باقي الفصل السادس من رواية اصابع القمر
الجديد ، ولكن لابد ان تعترف بانها احست بالارتباك و السعادة عندما وجدت ستيفان يحملق مرة او مرتين اثناء لعشاء . ومن المؤكد ان نظراته التي كانت تتم عن الفضول من ناحية وعن عدم التشجيع من ناحية اخري بعثت في نفسها شعورا عميقا بالفرح وسمعت ليون بيدوبولوس يقول لها فجأة :- هل تروق لك بلادنا يا انسة غرانجر ؟ .
فظلت برهة تحدق فيه بغموض قبل ان تجيبه وهي تبتسم قائلة :- لم ار شيء في اليونان نفسها بعد يا سيد بيدوبولوس . كل ما هناك اني هبطت من الطائرة في نيقوسيا و من يومها لم اغادر داكوليس ابدا .
وخيل اليها ان ستيفان لم يبد مرتاحا الي قولها هذا وكأنهاعتبره انتقادا موجها لكرمه و ضيافته . اما هيلين فنظرت اليها و كأنها تقول لها حذرتك سابقا من القضبان الخفية التي تحيط بالجزيرة و تجعلها سجنا ، لكنها لم تكن نقصد وجيه اي انتقاد و نظرت الي ستيفان و تساءلت اذا كانت تستطيع اقناعه بذلك .وقال ستيفان بصوت البارد الهادئ :- لم ادري انك تودين السفر خارج الجزيرة . و اذا اردت الذهاب الينيقوسيا لمجرد التغير و الترويح عن النفس فليس هناك ما يمنعك من ذلك .
ابتسمت كاترين له و الامل يملأها و لمت عينيها الخضراوان لحماسها و خفق قلبها مرة اخري عندما طالت نظرته اليها و التقت عيناهما و لم يؤثر علي ذلك اي احساس يكون قد انتابها بالسخرية من نفسها و ربما كانت مجرد فتاة حمقاء ...
لكن تأثير هاتين العينين السوداويين عليهها كان يثير ارتباكها ، ولم يخطر في بالها لحظة واحدة انها شخص حر يستطيع مغادرة الجزيرة في اي وقت وقالت له :
- اووه ... كم اود الذهاب يا ستيفان اذا امكن ترتيب ذلك .
وبدأ نيكولاس يقول :- يمكنني ان ...
ولك يكمل حديثه بلاسكتته نظرة خاطفة ماهرة من اخيه الذي قال لكاترين :- لدي بعض الاوراق تحتاج الي توقيعك ، فاذا استطعت الاستعداد لسفر غدا وقت ذهابي الي قبرص يمكنك ان تأتي معي و هكذا ...
هز كتفيه العريضتين وهو يتذكر المثل القائل :- تضرب عصفورين بحجر واحد .
و نظرت كاترين اليه بتعجب و قالت :- اي اوراق ؟ .
ورفع ستيفان حاجبيه و رد عليها بهدوء :- بعض التنازلات بخصوص الاسهم .. علي ما اعتقد .
- اوه - نعم بكل تأكيد .
وكانت قد نسيت تماما مقابلتها مع مدام ميدوبوليس منذ يومين و النتيجة التي توصلنا اليها ، لكن يبدو ان ستيفان يريد اعطاء الاتفاق صيغة رسمية نهائية بأسرع وقت و سألها و عيناه السوداوان تتحديانها ان تغير رأيها :- لم تغيري رأيك ؟ .
وبسرعة هزت كاترين رأسها بالنفي و نظرت الي السيدة ميدوبوليس فرأت نظرات العجوز هادئة مسالمة ، لكن كاترين اضطربت بلا سبب واضح .
وكان ليون بيدوبولوس يتابع المناقشة بفضول و اهتمام قم التقت الي كاترين وعلي وجهه ابتسامة خاطفة مهذبة و سألها :-
- هل تملكين اسهما في شركة ميدوبوليس للملاحة يا انسة غرانجر ؟ .
ولاحظت كاترين ان هذا السؤال قد ساء ستيفان الذي قطب حاجبيه بسرعة فردت كاترين قائلة وهي تتعلثم :- نعم ترك والدي بعض الاسهم .
- نعم - طبعا والدك تركها لك و هذا يخالف العرف فالنساء هنا لا تهتم بتلك المائل يا مس غرانجر .
قال ذلك بهدوء وهو ينظر الي ستيفان نظرة متسائلة .
ضحكت السيدة ميدوبوليس برقة وهي تلمس كاترين بيدها النحيلة و تقول بلكنها الاجنبية القوية :
- كل شيء يتغير في هذه الدنيا يا ليون و كاترين فتاة عاقلة .
- يبدو ذلك .
قالها ستيفان مستندا رأي والدته غامضة و مرة اخري التقت نظراتها فشعرت كاترين برجفة ثم اردف يقول :- ارجو ان تكوني مستعدة صباح غد .. يا كاترين ..
و اكدت كاترين بسرعة :- نعم سوف اكون مستعدة . متي ننطلق ؟ .
ثم لتقت نظراتهما ثانية وقال :- بعد العاشرة بقليل و انصحك ان ترتدي ثوبا خفيفا فالجو يكون عادة حار في المدنية هذا الوقت من لسنة .
- نعم بالطبع .
كانت فرحتها كبيرة لمجرد فكرة ذهابهت الي قبرص مع ستيفان و عبثا حاولت تقنع نفسها ان سبب فرحتها هو مجرد التطلع الي رؤية مكان جديد بل كان يسعدها فعلا ان تمضي ولو بضع ساعات في صحبة ستيفان ، ولم تحاول اخفاء هذه الحقيقة عن نفسها .
لك نيكولاس لم يخف غضبه لعدم تمكنه من اصطحابها في تلك الرحلة و عندما غادر بدوبولوس و ابنته الجزيرة بعد العشاء خرج ليبحث عنها في الحدائق وهي تسير بين اشجار السرو الرابضة علي جوانب البحر قبض علي ذراعها بشدة و قرب وجهه الاسود من رأسها كانت انفاسة الدافئة تلفح اذنها عندما تحدث و تمنت كاترين الا يقترب منها علي هذا النحو ولم يمض علي مغادرة خطيبته الجزيرة سوي بضع دقائق فقط .. شعرت بالذنب عندما تذكرت اثينا ومدي حبها العميق لخطيبها .
- قولي لي يا كاترينا انك تفضلين الذهاب معي الي قبرص .
باقي الفصل السادس من رواية اصابع القمر
قال ذلك و عيناه تبرقان في ضوء القمر فردت عليه كاترين قائلة :
- ولكن لا يضايقني الذهاب مع ستيفان وهي في اية حال رحلة عمل يا نيكولاس ، رغم انني سوف اروح عن نفسي كذلك .
وضحكت برقة عندما قرأت في عينيه نظرة عتاب وود و قد بدا العبوس واضحا علي وجهه :- مع ستيفان ! لا بد ان احذرك من اخي البكر فهو يختلف عني كثيرا يا كاترينا .
- ولكنه اكثر منك جدية بالتأكيد .
ولكن كاترين لم تفهم المعني المستتر وراء قوله فحذرها مرة اخري قائلا :- هو ايضا لا يهتم بالفتيات الصغيرات مثلك .
ولمعت عينياه في ضوء القمر و شعرت كاترين انه يريد مصارحتها بشيء وتمنت الا تشعر بأي ذرة من القلق لذلك و سألته :- لست صريحا معي ؟ وكلامك لا يعني لي شيئا .
ثم خرجت من ظلال الاشجار الي ضوء القمر الكبير الذي كان يسبح في سماء بنفسجية اللون . وتقلصت اصابع نيكولاس علي ذراع كاترين و قبضت عليها بشدة ثم قال لها برقة :
- اتظنين انني لم الاحظ تلك النظرات التي كنت تلقينها الي ستيفان عندما ظنت ان احدا لا يراك يا جميلتي ؟ .
كان قريبا منها و احست كاترين بالدم يتدفق الي وجنتيها وهي تبتعد عنه بسعة و تخلص ذراعها من قبضته و قالت له بصوت خافت لاهثة :
- لابد ان لك خيال واسع يا نيكولاس ، فلم انظرالي ستيفان نظرات ذات معني خاص ، لماذا تعتقد انني كنت افعل ذلك ؟ .
فهز نيكولاس كتفيه العرضاين و قال :-النساء تجدنه جذبا انا اعرف هذا . وكلن ليس نوعك من النساء يا كاترين فأنت لست من دنياه .
وهل تعني اني من دنياك ؟ هل هذا ما تقصد !.
وكان في صوتها رنة عدم التأكد عندما ادركت ان ما قاله كان صحيحا ثم قال لها :
وكان في صوتها رنة عدم التأكيد عندما أدركت إن ما اله كان صحيحا ثم قال لها :- بكل تأكيد يا جميلتي .
و سألته وهي تعرف إنها تقسو عليه و لكنها كانت تشعر بذلك في تلك اللحظة حتى لو تألمت خطيبتك من النظرات التي كنت تصوبها إلي ، فأنت لست عادلا في معاملتك لأثينا يا نيكولاس ، لست عادلا علي الإطلاق .
ومرة أخري بدت علي وجه نيكولاس الوسيم إمارات الغضب و ضغط تكرارا علي ذراعها قوة وهما يسيران علي ذلك الشاطئ الجميل و قال لها :- إنها من اختيار ستيفان دعي ستيفان يتزوجها .
أثار رده السريع القاسي الشكوك في ذهن كاترين فلم تلتفت إلي المناظر الخلابة المحيطة بهما ، بل راحت تركل الرمال البيضاء بقدمها و قالت بهدوء :- ظننت انه سيتزوج إلينا اندرياس ، هكذا أخبرتني ماريا بعد كل شيء ايلينا موجودة هنا .
فرد عليها باقتضاب قائلا :
ولكن أيا منهما لا تجرؤ علي التفوه بكلمة واحدة في وجوده ، فستيفان ينظم حياة غيره ولا يسمح لأحد بالتدخل في خططه الخاصة .
لم تجد كاترين أي سبب منطقي لما شعرت به في تلك اللحظة ، لكن قلبها بدأ يخفق بشدة و نظرت فجأة إلي القمر الاصفرالكبير في السماء و شعرت بالفرحة تغمرها ثم قالت له :
وهل يعني هذا إن ستيفان لن يتزوج الآنسة اندرياس ؟ .
فقال نيكولاس وهو يهز كتفيه و الكآبة علي وجهه :
- من يدري ما الذي يدور في خلد ستيفان أحيانا أتمني أن يتزوج حتى لا يجد الوقت الكافي للتدخل في حياة الغير و أحالتها إلي الجحيم .
وتذكرت كاترين ثانيا هيلين و المرارة التي تشعر بها نحو ستيفان و كان واضحا إنها لم تكن ترغب في الزواج من غريغوري الذي كان في نظر كاترين أكثر الأشقاء طيبة و نبلا بين الثلاثة ثم سألت نيكولاس :
هل تعتقد إن هيلين سعيدة ؟ أنا لا أجدها سعيدة دائما .
قالت ذلك بلهجة حذرة فقط كانت كاترين غير متأكدة من ردة فعل نيكولاس اتخاذها حياة هيلين و غريغوري كمثل فنظر إليها نيكولاس بعينين داكنتين ولم يقل شيئا ، وتساءلت فعلا إذا تضايق من هذه الإشارة . ثم وضع ذراعا حول كتفيها و ضمها هامسا .
الم تعرفي شيئا عن هيلين .
ومرة أخرى تذكرت كاترين ليلة وصولها إلي الجزيرة و تلميح ستيفان عن شيء بين والدها و ستيفان وسلوك هيلين بعد ذلك معها و جازفت بقولها :
- اعتقد إن هناك شيئا لدي هيلين يجعلها تبدو تعيسة ولا ادري ماهو لكني اعتقدت انه يتعلق بوالدي .
وأخيرا باحت كاترين بما أرادت وفي وسع نيكولاس أن يبخرها بكل شيء الآن أو يقول لها إنها مخطئة و ينتهي الشك الذي يساورها . وبدا علي نيكولاس التفكير العميق برهة علي نحو لم تعهده من قبل ثم ظل صامتا و خافت كاترين أن تبدد ذلك الصمت إلي أن قال أخيرا بهدوء :
- لا ادري كيف علمت ولا أظن أن هيلين أخبرتك بشيء و أنا متأكد أن ستيفان لم يبح لك كذلك بالسر .
فقالت له بصوت هامس :
باقي الفصل السادس من رواية اصابع القمر
لاحظت أشياء كثيرة .
فابتسم و أسنانه البيضاء تضيء وجهه الأسمر الوسيم مهننا كاترين علي فطنتها قائلا :
إذن فأنت علي حق يا جميلتي فقد كانت هيلين علي علاقة بوالدك .
ولم تكن تصدق أو تتوقع رد نيكولاس الذي لم يراع شعرها فنظرت إليه و سألته بعد لحظة :
علاقة بينهما ؟
هالك هذا الخبر يا كاترينا ، لكنك لم تعرفي والدك جيدا .
اعترفت كاترين بذلك قائلة :- أكاد لا اعرفه بالمرة إلا قليلا .
ولكن لابد انك تعلمين انه كان يمضي معظم أوقاته في اليونان ؟ .
وارمات كاترين قائلة : - نعم اعلم ذلك إذا كان يحب البلد و أهله .
ثم حكي نيكولاس لهل هذه القصة :
قابل غريغوري والدك في منزل احد الأصدقاء ، وفي أحدى الأمسيات دعاه غريغوري لتناول العشاء في الجزيرة ، وكانت هيلين باعتبارها خطيبة لغريغوري وقتئذ ، ومن أول لحظة وقعت في حبه مما جعله يتيه بهذا الحب .
و ابتسم نيكولاس ابتسامة تدل علي الأسف وهو يشير إلي نقائص والدها :
- كانت هيلين جميلة ولم تتجاوز الثانية و لعشرين من عمرها بعد ، ولكنها كانت جادة في حبها أكثر من والدك .
فقالت كاترين بصوت خافت :- كان اصغر من والدي في ذلك الوقت بحوالي عشر سنوات .
فأومآ نيكولاس و قال :- لابد انه أحس بفخر لوقوع تلك الفتاة الجميلة الصغيرة في غرامه .
و قالت كاترين بلهجة تنم عن الآسي :- مسكينة هيلين .
ووافق نيكولاس علي كلامها و استطرد قائلا :- فعلا ... مسكينة هيلين ولكن كان يجب عليها أن تعرف إنها الخاسرة لأنها كانت مخطوبة لغريغوري وكان لا يسمح لأحد بالتدخل لفك هذا الارتباط .
وردت كاترين : تقصد مشاريع ستيفان ؟ الآن فهمت لماذا تتحدث بمرارة شديدة .
قال نيكولاس وقد بدا عليه الولاء لأخيه علي غير توقع :
ليست مشاريع ستيفان فقط بل كانت العادة أن يبدأ ليون بيدوبولوس بالخطوة الأولي ثم ينفذ ستيفان الباقي ، أما هيلين و غريغوري فلم يعترضا علي هذا الزواج في بادئ الأمر وألا ما كان ستيفان يوافق عليه .
وتذكرت كاترين زوجة أبيها الشابة الجميلة الحزينة و قالت :- ولكن ماريا ؟ كيف تزوج والدي من ماريا ؟
فهز نيكولاس كتفيه و سرح قليلا كأنه يستعرض أيضا ذكرياته مع شقيقته ثم قال ببساطة :- أحبته ماريا و اعتقد إن جورج أحبها ولكن علي طريقته الخاصة .
ولأول مرة في حياتها شعرت كاترين بالمرارة الحقيقية في قلبها لسلوك والدها ثم أردفت تقول :
وطبعا آلت إليه الأسهم في شركة الملاحة أيضا .
وهز نيكولاس رأسه موافقا :
من العرف أن تهدي العروس زوجها بيتا كجزء من هدية العرس ولكن بما إن ماريا عاشت بعيدا عن وطنها أعطته الأسهم بدلا من البيت .
يا الهي !! .
وأغمضت كاترين عينيها مثقلتين بالدموع وبكت علي مصير زوجة أبيها الحبيبة التي تركت وطنها و قالت :
الوضع .. الوضع ليس أفضل كثيرا من وضع العبيد . أليس كذلك ؟
ونظر إليها نيكولاس في فضول و راحت عينياه الداكنتان تتفرسان في ملامحها التي بدت صغيرة شاحبة في ضوء ذلك القمر الكبير ، وكانت عيناها لا تزالان ممتلئتين بالدموع ووضع نيكولاس يده برقة علي خدها وقرب وجهها منه و كانت ذراعه لا تزال تحيد بكتفيها و قال بصوت هامس :
انك تتأثرين كثيرا بمثل هذه الأمور يا جميلتي . ماريا في أي حال تزوجت الرجل الذي أحبته رغم إنها لم تكن تراه كثيرا بعد الزواج .. وكان زواجها بمن تحب أكثر مما يمكن أن تفعله فتيات كثيرات .
نيكولاس .
قالت كاترين وهي تتطلع إليه بعينيها الخضراوين اللتين بدا فيهما القلق واضحا في ضوء القمر
انه ... اقصد ستيفان لن يفعل أي شيء مماثل بالنسبة إلي !
تقصدين يتدخل في زواجك ؟
زبدا نيكولاس كأنه يفكر مليا في الأمر ثم قربها منه و ضمها بين ذراعيه و أخذت أنفاسه الدافئة تلفحها ثم قال بصوت هامس :
إذا حاول ذلك يا جميلتي فسوف نهرب معا و نتحداه .. إنني اقسم لك علي ذلك ! .