أعمال أدبية كثيرة تطرقت لتاريخ اليهود و سعت لرسم صورة الشخصية اليهودية و إبراز معالمها ، و لكن أبدع هذه الأعمال بلا شك قصة تاجر البندقية التي رسم فيها الأديب العالمي ( وليم شيكسبير ) صورة اليهودي من خلال المرابي ( شايلوك ) ... و رغم اتهام اليهود للأديب العالمي بمعاداة السامية إلا أن صورة ( شايلوك ) ظلت هي الأقرب لشخصية اليهودي على مر التاريخ و حتى اليوم ...
و من يتابع ما يجري على الساحة السياسية في الشرق الأوسط هذه الأيام يجد تجسيداً حياً للشخصية اليهودية في تعامل " اسرائيل " مع العرب عموماً و مع الفلسطينيين على وجه الخصوص . صحيح ان العلاقة هنا ليست علاقة ربوية و لكنها تجسيد لأبشع معاني الجشع و الطمع و الابتزاز للحصول على كل شيء دون أي مقابل !
و منذ أن رفض العرب قبول قرار تقسيم فلسطين عام 1947 و " إسرائيل " تنتهج نفس السياسة الخبيثة التي تتمثل في عرض صفقة تدرك مسبقاً أنها مرفوضة من جانب العرب أو الفلسطينيين تحديداً ، و ما أن يقبلوها بعد فترة حتى تكون هي قد تخلت عنها لتعرض صفقة أقل .. و هكذا .. لتكون النتيجة في نهاية المطاف عدم حصول الطرف الآخر على أي شيء ، مقابل فوز " إسرائيل " بكل ما تريد من اعتراف دولي و توسيع علاقات دبلوماسية مع دول العالم و كسب مزيد من التعاطف ... و أخيراً و هو الأهم شراء الوقت لتوسيع الاستيطان و التهام ما تبقى من أراضي " فلسطين " التاريخية و فرض أمر واقع ليس أمام العرب من خيار سوى التسليم به و قبوله !
و يأتي في إطار هذه السياسة الخبيثة ، ما يتردد مؤخراً بشأن سعي " إسرائيل " لإحياء خيار < لبنان أولاً > بمعنى التركيز على إحياء المفاوضات على المسار الللبناني بهدف توقيع اتفاق سلام مع " لبنان " أولاً . و قد ظهر هذا التركيز من خلال الدبلوماسية المكوكية التي يقوم بها مسئولون أمريكيون في المنطقة ، و التي جعلوا من " لبنان " نقطة ارتكاز رئيسية فيها .
و يبدو أن " إسرائيل " تحاول العودة إلي سياسة قديمة تبنتها منذ مؤتمر " مدريد للسلام عام 1991 ، و هي سياسة اللعب على المسارات للضغط على كل الأطراف العربية في نفس الوقت ، بهدف تحقيق مكاسب سياسية في كل مسار على حساب الآخر .. و في ظل تعثر المفاوضات على المسارين الفلسطيني و السوري سعت حكومة المتطرفين في " تل أبيب " لنفس الحيل و الآلآعيب القديمة فأبدت رغبتها في إحياء المسار اللبناني .. و هو ما سارع الساسة اللبنانيون إلي نفيه و التأكيد على حقيقة مهمة مفادها . أن " لبنان " لم يغير موقفه و يسير منفرداً بعيداً عن باقي المسارات العربية منذ مؤتمر " مدريد " و حتى اليوم ، و أن موقف " لبنان " هو نفس موقف العرب الذي تضمنته المبادرة العربية للسلام في قمة " بيروت " عام 2002 ... و الذي يعرض على " إسرائيل " الانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة مقابل التطبيع الكامل للعلاقات.
و لكن يبدو أن " إسرائيل " قد تجاوزت منذ فترة هذه الصفقة ، و بدأت تطرح صفقات أخرى أقل ما توصف به أنها مهينة ... آخر هذه الصفقات ما عرف باسم << التطبيع مقابل وقف الاستيطان >> ... و للأسف هذا ما يروج له المسئولون الأمريكيون الذين ترددوا على المنطقة مؤخراً تحت شعار << تقديم لفتات >> لإسرائيل لتشجيعها على السير على طريق السلام !!!
و قد أحسنت القوى العربية الكبرى مثل " مصر " و " السعودية " التي سارعت برفض هذه المطالب أو << اللفتات >> و التأكيد على ضرورة العودة إلي القرارات الشريعة الدولية باعتبار الاستيطان عملاً غير مشروع أصلاً لا يتعين وقفف بل إزالة كل اثاره و تعويض أصحاب الأرض عن هذه الآثار .
و ربما لا يعرف الكثيرون أن " إسرائيل " عندما تطرح صفقة التطبيع مقابل وقف الاستيطان ... فإنها تعني وقف بناء مستوطنات جديدة مع السماح باستمرار البناء داخل المستوطنات القائمة بالفعل . أنها نفس السياسة التي انتهجتها " إسرائيل " على مدى عقود و التي اتاحت لها تحقيق الكثير من المكاسب دون تقديم شيء ....
و لكن يخطىء قادة اليمين المتطرف في " تل أبيب " إذا اعتقدوا أن مثل هذه السياسات يمكن أن تنجح إلي ما لا نهاية و أن بوسعهم الاحتفاظ بالمستوطنات و تحقيق السلام و الأمن في نفس الوقت ، و يخطىء قادة الطرف الآخر أيضا إذا لم يتعلموا من دروس التاريخ و يكفوا عن تقديم تنازلات و الجري وراء سراب خادع دون مقابل .
الفرعون العاشق
Squall Leonhart
