قلبي صفحة بيضاء ! ولن أسمح لكم بأن تشوهوها !( قصة قصيرة من تأليفي )
[IMG]http://up109.******.com/s/ydflc8ocen.jpg[/IMG]
بسم الله الرحمن الرحيم
استفزني منظر القتلى وعددهم ...
استفزتني رائحة الدماء والبارود ...
واستفز الأمر مشاعر قلمي ...
فكتبت لكم هذه القصة القصيرة ...
[IMG]http://up109.******.com/s/ydflc8ocen.jpg[/IMG]
قلبي صفحة بيضاء ! ولن أسمح لكم بأن تشوهوها !!.....( قصة قصيرة )
.
.
.
ركضت تلك الفتاة - ذات السبعة أعوام- نحو أخيها -البالغ من العمر سبعة عشر عاما- ...
اقتربت منه وهي تحمل بيدها اليمنى قلما ... وبيدها الأخرى ورقة بيضاء ...
ضحكت ببراءة وقالت : أرسم معي يا علاء !!
نظر علاء صوب أخته الصغرى " وفاء " ... وابتسم بلطف وهو يقول:حسنا ... سأرسم معك ولكن بعد أن أنهي دراستي للامتحان...
عبست وفاء بضيق ... وقالت:ولكني أريد أن أرسم الآن يا علاء !!!... هيا ... أرجوك !!
أجابها علاء بنبرة متفهمة هادئة: ولكن صغيرتي ... هذه هي السنة الأخيرة لي بالثانوية ... يجب أن أنجح في امتحاناتي ...
وفاء:ولكنك ذكي وتنجح دوما !!
حملها علاء ووضعها فوق الكرسي القريب منه .. ثم قال: وفاء ... ألم تقولي بأنك تتمنين رؤيتي طبيبا ؟!؟
وفاء : بلى ....
ثم أضافت بمرح وبأمل : ليس فقط أن تصبح طبيبا ... بل أن تصبح أفضل طبيب في العالم ... حتى تشفي المرضى ... وحتى تعيد البسمة للأطفال الحلوين !!
ابتسم علاء على براءة أخته وقال:إذن أنت تريدينني أن أستمر في تحقيق حلمي ...صحيح ؟!؟
أومأت له وفاء بالإيجاب .. فأكمل كلامه:إذن ... يجب أن أحرص على أن أتفوق بكافة امتحاناتي حتى أصبح طبيبا .... وإن لم أدرس الآن على الامتحان ... فأنا لن أنجح ... وعندها .... لن أستطيع أن أكون طبيبا !!
وفاء:آها !! ... الآن فهمت ...
نزلت عن الكرسي وقالت : إذن ... عندما تنهي دراستك ... تعال لترسم معي ...
ثم أضافت بحزم مصطنع : ادرس جيدا ... وإن لم تنجح فسأعاقبك !!
ضحك علاء بلطف ... فقالت هي مكملة اصطناع حديثها:لا تضحك !! ....
وقف علاء بانتصاب كما لو أنه جندي .. وقال برسمية مصطنعة : حاضر سيدي !!
انفجرت وفاء ضحكا عليه وقالت: أنت مضحك جدا !! ...
ضحك هو الآخر .. وسرعان ما أمسكها وحملها رافعا إياها نحو الأعلى - كما تحب - ....
ثم دار حول نفسه بسعادة ...بينما استمرت وفاء بالضحك - بسعادة أيضا !! -
ظل يلاعبها هكذا لبضعة دقائق ...
ثم توقف عن ذلك ... وطلب منها أن تغادر الغرفة حتى يستأنف دراسته ...
فوافقت على طلبه ...
وأوشكت على أن تخرج من الغرفة إلا أنه قال كمن تذكر شيئا: وفاء ؟!؟
التفتت إليه الصغيرة بمرح وقالت: نعم ؟!؟
سألها بجدية: ما الذي كنت تريدين رسمه ؟!؟ ...
أجابته ببراءة:أردت أن أرسم القدس ... وفوقها حمامة ... وبجانبها ولد صغير يحمل حجرا !!
يبدو أن الأمر قد شدّ علاء .... فهو لم يعتد أخته تتحدث عن القدس ... وعن حمامة .. وعن ولد صغير وحجر !!
اقترب منها ... وطلب منها الدخول للغرفة ... وأغلق الباب ...
جلس كلاهما على السرير .... وظهرت ملامح الاستغراب على وجه الصغيرة وهي تتساءل بداخلها :" ألم يطلب مني أن أتركه كي يكمل دراسته ؟!؟ "
قطع علاء سلسلة أفكارها ... وبدأ الحديث بقوله : لماذا سترسمين القدس يا وفاء ؟!؟
أجابته بعفوية تامة: لأن القدس حلوة ...
أصاب الاستغراب علاء ... غير أن وفاء أكملت كلامها : أنا أحب القدس ... فهي عاصمة بلادي ... وهي مهمة دينيا ... وصديقتي " علا " تعيش فيها .... لذلك ... أريد أن أرسم القدس ... وأحفظها على ورقتي كي لا تضيع !!
علاء باستغراب:كي لا تضيع ؟!؟
وفاء :أجل !! ... ألا تعلم أن الأشرار يريدون أن يأخذوها منا ؟!؟ ...
علاء:الأشرار ؟!؟
بدأت وفاء تصف بطريقة طفولية الأشرار بنظرها:أولئك الذين يرتدون ملابس مخيفة !! ... ويضعون قطعة حديد دائرية على رؤوسهم تشبه القبعة التي أملكها ولكنها ليست مثلها !!
علاء بشيء من الألم وهو يشد قبضة يده : ملابس مخيفة ؟!؟ ... وقبعة ؟!؟
أكملت وفاء كلامها بشيء من الخوف : إنهم متوحشون !! ... رأيتهم ذات مرة على التلفاز يضربون فتاة صغيرة مثلي !! ... لذلك خفت على نفسي !! ... أنا لا أريد أن يضربوني مثلها !!
احتضنها علاء .. وأحكم قبضته عليها ... بينما أكملت هي كلامها:لا أريد أن يضربوك كما ضربوا أبي ... لا أريد أن يأخذوك مني يا علاء !! ... لا أريد أن يقتلوا أمي كما قتلوا جارتنا " أم حسين " ... لا أريد أن يأخذوا ألعابي ... لا أريدهم أن يهدموا المنزل !!
نظرت إليه بعينين محتقنتين بالدموع وقالت: لا أريدهم أن يأخذوا القدس !! ... القدس لنا يا علاء !! ... القدس لنا وحدنا !
نظر علاء لأخته بعينين دامعتين ... ثم قال بطيبة: لا عليك يا صغيرتي !!!... أنا لن أسمح لهم بأن يأخذوا أي شيء !!
قالت بأمل: حقا ؟!؟ ...
صوب نظرات عميقة نحوها وأجابها : أجل .. سأمنعهم ... ولكن ... حتى لو أحذوا كل ما لدينا ... لا يجب أن نحزن !!
وفاء باستغراب:ماذا تعني ؟!؟
مسح علاء دموعها وقال وهو يحاول الابتسام - مدركا أنها لن تفهم كلامه كونها لا تزال صغيرة - : لا أعني شيئا !! .... عندما تكبرين ستعرفين !!
وفاء:ولكني أريد أن أعرف الآن !!
لم يجبها فقالت:إن كنت ستمنعهم من أخذ ألعابي ... فلماذا لم تمنعهم عندما أخذوا أبي ؟!؟
بماذا يجيبها ؟!؟
بماذا يجيب هذه الطفلة الصغيرة البريئة ؟!؟
بماذا يجيبها وهي لا تعي من أمور الحياة القاسية شيئا ؟!؟
ولكن لا ... هو الآن ... وفي هذه اللحظة تحديدا ... أدرك أنها ليست طفلة !!
نعم ... صغيرته الغالية وفاء ليست طفلة !! ...
فلا يوجد بالعالم كله طفل صغير يعيش في خوف من صراع دائم بينه وبين نفسه ...وبينه وبين الأشرار !!
نظرت وفاء نحو علاء وبدت أكثر إصرار على معرفة المزيد ...
غير أن علاء تجاهلها .. وأخذ القلم من يدها - في وسط دهشتها - ...
تمعن فيه جيدا ... ثم أغمض عينيه بألم وهو يفكر !! ....
ومرت في ذاكرته صور كثيرة ...
كان من بينها صور أطفال صغار يبكون ويعولون ...
أطفال ... ذاقوا طعم المرار !!
أطفال ... ليسوا بأطفال ...
فالدم يملأهم ... ورائحة البارود تخنقهم ...
فهل سيصيب الصغيرة وفاء ما أصابهم ؟!؟
تصارعت الصور في عقله ... كل واحدة منها تريد أن تتدفق إلى عقله السطحي قبل الأخرى ...
ويبدو أن صورة ذاك القلم كانت الصورة الأكثر قوة بينها ...
فها هو يتذكر القلم !! ...
الذي من شأنه أن يعلي الأمم ... ومن شأنه أيضا ... أن يقضي عليها !!
فتح عينيه من جديد ...
وصوب نظره ناحية الورقة ...
أمسكها ... وقال لوفاء: أترين هذه الورقة ؟!؟
أنصتت له باهتمام ... فأكمل كلامه: أنت تشبهين هذه الورقة يا وفاء !
وفاء باستغراب:أنا ؟!؟
علاء:أجل ... تشبهينها كثيرا !!...فكلاكما صغير ... وكلاكما أبيض !!
وفاء ببراءة:لم أفهم !!
علاء بجدية : انظري للورقة ... أهي متسخة ؟!؟
هزت وفاء رأسها نفيا ... فقال مكملا كلامه : هذا صحيح .. هي ليست متسخة ولا تزال بيضاء ... مثل قلبك يا صغيرتي ... لا يزال أبيضا ... لم تلوثه الدماء ولا آثار الدمار ... ولكني ... أخشى في يوم من الأيام أن تتسخ الورقة ... ويتسخ معها قلبك الأبيض !!
وفاء:ولكني لن أسمح لأحد بأن يجعل قلبي متسخا !!
وضعت يدها على موضع قلبها ... وتشبثت بقميصها وهي تقول:قلبي في الداخل .. .ولا أحد يمكنه أن يأخذه !!
علاء:صحيح !! ... ولكن بعض الأشرار .. قد يأخذونه منك !! وسيحرصون على أن يجعلوه قذرا متسخا غير طاهر !! ...سيحرصون على رسم الدماء عليه ... سيحرصون على جعله قاسيا لا يحب أحدا ... سيحرصون على جعله خائنا ... سيحرصون على جعله قلبا بشعا !! ... سيرسمون عليه عَلَمَهُم !! ... سيجعلونه قلبا شريرا مثلهم !!
وفاء:ولكن .. أنا لا أريد أن يصبح قلبي بشعا !! ... لا أريد أن أصبح شريرة مثلهم !!
علاء:أجل... أنا أيضا لا أريدك أن تكوني هكذا!! ... لذلك ... ابدئي أنت بالرسم ... حتى لا يكونوا هم البادئين في ذلك !!
وفاء بسعادة:أتعني أنه يمكنني أن أرسم كل ما أريده ؟!؟ ...
أومأ لها بهدوء ...فأكملت: وهل أستطيع أن أرسم وردة بيضاء ؟!؟ .. هل أستطيع أن أرسم أمي وأبي؟!؟ ...هل أستطيع أن أرسمك ؟!؟ ... هل أستطيع أن أرسم القدس ؟!؟
أجابها بطيبة :أجل .. يمكنك ذلك !!
وفاء:أريد أن أرسمها كلها الآن قبل أن يأخذوا قلبي ويرسموا عليه!!
ثم أضافت بيأس: ولكن .. كيف سأخرج قلبي وأرسم عليه ؟!؟
علاء:أنت لن ترسمي على قلبك يا صغيرتي .. بل سترسمين على الورقة !!
ظهرت علامات الاستيعاب على وجهها فقالت:فهمت !! ... سأرسم على الورقة كل ما أريد أن أبقيه في قلبي !!
علاء:أجل !!
قال كلمته هذه .. وقدم لها القلم والورقة ...
فبدأت الصغيرة " ترسم " قبة الصخرة ... ورسمت طفلا صغيرا ...
وعلى الرغم من أنها لم تكن سوى خطوط بسيطة تعبر عن عدم براعتها بالرسم - كثيرا - إلا أنها كانت تعبر عن الكثير !!
وصلت للعنصر الثالث ... " الحمامة " ...
وقبل أن تبدأ برسمها ...
غنّت بصوتها الطفولي اللطيف:
" يا طيور النورس طيري
طيري في الأفق البعيد
كشراع أبيض اللون
مع الفجر الوليد
شاطئ حلو وأزرق
موجه عال عنيد
يمنع الأعداء عنا
لا يبالي بالوعيد
هيا يا نوارسنا ..
هيا حلقي من جديد "
نظر علاء نحو أخته بعطف ...
وأخذ يفكر من جديد :
" أليس ظلما أن يقتلوا الطفولة ؟!؟
أليس ظلما ؟!؟ "
.
.
.
[IMG]http://up109.******.com/s/ydflc8ocen.jpg[/IMG]