أراك خــــــلــــــف الـــــمـــــســـــتـــــودعــــــات !!
هل يراني ؟
هل كان يظن أنني سأكون هكذا ؟ هنا ؟ بشكلي هذا ؟
خرجت , سحبت تلك الشنطة الثقيلة ورائي .. غادرت المكان
أقسمت له مراراً أنني سأعود , وأعطيته يومها ورقة تثبت ملكيتي لأحد المساكن
أبعد عيناه عني و قال : أخرج لا بارك الله فيك .
صفعني صارخاً : لا نريد حثالة , أخرج
توسلت إليه أن يعطيني سماً , سكيناً , حبلاً , نظر إلي مستغرباً :
خلفك دائنوك .. لا أريد أن أورط نفسي .
تباً لك أيها المجنون , من الغريب أن تعطيني المال هكذا , إذاً تريد أن ..
تلقيت طعنة في بطني قبل أن أكمل . سقطت ُ و سقطت ورائي أفكاري
أحسست بشيء ضيق يكتمني , أين أنا ؟
سمعت صوتاً : سأعطيك هذا المال , أ يكفي ؟
- وغد ٌ عرفتك , ماذا سأفعل بهذه الورقات القليلة ؟ أعطني أكثر
تسائلت .. على ماذا يساومه ؟
نوم طويل خلدتُ فيه , كان الشريط المقيت يتكرر في أحلامي كثيراً و يتوقف عند ذلك المشهد
أخرج , لا بارك الله فيك
يظل حلمي يكرره حتى أنهض صارخاً .
- مكالمة لك , تفضل .
- من ؟
- لا أعلم
- أهلاً , من معي ؟
- أراك خلف المستودعات
حقير , حقير , حقيــــــــــــر
كررتها حتى ثقل لساني و مال جانباً ككلب لاهث .
فتحت عيناني على صوت واهن يقول : ربي كن معه
أردت أن أتفوه بكلمة لطالما نسيتها , ولكن لحظة إرادتي هذه كان لساني ثقيلاً جداً
آلام مبرحه , أصوات صراخ , و فتاة تبكي على صدري
- لاتذهب , إلى من تتركنا , لاتذهب وتترك ألامك نتحملها
آلامي ؟ هل فعلاً سأتركها ؟ إذن ماهذه الآلام التي أحس بها الآن؟
مرة أخرى رأيتها تقول : ربي كن معه
لم أستطع تمييز هذا الصوت , تمنيت أن أعرف من هي
أردت السؤال , فلما قلت : من أنــ .. فإذا بها قد رحلت
كان الجو مظلماً , نور خافت , كأنني أسمع أصوات ظلم , ألم , حزن , ندم
و أصوات تشتم , تبكي , تندب حظها , تدعوا ..
رأيت نفسي .. بثوب لا لون له , همست: أين أنا ؟
- في السجن يا حبيبي .
جاءت ترمقني بنظرات , نظرات دخلت قلبي ومزقته قطعاً قطعاً
كنت أود أن أرمي عليها سؤالاً : لم تأتين لزيارتي ؟
لكن لساني كان ثقيلاً جداً
أدركت أنني في كل يوم هنا , أزداد صبراً .. فكل الآلام الجسديه التي أحس بها سابقاً ولت
مابقي في عقلي سوى ركام ماض أحاول جاهداً أن أنساه .
بدأ جو السجن يأخذني بحضنه .. فزميلي في الزنزانة رجل خفيف الظل حلو المعشر
لم أحبذ سؤاله عن جريمته , لأنني أخشى أن يرد علي ّ بنفس السؤال
فكنت أحاول أن أنظر في وجهه لعلي أرى خدشاً أو جرحاً , فربما أعرف سبب مجيئه إلى هنا
-لم يكن جحيماً كما ظننت
كان يقولها وعيناه إلى السقف تنظران , على رغم مظهره الطيب , و [ نكاته ] اللاذعه
إلا إني إحس بغصة في حلقه .
- زائر !! من ياترى ؟ ربي إجعله خيراً
صحيح , منذ دخولي إلى هنا , لم أرى شخصاً يزوره .. ذهب بوجه خائف .. وعاد بوجه أسود مرباد
لساني إنعقد فلم يسأل , أما هو فرمى نفسه على الأرض .. و نام .
هل سأظل هنا طوال حياتي ؟
سؤال يتردد في ذهني دائماً كلما إنتهينا من صلاة الفجر مع بداية يوم سجن جديد .
كنت أراقبه وأستغرب من تصرفاته .. فقد بدا شخصاً مختلفاً جداً
ماذا به يا ترى ؟ ومن هو ذاك الزائر ؟
لم يعد يضحك كالسابق ..قصصه الطريفة أخذها زائره المشؤوم
تباً له , أيأخذ مني لعبتي الوحيدة التي تسليني ؟
في كل يوم , أتمنى أن أراه بوجه جديد , لكن ذلك لم يكن
تجرأت و سألته مرة : لم أصبحتَ هنا ؟
نظر إلي بوجه حزين .. حاول أن يرسم إبتسامة , فلم يستطع ثم قال بصوت مرتجف :
- دعنا من هذه الأمور يا صاحبي .
إستلقيت في فراشي , فسمعت صرير وعاء معدني .. فإنقلبت إلى جهته
رأيته يصلي الليل .. منذ متى بدأ يصلي هذ الوقت ؟
بدأ يقرأ .. يقرأ .. حتى أنني بقرآءته بدأت أرى السماء
كنت مسترخياً سعيداً .. لأول مرة يرتاح قلبي بنبضه هكذا ..
لقد عاد , عاد بوجهه الجميل من جديد
كان أكثر ظرافة , أصبح حديثه يدخل قلبي كما لو كان ماءً عذباً سلسبيلاً
لا أعرف لم ؟ لم تحول بعد ذاك السواد .. إلى هذا الطير الأبيض
أمسك مصحفاً كعادته و قال لي : ستراني في الجنه أليس كذلك ؟
قلت له : و هنا ؟
- ...
لقد بدأ يقرأ
- سأنام
رفعتُ غطائي و إلتفت لجانبي الأيمن , أغمضت عيني
فإذا به يقول : ماذا تقول ؟
قلت : لاشيء
قال : ألا تطلب من ربك شيئاً ؟!
أطلب ؟
ماذا أطلب ؟
حتى غالبني النوم , فنمت
صوت أيقظني من نومي : السجين .... إلى المكتب معي
ذهب صاحبي ..
خفتُ , خفت ُ أن لا يعود بوجهه الباسم مرة أخرى
- أتعدني أن تراني في الجنة ؟
- و هنا ؟
ابتسم , و كبر في صلاة طويلة ..
أخبرني ذات مرة أنه كان يعيش في قرية صغيرة , ثم ذهب إلى المدينة ليكمل دراسته
أردت ُ أن أقول له ثم ؟ لكن الحارس دخل ليأخذ الطعام ..
و أخذ حديثنا معه .
ضحكت ُ حتى دمعت عيناي , فقلت ببلاهه سأريك بيتي عندما نخرج
قال : ألديك أسرة ؟
هنا أحسست ُ أني أوقعت نفسي في مصيبة , أومأت برأسي بالإيجاب
فإلتفت إلى الناحية الأخرى وقال وهو يغالب دموعه : لا تحرمهم من حبك .. وحياتك
حياتي ؟
هل سأدعو ربي هذا اليوم ؟
وهل سأقول له : هبني حياة تسعدُ بها أسرتي ؟
أظن بأنه يجب عليّ أن أسأل صاحبي
كانت يداه تقطران ماءً , قال لي : أتصاحبني ؟
- في ماذا ؟
- صلاتي
فبدأ يقرأ و أنا عن يمينه .. حتى أني أحس بصوته يخرج من جسده الطاهر
صوت حبيب إلى قلبي , حبيب إلى سمعي , جوارحي بدأت تستسلم لصوته , قرآءته ..
حتى بكيت .. بكيت كثيراً كثيراً ..
فلما إنتهينا , ضمني وقال بصوته الدافيء
- أراك في الجنة معي رفيقاً .
الجنة !
هل هي ما سأدعو به ربي ؟!
وهل سأقول له : هبني حياة تدخلني بها الجنة ؟
أظن بأنه يجب عليّ أن أسأل صاحبي
صوته الجميل أيقظني , كانت آية رفعتني في السماء عالياً حتى رأيت جنان الدنيا حبورها سعادتها
جمالها ..
صففت بجانبه .. كنت أحس بأنفاسه , جسده الدافيء , روحه البيضاء
سجد , فسجدت بعده .. وسمعته يدعو حتى بكى .. فبكيت معه
بكينا .. بكينا و أطلنا البكاء .. وبالكاد أنهينا الصلاة
في صلاة الفجر , في سجودي , دعوت ربي بصوتي الذي أسمعه جيداً :
ربي ...
لقد أصبحت لدي أوقات أحب فيها أن أجلس بين يدي ربي
أشكو له همي وحزني , أبكي , أريه قلبي
دموعي , جرحي الأليم
فيضمدها بفضله
ويريح قلبي بحبه
و نعمه , آياته ..
و مطره الغزير
- مطر!!
- آه مطرُ خير بإذن الله , ألا تدعو ؟ **
لم أسأله حينها بماذا أدعو , فكلانا شرع بالدعاء
وضاء , أبيض , نقي ..
طاهره , سعيده , مرفرفة بأجنحة بيضاء
كان قلبه , روحه .. بل كله يكاد يطير
يطير !!
- أين ؟ إلى أين ستذهب ؟
- لقد دعوت الله أن أراك في الجنة
- أخبرني إلى أين ستذهب ؟ إلى أين أيها الجندي ؟
أين ستأخذوه ؟
مضت ثلاثة أيام من دونه
يا ترى أين هو ؟ هل نقل إلى زنزانة أخرى ؟ سجن آخر ؟
هل أفرج عنه ؟
فضضت هذه الأفكار , و إستغفرت الله
توضأت ثم صليت .. و بدأت أدعو له بحياة سعيدة
قصاص !!
أخبرني الحارس أنه كرر الشهادة أكثر من مره ..
لقد كان يبتسم حتى بكى ..
رأيته ..
رأيت ذاك الوجه الصبوح مشرقاً أبيضاً منيراً .. في ساحة خضراء فسيحة جداً
قلت له : أين أنت ؟ أرحلت وتركتني ؟
ابتسم , ابتسم تلك الإبتسامة التي إفتقدتها كثيراً .. فقال بصوته الحاني :
ألم تعدني ؟
وعدٌ لم أنسه أبداً .. فكلما رفعت يدي إلى ربي .. قلت ُ :
هبني سعادة أصل بها إلى الجنة .
سجين جديد .. كان وجهه أسود حزين .. وكأنه ميت ٌ لتوه
نظرت إلى مصحف صاحبي الذي بجانب وسادتي ..
أمسكت بيد ذاك الجديد وقلت له :
أتعدني أن تراني في الجنة ؟
-------------
** أخرج الحاكم في مستدركه (2/124) عن سهل بن سعد –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:"ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء أو عند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً، وتحت المطر".
ثم قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"أ.هـ،
وللحديث شواهد، منها: ما روي عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونـزول المطر"
وقد حسنه الألباني بشواهده في سلسلته الصحيحة (1469)