هو شجاع .
عندما يعترف بخطأه تقوى لله يعتبر شجاعا ...
عند انحيازه للأقلية أحيانا , يعتبر شجاعا ..
الوقوف في وجه التيار الفاسد , والسير عكس التيار يعتبر شجاعة .
من الشجاعة أن يقف المرء في وجه انحراف البيئة ، وأن يخطط لتغيير البيئة ...
الثبات على المبدأ من الشجاعة
المواقف الجريئة من الشجاعة
الإدلاء بالرأي من الشجاعة
الشجاعة واسعة جداً ، الشجاعة صفة الأبطال ، صفة رواد المجتمعات ، صفة الذين يغيرون مجتمعاتهم من حال إلى حال ،
نسأل الله أن نكون من الشجعان ، وحينما ينتفي الكذب والنفاق في مجتمع يكون في حال غير الحال الذي نئن منه ،
نحن حينما نكون صادقين مع أنفسنا ومع الله نكون شجعاناً ، وحينما نؤمن بالآخرة إيماناً يقينياً نكون شجعاناً ، وحينما نعيش لمبدأ كبير نكون شجعاناً .
فهـل أنت من الشجعان ؟!!
