لحظة الوداع و الفرق بين البـَـيْـن و الهجر
بسم الله الرحمن الرحيم
و به نستعين . . . و ندعوا اللهَ أنْ يُـعين
الحمدُ لله ، ثُـمّ الحمد لله . .
و الصلاةُ و السلام على رسول الله . .
و بعد
لحظة الوداع و الفرق بين البَـيْـن و الهجر
قالَ تعالى واصفاً حال يعقوب عليه السلام عندما تآمر أبناؤه على أخيهم يوسف عليه السلام :
(( وَتَـولّى عنهم و قالَ يا أسفى على يوسف و ابيَـضّـتْ عَـيْـناهُ من الحزنِ فهوَ كظيم ))
ساعة الفراق . .
ساعةٌ ، الخطواتُ فيها عثرات ، و الكلامُ زفرات ، و العينُ فيها عبراتٌ و عبرات . .
ساعةٌ ، فيها القلوب رقّـت . . رقّـت . . و رقّـت . . حتى بكت
قال أحدُهم :
" الفراق أخو الموت "
فقيل له :
" بل الموت أخو الفراق "
القلبُ مُـحترقٌ و الدمعُ مُـستبقٌ * * و الكربُ مُـجتمعٌ و الصبرُ مُـفترقٌ
كيف القرارُ على من لا قرارَ لهُ * * مِِـما جناهُ الهوى و الشوقُ و القلقُ
يا رب إنْ كانَ شيءٌ فيهِ لي فرَجٌ * * فامنُـنْ عليَّ بهِ ما دامَ بي رَمَـقُ
( السري السقطي )
::: الفرق بين البَـيْـن و الهجر :::
كلاهما يعني الفراق . .
لكن الهجر يكون الفراقُ فيه نتيجةً لعدم صفاء العلاقة بين المتحابيْـن " الخصومة "
كأن يخون أحدهما الآخر . .
فيسمى الفراق هنا هجرا
و هُـو و الله يورثُ في القلب حُـرقة و في الحلق غصَّـة . .
يورثُ الكمَـد ، و يوهنُ الرجل الجَـلِد . .
عادت همومُ القلبِ للقلبِ و هَـلْ * * تَـخلو قلوبُ العاشقين من العِلَـلْ
وجفا الخليلُ خليلَـهُ و تَقَـطعتْ * * عُرى المحبةِ بين أصحابٍ أُوَلْ
و قد يقول البعض :
كيفَ يكونُ الهجر و الجفاء من بعد الحبِ و الصفاء !!
فأقول :
قديماً قال السري السقطي :
" لا تصلح المحبّة بين اثنين حتّى يقول أحدهما للآخر يا أنا "
و عَـلّـقَ الأديبُ الكبير مُـصطفى صادق الرافعي " رحمه الله تعالى " على هذه المقولة فقال :
( لا يصحّ الحب إلا بين اثنينْ إلا إذا أمكن لأحدِهما أن يقول للآخر :
:: يا أنا ::
و من هذه الناحية كان البغضُ بين الحبيبين - حين يقع - أعنفَ ما في الخصومة
إذْ هو تقاتُـلُ روحين على تحليل أجزائهما الممتزجة
و أكبرُ خصيمين في عالم النفْس
مُتحابّان تبَاغَضا )
( مُـصطفى صادق الرافعي من كتابه " السحاب الأحمر " )
أبعدنا الله من الجفاء بعد الود و الصفاء
* *
أما البَّـيْـن . .
فيكون المتحابان في ودٍ و صفاءٍ و تربطهما علاقة نقية لا يكدرها شيء . .
إلا أن اللهَ تعالى شاء فسارت الظروف على الضد مما يأملون ، كأن يعرض لأحدهما هجرة أهله و ارتحالهم عن مكان إقامة محبوبه . .
أو حتى في الدار الآخرة ، فيتوفى اللهُ تعالى أحدهما ، فالموت هو أحد أنواع البين . .
و كيف يلذُ في عيشٍ خليلُ * * تَـغَـمّـدَ في الثرى عنهُ خليلُ
و الكونُ كهفٌ يكادُ اليوم يَـخنِـقني * * و الأرضُ في مُـقلةِ المحزونِ أشبارُ
للحبِّ سرٌ ، أجل ما زلتُ أجهله * * و كم سواي بسر الحب قد حاروا
لكلِّ قلبٍ إذا ما حبَّ أسرارُ * * و كلُّ حبٍّ لغيرِ الله ينهارُ
همُ الرجالُ إذا ما جئتَ تمدحهم * * سمتْ على الحرفِ تيجانٌ و أزهارُ
( هذه أبيات في رثاء الشيخ عبدالله عزام " تقبله الله تعالى في عداد الشهداء " )
* *
مُـلاحظة :
ليس الحب محصوراً فقط في الحبِّ المتبادل بين الرجل و الأنثى ، و إن كان هو الغالب . .
فقد يكون الحب حبُّ رجلٍ لأخيه في الله أو فتاةٍ لأختها
أو حب الأبناء لوالديهم أو . . أو . . إلخ
* *
و إنْ كانَ البيْـن يورثُ في القلب الشجون ، فهو كذلك يورثُ الجنون . .
أوَما سَـمعتُـم قولَ المجنون :
أمرُ على الديارِ ديارِ ليلى * * أقبلُ ذا الجدارَ و ذا الجدارَ
و ما حبُّ الديارِ شغفن قلبي * * و لكن حبُّ من سكنَ الديارَ
( قيس بن الملوح " مجنون ليلى " )
* *
::: الموت من البَـيْـن :::
يقول الإمام ابن حزم - رحمه الله تعالى -
( لمن المناظر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة كل ماضي العزائم . .
و تذهب قوة كل ذي بصيرة ، وتسكب كل عينٍ جمود . .
و يظهر مكنون الجوى . .
و لعمري لو أن ظريفاً يموت في ساعة الوداع لكان معذوراً
إذا تفكر فيما يحل به بعد ساعة من انقطاع الآمال ، وحلول الأوجال ، وتبدل السرور بالحزن . .
وإنها ساعة ترق القلوب القاسية ، وتلين الأفئدة الغلاظ . .
و إن حركة الرأس وإدمان النظر والزفرة بعد الوداع لهاتكة حجابَ القلبِ
وموصلة إليه من الجزع بمقدار ما تفعل حركة الوجه في ضد هذا )
( الإمام ابن حزم الأندلسي من كتابه " طوق الحمامة " )
* *
و لا يظن البعض أنّ الموت بسبب البيْـن و الفراق هو ضربٌ من الخيال . .
فهذا ابن السراج كتب كتاباً سماه " مَـصارعُ العشاق "
و جمع فيه قصص الذين ماتوا بسبب فراق الأحبة . .
فجمع الكتاب في اثنين و عشرين جزءً . .
و يبلغ كل جزء حوالي 450 إلى 500 صفحة . .
أي في إحدى عشر ألف صفحة تقريباً
هذا يوم أنْ كانَ الحب في القلب لا بالعين . .
أما اليوم فلا ترى حباً صادقاً إلا قليلا . .
و اسألوا البنات لِما يحبون اغنية " بلاني زماني " !!
: p
سَبَحَتْ حينَ أبصرَتْ من دموعي * * لُجَّ بَحْرٍ قد أعْجَزَ السُّبّاحَا
ثُمّ قالَتْ لِتِرْبِهَا في خَفَاءٍ * * ليتَ هذا الفَتى قضى فَاسترَاحَا
أيّها الرّاحِلونَ رُدّوا على * * المُشتاقِ قَلْباً أثْخَنْتُموهُ جِرَاحا
كَتمَ الوَجدَ جُهدَهُ فَإذا الدّمْـعُ * * بِأسرَارِ وَجْدِهِ قدْ باحَا
باعَكم قَلبَهُ الكئيبَ سفاهاً * * فَأخَذْتُمْ رُقَادَهُ استرباحَا
( ابن السراج )
* *
خِـتاما :
نعم نحزن لفراق الأحبة ، لكن لا ينبغي أنْ نجعلَ الحزن هو حياتنا . .
فهذا هو حال الدنيا ، لقاءٌ و فراق ، شقاءٌ و صفاء . .
و اعلموا أيّـها الأحبة أنّ الدنيا ليست بدار قرار . .
فالموعد في جنة الكريم الجبار . .
http://www.archive.org/download/nsheed_460/mp3_64kb.mp3
أودعكم بدمعاتِ العيونِ * * أودعكم وأنتم لي عيوني
أودعكم وفي قلبي لهيبٌ * * تجودُ به من الشوق شجوني
أراكم ذاهبين ولن تعودوا * * أكادُ أصيحُ إخواني خذوني
فلستُ أطيقُ عيشاً لا تراكم * * به عيني وقد فارقتموني
ألا يا اخوةً في الله كنتمْ * * على المأساة لي خيرَ معيني
وكنتم في طريق الشوكِ ورداً * * يفوحُ شذاهُ عطراً من غصوني
لئن لم نلتقِ في الأرض يوماً * * وفرّق بيننا كأسُ المنونِ
فموعدنا غداً بدار خلدٍ * * بها يحيى الحنونُ مع الحنونِ
و اللهمّ صلي على محمد و على آله و صحبه أجميعن