Flags of our fathers -2006
http://us.movies1.yimg.com/movies.ya...arlyposter.jpg
في عام 2000 صدر كتاب جيمس برادلي "فلاغز اوف اور فاذرز" عن القصة الحقيقية لصورة الجنود الأمريكيين الستة الذين نصبوا العلم الأمريكي في جزيرة ايوا جيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية, وكانت الصورة آنذاك إرثا أمريكيا مشهور جدا, لأنها تبين الكثير مما كانت تود أن تقوله الحكومة للشعب الأمريكي لإعادة الثقة في قواتها المسلحة. وما فعله جيمس برادلي في كتابه وهو ابن احد الجنود الستة في الصورة, هو تتبع حياة هؤلاء الجنود الستة من خلال رسائل وصور والده الذي وجدها بعد وفاته, حتى اكتشف حقيقية هذه الصور. وبمجرد صدور الكتاب في الأسواق الأمريكية حقق مراجعات نقدية ايجابية لدرجة أن المخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ حصل على حقوق إنتاج الفلم من هذا الكتاب بعد صدوره بأشهر, وتكفل السيناريست وليام برويلز جونيور كتابه النص السينمائي عن الكتاب, لكن في النهاية لم يرض سبيلبرغ بالنص السينمائي فعرض على كلينت ايستوود إخراج الفلم بدلا عنه مع التكفل بالإنتاج, وكانت هذه الواقعة بعد حفل الاوسكار لعام 2004. فاستعان ايستوود بالسيناريست بول هاغيس الذي سبق وتعاون معه في فلم مليون دولار بيبي لكتابه نص الفلم بجوار وليام برويلز جونيور.
وكان يدور في خلد ايستوود في ذلك الوقت انه سيقدم فلمين منفصلين عن معركة ايوا جيما الشهيرة, الأول سيكون من وجهة نظر أمريكية ومن كتاب أمريكي وطاقم أمريكي, والثاني سيكون من وجهة النظر اليابانية وبطاقم ياباني كامل. وبمجرد اعلان ايستوود عن مشروعه الضخم, تساءل الناس عما يريد ايستوود قوله بهذين الفلمين الحربيين, وهو المخرج الذي أصبح في الآونة الأخيرة يسلك نهجا اقل ما يقال عنه انه إنساني نفسي, ولم يكن معروف عن ايستوود بامتلاكه قدرات إخراجية رائعة لأفلام الحرب والمؤثرات, لكن ايستوود كعادته اخرج فلما عن الإنسانية, بالرغم مما يحمله فلمه من مشاهد حروب كانت طبيعيه في سياقها العام, إلا انه وفي المحصلة النهائية, كان ايستوود يتحدث عن الإنسان, الذي لا زال ايستوود يتوغل داخله بمهل وحذر شديد, ليرسم نهجا وخطا سينمائيا واضحا للجميع.
http://img227.imageshack.us/img227/4...9beachlap3.jpg
تبدو لمسات بول هاغيس على السيناريو واضحة للغاية, وهو الذي يهتم بالشكل كثيرا, حيث انه يستخدم تقنيات سردية غير تقليدية, أي لا تعتمد على خط درامي واحد له بداية ونهاية, فسيناريو الفلم كان عبارة عن نقل لوجهات نظر الجنود المختلفة للحدث نفسه, تماما كما فعل كيروساوا في "راشمون", وحتى وان كانت هذه التقنية السردية رائعة بحد ذاتها, واتت مناسبة تماما لفكرة الكتاب, ففي هذه الحالة نحن نقول أن السيناريو كان أمينا للغاية من حيث الاقتباس, لكن هذا الأسلوب التحقيقي كان عبئا في لحظات معينة من الفلم, وكان هذا هو العيب الوحيد في السيناريو, الذي كان شعله متقدة من الأحداث المثيرة والمتكررة في الوقت نفسه. والأروع من هذا كله, هو التعامل الإخراجي مع هذا النص الذكي, والأسلوب الذي اتبعه ايستوود في فرض رؤيته الفنية عليه, فمع وضوح الفكرة الرئيسية للفلم بعد الربع الأول من الفلم, إلا أن هناك مضامين لم تتفجر على الشاشة إلا مع انتهاء المشهد الأخير.
استخدام ايستوود لتلك الصورة الشهيرة بروح تهكمية سوداء, إنما هو هدم لنظرية البطولة, تلك النظرية التي كانت ركنا أساسيا في تكوين الثقافة الأمريكية, والتي تبنتها الحكومة الأمريكية في هوليوود لتمرير دعايات سياسية على الشعب الأمريكي والعالم. ايستوود هنا يسخر بقوة من الجيش الأمريكي, وسخريته القاسية تلك كانت لاذعة كثيرا على النطاق القومي, إلا انه وفي نفس الوقت لم تصل سخريته إلى الجندي الأمريكي, فالجندي وان كان عاملا مهم ومؤثر في تكوين الجيش الأمريكي, إلا أن الجندي في النهاية ليس سوى إنسان, تعاطف معه ايستوود وشفق عليه, شفق على غبائه في الدخول إلى معركة تلوى المعركة, كأنه مصاص دماء لا يشبع, وكل هذا باسم البطولة الزائفة والوطنية. ايستوود في الفلم تعامل بحذر شديد من أن يمس الشعور بالوطنية والانتماء للوطن, ومرر قصة داخلية في السيناريو كانت نقدا مباشرا للعنصرية , ولكنها غير محورية, من خلال التعامل مع الجندي (ارا هايز) الذي ترجع أصوله إلى الهنود الحمر, وهذه بحد ذاتها ملاحظة ذكية للغاية, فهذا الجندي هو في الحقيقة أمريكي أكثر من الأمريكان أنفسهم, وحارب لأجل الوطن الذي يمارس عليه اشد أنواع التمييز العنصري. فالجندي هنا لا يحارب لأجل حب الوطن, بل لأنه مرغم على ذلك, والسبب الذي يجعله باسل ونشيط في ارض المعركة, هو فقط لحماية زملائه الجنود. وبالإضافة إلى الجندي (ارا) هناك المسعف جو برادلي, الذي كان محور الفلم بشكل سيء, فكانت شخصيته محايدة للغاية وباردة على مر مراحل الفلم,إلا أن هذا العيب مصدره هو الكتاب نفسه ولم يؤكده ويرسخه إلا أداء الممثل راين فيليب, الذي كانت ملامحه محبطة للغاية وتنبئ بوقوع شيء سيء, فكان أسوا الممثلين الرئيسيين أداء. والجندي الثالث (رينيه غاغنون) كان بمثابة صورة عكسية للغاية للجندي (ارا), فكان ضمير (ارا) دائما ما يؤنبه لما حصل من تزيف للحقيقة وادعاء بطولة زائفة, وكانت شخصية غاغنون تبعث على الاشمئزاز, لسطحيته وحبه الشديد لعالم الشهرة والأضواء. وان كانت هذه الشخصيات الثلاث الرئيسية في الفلم تم التعاطي معها بكل محورية, إلا أن الجنود الأخريين كان لهم حضورا كبير للغاية.
وعند النظر إلى الأسباب التي جعلت ايستوود يطرح مثل هذه الرؤية في مثل هذا الوقت, نجدها مطابقة تماما للتصريحات التي يصرح بها أحيانا لوسائل الإعلام, وغالبا ما تكون مناهضة للحرب على العراق. وفي المشهد الأخير من الفلم, تتأكد هذه النقطة كثيرا, فما كان ايستوود يحاول أن يوصله هو رسالة فنيه شديدة القسوة على السياسة الأمريكية الخارجية, وخاصة الحرب على العراق, وفي نفس الوقت يخاطب الشعب الأمريكي من خلال كشفه للبطولة الزائفة التي كانت تكتنف إلى وقت قريب الجنود الامريكييين. وبالتأكيد الدور الإعلامي الهائل التي تمارسه أمريكا ضد شعبها.
http://img210.imageshack.us/img210/1343/2wsacd0.jpg