الجواب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أولاً : في الفتوى نُسب القول بأن الجاريتين " غير بالغتين " إلى ابن القيم .وهذا لم ينفرد به ابن القيم رحمه الله ، فقد قال القرطبي في " المفهِم " : قول عائشة رضي الله عنها : " وعندي جاريتان من جواري الأنصار " : الجارية في النساء كالغلام في الرجال ، وهما يُقالان على من دون البلوغ منهما . اهـ .
وجاء في حديث الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ رضي الله عنها قالت : جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي ، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ . رواه البخاري ومسلم .
ثانيا : " الجارية " جاء في الأحاديث ويُراد به أحد معنيين :المعنى الأول : يُراد به البنت الصغيرة ، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة : عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة .
وكما في قول عائشة رضي الله عنها عن نفسها : فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن . رواه البخاري ومسلم . وكما في قولها في خبر حجّتها وعمرتها : فَإِنِّي لأَذْكُرُ وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعَسُ فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةَ الرَّحْلِ ! رواه مسلم .
وكما في قوله عليه الصلاة والسلام : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلامِ . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .قال الإمام البخاري : بَاب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلاةِ .
وقد يُطلق على الفتاة البالغة التي لم تتزوّج ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه : فَهَلَّا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ، أَوْ قَالَ تُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ ؟ رواه البخاري ومسلم .
ومنه قول عثمان رضي الله عنه لابن مسعود رضي الله عنه : أَلا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ ؟ رواه مسلم .
والمعنى الثاني : يُراد به الأمَة ، وهي مُلْك اليمين . ومنه ما جاء في خبر يوم خيبر ، وفيه : فَجَاءَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ . قَالَ : اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً ، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، لا تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ . قَالَ : ادْعُوهُ بِهَا ، فَجَاءَ بِهَا ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا . رواه البخاري ومسلم .
ومنه قول عليّ رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ . فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقَالَ : أَيْ بَرِيرَةُ ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ : لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا ، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ . رواه البخاري ومسلم .
ففي هذا الحديث جرى ذِكْر الجارية مرّتين ؛ الأولى يُقصد بها الأمَة ، والثاني يُقصد بها الفتاة الصغيرة السن . فقولي عليّ رضي الله عنه : " وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ " يُقصد به بربرة ، وكانت أمَة لِعائشة رضي الله عنها ، ففي رواية لمسلم : وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي .
وقول بريرة : " جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ " تعني بها عائشة رضي الله عنها . وعلى كُل فقد فُسِّر قول عائشة رضي الله عنها : " وعندي جاريتان " على المعنيين ، وليس فيه ما يُفهم منه أنههما كانتا حُرّتين بالغتين . والله تعالى أعلم .
المجيب الشيخ/ عبدالرحمن السحيم
عضو مركز الدعوة والإرشاد
..
.

