أكاذيب مملكة الخلاص:مراجعة لــKingdom of Heaven
الســلام عليكم..
في الأسبوع الماضي تم عرض فلم على قناة MBC 2 بعنوان Kingdom of Heaven (ابحثو عنه في قسم ميجا موفي ) بما معناه مملكة الجنة أو مملكة السماء , و طبعاً جميعنا يعرف بأن هذا الفلم قديم و هو يتحدث عن تحرير القدس على يد القائد المسلم العظيم صلاح الدين و هزمه للفرنجه شرما هزيمة , و باعتبار أن الممثل السوري غسان مسعود كان يمثل بدور صلاح الدين فهذا ما شجعني أكثر على متابعة الفلم فقد كنت بشوق كبير لأرى كيف سيصور المخرج الأجنبي القائد صلاح الدين و نصر المسلمين , و ما هي الجزئيات التي سوف يتلاعب بها و فعلاً كانت ظنوني صحيحة فالفلم تحوير مقرف للتاريخ , و قلب للحقائق و تزييف لا مثيل له .. فمنذ بداية الفلم لم يصورو المسلمين إلا كهجم قبيحي الشكل مقرفي المظهر ذوي أسماء و لهجات غريبة , متخلفين عقلياً ولا عزة عندهم , عدا الكثير من التشويهات التي نالت من حقيقة انتصار المسلمين و عزتهم في تلك المعركة ...فالمخرج كان كالأفعى السامة التي تبث سمومها داخل الفلم و يقوم بخبث بالتلاعب بجزئيات الفلم ...أترككم الآن مع بعض السطور عن هذا الفلم التي كتبها الكاتب أحمد الرمحي :
اليوم, تعاد كتابة التاريخ بطريقة جديدة، لم يعد الكتاب المرجع الوحيد لقراءة التاريخ.. فقد بدأ الغرب إعادة صياغة التاريخ عن طريق السينما والمسلسلات وغيرها, فبينما ينشغل العرب وشركات إنتاجهم باستثمار الأموال في برامج التسلية السخيفة يقوم الغرب بإنتاج أكبر الأفلام التاريخية التي تتناول مراحل تاريخية رئيسة في حياة الشعوب ليعيد صياغتها بما يتناسب مع سياسته ومنظوره وأهدافه.
يمضي العربي يومياً ما يعادل ساعتان أمام التلفاز حسب إحصائية للجزيرة نت, فيسترخي أمام التلفاز, بينما تبث المحطات الفضائية فكرها ورسالتها ليتغلغل في رأس المتلقي دون أن يلحظ أحياناً ما يلوثه التلفاز.
وتلعب بعض محطاتنا العربية دورها المشبوه فتبث الخط الذي يمليه المعلم الأمريكي محاولاً التغلغل في عمق العربي ليصل إلى مسلماته وثوابته فيزعزعهاً.
كان فيلم (مملكة الخلاص) آخر قنبلة تفجرها الصناعة المرئية الأمريكية في وجه أمتنا العربية. فبأسلوب رائع استطاع المخرج والمنتج ريدلي سكوت أن يعيدنا مئات السنين إلى الوراء , زمن الأيام الأخيرة من مجموعة الحملات الصليبية الأولى حيث مملكة القدس الخاضعة للاحتلال .
وتبدأ حكاية الفيلم عندما يقوم أحد اللوردات الإقطاعيين الفرنجة (الممثل ليام نيسون) بالبحث عن ابنه غير الشرعي ليجده يعمل حداداً في إحدى بلدات فرنسا , فيدعوه للالتحاق بالحملات الصليبية حيث مدينة القدس التي يغفر فيها كل ذنب, فيلتحق الابن بالحملة, وفي الطريق يتعرض الأب إلى الإصابة فيورث لقبه لابنه قبل أن يموت, ويوصيه بأن يكون فارسا صليبيا عادلاً شجاعاً يكرس نفسه للدفاع عن ملك القدس؟!!
فيصبح باليان الابن غير الشرعي (الممثل أورلندو بلوم، الذي مثل أيضاً في فيلم ملك الخواتم) أحد قادة الفرنجة في القدس خلفاً لأبيه..
المتطرفون هم السبب:
يُظهر الفيلم ملك القدس على أنه رجل حكيم يؤمن بإمكانية التعايش بين المحتل الإفرنجي والعربي المسلم البربري (على حد زعمهم) بل ويحترم الاتفاقات المبرمة مع العرب المسلمين, ويعاقب كل خارق للمعاهدات بالإعدام شنقاً دون رحمة..
إلا أن الملك يواجه دائماً من قبل المتطرفين الذين يدعونه لشن الحرب على صلاح الدين وخرق الهدنة معه والقضاء عليه قبل أن يصل للقدس؟؟
وينتقل الفيلم بنا إلى صلاح الدين الذي يواجه أيضاً من أحد قادة جيشه والذي يريد منه الإسراع بالهجوم لتأديب الفرنجة على كسرهم الهدنة, ويبدي انزعاجه من الفرصة التي أعطاها صلاح الدين لملك القدس الذي وعد بأن يقوم يعاقب المتطرفين الفرنجة الذين كسروا الهدنة..
*يقول لنا الفيلم, أنه بالإمكان للمحتل والضحية أن يتعايشا بسلام .
*أنه بالرغم من تاريخ المحتل الفرنجي الإجرامي الأسود إلا أنه بالإمكان أن يتعايش الشعبان مع بعضهم البعض إن وجد القادة غير المتطرفين الذين يؤمنون بالتعايش وينفذون اتفاقاتهم.
*ويمكن أيضا أن يكون الحاكم المحتل عادلاً وحكيماً.
* لولا أولئك المتطرفين من الجانبان لحل السلام وكان الأمان.
الرسالة واضحة....
من الممكن للفلسطينيين التعايش مع العدو المحتل الصهيوني بالرغم من العذابات التي عاشها الفلسطينيون إذا جاء الجيل الجديد الذي يؤمن بالتعايش السلمي وبفتح الصفحات الجديدة مع المحتل .. أو إذا جاءنا القادة الجدد الأقوياء الذين يستطيعوا أن يسيطروا على المتطرفين والمغالين الذين يرفضون التنازل عن الثوابت القديمة وحقوقهم التاريخية.
وكانت هناك رسالة أخرى تقول أنه من الممكن أيضاً أن يكون المحتل عادلاً و رحيما يحترم حرية الديانة والممارسة, ويمكن التعايش مع وجوده دون الحاجة لإزالته ,وذلك يتماشى مع النظريات التي يروجها البعض يتقبلون من خلالها فكرة وجود المحتل على الأراضي العربية ,كالوجود الأمريكي في العراق؟ حيث يروجون فكرة أنه لا توجد مشكلة من الاحتلال مادام المحتل يوفر سقفاً مقبولاً من الحريات..
كما يظهر الفيلم مشاهد لصراعات داخل قصر ملك القدس ,فهناك الحمائم والصقور لدى الملك ,, تماماَ كما في الإدارة الأمريكية حيث الديمقراطيون والجمهوريون .. المعتدلون والمحافظون الجدد..
وعلى هامش تلك الرسالة التاريخية-السياسية، يعيش بطل الفيلم باليان قصة حب لا تقل ضراوةً مع زوجة إحدى أمراء الفرنجة المتطرفين الذي يصبح بعدها ملكاً ليهزم على يد صلاح الدين، وتنتهي قصة الحب تلك بموافقة الملكة المهزومة في القدس على تخليها عن مملكتها في عكا وصور وطرابلس، كما تقول، لتكون بجوار حبيبها باليان، الذي يضع ذلك التخلي عن الملك شرطاً لارتباطهما... وهذا طبيعي حسب منطق الفيلم، فالملكة ليست متطرفة، بل معتدلة تتحدث العربية وتنتمي بشكل طبيعي للأرض المحتلة، على عكس زوجها الملك الصليبي المتعصب..
إنكار عروبة القدس:
تستمر رواية الفيلم, حيث يموت الملك بعد معاناته من مرض عضال فينتهي حكم المحتل الصليبي المعتدل(على حد زعمهم) ليستولي التيار الصليبي المتطرف على الحكم ويقوم بخرق الهدنة , فتعلن الحرب ويجتمع الجيشان, لينتصر صلاح الدين على الجيش الإفرنجي ويحاصر القدس ويدك أسوارها بالمنجنيق ...
فيتولى الدفاع عن المدينة بطل الفيلم (باليان) والذي يعاني من قلة الجنود والفرسان اللازمين للدفاع عن القدس, لذا يبدأ (باليان) بشحذ الهمم وتجنيد كل من هو قادر على حمل السلاح, فيخاطب الحشود قائلاً ... أن أولئك الذين يحاصرون القدس ليسوا من سكانها ولم يولد أحد منهم فيها ولم يكن منهم أحدٌ فيها وقت احتلاها, لذا يجبرنا محاصرونا أن ندفع ثمن ذنب لم نرتكبه، فيجب عليكم الدفاع عن القدس لأنها مدينتكم التي ولدتم فيها ويجب الدفاع عن سكانها وحمايتها. ويركز المؤلف والمخرج هنا على أن الفرنجة المحاصرين كان هدفهم الرئيس هو الدفاع عن سكان القدس. كأن صلاح الدين وجيشه سيفتكون بالقدس وسكانها؟!!
كما أن المؤلف يوجه رسالة للمتلقي مفادها.. أن القضية هي قضية إقليمية أو فردية بحت, فجند صلاح الدين الآتين من الشام وشمال العراق ومصر لا يحق لهم تحرير المدينة لأنهم ليسوا سكانها..!!! وكأن القضية قضية فردية، قضية من ولد أم لم يولد في القدس، وكأن القدس ليست ملكاً للأمة، فالبعد القومي أو الإسلامي أو الجماعي هنا يتم تغييبه لمصلحة البعد الفردي الذي يتم ترويجه في زمن العولمة.
سبب الصراع على القدس عقائدي محض:
لم يظهر الفيلم أي مسيحي عربي يقاتل مع المسلمين بالرغم من أن عيسى العوام وهو أحد قادة الفيالق الذين دخلوا القدس مع صلاح الدين كان عربيأً نصرانيا وكان دوره رئيسياً في معارك صلاح الدين مع الغزاة، وكانت هناك قوات كاملة من المسيحيين العرب تقاتل مع المسلمين، خاصةً أن الفرنجة فتكوا بهم وطردوهم من ديارهم تماماً كما فعلوا بالمسلمين، وهو ما يذكر الفيلم عنه شيئاً.
بل إن العرب المسيحيين المقدسيين كان لهم دوراً أساسياً في معركة تحرير القدس حيث ساندوا صلاح الدين من الداخل وسهلوا عليه فتح إحدى بوابات القدس ولا زالت تلك العائلة تعيش في القدس ويشهد التاريخ لها ما قامت به!
و المصيبة أن الفيلم أظهر أن المسلمين كانوا يتمتعون بحرية ممارسة شعائر الدين دون قيود في المناطق المحتلة بل أن مآذن القدس كانت تصدع بصوت المؤذن للصلاة !!! بالرغم من أن تاريخنا يذكر بأن مسجد الأقصى دنس وحوَل إسطبلا لخيول الفرنجة!!
لعبة استخدام المؤثرات الصوتية والمرئية:
لم يتلاعب المخرج والمؤلف بشخصية صلاح الدين ,فأظهره على حقيقته كرجل قوي حكيم يصطف العرب والمسلمين من ورائه وينصاعون لأوامره وتبنى رواية الفيلم الرواية العربية دون تلاعب فيما يتعلق بالذات بصلاح الدين .. ذلك لأن المتلقي العربي يعرف تفاصيل ما دار في تلك الحقبة ,فلم يجرؤ أصحاب الفيلم على التلاعب أو تزوير ذلك الجانب.. طبعاً جاء ذلك من باب إضفاء الواقعية على أحداث الفيلم وحياديته، ولكن أيضاً لتلميع الشخصيات المحسوبة معتدلة على حساب "المتطرفين".
تم استخدام المؤثرات الصوتية المرافقة بشكل بارع, وللتأثير على المشاهد استخدم المخرج التراتيل والصلوات المسيحية الحزينة خلفية موسيقية لمشاهد انتصارات العرب ,كمشهد الجثث الصليبية المتناثرة في الصحراء التي تركت للعقبان لتنهشها ومشهد قصف المدينة بالمنجنيق وخوف السكان العرب وغيرهم من القصف.
وأضاف المخرج أسلوب ابطاء الصورة عند كل المشاهد التي يتخللها نصر للمسلمين دون استثناء وخاصة مشهد اختراق المسلمين لأسوار القدس ومحاولتهم عبور الأسوار والهجوم للداخل.
بالإضافة إلى ذلك أصر المخرج على أن لا يظهر الجمال الطبيعي والخضرة التي أنعمها الله على أرض فلسطين فأظهر المنطقة التي تحيط القدس صحراء قاحلة لا يوجد بها زرع ولا ماء, ولم يظهر أي مشهد طوال 3 ساعات (مدة الفيلم) لمنطقة خضراء في فلسطين.. مما يعزز ادعاءات (الإسرائيليين) بأنهم هم من عمروا فلسطين وهم من صنعوا اخضرارها اليوم..
والأدهى أن أخانا باليان القادم من فرنسا إلى تلك "الصحراء" صار يعلم العرب في عزبته شبه الصحراوية كيف يحفرون الآبار لري المزروعات وكأن ذلك من إبداعات الغرب التي لم نكن نعرفها قط قبل مجيئهم، مع أن كتب التاريخ تشهد أن الفرنجة عندما أتوا إلى فلسطين والساحل السوري كانوا متأخرين حضارياً عن العرب بما لا يقاس..
ربما لم يلحظ المشاهد العربي الذي تكدس على شباك التذاكر,والذي يعشق صلاح الدين أن الفيلم موجه , بل ويحمل رسالة سياسية خبيثةً من ورائه, فشعبنا الذي يعيش في عصر الانهزام يتعطش لأيام الانتصار الغابرة..
لم يدرك البعض بأن المنتج الغربي لم ينفق تلك الأموال الكثيرة مجاناً لتمجيد انتصارات العرب والمسلمين.. بل أن له رسالة من وراء فيلمه... ندعوكم لمشاهدة الفيلم ... علنا نتعلم شيئاً جديدا.................
ويلحظ أن الفيلم يحقق فشلاً في الغرب، وأن الإقبال عليه هناك ضعيفٌ نسبياً، وأن أراء النقاد فيه كانت سلبية عامةً، لأسباب تقنية وإخراجية تختلف عن الأسباب المذكورة أعلاه، مما يوحي أنه كان موجهاً بالأساس للمشاهد العربي الذي يلتهم رسالته على ما يبدو دون أدنى تدقيق.
و شكراً لكم