امممممم .. جيد أنها أتت بالوقت الذي انهيت به قصة " كازانوفا "
تقرير عن فيلم Les Misérables ، بواسطة "يوسف"، وصلني رابطه عبر رسالة خاصّة
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Les1.JPG
يحكى أن :
مفتش شرطة فرنسي بلغ من القسوة والإلتزام والتطرف في تنفيذ عمله إلى درجة أصبحت حياته متوقفة على عمله كمفتش للشرطة. وحتى الإله, لم يفكر به يوماً. كان له رئيس واحد فقط, وهو الأعلى منه رتبة. يقال بأنه ديكتاتوري ومتسلط , يصدر أحكاماً ما أنزل الله بها من سلطان, ومع ذلك - في نظري - فهو بأس وإنسان أجبر على الظلم. لماذا قلت أنه بأس رغم الصورة المطبوعة عنه في ذهن أغلب العارفين بهذه الشخصية بأنه مجرم!؟
هذا الرجل العنيد القاسي القلب ولد في سجن, وكانت أمه عرافه وأبيه من المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. حين ترعرع لاحظ أنه غارق خارج نطاق المجتمع. لقد لاحظ أن المجتمع يوصد أبوابه في وجهه مثلما أوصدت الأبواب في وجه عدوه الذي يطارده بعد خروجه من السجن لأكثر من عشرين سنة. هذا الرجل كان مزاجاً من عاطفتين هما في ذاتهما بسيطتان, ولكنه كاد يجعلهما شريرتين بتطرفه في تنفيذ المهام, احترام السلطة وكره التمرد. منذ أن بلغ منصبه كمفتش عام كان قد وقف حياته وأعماله وحتى دينه كله على الشرطة. كان له رئيس هو مسيو جيسيكيه, ولم يكن يعرف, أو بمعنى أصح نادراً ما يفكر بذلك الرئيس الآخر كما يصفه الذي رسم شخصيته بإقتدار, وهو الله.
بعد أن حرره عدوه من قبضة الثوار, تفجر بؤسه المكتوم منذ زمن طويل, ولم ينتهي كما في الزمن الروائي إلا بعد عشرين سنة من مطاردته لعدوه! كان يعتمل في أعماق وجوده شيء جديد, ثورة فيها ما يدعو إلى فحص الضمير والتفكير. هذا الرجل القاسي القلب وجد نفسه يلاقي آلاماً رهيبة, كان من أسباب ألمه النفسي أنه كان مكرهاً على التفكير, استشعر أن شيئاً رهيباُ كان ينفذ إلى روحه, الإعجاب بمحكوم عليه بالأشغال الشاقة. كان ألمه العظيم ناشئاً عن فقدانه اليقين, أن يجد نفسه فجأة بين جريمتين, جريمة إطلاق سراح رجل, وجريمة إلقاء القبض عليه. نشأ في نفسه نظام كامل مؤلف من حقائق غير معلومة, وعلم جديد بالكلية. لقد لمح في الظلام كما يقول المؤلف الإشراق الرهيب لشمس أخلاقية مجهولة. كان قد اضطر أمام محكمته الباطنية الخاصة بسمو هذا الرجل البائس. وكان هذا أكثر ما أبغضه وقاسى منه. شرير محسن محكوم عليه بالأشغال الشاقة يملأ قلبه بالحنان, يقابل الشر بالخير, ويرد على البغض بالعفو, هذا الرجل أجبر هذا المفتش المتطرف بتنفذ المهام أن يعترف أخيراً بوجود هذا الكائن الجبار. يقول المؤلف في وصف الحالة النفسية لهذا الرجل " إن ماكان يجري في ذاته كان تخلخل ضمير مستقيم, وإقصاء نفس عن طريقها, وسحق صلاح أُطلِق على نحو لا يقاوم في خط مستقيم وانكساره عند الله. الله, النفسي دائماً بالنسبة للإنسان, المستعصي, وهو الضمير الحق على الضمير الباطل, المحرم على الشرارة أن تنطفئ, الموصي النفس بأن تعترف بالمطلق الحقيقي حين تواجه المطلق الوهمي, الله هو الإنسانية خالدة, والقلب البشري باقياً, هذه الظاهرة هل فهمها هذا؟ هل نفذ إليها قلبه ؟هل كون فكرة عنها؟ لا من غير ريب. ولكن تحت ضغط هذا الممتنع استشعر أن جمجمته تكاد تنفجر! "
وسقط هذا الرجل في البحر, إنتحاراً.. كان قلقاً مرعوباً من هذه الأفكار التي بدأت تخطر في عقله. لم يكن يفكر في يوم من الأيام, كان يعمل ويعمل فقط. أمام هذا الضغط تفجر هذا البؤس وسقط بعزة نفس غارقاً في البحر, كما كتبها المؤلف العظيم فيكتور هيجو, ورسمها المخرج بل أوقست, ونفذها جيفري روي بكل جنون وعبقرية.
http://abuwabdallh900.googlepages.com/Les2.JPG
هذا المشهد القلق كان الأكثر تأثيراً عليّ لدى مشاهدتي لفيلم Les Misérables , ويجبرني على القول بأن بطل الرواية الخالدة " البؤساء " للعظيم فيكتور هيجو ليس جان فالجان وحده, بل المفتش جافير يقف معه في المنافسه, في البطولة والبؤس. وفي المصير المشترك الذي يتحكم به هيجو, الطريق إلى الكمال الأعظم : الموت.
البؤساء.. ملحمة فيكتور هيجو الخالدة والباقية أبد الدهر. الرواية كما هو معلوم متوفرة في المكتبات المحلية بعدة إصدارات, لكن الترجمة الشهيرة هي من إصدار المترجم منير البعلبكي, وعدد صفحات الكتاب 500 صفحة من القطع الصغير فقط. في معرض الكتاب الماضي تفاجئت بوجود ترجمة مختلفة للبؤساء, ترجمة لم أكن علم علم بها على الإطلاق. هذه الترجمة هي كذلك من ترجمة منير البعلبكي ولكن لم تكن مختصرة, بل كانت ترجمة كاملة لهذا العمل الأدبي الرائع. عدد صفحات الكتاب الكامل أكثر من 1600 صفحة في جزئين من إصدار دار العلم للملايين.
ليس من السهل تحويل رواية رفيعة المستوى إلي فيلم أو مسلسل تليفزيوني، ربما لاختلاف نوعية المتلقي في الحالتين، فالذي تعودت عيناه علي متابعة فيلم أو مسلسل تحكي له قصة لها بداية ونهايه لايستطيع قراءة عمل عميق. قد تكون الأسباب أن المشاهد لا يعرف مسبقاً ما سيعرض على الشاشه, عكس القارئ الذي يعرف أشياء كثيرة لا يشاهدها مجسدةً في الفيلم.
الرواية الماورائية, التي تحكي أحداث متتابعة من التاريخ الحالي, وفي نفس الوقت ترجع إلى زمن قديم ليس بالإمكان تجسيدها سينمائياً بأي حال. مثال ذلك رواية البؤساء. تقع أحداث الرواية كما هي في الترجمة الكاملة - 1600 صفحة -في أكثر من مكان، ولكن الأحداث تجري كلّها في فرنسا، بعد الثورة، ومن حيث التسلسل الزمني للأحداث، تجري الأحداث عام 1815، ففي هذا التاريخ يهرب البطل من السجن، ويعود فيكتور هيجو إلى الوراء، أيّ إلى عام 1796 وهو العام الذي زج به بجان فالجان بالسجن . من الصعب أن ترسم للمشاهد حكاية تجري في 1815م مثلاً, ثم تعود به إلى الوراء بكثير, إلى عام 1796م أو أكثر كذلك.
شاهدت الفيلم المقتبس من الرواية قبل أربعة أشهر أو أكثر لا أعلم بالضبط, ولكن الذي أذكره أني أعجبت بالفيلم كثيراً, ولازال مشهد انتحار المفتش جافير عالقاً بذاكرتي, وللأبد. أردت قبل أيام أن أشاهد الفيلم مرة أخرى بحكم قراءتي الجديدة لترجمة الرواية الكاملة. كنت أريد أن أشاهد جان فالجان من جديد والمفتش جافير, وكوزيت وفانتين, وماريوس. والسبب في ذلك التصوير الفني لشخصيات هذا العمل الخالد.
المخرج لم يستطع بالتأكيد تجسيد الرواية كاملة. واقعياً لا يمكن تجسيد تلك الأحداث والثورات في ظرف ساعتين فقط. ولكنه نجح نجاحاً باهراً في تجسيد الرؤية المختصرة للبؤساء, لحالة الهروب والمطادرة بين جان فالجان وجافير, وقصة ثورة ضاحية سان انطوان وقصة ماريوس وكوزيت.