-
إحم إحم :تدخين:
العفووووووووو عيوني
المهم رجعتيلنا بالسلامة
والله اشتقنا::سعادة::
و انشالله اجازة سعيدة للكل
انا عني بكرة رايحة علي البحر
بتحبو تيجو معي ؟؟:d
سلاااام
مووو::سعادة::ووواه
-
yes
-
مشكووووورين على الرواياااااااااااات اللي بتجنن
اخيرن رجعتي ماري - انطوانيت اشتقنااااااااااا لك كثيييييييييير
واذا تبون احد يساعدكم في رواية شهر عسل مر انا حاضره
عندي سؤال صغيرون وش اسم الروايه اللي هي تتزوج واحد تحبه من بكرا يقول لها انا ماتزوجتك الا عشان
انتقم من جدك .
وبعد خمس سنوات يتلاقون وكانت هي محتاجه فلوس عشان تنقذ الشركه عاااد هو يتزوجها مره ثانيه :cool:
خخخخخخخخ>>>>>خلاص عااد :تدخين:
لا من جد اللي تعرف وش اسم الروايه اعطيها بوسه هع ;)
-
شكرا ليكم
يا بنوتات
على هذا المجهود
وإن شاء الله
بتابع معاكم
.....
لأني من هوات
تجميع قصص (( عبير ))
.....
وتسلم إيديكم جميعا
..
تقبلوا مروري
..
أختكم: يويو
yoyooo
-
مرحبا أختي اسم الرواية هي القدر القاسي و هاي الرواية بتعنيلي كتير لأنو أول رواية بقراها (كتير حلوى) ازا عجبتكو يا بنات فيني اكتبا بس رح طول بكتبتا لأنو طويلي شوي وين البوسه :p
-
مشكورة على مجهودك الرائع :)
-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بما انو محد لسة قرر يحط روايه أحب اشارككم بدي الرواية وهي من الروايات اللي نالت اعجابي واتمنى انها تنال اعجابكم
وهادا الملخص ::
روايات أحلام
دائرة الخطر
-256-
هيلين بيانشين
-ماذا تفعل هنا الليلة؟
-أريد الثمن!
-وثيقة الزواج لا تحولني إلى متاع تملكه.
-لا أريد المناقشة ولا المفاوضة. أريد فقط إما نعم وإما لا...
استفهمت ساندرين بشجاعة: "وإذا رفضت؟"
-سوف أغادر هذا المكان.
ويخرج من حياتها؟ كما خرجت هي من حياته؟
لماذا يتملكها شعور بأنها تقف على حافة الهاوية, وبأنها إذا أقدمت على أي خطوة خاطئة ستسقط إلى أعماق مجهولة؟
-أنت لا تلعب بإنصاف!
-هذه ليست لعبة!
لا! لم تكن لعبة.. كرر مايكل بهدوء قائلا:
-نعم أو لا؟ !!
-
بسم الله أبدأ
1-من سيدفع الثمن؟
صاح المخرج:" هذا يكفي!".
كانت هذه أجمل كلمات سمعتها ساندرين خلال اليوم, وهي ترفع يدها إلى رأسها تنزع الشعر المستعار المتقن الصنع.
لم تكن الأزياء التي ظهرت بها في الفيلم مريحة. كما لم يكن مريحا بالنسبة لها, المشد المزين بالدانتيلا الذي يبرز خصرها النحيل.
وإذا ما أضفنا إلى ذلك الحرارة المنبعثة من أنوار الأستوديو, والممثل المصاب بالغرور وجنون العظمة, والمخرج الجهنمي, فإن مقولة: يجب أن يعاني المرء في سبيل فنه, مناسبة جدا لوصف هذه الحال.
-هل تسمحين بكلمة يا حبيبة؟
جمدت في مكانها, فكلمة حبيبة, عندما ينطق بها طوني, لا تعبر عن المودة. واستدارت ببطء لتواجه المخرج العجوز ذا الموهبة الأسطورية وسلوك أزقة نابولي.
اخترقتها نظراته الحادة وهو يقول:" العشاء عندي الليلة, الساعة السابعة".
ثم أدار رأسه ولوح بيده شاملا زملاءها الممثلين الخمسة:" الدعوة للجميع".
تأوهت ساندرين بصوت مكتوم. فكل ما كانت تتطلع إليه هو أن تخلع ملابس التمثيل, ونأخذ حماما, وترتدي ملابسها العادية. . ثم تقود سيارتها إلى الفيلا القريبة من الشاطئ التي تقيم فيها خلال تصوير الفيلم, فتتناول وجبة خفيفة ثم تنكب على حفظ دورها ليوم غد.
سأل بطل الفيلم متهكما:
-هل لنا أن نعرف السبب؟
أعلن لهما المخرج بإيجاز:
-المال نحتاج إليه لإنهاء الفيلم. إذا ما طلب الممول مقابلة فريق العمل لمد الفيلم بالأموال الضرورية, فليكن له ما يريد.
رددت ساندرين:
-الليلة؟
أصابتها سهام نظراته الغاضبة وهو يرد عليها:
-هل لديك مشكلة في ذلك؟
إن كانت لديها مشكلة, فالإفصاح عنها لن يجدي نفعا على الإطلاق. هزت كتفيها استخفافا وقالت من دون اكتراث: " لا أعتقد".
جال بنظراته الثاقبة مثل النسر على باقي أفراد المجموعة:
-هل ثمة معترض أيضا؟
احتج بطل الفيلم قائلا:
-كان باستطاعتك أن تخبرنا سلفا.
رد المخرج, وقد وجد أنه يستحق التقريع لتهوره :
-هذا أمر صعب, فالرجل وصل البارحة ليلا.
-حسنا حسنا. لقد فهمت الوضع.
رد عليه بصوت مخيف:
-يسعدني سماع ذلك.
ثم التفت إلى ساندرين متنهدا بانكسار:
-نحتاج إلى الاستمرارية.
انتهت من تبديل ملابسها في ربع ساعة, ثم عبرت موقف السيارات وصعدت خلف مقود السيارة المستأجرة. كانت ترتدي سروالا قصيرا وتي شيرت. أما شعرها الطويل الناعم فقد عقدته إلى الخلف تفاديا لحر الظهيرة الخانق. وما هي إلا دقائق حتى انطلقت على الطريق السريع الجنوبي.
كانت الفيلا التي استأجرتها لها الشركة المنتجة تتألف من طابقين وتطل على شاطئ كوينزلاند الذهبي. ولا تبعد عن استديوهات شركة كوميرا للسينما سوى عشر دقائق بالسيارة.
شغلت المسجل وتركت موسيقى البوب تخفف توتر يوم عمل قاس.
قالت في سرها وهي تنعطف بالسيارة نحو خور سانكتشوري, إن المنظر يبعث الهدوء والسكينة في النفس. ثم اجتازت البوابة إلى واحدة من المجمعات السكنية وانحرفت ببطء إلى الطريق الفرعي الذي يقود إلى مجموعة من الفيلات المطلة على الشاطئ.
فرشت شقتها المبلطة بالرخام الجميل بأثاث ناعم و أرائك وكراسي جلدية وثيرة. وكان المطبخ المزود بكافة الأدوات الحديثة متعة لأي طاه. كان تصميم الفيلا الواسعة مريحا, فالسلم الدائري يقود إلى الطابق العلوي وينتهي برواق يؤدي إلى ثلاث غرف واسعة للنوم.
ويطل الصالون وغرفة الطعام على شرفة مرصوفة وبركة للسباحة, وعلى مرسى للزوارق.
رمت ساندرين حقيبة يدها وارتدت ملابس السباحة وأمضت بضع دقائق ثمينة في بركة السباحة. كانت بحاجة إلى نشاط جسدي لإراحة الأعصاب, وإلى برودة المياه للتخلص من التشنج المتواصل.
أفادها الدوش لاحقا في استعادة نشاطها. جففت شعرها واتجهت إلى غرف الملابس الواسعة.
لم يخطر ببالها أنها ستحضر مناسبات اجتماعية حين حزمت أمتعتها على عجل, لتقيم هنا بشكل مؤقت. وكانت معظم ملابسها موزعة على منازلها الثلاث الفخمة التي لا يمكن مقارنتها بهذا المسكن أبدا.
أنبت نفسها وهي ترمي ثوب السهرة على السرير وتخرج من الخزانة حذاء ذا كعب عال رفيع وحقيبة سهرة سوداء تناسب الثوب, لا تتجرئي حتى على التفكير بهذه المنازل وبالرجل الذي شاركك إياها!
ومع ذلك عادت إليها صور الماضي, وقسمات وجهه المنحوتة بكل تفاصيلها الساحرة, لاسيما عيناه الرماديتان اللتان تنفذان مباشرة إلى روحها وفمه القاسي.
مايكل لانييه, في منتصف الثلاثينات من عمره, يكبرها بعشر سنوات, وهو رجل أعمال ناجح, يرعى الأعمال الفنية. شعر داكن وعينان غامقتان, أشبه بأمير من عصور النهضة وطباعه كطباع رجل عصابات. ولد في مرسيليا من أبوين فرنسيين, تعلم في فرنسا أولا ثم أنهى تعليمه في أمريكا.
كزوج وكعاشق, هو الرجل الذي خلبها لبها, واحتضنها بذراعيه وقلبه, وجعلها زوجته.
التقيا خلال حفلة أقامها صديق مشترك لهما في نيويورك. كانت ساندرين قد انتهت لتوها من عرض أزياء, وتستعد للعودة إلى سيدني في الأسبوع التالي لمتابعة تصوير مسلسل تلفزيوني اوسترالي طويل.
ركبت ساندرين الطائرة وإلى جانبها مايكل. وفي غضون أسبوع قدمته إلى عائلتها, وتم إعلان خطوبتهما, مما اضطر كاتب السيناريو إلى إعادة النظر في دورها. وحالما انتهت من تصوير الحلقات المثيرة, التي تختتم بحادث يؤدي إلى وفاتها, عادت مع مايكل إلى نيويورك.
عقد زواجهما بعد شهرين في احتفال هادئ اقتصر على أفراد العائلتين فقط. وأخذا بعد ذلك يوزعان أوقاتهما بين نيويورك وباريس. اشترى مايكل شفة فخمة في حي راق من سيدني, تشرف على مناظر الميناء الرائعة. وحينها قال لها مايكل إن هذه الشقة ستكون قاعدتها الاسترالية.
ارتدت ساندرين ملابسها, وجلست أمام المرآة لوضع زينتها, وهي مشغولة البال. جرت الأمور بينهما بصورة مثالية في الشهور الستة الأولى. . . مثالية أكثر مما ينبغي.
بدأت المشكلة منذ ثلاثة أشهر عندما أمضيا أسبوعين في سيدني قام خلالهما أحد الأصدقاء بإعطائها سيناريو مسلسل تلفزيوني لتقرأه. وجدت القصة جيدة, لا بل ممتازة. وشعرت بانسجام فوري مع شخصية القصة الثانوية, وامتلأ ذهنها بصور عن كيفية لعب هذا الدور, فأبت أن ترحل.
كانت ساندرين تعرف أن مواعيد التصوير لا تتماشى مع برنامج مواعيد مايكل في أوربا. وأدركت أنه لن يوافق أبدا على بقائها في اوستراليا أربعة أسابيع من دونه.
وخطر في بالها القيام باختبار لأداء دور, رغم أن فرص نجاحها غير مشجعة, ثم صرفت النظر عندما عادت بعد بضعة أيام إلى نيويورك.
إلا أنها تلقت في ما بعد اتصالا من وكيلها يؤكد حضورها على الفور, مما جعلها تشعر بمزيج من الحماس والاضطراب. وكان من المفترض أن يبدأ الإنتاج في استديوهات كوميرا بكوينزلاند, بعد شهر.
وقعت على العقد الذي وصلها بالبريد ولكنها تلكأت في اطلاع مايكل على الأمر, وهي تعي جيدا ما ستكون عليه ردة فعله. وكان كل يوم يزيد اطلاعه على الأمر صعوبة, حتى لم يبق على موعد ذهابها غير أيام قليلة.
استرجعت الكلمات في رأسها مئة مرة, ومع ذلك لم تنطق بأي منها بنبرة مناسبة. وما بدأ نقاشا تدهور بسرعة ليصبح جدالا عنيفا, دفعها في نهاية المطاف إلى وضع بعض الملابس في حقيبة, والرحيل عند ساعات الصباح المبكرة. أقامت في فندق حتى موعد قيام رحلتها المقررة إلى مدينة بريزبان الاسترالية.
-
قدرت ساندرين بأن أربعة أسابيع ليست دهرا, ولكنها مع ذلك شعرت بالهوة المادية والمعنوية التي اتسعت بينهما إلى درجة خشيت معها ألا تتمكن من تجاوزها أبدا.
والأسوأ من ذلك, أن تصوير الفيلم شهد تأخيرا بعد تأخير. وامتدت الأسابيع الأربعة لتصبح خمسة ثم ستة. وبدأت ميزانية الفيلم تتقلص مع دخولهم الأسبوع السابع.
ابتعدت ساندرين عن المرآة, ووضعت مشبكا في شعرها الذي لفته فوق رأسها ثم انتعلت الحذاء الأسود الأنيق والتقطت حقيبة السهرة ونزلت إلى الطابق السفلي في طريقها إلى الخارج.
ولفحها نسيم البحر الخفيف وهي تعبر الممر إلى شقة طوني على شاطئ ماين.
بعد دقائق انضمت ساندرين إلى مجموعة زملائها الممثلين. كان الجميع يحتسي شرابا باردا على الشرفة الدائرية الواسعة المطلة على المحيط.
وعندما قدم لساندرين كأس عصير أخذت تحتسيه ببطء وهي تجول بنظراتها المتثاقلة على المدعوين. ولاحظت أن الكل قد حضر باستثناء ضيف الشرف, وتساءلت في ذهنها عمن يكون.
لاحظت ساندرين بعد دقائق تغيرا في الأحاديث المتبادلة, وتحولا في النبرات جعلها ترفع رأسها.
إذن وصل أخيرا. . وقد تأخر نصف ساعة عن موعده.
أثارت حاسة سادسة, ربما, انتباهها, فألمت بها موجة شديدة من الخوف.
تمتمت كايت بصوت خفيض:" يالحظي".
انسابت على طول عمود ساندرين الفقري رعشة مضطربة, وهي تستدير ببطء لتلقي نظرة شاملة على ما يجري في المكان.
هنالك رجل واحد يمكنه أن يحدث مثل هذا التأثير. الرجل الوحيد الذي تآلفت روحه مع روحها وكأنهما توأم.
وأبصرت ساندرين, على حين غرة, رجلا فارع الطول. فشعرت باضطراب حواسها وهي تتفرس في منكبيه العريضين, وقسامته الدقيقة وتسريحة شعره المحافظة. كان شعره الطويل بعض الشيء يضفي عليه بدائية توازي جاذبيته, جاذبية الرجل نفسه.
كانت تهوى تمرير أصابعها في شعره الحريري الكثيف ولم تشعر يوما بمثل هذا الإحساس الذي يجتاحها حين يضع رأسه بين يديها.
كانت أيام حلوة هانئة, عندما قاد الحب وحده خطواتهما, حين أعطته كل شيء ولم تحرمه أبدا.
راقبت مايكل وهو يتحدث رافعا رأسه. وكأنه أحس أيضا بوجودها. تشابكت نظرتها مع نظراته الحادة الثاقبة, الخالية من الدفء والفكاهة. وتوقف الزمن, فيما تلاشى كل شخص, كل شيء أمام ناظريها.
لم يعد هنالك غير مايكل. الرجل واللحظة والتفاعل الملح بينهما.
أحست أنها وقعت تحت تأثير سحري وشعرت بقوة جاذبيته. شيء ما بدائي جدا حولها إلى امرأة مشرعة الأبواب وغير حصينة أبدا.
ثم ابتسم لها, فعادت بالذكرى إلى لقائهما الأول, عندما نظرا إلى بعضهما البعض عبر غرفة مزدحمة بالناس.
غير أن الماضي لا مكان له في الزمن الحالي. استطاعت أن ترى ذلك في توقد عينيه الرماديتين الجميلتين المفاجئ وأن تحس بذلك في وقفته.
لغة الجسد! لقد درستها من أجل مهنتها الفنية وأصبح بإمكانها أن تحدد معنى كل حركة وكل لفتة.
هل لاحظ أي شخص آخر القسوة الباردة, أو الغاضب الكامن المتربص تحت رباطة جأشه؟ ارتسمت على قسماته سيماء من يضمر في نفسه شيئا, ومسحة من الوحشية الصرفة, التي إن أفلت زمامها لأصبحت قاتلة.
كان رجلا لا ينجرف وراء الأوهام. وقد صقله مسار حياته منذ الصغر, وقدره الذي جعل الكثير من أترابه يحسدونه عليه.
لاحقته ساندرين بنظراتها مسحورة ومسمرة وهو يتمتم بكلمات الاعتذار إلى مضيفه ثم يعبر الغرفة ويخرج إلى الشرفة.
أظهرت ملابس أرماني الفاخرة التي يرتديها, عضلاته المفتولة, وقوامه الفارع القوي. وبدت كل حركة من حركاته رشيقة ومرنة مثل حيوان مفترس بديع.
انتفض قلبها بقوة وتسارعت نبضاته. وتوترت أعصابها, عندما بدأ يقترب منها, ولم تستطع أن تفكر في أي كلمة منطقية تقولها له. وبعد الكلمات الطائشة التي رماها كل منهما بوجه الآخر منذ أسابيع, بدت لها كلمة (مرحبا) تافهة للغاية.
ما إن يرمقها بنظرة حتى يذوب قلبها, فطوال سبعة أسابيع لم تخمد حدة مشاعرها يوما.
ووبخها صوت خفيض في داخلها, ماذا كنت تتوقعين؟ لقد راود أحلامك كل ليلة منذ تركته, وغزا أفكارك كل يوم حتى كاد يشوش عليك عملك.
استعرت المشاعر بينهما, ولكن ترافق ذلك أيضا مع غضب, لم يكن من الممكن تناسيه, أو الصفح عنه.
-ما الذي تفعله هنا؟.
أهذا صوتها؟ بدت نبرته باردة جدا, هادئة جدا, بينما اشتعلت في داخلها كتلة متوقدة من العواطف المتضاربة.
-لقد أنهيت أعمالي في أوروبا.
حكمت عقلها وفكرت بصورة منطقية. كان لديه اجتماعات مهمة تقتضي حضوره شخصيا, ولا يمكنه أن يبعث من يمثله فيها. ولكن كيف برر عدم وجودها معه لعائلته في باريس؟ لشقيقه الأكبر راوول, أو لجدته؟
حكمت عقلها وفكرت بصورة منطقية. كان لديه اجتماعات مهمة تقتضي حضوره شخصيا, ولا يمكنه أن يبعث من يمثله فيها. ولكن كيف برر عدم وجودها معه لعائلته في باريس؟ لشقيقه الأكبر راوول, أو لجدته؟
أحست بالندم للحظة, وبالأسف نحو كبيرة الأسرة العجوز, التي تحكم أفراد أسرتها بيد من حديد. إن قلبها مثل قلب طفل, وهي تحبها كثيرا.
ردت ساندرين عليه متحدية:" واكتشفت أنني لم أقبع في شقة نيويورك بانتظارك".
شمخت رأسها قليلا ولمع اللون اللازوردي في عينيها مثل لمعان الذهب وهي تضيف:
-. . . خانعة ومنكسرة القلب لأنني خيبت أملك؟
فأقر بسخرية مريرة:
-أمر صعب.
فتحت ساندرين فمها لتجيبه, ولكنها أطبقته ثانية. فيكفي أن يرفع سماعة الهاتف ويعطي تعليمات لشخص ما ليبلغه بكل حركاتها. أثارت هذه الفكرة غضبا لا يحتمل في نفسها.
هاجمته بحدة مهذبة, ولو كانا وحيدين, لضربته, أو بذلت كل جهدها في المحاولة:
-ما غايتك يا مايكل؟
-لم تردي على أي من الرسائل التي تركتها لك على المجيب الآلي.
كانت تخزن كل المخابرات التي تتلقاها, وتنتقي الرسائل التي ترد عليها.
-ما الفائدة, بعد ما قلنا كل ما يجب قوله؟
-لا يمكن حل أي شيء في غمرة الغضب.
ألهذا تركها ترحل وهو واثق من أنها ستعود إلى صوابها وتهرع إليه؟
كم من الليالي أمضتها وهي مستلقية تقاوم الرغبة في القيام بذلك؟
إن كبرياءها وعزمها, منعاها من تغيير موقفها. مثلما منعها تفانيها في العمل, والعقد القانوني الذي يربطها بالشركة المنتجة.
نظرت إليه بحذر, ولاحظت الخطوط الرفيعة التي انتشرت على زاويتي عينيه الخارجيتين والهالات السوداء تحتهما. وبدت لها الخطوط الخفيفة على خديه أكثر عمقا, إلا إذا تخليت ذلك.
كانت هاتان العينان الرماديتان في الماضي تضجان بالمشاعر. . . لها ولها وحدها. كانت تنظر إلى أعماقهما وتذوب, أما الآن فلم يبق فيهما غير السوداوية والقسوة التي جمدت أوصالها.
ردت ساندرين عليه بتحد:
-لم توضح لي لماذا أنت أحد المدعو ين إلى شقة طوني؟
لاحظت أنه رفع أحد حاجبيه وهو يجيبها:
-أتعنين أنك لم تحزري؟
كانت السخرية الناعمة الواضحة في نبرته, تنطوي على إشارة فولاذية قطعت أنفاسها.
-انتهت مهامك في أوروبا وجئت لتحملني إلى البيت؟
لم تفته سخريتها فلوى فمه بتهكم وقال:
-لم تصيبي, حاولي ثانية.
قضى الغضب على خوفها:
-إذن جئت لتطلقني.
لم تتغير تعابير وجهه ولكن شيئا ما في عينيه, جعلها أشد قسوة.
-لم يحدث أي طلاق في أسرة لانييه منذ ثلاثمائة سنة.
-أتعني أن النساء عانين من تحكم رجال عائلة لانييه الاستبدادي لقرون من دون أن يشتكين بكلمة؟
-أتخيل أن أي شكوى كانت. . .
توقف لحظة عن الكلام ثم تابع:
-
-. . . تعالج سريعا بطريقة مرضية.
فهمت باطن كلامه وجارته:
-العلاقات ليست حلا لكل شيء.
-الحب
غني عن القول أن هنالك فرقا. يا للسماء, فرقا كبيرا!
لاحظ ردة فعلها إذ غزى الاحمرار وجهها واختلج حلقها ورفرفت أهدابها بصورة فجائية وسريعة جدا في محاولة لستر ردة فعلها. وأشعره ذلك بالرضى.
-لم تجب عن سؤالي.
-أي سؤال بالضبط؟
قالت: " ما الذي تفعله هنا, الليلة؟".
حدق إليها بنظرات ثاقبة ملؤها السخرية والتهكم:" السبب في حضوري يا حبيبتي هو أنني ضيف الشرف في هذه السهرة".
-ضيف الشرف.
ما الذي دفعه لأن يمد المشروع باعتمادات مالية تكفي لإنقاذ الفيلم؟
أكد لها الأمر بانحناءة خفيفة من رأسه ثم سأل بهدوء جعل أوصالها ترتعد:
-من سيدفع الثمن؟
شعرت بانقباض مؤلم في معدتها وهي ترد:
-وما هو ذلك الثمن؟
أتاها الجواب, مختصرا وصارخا وجازما:" المصالحة".
يا رب! دعاؤها لله لم يكن له أي علاقة بالكلمات التي احتبست في حلقها.
استطاعت بطريقة ما أن تستجمع شجاعتها لمواجهته:
-وثيقة الزواج لا تحولني إلى متاع تملكه.
لاحظ مايكل شحوب قسماتها, وعينيها اللتين بدتا كبيرتين على وجهها, والنقص في وزنها, و بالكاد استطاع أن يتمالك نفسه لئلا يهز عنقها النحيلة.
شعرت ساندرين بالنظرات المتحفظة حولها, وبالفضول الذي أثارته تصرفات مايكل. كانت تعابير كايت ليندن متماسكة رغم برودة عينيها الزرقاوين البراقتين.
لم ينشر خبر زواجهما في الصفحات الاجتماعية للصحف العالمية. وشكت في أن يعرف أي من الحاضرين هوية ضيف الشرف, أو علاقته بالممثلة الثانوية غير المشهورة جدا.
-هذا ليس الوقت ولا المكان لمناقشة الأمر.
كانت ابتسامة مايكل مجرد تمثيل:
-لا أريد المناقشة, ولا المفاوضة. أريد فقط إما نعم وإما لا ببساطة.
ببساطة؟ كيف بإمكانه اعتبار أمر معقد بهذا الشكل بسيطا؟
-لا تستطيع فرض شروطك.
-انتظري وسترين.
-هل تبتزني يا مايكل؟
هز كتفيه مستخفا بفكرتها غير الجديرة بالاعتبار:" سميها كما تشائين".
استفهمت ساندرين بشجاعة:" وإذا رفضت؟".
شعرت بأن ما ارتسم في عينيه الداكنتين أقرب إلى الوعيد الشديد:
-سوف أغادر هذا المكان.
ويخرج من حياتها؟ كما خرجت هي من حياته؟
لقد فعلت ذلك مؤقتا. إذن لماذا يتملكها شعور بأنها تقف على حافة الهاوية وإن هي أقدمت على أي خطوة خاطئة ستسقط إلى أعماق المجهول؟.
كان باستطاعتها أن ترى غايته المحمومة محفورة في تعابير وجهه وزاد ذلك من تقلصات معدتها المؤلمة.
-أنت لا تلعب بإنصاف.
لم تتغير تعابير وجهه وهو يرد:
-هذه ليست لعبة.
لا, لم تكن لعبة. ومع ذلك كرهته بسبب لجوئه إلى هذه المناورات التكتيكية.
كرر مايكل قوله بهدوء قاتل:
-نعم أو لا. .
☻☺☻☺☻
-
2-إني خيرتك فاختاري!
أخذت ساندرين تتفحص مايكل جيدا, بعينين مستقرتين, ورباطة جأش ظاهرة. غير أنها كانت تعرف مقدار ما تبذله ن جهد للحفاظ على هذا المظهر الهادئ.
-أنا واثقة من أن لدى طوني مصادر أخرى للحصول على التمويل اللازم.
-لقد استهلكها جميعا.
-كيف أمكنك أن تعرف ذلك؟
لم يستوجب هذا السؤال ردا منه. وأقرت في سرها بامتعاض, أن عائلة لانييه تملك الكثير من الاستثمارات, كما أن مايكل نفسه رجل ثري جدا وبالتالي لديه علاقات توصله إلى مثل هذه المعلومات الشخصية.
وبدون مال, لن يكتمل الفيلم, ولن يجد طريقه إلى صالات العرض.
ولم يرق لها أن يصبح مصير الفيلم بين يديها, ولا مخططات مايكل الماهرة.
رد مايكل بدون اكتراث:" باستثناء غريغور أندرس, لا يتضمن الفيلم أسماء نجوم مشهورين لإنجاحه وجذب الجمهور إلى شباك التذاكر.. فيما يتهافت كل من منتج الفيلم ومخرجه لإنعاش أوضاعهما المهنية المتضعضعة بعمل فني غير مسبوق".
كانت ساندرين تعرف أن ممولي الفيلم وضعوا ميزانية محدودة لا تكفي لتصوير فيلم مميز, كما أن التأخيرات المتكررة والمصاريف المتزايدة جعلت مشروع الفيلم مجازفة كبيرة لا يقبل عليها أي مستثمر واع.
ألقت ساندرين عليه نظرة وقالت:" أهذا رأيك؟".
لم يزحزح مايكل نظراته:" ليس رأيي فقط".
-إن كان ذلك صحيحا, فما السبب الذي دفعك إلى تمويل الفيلم؟
لم تتغير تعابير وجهه, وظنت لبضع ثوان أنه لن يجيب على سؤالها, ولكنه رد بتهكم:" بصراحة يا ساندرين؟ أنت".
اتسعت حدقتا عينيها ثم أطبقتهما قليلا.
-ماذا اعتقدت أني سأفعل؟ هل أتركك ترحلين عني هكذا, بكل بساطة؟
صرت أسنانها وعدت حتى عشرة ثم أنكرت بسخط:" كنت ملزمة بعقد, ولو لم ألتحق بالعمل في الموعد المقرر, للاحقوني قانونيا".
-عقد, أقدمت على توقيعه من دون أن تخبريني.
-كنت غارقا في اجتماعاتك الأوربية.
-ألن تقدميني يا حبيبتي؟
اللعنة, بالكاد استطاعت ساندرين أن تبتلع الشتيمة الحاقدة حين وضعت كايت ذراعها حول خصرها, في حركة تظهرهما كصديقتين حميمتين جدا.
تدخل مايكل بكل تهذيب مقدما نفسه:" مايكل لانييه".
-كايت ليندين.
حاولت بابتسامتها وصوتها وحركاتها ترك أكبر أثر ممكن:" إذن أنت الفارس ذو الدروع المجلجلة".
راقبت ساندرين كايت وهي تنظر إليه بوله.
-وزوج ساندرين.
شعرت بشهقة كايت الخفيفة, ولاحظت ابتسامتها الباهتة وأحست بضغط أصابعها على خصرها.
سلمت بالأمر وهي تستدير لتلقي نظرة باردة على ساندرين:" يا لتكتمك!".
أمسك مايكل يد ساندرين ورفعها إلى شفتيه, ثم نظر مباشرة إلى كايت:" هل تسمحين؟ كنا في خضم نقاش خاص".
يا الهي! إنه لا يوفر أحدا. راقبتها وهي تبتسم ثم تستدير على عقبيها وتبتعد عنهما وهي تهز ردفيها بفجور.
علقت ساندرين بخفة:" غزوة أخرى".
-دعينا نركز على هذه المسألة الملحة, أتسمحين؟
أستاذ في التلاعب. اللعنة, لماذا تتملكها رغبة في تحطيم مظهره البارد الذي يخفي تحته تسلطا وهيمنة؟
مهاراته في التلاعب بالألفاظ في مواجهة ثورتها الكلامية, جعلتها ترتعش. يا للجحيم, لم يرفع صوته بينما كادت هي تفقد سيطرتها على نفسها.
والآن سيستخدم هذه المهارة في ابتزازه المجحف, ويضعها بذكاء بين المطرقة والسندان. إنها الثمن الذي يجب دفعه, والفيلم هو مكافأتها.
قالت له ببرود متعمد:" أنت لا تترك لي خيارا".
ثم انتظرت لحظة وأردفت:" . . . في الوقت الحالي".
تقدم منها ومسح خدها بقفا أصابعه ورد:" لا تضعي شروطا".
شعرت بردة فعل جسمها الفاضحة على لمسته, وأحست بالحرارة تسري في عظامها وتذيبها مثلما تذيب الشمع.
اغرورقت عينا ساندرين وارتعش فمها قليلا, ملأها شعورها هذا بالغضب والسخط والحاجة للهجوم عليه. إلا أن الوقت والمكان غير مناسبين, إذا أرادت الاحتفاظ بشيء من الوقار.
وكما كان متوقعا, انتشرت التكهنات بين زملائها والمدعوين الآخرين. هل عرف طوني أن ساندرين هي زوجة مايكل لانييه؟.
راقبها مايكل وهي تحاول أن تستر عواطفها المتضاربة, وتزنها. وكان يدرك, بحدسه, ما أثاره في نفسها من صراع قوي بين هذه الأحاسيس. إنه عازم على الفوز ولن يرضى بأقل من هذا.
قالت بتحجج وهي تراقب مايكل يلوي فمه بابتسامه هازئة:" أنا بحاجة لشراب".
رفع يديه فظهر إلى جانبهما نادل. كان مايكل يحاول التأثير في النساء, كل النساء بمثل هذه الأساليب. إنه سحر فطري يستخدمه من دون تردد.
تناول كأسين من العصير من الصينية, وسألها:
-هل ننضم إلى مضيفنا؟
تشابكت نظراتهما معا للحظات, ثم حجبت تعابير عينيها. ستطلق العنان لاحقا لغضبها وسلاطة لسانها بعد أن كبحت نفسها طويلا. لعله فاز في الجولة الأولى, ولكنها عازمة على الفوز بالثانية. حاولت الابتسام ببطء ولجأت إلى موهبتها في التمثيل للسيطرة على الوضع وهي تتأبط ذراعه.
-بما أنك قدمت للمدعوين عرضا حيا غير متوقع, ألا تظن أن أوان التعارف قد فات؟
وما هي إلا دقائق, حتى وقف مايكل إلى جانب طوني وأخذ يظهر اهتماما بقدرات المدعوين الفنية, ويطرح الأسئلة بسحره المعهود.
وتملكت ساندرين السخرية, وهي تجيل نظرها في الغرفة. إن ذاكرته القوية والواعية لا يفوتها شيء, سواء في الأعمال أو الحياة الاجتماعية.
-مهما كانت الأسرار, فإن سرك مذهل.
استدارت قليلا لتواجه امرأة شابة نحيلة لم تستطع تذكر اسمها, للوهلة الأولى.
قدمت نفسها:" ستيفاني سومرز, من دائرة التسويق".
ردت ساندرين وقد هفا قلبها لابتسامتها القليلة الخبث:" آه, طبعا".
-لا أفهم كيف تحجبينه عن الأنظار, أين عثرت عليه؟".
-في نيويورك, وتزوجنا في باريس.
-مدينة العشاق الأبدية.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمها, وهي تستعيد ذكرى هذه المدينة وجوها العاطفي. سحر باريس في فصل الربيع عندما تنقشع السماء الرمادية وتدب الحياة من جديد, كما فعل قلبها عندما التقت مايكل لأول مرة.
شعرت بأحشائها تتقلص مع توارد ذكرياتها. ذكريات واعدة, ملأى بالحب, بحيث تخيلت حينها أن حياتهما معا ستدوم إلى الأبد.
-لقد أفلت زوجك من طوني وهو يتجه نحونا. إنه مخلوق وحشي, أليس كذلك؟
مخلوق وحشي وصف مناسب, إنما ليس بالمعنى الذي قصدته ستيفاني.
-طوني أم مايكل؟
بادلت ستيفاني النظرات المباشرة بالمثل, ولمحت فيهما التهكم قبل أن تحجبهما بابتسامتها الخبيثة:
-أنت تمزحين, من دون شك؟
تمنعت ساندرين عن الرد عندما دنا مايكل منهما.
شعرت بجسمها يتصلب وهي تتوقع أن يلمسها. حبست أنفاسها عن غير وعي, ولم تفلتها إلا عندما لم تبدر عنه أي محاولة للمسها.
تدبرت أن تقول بنعومة:" مايكل, هل تعرفت إلى ستيفاني؟".
-
-نعم. تبادلنا نقاشا مثيرا للاهتمام حول وسائل التسوق.
-لكنه كان وجيزا.
-وضع سنقوم بتصحيحه, أليس كذلك؟
إنه ذكي, ولديه الجاذبية المطلوبة, والقدرة على التأثير والحنكة في الأعمال التجارية.
حيته ستيفاني ثم انسحبت:" سعدت بالتعرف إليك".
راقبتها ساندرين فيما كانت تتحدث مع طوني قبل أن تغادر.
-أهي صديقتك؟
لم تنخدع باعتدال صوت مايكل فردت:" لا شأن للممثلين مع رؤساء الأقسام التجارية إلا فيما ندر".
-هل لي, إذن, أن أفترض بأنكما لم تلتقيا قبل هذه الليلة؟
ألقت عليه نظرة مستهزئة.
-هل تريد مني أن أعطيك تقريرا مفصلا عن كل شخص موجود في هذه السهرة؟ من كلمت أو لمست؟
حذرها مايكل بسلاسة:" على مهلك, أنت تدخلين دائرة الخطر".
أضافت وهي تشعر بالرضى حين رأت كيف ضاقت عيناه استياء:" غني عن القول, أن كل ذلك في سبيل الفن".
رد متشدقا:" لو ظننت أن الأمر غير ذلك لحملتك على أول طائرة تغادر هذا المكان حتى وأنت تصرخين وترفسين.
-أساليب إنسان العصر الحجري لا مكان لها في حضارتنا الحديثة.
-رجل العصر الحجري والرجل المتحضر لا يلتقيان. ولكن استمري على هذه الوتيرة, وسوف أريك كم أستطيع أن أكون همجيا.
رفعت رأسها وأبقت نظراتها متشابكة مع نظراته الثابتة:" لقد فات الأوان يا حبي, لقد اختبرت ذلك قبلا, أتذكر؟".
-ما زلت أتذكر صورة قطة برية صغيرة, تقذفني في غمرة غضبها ببعض الأغراض.
كريستال وترفورد الغالي الثمن, وزجاجة حبر, وحافظة أوراق والساعة الصغيرة التي تزن مكتبه الأثري في غرفته الخاصة.
حينها كانت غاضبة بحيث لم تبال, ولكنها شعرت بعد ذلك بالندم لتحطيمها هذه التحف الفنية المصنوعة من الكريستال, التي ارتطمت بالحائط الخشبي ووقعت على الأرضية الرخام وتناثرت قطعا قطعا. لقد تفاداها مايكل, ونأى بنفسه عنها.
استعادت في ذهنها ردة فعلها العنيفة, وشعرت بالخجل لأنها فقدت أعصابها وتصرفت على هذه الصورة.
-لقد أثرت حفيظتي.
-كان الأمر متبادلا.
جاءت كلماته متحفظة وهادئة, فيما تلك التي صدرت عنها متشنجة ورعناء.
ولكن الكلام الذي صدر عنهما معا, كان جارحا للغاية.
استفهمت ساندرين بشيء من المرارة:" مايكل, هل ستعطيني الوقت والمجال كي أهدأ وأدعي أن كل هذا لم يحدث قط؟".
-يخيل لي أننا سوينا هذه المسألة من قبل؟
تراقصت النقاط الذهبية في عينيها وأصبحت أكثر وضوحا وهي تلجم غضبها, وتلونت وجنتاها بالأحمر القاني. لقد بقيت ذكرى ما أعقب ذلك الشجار حية في بالها. استطاعت أن تتغلب على ما تملكها من غيظ, ولجأت إليه غير عابئة بما صدر عنها من كلمات. فأظهر تجاوبا يبعث على الدهشة والاعجاب. لقد كان يوما مشهودا في حياتها, ولكن. . .
انتظرت حتى خلد إلى النوم, ثم ارتدت ملابسها, ووضعت بعض أمتعتها في حقيبة, وعلقت على الباب مذكرة كتبتها على عجل وخرجت من البيت مع ساعات الفجر الأولى.
ما جرى بينهما ليس الحل لهذه المسألة, فقالت بوقار رزين:
-لا.
لم يشعر في حياته بمثل الإحباط الذي أحس به عندما استيقظ وأكتشف أنها رحلت. ولو استطاع, لاستقل أول طائرة متوجهة إلى استراليا ولحق بها, غير أن شقيقه راوول كان في امريكا, وسيبستيان أصغر الأخوة لانييه يقضي شهر العسل متنقلا من بلد إلى آخر. ولم يعد أمامه سوى متابعة الأعمال بنفسه وحضور الاجتماعات المقررة في مدن أوربية عدة, والقيام بزيارة قصيرة لجدته في باريس فور الانتهاء من أعماله.
رد عليها:" فراش خال, ومذكرة مقتضبة, وزوجة في الطرف الآخر من العالم ترفض أن ترد على مكالماتي الهاتفية. كان بإمكاني أن أخنقك لما فعلته".
قالت ساندرين بتصلب:" إذا انتهيت من التحقيق معي, أود أن أذهب, فلدي عمل في الصباح الباكر".
تصلبت أسارير وجهه أطبق جفنيه قليلا. كان بارعا في إسدال ستار على تعابيره, وقال:
-إذا لنشكر مضيفنا على ضيافته.
أمسك بذراعها, غير أنها حاولت التخلص منه.
-لن أذهب معك إلى أي مكان.
رفع حاجبه معمدا التهكم:" هل نسيت ما اتفقنا عليه بهذه السرعة؟".
ردت ساندرين بشجاعة:" لا, إطلاقا. ولكن لن أسمح لك بأن تقيم معي في المسكن نفسه!".
لم تكن ابتسامته تنطوي على أي مرح وهو يقول:" الإقامة في سكن منفصل ليست بندا في الصفقة".
صرخت به وهي تشعر بالإرهاق:" اذهب إلى الجحيم".
رد عليها مايكل بلهجة مليئة بالوعيد:" وصلت لتوي من هناك, وليس في نيتي أن أعود من جديد".
أخبرته بتهذيب مصطنع :" أعتقد أن علينا أنؤجل النقاش إلى وقت لاحق".
فقال لها باصرار متعمد:" لم نبدأ بعد. وليقل الحاضرون ما شاءوا.".
لف ذراعه حول خصرها وشدها إليه بحزم وأضاف:
-ضعي قدما أمام الأخرى وابتسمي عندما تحيين طوني".
جابهته ساندرين وهي تكظم غضبها:" أو ماذا؟".
أجابها مايكل بنبرة سلسة مثل الحرير:" إنها مسألة كرامة, كرامتك. . . أمامك خياران, إما الخروج من هنا على قدميك, وإما مغادرة هذا البيت وأنت محمولة على كتفي".
انقلبت معدتها رأسا على عقب, لأن نظرة واحدة إلى تعابير وجهه الحازمة أقنعتها بأنه ليس من الحكمة معارضته.
كانت نظراتها الجليدية تماثل برودة القطب الشمالي وقالت له بتهذيب صاعق:" أفضل الخيار الأول".
استغرق تبادل المجاملات والاتفاق على موعد في صباح الغد بين مايكل و طوني عشر دقائق. ولم يفت ساندرين ابتسامة طوني التي دلت على توتره أو القسوة الخاطفة التي بدت في عينيه.
تدخلت وهما ينزلان المصعد إلى الطابق الأرضي:" إنه يتصبب عرقا بانتظار قرارك. هل هذا مخطط استراتيجي يا مايكل؟".
ألقى عليها نظرة غاضبة ومتفحصة, ولمحت شيئا من التهكم خلف قناعه الذي لا يخترق.
لم يستوجب سؤالها تأكيدا, فالأخوة لانييه يديرون شركة تقدر أعمالها بالمليارات.
توقف المصعد فعبرا الردهة إلى البوابة الخارجية الرئيسية.
أخرجت ساندرين الهاتف الخلوي من حقيبتها وفتحته وهي تقول:" سأطلب لك سيارة أجرة".
فأعلمها مايكل بنبرة صوته الانسيابية:" لقد استأجرت سيارة وسوف أتبعك بها".
-باستطاعتك الانتقال غدا. . .
قطعت كلامها معه لتتكلم على الهاتف:" هل باستطاعتكم أن ترسلوا سيارة. . .
أنهى مايكل المخابرة بانتزاع الهاتف الصغير من يدها.
-كيف تجرؤ على ذلك؟
انطلقت الكلمات الغاضبة متقطعة من فمها, وحاولت جاهدة أن تخطف الجهاز الخلوي منه, لكن محاولاتها باءت بالفشل الذريع لأنه أبعده عن متناول يدها. صاحت به:" أعطني الجهاز!".
رفع حاجبه بتهكم صامت وهو يراها تضرب الأرض بقدميها من شدة الحنق.
سألها بهدوء:" أين أوقفت سيارتك؟".
نظرت إليه بعينين متوقدتين, وغاظها أن ظلام الليل أخفى الغضب البادي على وجهها وقالت له:" ألم تحجز غرفة في مكان ما؟".
ظهرت مسحة من السخرية على جانب فمه وهو يجيبها:" دفعت الحساب هذا الصباح وغادرت الفندق".
شتمت في سرها, ثم قالت له بنبرة جامدة:" سيارتي الهوندا البيضاء المكشوفة".
استدارت لتبتعد عنه, لكنه أمسك بذراعها فاستدارت على عقبيها لتواجهه وهي تستشيط غضبا:
-ماذا تريد بعد؟
أجابها مايكل بنبرة معتدلة مادا يده لها:" هاتفك الخلوي".
خطفت الجهاز من يده وكأن أصابعه شعلة نار ستحرقها.
-
قررت بحنق وهي تجلس خلف مقود سيارتها, وتدير المحرك, أنها ستقودها بسرعة لتتمكن من الإفلات منه. لكن ساندرين هزأت من نفسها بصمت بعد دقائق عندما تجاوزت الإشارة الضوئية وشاهدت في المرآة سيارته تتبعها.
لن يدهشها أن يكون مايكل قد اكتشف مكان سكنها, فهي تعرف اهتمامه بأدق التفاصيل. إنه قادر تماما على الوصول إلى بيتها.
أيقظها هذا التفكير وجعلها تعدل عن تصرفاتها الحمقاء.
قررت ألا تجازف أكثر واختارت تخفيف سرعة سيارتها لتقطع المسافة المتبقية إلى منزلها, وحاولت أن تتجاهل الأضواء الأمامية للسيارة التي تتبعها على بعد بضعة أمتار.
أدارت ساندرين الراديو, واختارت محطة عشوائية ورفعت الصوت عاليا. تعالى صوت موسيقى الروك الصاخبة في السيارة وحاولت أن تتابع إيقاعها على أمل أن تلهي نفسها عن التفكير في مايكل.
لم يفلح الأمر, فأطفأت الراديو بعد مرور دقائق وأخذت تركز على الطريق.
فتحت باب المرآب وأدخلت سيارتها بينما ركن مايكل سيارته الحديثة إلى جانب سيارتها.
أقفلت ساندرين باب المرآب لتجد مايكل يفتح صندوق سيارته ويخرج منه حقائب ملابسه. رغبت بتجاهله, لكن مايكل لانييه لم يكن رجلا من السهل تجاهله.
شعرت بانقباض مؤلم في معدتها وهي تفتح الباب الفاصل بين المرآب و الفيلا.
تمهلت واستدارت نحوه وأخبرته بنبرة تماثل نبرة مضيفة تدل ضيفا:
-هناك ثلاث غرف نوم في الطابق العلوي. اختر إحداها. ستجد شراشف نظيفة في الخزانة.
لم يرد عليها, فتلاعب صمته بأعصابها. دخلت الردهة ثم توجهت إلى المطبخ من دون أن تضيف كلمة واحدة.
كانت الفيلا من الداخل عصرية, وذات إنارة طبيعية. فنوافذها الزجاجية تمتد من الأرض إلى السقف المرتفع.
كان الصوت الوحيد المسموع هو ضرب كعبي حذائها الدقيقين على أرضية الرخام وهي تسير إلى المطبخ. وبعد لحظات فاحت رائحة القهوة في المكان.
أخرجت ساندرين فنجانين وطبقين وسكرا وحليبا ووضعتها على طاولة المطبخ. ثم ملأت فنجانا وأخذت تتلذذ بشرب القهوة.
كان المكان ساكنا, ساكنا أكثر مما ينبغي, فتوجهت إلى غرفة الجلوس وشغلت التلفزيون وحاولت انتقاء محطة ما حتى رست على برنامج أثار اهتمامها. تراقصت المشاهد أمام ناظريها ولكنها لم تركز عليها لأن عقلها انشغل بالرجل الذي اقتحم عليها بيتها.
بيتها المؤقت! . . . صححت لنفسها وقد أدركت أن تصوير الفيلم سينتهي في غضون أسبوع أو أسبوعين. وقبل ذلك بالنسبة لها, لأنه لم يبق أمامها سوى بضع لقطات. وماذا بعد ذلك؟.
أين ستذهبين بعد ذلك؟.
قلبت في ذهنها الخيارات القليلة المتوفرة. الخيار الأول. . العودة إلى سيدني, الخيار الثاني. . . إيجاد عمل في عرض الأزياء, الخيار الثالث. . . لا, لا تريد حتى التفكير في الخيار الثالث. يجب أن يقوم الزواج على أسس المساواة والمشاركة وتفهم كل من الزوجين لحاجات الآخر. سيطرة أحدهما على الآخر هو أمر غير مقبول عندها.
انتهت ساندرين من شرب قهوتها, وغسلت الفنجان ثم نظرت إلى ساعتها وتنهدت بشدة. لقد تأخر الوقت وهي متعبة. اللعنة عليها إن كانت ستنتظر مايكل أكثر, كي يظهر. ستخلد إلى النوم.
بدا السكون غريبا ووجدت نفسها ترهف السمع لتتبين أقل حركة فيما كانت تصعد الدرج. ولكنها لم تسمع أي صوت.
إن كان مايكل قد استحم وأخرج أمتعته من الحقائب ورتب سريره, فقد حقق ذلك في وقت قياسي.
استدارت ساندرين إلى الجهة اليمنى عندما وصلت إلى أعلى الدرج ودخلت غرفة النوم التي تستعملها. كانت أنوارها خافتة. وداعبت رائحة الصابون ورائحة عطر رجالي قوية أنفها فيما التفتت ناحية السرير الضخم.
شاهدت الغطاء الحريري مرميا عند أسفل السرير وقوام رجل طويل تحت الشرشف. أنه مايكل! رأسه على الوسادة, وعيناه مغمضتان, وأنفاسه بطيئة هادئة.
اللعنة, لقد نام على سريرها!
حسنا, عزمت بغضب وهي تعبر الغرفة, سيتغير هذا الوضع بسرعة. ومن دون تردد التقطت وسادة رمتها بعنف على مقربة منه.
صبت جام غضبها عليه وهي تصر أسنانها:" استيقظ. اللعنة عليك, استيقظ!".
رفعت الوسادة ورمتها مرة ثانية:" لن أسمح لك بالنوم في غرفتي!".
لم يهتز. ولشدة غيظها رمته بالمخدة على صدره.
امتدت يدها مجددا لترفع الوسادة وتضربه ثانية, وتأوهت عندما أمسكت أصابعه بمعصمها من دون رحمة, والشرر يتطاير من عينيه.
-هذه غرفتي, وهذا سريري, ولم أسمح لك باحتلال أي منهما.
بدت عيناه وكأنهما تخترقان روحها وهو يرد عليها:" أتريدين غرفة منفصلة, وسريرا منفصلا؟ اذهبي واختاري مكانا آخر".
اتهمته وهي تشعر بالوهن:" تفعل ذلك عمدا, أليس كذلك؟".
شعرت بصداع شديد, فرفعت يديها وأخذت تدلك صدغيها بأصابعها لتخفف الألم. ثم قالت:" لن أنام معك".
أجاب مايكل بروية:" هذه كلمة تعني الكثير".
أحجمت عن رغبتها بضربه وعضه:" هل تتوقع مني أن أصدق ذلك؟".
بدا رائعا. . . وخطيرا كالجحيم. وأرسلت جاذبيته المدمرة إنذار الخطر إلى عروقها.
-أتخشين مشاطرتي الفراش يا ساندرين؟
تاقت للصراخ بالإيجاب, إذ يكفي أن تلمسه عرضيا خلال الليل وهي غارقة في النوم, لتنسى حذرها لبضع ثوان.
-اللقاء الحميم لن يصلح الخلافات بيننا.
-لا أتذكر أنني اقترحت مثل هذا الأمر.
تلعثمت وهي تشير إليه وإلى السرير:" إذن ربما تتفضل وتشرح لي لماذا اخترت النوم في غرفتي وعلى سريري".
أخذت نفسا عميقا ثم زفرته ببطء, قبل أن تضيف:" لو كان عندك أي إحساس بالنبل, لبحثت عن غرفة أخرى لنفسك!".
-لم أدع قط أنني نبيل.
رمقته ساندرين باستياء, ووافقته الرأي:" لا, الهمجية هي الصفة الملائمة أكثر!".
حذرها مايكل بلطف:" على مهلك يا حبيبتي".
لمحت مخدة صغيرة في متناول يدها, فالتقطتها وقذفته بها وهي تقول:" أنا أكرهك".
وجدت نفسها ملقية على الفراش في لمح البصر ومايكل يقول:" دعينا نختبر كراهيتك هذه, ما رأيك؟".
حاولت أن تخلص يديها من قبضتيه:" لا تفعل ذلك بي".
لم يكن كلامها ذلك توسلا, ولاحظ غضبها المفرط وعنادها الجريء وانفعالاتها. جل ما يتطلبه إخضاعها هو شيء من الإقناع الحاذق والمهارة.
-كان عليك أن تفكري قبل أن تضربيني بالوسادة.
حملت عليه بقوة:" يجب أن تتوقع ردة الفعل هذه, عندما تحاول إيقاعي بشراكك".
لم تتغير تعابير وجهه, بيد أنها لمحت مرحا على قسماته.
-إذن . . . هل ترغبين بمتابعة اللعب, أو نتوقف عن ذلك؟ هذا خيارك يا ساندرين.
أرادت أن تصرخ. . سأقاوم حتى الموت ولو ذهبت إلى الجحيم. غير أنها هي من سيموت, عاطفيا وجسديا وعقليا. وهي لا ترغب أن توفر له هذه السطوة.
اقترحت عليه بطريقة مؤثرة:" إن تزحزحت, سأستحم وأبدل ملابسي".
-حاضر. . .
ابتعد عنها واستلقى على ظهره قائلا:
-تصبحين على خير, يا صغيرتي الحلوة.
استلقى على جنبه وسحب الغطاء إلى فوق خصره وأغمض عينيه.
انزلقت عن السرير بحذر شديد. . . واتجهت إلى الحمام حيث استحمت بنشاط, وتركت الماء الساخن يزيل تشنج رقبتها وعضلات كتفيها.
كان مايكل قد خلد إلى النوم, وأخذ يتنفس بعمق وانتظام, عندما عبرت الغرفة لتطفئ النور.
سوف ينام لساعات, ومع أنها لن تكون موجودة, لكنها مستعدة للتضحية بأي شيء كي تلمح تعابير وجهه, عندما يستيقظ.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة. يريد ممارسة الألاعيب, فلنر ما سيحدث؟
شعرت بشيء من الرضى وهي ترسم مخططا تلو الآخر حتى استولى عليها النوم ونقلها إلى عالم الأحلام. وتحول الحلم إلى فيلم مثلت فيه دور البطولة من دون أي استذكار للحوار.
☺☻☺☻
-
3-اندمي على مهلك
استيقظت ساندرين مذعورة على صوت المنبه الحاد, فمدت يدها حالا لتوقفه.
لم تستطع أن تصل إليه فنهضت من السرير, وهرعت إليه. كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف صباحا.
انسل ضوء الفجر الباكر عبر الستائر المنسدلة على الجدار الزجاجي.
فتوجهت ساندرين إلى الخزانة وأخرجت سروال جينز وبلوزة من دون أكمام. ثم أخرجت من أحد الأدراج ثيابا نظيفة ودخلت إلى الحمام.
خرجت بعد عشر دقائق, وقد ارتدت ملابسها, ووجهها خال تماما من مساحيق التجميل وشعرها معقود إلى الخلف.
لم تلق أي نظرة على السرير أو على شاغله, والتقطت حقيبة يدها وخرجت من الغرفة متجهة إلى المطبخ.
وفي غضون ربع ساعة وصلت إلى غرفة الماكياج, تستظهر الحوار الذي يتضمنه دورها, فيما بدأ خبير التجميل يجهزها للوقوف أمام الكاميرا.
لم يكن اليوم هانئا, إذ ساد التوتر وبدأت الأعصاب تتشنج مع ارتفاع درجة الحرارة وتقدم النهار, وكادت روح الانضباط تنعدم في الفريق.
زاد حضور مايكل إلى موقع العمل بعد ساعة الغداء الطين بله, ووقف في الظل من غير أن يعترض أحد على وجوده. كان الممثلون يؤدون أدوارهم الواحد تلو الآخر. فيما طوني يسعى للكمال, محاولا التأثير على مايكل.
حاولت ساندرين جهدها تجنب وجود زوجها المهيمن لكن من دون جدوى, ففقدت تركيزها كليا.
سألته بصوت خفيض خلال فترة الراحة:" ماذا تفعل هنا؟".
مال مايكل إليها وطبع قبلة على أعلى خدها قائلا:" حبيبتي, أبهذه الطريقة تحيين زوجك؟".
-أرجوك اذهب.
لاحظت شيئا من السخرية على أطراف فمه, وشعرت برغبة مكبوتة في الصراخ.
رد متهكما:" سأستثمر مبلغا كبيرا لكي أنقذ المشروع, وأظن أن علي أن أتفقد العمل".
-من المفترض أن يقتصر موقع التصوير على العاملين فقط.
-جئت بناء على دعوة من طوني.
-أتخيل أنك رميت شباكك بمهارة, وهكذا أكل مخرجنا المبجل الطعم؟
لم تأخذ الابتسامة التي ارتسمت على وجهه طريقها إلى عينيه:" أنت تعرفينني جيدا".
لا, أرادت أن تنقض قوله. ظنت أنها تعرفه, ولكنها تشعر الآن أنها تكاد لا تعرف عنه شيئا.
-إلى متى تنوي البقاء؟
رفع يده ومسح بأنامله خدها وأجاب:" في موقع التصوير؟ حتى تنتهي من العمل. لماذا تسألين؟ هل يضايقك وجودي؟".
كشرت عن أنيابها وردت:" أليست هذه غايتك من المجيء؟".
رد عليها وهو يراقبها وقد استدارت عنه من دون أن تنبس بكلمة وابتعدت لالتقاط نسخة من حوار الفيلم:"أليس من المفترض أن تستظهري الحوار؟".
وازداد الوضع سوءا مع دنو كايت ليندن في هذه اللحظة من مايكل لتمارس سحرها الأنثوي. وبدأ مايكل يتجاوب معها بأدب وتهذيب.
هل هذه خدعة لإثارة غيرتها؟ لقد نجحت, أليس كذلك؟ يا لها من فتاة مؤذية حقيرة.
شعرت ساندرين بانقباض شديد في معدتها وهي تراجع حوار المشهد اللاحق الذي ستصوره دونما تفكير.
اللعنة على مايكل, لأجل كل ما أقدم عليه, لاسيما اقتحامه مجال عملها.
-هيا, ليأخذ كل واحد مكانه.
حمدت ساندرين الله على رأفته بها, وهي تتأهب لتقمص شخصيتها في الفيلم.
انتهت ساندرين من تصوير دورها عند العصر, وعلمت أن حضورها لتصوير المشاهد الأخيرة غير مطلوب قبل يوم الثلاثاء.
كانت الساعة قد بلغت الخامسة مساء عندما وصلت إلى موقف السيارات. وأخرجت مفتاح سيارتها من حقيبة اليد واتجهت نحوها.
-أتأملين بالتسلل من دون أن يلاحظك أحد؟
وجدت مايكل يسير إلى جانبها, فسارعت الخطى من دون أن تجيبه.
وضعت المفتاح في قفل الباب وفتحته, ثم صعدت وراء المقود وأدارت المحرك.
كان من المثير أن تبتعد عنه, فيبتلع غبار السيارة. ولكنها لم تنجح إذ اضطرت للتقيد بالحد الأقصى للسرعة.
على أي حال, ما إن خرجت إلى الطريق الرئيس حتى زادت من سرعة سيارتها. لكنها لا تريد المخاطرة بخسارة حياتها أو فقدان أحد أطرافها, أو حتى بمخالفة السرعة, لكن السرعة خففت بعضا من توترها.
وصلت ساندرين إلى منزلها في وقت قياسي, وصعدت الدرج بخفة, ثم نزعت عنها ملابسها وارتدت ثوب سباحة.
كان ماء البركة البارد منعشا, وسبحت مرات عدة قبل أن تستلقي على ظهرها باسترخاء.
وكان من السهل جدا ترك العنان لأفكارها والتأمل في أحداث يومها.
ومايكل. . أيضا.
لم تنم جيدا الليلة الماضية. فقد أمضت معظم الوقت تتساءل عن الحكمة في مشاطرته سريرا واحدا. كان ذلك جنونا, تصرفا أحمق, وتلذذا بتعذيب النفس. أن تستلقي قريبة جدا, و مع ذلك بعيدة جدا عنه, مزق عواطفها وجعلها نتفا.
ماذا كان ليفعل لو اقتربت منه؟ إذا تجاهلها فسوف تموت من الخزي. وإن تجاوب معها, فكيف لها أن تعالج التداعيات اللاحقة؟.
سيكون تناغم القلب والعقل والروح مفقودا, بشكل ما لن تكون أية علاقة بينهما كافية.
قالت في ذهنها إنها مجنونة وفاقدة العقل. إن أي امرأة أخرى لتمسكت وتمتعت بكل ما توفره الثروة والمكانة الاجتماعية, وتعلقت به لتشاركه هذه الحياة.
-
ويا لها من حياة! حتى التفكير بها يجعل الدفء يغمر جسدها, وكل عرق فيها يرتعش بانتظار ما سيحدث, ويجعل توازنها في خضم الأحاسيس التي تجرفها.
كان الأمر سيئا بما يكفي والمحيط يفصل بينهما. ولكنه الآن هنا, وهذا أسوأ بآلاف المرات.
فكرت أن في الأمر سحرا, نوعا من الشعوذة التي تستعصي على أي تحليل منطقي.
أن تنفصل عنه بعد ليلة طويلة وأن تعد الساعات حتى اجتماعهما ثانية. أن تواجه هذه الحاجة لرؤيته وتغذيها بمكالمة هاتفية تتضمن وعدا يقال بنعومة. أن تتسلم وردة حمراء. أن يتبادلا تلك النظرات الخاصة بالعشاق, المليئة بالانتظار والتلهف والشوق.
هل هذا هو الحب؟ الحب الذي تموت من أجله, والذي يدوم حتى يفصل الموت بين الحبيبين؟ أم أنه شيء آخر لا علاقة له بالحب؟
كانت تظن أن زواجهما يتضمن الناحيتين, حتى تشاجرا لأول مرة فداخلها الشك.
-أرجو أن تكوني سارحة في أفكار مفيدة؟
دفعها الصوت إلى أن تستدير قليلا, وتنتصب في مواجهة الرجل الطويل الذي يقف عند حافة البركة.
كان مايكل قد خلع سترته وربطة عنقه وفك زري قميصه العلويين. بدا شعره مشعثا قليلا, وكأنه مرر أصابعه على عجل في خصلاته المسرحة.
سألته:" كم مضى عليك وأنت تقف هكذا؟".
-وهل في هذا فرق؟
مراقبته لها على غير علم منها يصل تقريبا إلى مستوى التعدي على خصوصياتها. ولم يعجبها ذلك البتة.
سبحت إلى حافة البركة, ولما كانت المنشفة بعيدة عن متناول يدها, وقفت على قدميها والتقطتها بحركة سريعة.
لم يفتها التعبير الهازئ على وجهه, وهي تجفف الماء عن جسمها بشدة, قبل أن تبدأ بتجفيف شعرها.
-لقد حجزت طاولة للعشاء في فندق حياة.
سمعت ساندرين ما قاله ولكنها اختارت بلحظتها أن تتجاهل ذلك.
ثم ردت بهدوء:" أنا واثقة من أنك ستستمتع بالوجبة. لقد سمعت أن الطاهي هناك ممتاز".
-الطاولة محجوزة لشخصين. عند الساعة السابعة.
-لن أسهر بانتظارك.
-أمامك ساعة, لتستحمي وتجهزي نفسك.
حملقت به وقالت:" لن أرافقك إلى أي مكان".
-اللعنة, أنت تستنفذين صبري!
-وأنت أيضا تستنفذ صبري.
-هل من الغريب أن أرغب بتناول الطعام مع زوجتي في أجواء ممتعة؟
أجابت برقة:" لا, إن كانت زوجتك موافقة. وفي هذه اللحظة, ليست كذلك!".
-ساندرين. . .
-لا تهددني يا مايكل.
حاولت التمسك بالوقار ولكنها لم تفلح تماما. اخترقت نظراتها الحارقة والمنفعلة عينيه وهي تضيف:" أرفض الخضوع لكل رغبة تبديها أو اقتراح تقدمه".
-هل تفضلين أن نتناول الطعام هنا؟.
ارتجف جسمها قليلا من شدة الغضب وشدت قبضتها على المنشفة:
-ألم تفهم بعد؟ لا أريد أن أتناول الطعام معك, في أي مكان.
ضاقت عيناه وهو يقول:" أنت ترتعشين".
فردت بسخرية:" يا لسرعة ملاحظتك. والآن أعذرني, فسأذهب لآخذ حمام ساخن".
ابتعدت عنه, وهي تبذل جهدا لكي تتجاهل جاذبيته, ونداءات قلبها.
فكرت وهي تصعد إلى الطابق العلوي بخفة, أنه لم يتبق غير أسبوعين, أو ربما أقل للانتهاء من تصوير الفيلم. هل باستطاعتها المجازفة والإقامة في المنزل نفسه ومشاطرة السرير ذاته مع رجل عازم على استغلال أي فرصة تلوح له؟.
عندما خرجت من الحمام بعد عشر دقائق, جمدت في مكانها إذ رأت مايكل يهم بخلع ملابسه.
أشارت له بصوت مخنوق قليلا:
-هناك غرفتا حمام أخريان في هذا الطابق.
-هل تعترضين على استخدام الحمام ذاته؟
ما أحلاه! يناورها ويتهكم عليها بتعقل.
ردت عليه, وقد استعادت توازنها فيما كانت تعبر الغرفة لأخذ ملابس نظيفة:
-نعم, إذا أخذنا في الحسبان أن غايتك الرئيسية هي إخراجي عن طوري.
-أهذا إقرار بأنني أفلحت يا ساندرين؟.
ردت عليه وهي تعلم أنها تكذب:" لا, إطلاقا".
إلا أن أعصابها توترت لمجرد التفكير فيه.
وأدت مراقبة مايكل وهو يعبر الغرفة إلى الحمام إلى استباحة أعصابها أكثر, خاصة وهي تتأمل قامته الفارعة ومنكبيه العريضين وصدره الواسع وخصره النحيف.
ارتعشت قليلا عندما وصلت الذكرى إلى شعورها عندما يضمها إليه.
أصبح بإمكانها تقريبا أن تشم رائحة شذى الصابون المفعم بالنضارة وعبير العطر الرجالي النفاذ.
لديه الهالة والقوة والبراعة لجعل أي امرأة تفقد صوابها. أحست بالمرارة, لأن جزءا منها يريده بقوة ومن دون مساءلة أو كلام.
استذكرت الاتهامات التي تبادلاها قل سبعة أسابيع, وركزت تفكيرها عليها, فثارت بصمت على نفسها.
كانت تنظر إلى مايكل, على أنه رجل تحبه من كل قلبها, رجل وضعت ثقتها به وآمنت أن حياتهما وحبهما سيدومان إلى الأبد. . أما الآن فأصبحت تنظر إليه وكأنه غريب عنها.
نزعت ساندرين المنشفة عن رأسها بحركة عنيفة وهزت شعرها الذي انسدلت خصلاته على كتفيها كخيوط الحرير الأسود.
ماذا يقول المثل؟ تزوجي على عجل واندمي على مهل؟
ماذا كان ليحصل لو بقيت؟ لو ألغت حجز رحلتها وجازفت بخرق العقد مع الاستديو؟ هل كانا ليتوصلا إلى حل؟ أم أن رحيلها المفاجئ عجل بانفصالهما؟
سبعة أسابيع. أسابيع يمكن أن تعتبر فترة وجيزة أو دهر.
-هل تنوين ارتداء هذه الملابس للذهاب إلى العشاء؟
أمسكت بخصلات شعرها وأخذت ترفعها وهي تجيب:" أنا لا أعتزم التأنق".
-اتركيه منسدلا.
لم تتخاذل يداها وهي تغرز دبابيس الشعر:" أشعر بالبرودة أكثر عندما أرفعه هكذا".
زرر مايكل قميصه وشد حزام سرواله ثم لبس جواربه وانتعل الحذاء.
-ألن تضعي مساحيق تجميل؟.
جابهته ساندرين:" لماذا؟ أنا لا أعتزم الذهاب إلى أي مكان".
لم تتغير تعابير وجهه ولكن نظراته أصبحت قاسية:" سوف أذهب في غضون خمس دقائق, معك أو بدونك يا ساندرين. وعليك أن تختاري".
استدارت لتواجهه:" باستطاعتك الاتصال بـ كايت في أي وقت. ستموت لتكون معك في أي مكان".
خرجت من الغرفة وتوجهت إلى المطبخ في الطابق الأرضي من دون أن تضيف أي كلمة أخرى.
كانت علبة السردين والسلطة بديلين متواضعين عما سيقدمه لها مايكل. وقالت في سرها, وهي تسمعه يصفق الباب ثم يدير محرك سيارته, إن كل هذا لا يهمها.
وفي العاشرة, أطفأت الأنوار وصعدت للخلود إلى الفراش.
ترددت لبضع دقائق في اختيار الفراش, وهي تفكر في أن غرفة النوم الرئيسية غرفتها, وإن كان مايكل مصمما أن يجعلها غرفته.
فليكن له ما يريد وليعاني لأنها لن تتزحزح. ومع ذلك, مشاركته الفراش هي مثل اللعب بالنار, وهي لا تريد أن تحرقها.
وبهذه الأفكار, فرشت الأغطية وسوت السرير في غرفة النوم الأبعد عن الغرفة الرئيسية, ثم نقلت بعضا من أمتعتها الضرورية وأدوات الزينة واندست بين الأغطية الباردة وأطفأت النور.
وبعد أن أمضت فترة خالتها من دون نهاية وهي تتقلب على السرير, اقتربت حافية القدمين من النافذة, لتقفل النوافذ جيدا.
جفاها النوم تماما وحاولت جهدها التفكير بأمور ممتعة ومريحة, غير أن الصور التي ارتسمت في ذهنها, كانت لمايكل, فانبطحت على بطنها وأخذت تخبط المخدة بكلتي يديها.
هل عاد إلى البيت؟ لم تسمع أي صوت يدل على عودته.
قلبت ساندرين في ذهنها سيناريوهات لا تعد ولا تحصى. . وفي كل واحد منها كانت تلغي مايكل تماما حتى أخذها عقلها الباطن في أحلام يقظة بدت أشبه بالحقيقة.
كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلا عندما دخلت سيارته المرآب. دخل مايكل المنزل وأضاء النور وهو يصعد إلى الطابق العلوي.
أحس بالأسى عندما وجد سريره خاليا, ثم بادر إلى البحث بسرعة وهدوء في الغرف الأخرى, وأحس بالسعادة عندما وجد زوجته.
وقف عند باب الغرفة المفتوح لدقائق طويلة, ثم سار إلى السرير.
يا لجمالها, ويا لشخصيتها الفريدة, وروحها المتوثبة. أراد أن يمس شعرها ويبعده عن جبهتها.
تبا! إنه يرغب بأكثر من ذلك.
همس بشتيمة أخرى بين شفتيه, وجهها إلى نفسه لأنه قدم التزامه في العمل على حبه لزوجته.
فبدلا من أن يأخذ الرحلة التالية ليلحق بها, انغمس في مفاوضات مالية دقيقة جدا. وأمن على سلامة ساندرين بتوظيف شخصين لحراستها على مدار الأربع وعشرين ساعة.
كانت براعته في التفاوض في حقل الأعمال محط إعجاب أقرانه والنساء يسعين وراءه من أجل ثروته ومركزه الاجتماعي.
حتى التقى ساندرين.
ساندرين, المفتقرة إلى المكر والدهاء والتكلف, ذات الضحكة المتواضعة المعدية, والابتسامة التي تضيء وجهها وتجعل عينيها تومضان بدفء يخترق القلب مباشرة.
وقع في حبها من النظرة الأولى, وأرادها, لكن حاسته السادسة نبهته إلى أن المسألة أبعد من ذلك, بكثير.
إنها أغلى ما يملك, وأراد من البداية أن يحرسها ويحميها. ولم يكن ليوافق على سفرها إلى الطرف الآخر من العالم من دون أن يرافقها. لكن توقيت رحلتها لم يكن مناسبا, نظرا للمسؤوليات الملقاة على عاتقه.
ارتسمت على فمه ابتسامة تحسر. يمكنه أن ينقذ الفيلم المشرف على الإفلاس وأن يستخدم الابتزاز لإنقاذ زواجه. ما هو المثل الذي يقال في هذه الحالة؟ يصيب عصفورين بحجر واحد؟
إنقاذ الفيلم لا يعد مشكلة, إنما لن تكون ساندرين مهمة سهلة.
وهذا هو التحدي الأهم في حياته, وقد صمم على الانتصار.
لفت انتباهه صوت خافت, وراقبها وهي تتقلب بتململ.
فكر في أنها تبدو عاجزة. وتأمل أهدابها الطويلة ووجهها الجميل.
اندفعت فيه المشاعر, وهو يتأملها بحنان.
تحركت قليلا ثم استكانت. استلقى بدوره بصمت ومن دون حراك وهو يحدق في الظلام حتى استسلم للنوم أخيرا.
☺☻☺☻
-
4-انتقام من نوع آخر
أفاقت ساندرين شيئا فشيئا, وأخذ النشاط يدب في أوصالها ببطء. واستعدت للقاء يوم جديد, نافضة عنها رداء النوم الثقيل.
تنبهت وهي تتنهد بارتياح, إلى أنه يوم الأحد, وليست مضطرة أن تنطلق إلى الاستديو في الصباح الباكر.
وبعد هنيهة, لاحظت أنها لم تكن في السرير ذاته أو الغرفة التي انتقلت إليها الليلة الفائتة.
والأدهى من ذلك, أنها لم تكن بمفردها.
أحكمت ذراع رجل شدها إلى جسمه القوي, وكان رجلا طافحا بالقوة والإثارة.
كانت يد مايكل تحتضنها, فأحست بإيقاع دقات قلبه المنتظمة قرب كتفها.
رباه, الرحمة!
لم يعنها دعاؤها بأن يكون ذلك حلما لا غير, فلا أحد يحلم وعيناه مفتوحتان.
كانت أفكارها تعكس أحاسيسها المتناقضة فيما هي تفكر بما يجب أن تفعله.
إن حافظت على انتظام تنفسها وتحركت ببطء, قد يلاحظ مايكل ذلك, وتتمكن من التحرر من قبضته والنهوض من السرير.
إنه تصرف سخيف وعنفت نفسها بصمت بعد ثوان, إذ شدد قبضته عليها بصورة لا إرادية, ما إن تحركت.
ماذا ستفعل الآن؟
أتغرز مرفقها في أضلاعه؟ أم تلكمه على ذراعه؟ ربما الاثنين معا؟ نعم, هذا قد ينجح.
همس صوت عميق بالقرب من أذنها بتشدق:" أتخططين للهجوم علي؟".
ردت عليه بصوت مرتعش, وهي تحاول تسديد ضربة قاسية إليه بمرفقها:" لقد حزرت تماما".
. . . ولكنها أخطأت الهدف عندما نجح في تجنب الضربة. فصرخت به غاضبة:" اتركني!".
سألها متهكما:" من فضلك؟".
-اذهب إلى الجحيم.
-إذا كنت تريدين أن تلعبي. . .
ردت عليه بلهجة حقودة, فيما كانت تتلوى لتحرير نفسها من قبضته من دون فائدة:
-أنت تستمتع بهكذا تصرفات, أليس كذلك؟
-ليس تماما. أفضل أن تكون المرأة سلسة وطيعة بين ذراعي.
-أنت تحلم.
-هل تريدين أن أثبت لك كيف أستطيع بسهولة تغيير رأيك؟.
بقيت ساندرين مستلقية من دون حراك, وهي تحاول أن تسيطر على التسارع الفجائي في تنفسها.
عانقها برقة. . .
-هل هذا ضمن الاتفاق الذي أصريت عليه؟
انقلب على ظهره بحركة رشيقة. بدت قسماته داكنة بسبب شعر ذقنه الظاهر, وبانت في عينيه نظرات مترصدة, تقويمية, تتفحصها بصورة غير واضحة.
قدرت وهي ترتعش, أنه خطر جدا.
إنه يماثل نمرا كسولا, فاتر الهمة, لكن منظره يوحي بالشراسة والقوة. فإذا ما تلفظت بكلمة واحدة, أو أقدمت على حركة في غير محلها ستتلاشى البرودة بسرعة.
أقل ما يقال عن وضعها إنه معلق بطرف خيط رفيع جدا.
رفع يده ومسح خدها بقفا أصابعه, ثم أدارها ليمسك بذقنها وقال:" هذا تفسيرك وليس تفسيري".
-لقد انتقلت إلى غرفة أخرى بمزاجي.
-وأنا أعدتك إلى هنا.
استفهمت منه بتهكم متعمد:" ألانك لا تحب أن تنام بمفردك؟".
أومأ موافقا فسألته:
-هل تتوقع مني أن أصدق ذلك؟ وعنك؟
ران صمت لبضع ثوان, وعندما تكلم, جاءت نبرة صوته حريرية.
-تعاودني ذكرى الليالي الطوال التي أمضيناها معا, يا حبيبتي.
وهي فعلا كذلك. الليالي التي كانت فيها زوجة طيعة.
ردت ساندرين ببطء, بعد أن لمحت ابتسامته المتحسرة:" كان ذلك في ما مضى".
رفعها بحركة رشيقة لتقف على قدميها ثم نهض بدوره من السرير:
-إذن. في هذه الحالة, لنرتدي ملابسنا وننزل لتناول الفطور.
قررت أن تحمل ملابسها إلى الحمام. وما هي إلا ثوان, حتى استقرت بأمان خلف باب الحمام الموصد, في خلوة تامة.
لم يكن للأبواب الداخلية أقفال, فاستحمت بسرعة وارتدت ملابسها ثم خرجت لتجد غرفة النوم خالية.
نزلت ساندرين الدرج, وقد شدتها رائحة القهوة الطازجة, من المطبخ. لقد بدا مايكل على سجيته تماما, في سروال جينز أسود وقميص أبيض. كان مظهره رجوليا من دون أي تحفظ.
ذكرتها حركاته بالأوقات التي أمضياها معا في تحضير الفطور, وبالصحبة الهنيئة بينهما. حينها كانت تقرصه, دون رحمة, وتثني على مهارته ثم تنطلق بضحكة مبحوحة فيحملها إلى عالمه.
أما الآن, فقد ملأت كوبين بعصير البرتقال بصمت وصبت القهوة ووضعتها على طاولة الطعام.
وضع مايكل أمامها صحنا من العجة, يتصاعد البخار منه ثم جلس على المقعد قبالتها.
شعرت وكأن معدتها تشنجت, وانزعجت كثيرا إذ بدا أن شهيته لم تتأثر البتة.
صب مايكل المزيد من القهوة في كوبه الفارغ وأضاف السكر ثم أزاح صحنه جانبا واسترخى في مقعده:
-لدينا اليوم بطوله. ماذا تقترحين أن نفعل؟
أعادت وضع فنجانها على الطاولة وبادلته النظرات الحادة بمثلها:" أعتزم التسوق".
-ماذا بالتحديد؟
ردت عليه بإيجاز:" الطعام. أشياء ضرورية. . الخبز والحليب والبيض والفاكهة".
-وبعد ذلك؟
-أركب السيارة وأستكشف المنطقة قليلا.
نهض مايكل وأخذ ينظف الطاولة:" سأقود السيارة, وستلعبين دور المرشد".
-عفوا؟
ألقى نظرة هازئة نمت عن طول أناته وصبره عليها:" سوف نذهب إلى السوق أولا. ثم ننطلق في رحلة استكشاف".
-منذ متى أصبحت (أنا) (نحن)؟
كان صمته معبرا, فضلا عن قسمات وجهه, فحولت نظراتها عنه, وانشغلت بتنظيف المائدة.
-وماذا لو كنت أفضل أن أبقى وحيدة؟
-كفى إيذاء يا ساندرين.
لم يتطلب منها تنظيف الصحون من بقايا الطعام ووضعها في غسالة الصحون غير دقائق قليلة, ثم تأبطت حقيبة يدها ووضعت نظارات شمسية على رأسها وسارت إلى المرآب غير مهتمة إن تبعها مايكل أم لم يفعل.
لم يكن شراء حاجيات المنزل يتطلب أكثر من خمس دقائق, لكن ساندرين تلكأت في اختيار الفواكه وأنواع الخس ثم ارتأت أن تقصد فرنا محليا لشراء الخبز الطازج بدلا من شرائه من المحلات.
أضاف مايكل بضعة أصناف اختارها بنفسه, وبدا مرحا قليلا عندما رفضت أصنافا أخرى.
رجعا إلى الفيلا بعد نصف ساعة ووضعا المشتريات في المطبخ ثم عادا إلى السيارة.
-إلى أين؟
ردت ساندرين فيما كان مايكل يمر بالسيارة عبر البوابة:" هنالك الجبال والشواطئ و أماكن اللهو. وما عليك سوى الاختيار".
-
-نووسا.
ألقت عليه نظرة مجفلة:" إنها تبعد ساعتين بالسيارة إلى الشمال".
هز كتفه قليلا غير مبال:" أهناك مشكلة في ذلك؟".
-لا, لا أظن ذلك.
وصل إلى ميدان واسع وأخذ يدور حوله:" أرشديني يا ساندرين".
أرشدته للخروج إلى الطريق السريع, فانضما بسيارتهما إلى فيض السيارات المتجهة شمالا, ثم انعطفا بعد ساعة إلى شاطئ سانشاين.
وبعد فترة وجيزة, قاد السيارة عبر أراض مزروعة بقصب السكر و الأفوكادو و الفريز و الأناناس ومجموعة متنوعة من الأشجار المثمرة.
قرأت ساندرين الدليل السياحي:
-جبال غلاس هاوس. بلدات مونتفيل و فيلني, تشتهران بمناظرهما الطبيعية والأشغال اليدوية ومقاهي الشاي الظريفة.
-نقصدهما غدا.
عبست وألقت عليه نظرة سريعة. كان من الصعب تحديد معنى تعابيره لأنه وضع على عينيه نظارات شمسية غامقة اللون وصب تركيزه على الطريق أمامه.
سألته:" ماذا تعني. . . غدا؟".
أوضح مايكل متسلحا بالصبر:" سوف نعرج عليها في طريق عودتنا إلى الساحل".
-هل تنوي قضاء الليلة في نووسا؟".
-أهناك مشكلة؟
أجابته بحدة:" ثق تماما بأنها مشكلة. أولا, لم أحمل معي ملابس".
-إنه موقع سياحي والمحلات مفتوحة. وسوف أشتري ما تحتاجين إليه.
التفتت إليه بغضب لم تفلح بمداراته:" هل خططت لهذا الأمر؟".
رد عليها بجواب منطقي:" بدا لي أن العودة إلى الساحل الليلة, لنعود أدراجنا في الغد, تصرف غبي".
-ولكنك لم تطلب رأيي!
-وأعطيك الفرصة لتتمنعي؟
حدجته بنظرة حارقة:" أنا أكره أن أكون مختطفة".
-اعتبري الأمر مغامرة.
يا لها من مغامرة!َ إن استطاعت أن تمضي الساعات القادمة من دون أن تضربه. فسيكون ذلك معجزة.
-لو عرفت أن هذا ما يدور في بالك, لجلبت معي السيناريو. ربما لم يخطر لك أنني سأتابع التصوير يوم الثلاثاء ويجب أن أحفظ الحوار!
-عرفت من مصدر موثوق أن الحوار قليل, وما عدا الحاجة إلى إعادة تصوير المشاهد, ستنتهين من لعب دورك عند الظهيرة.
-أنا أكرهك.
-الكراهية عاطفة قوية, وهي أفضل من عدم الاكتراث.
-لقد تجاوزت لتوك مفترق الطريق.
رد عليها مستهزئا وهو يخفض سرعة السيارة ويستدير بها:" السبب في ذلك تشتيت انتباه المرشد".
زمت شفتيها وأحجمت عن قول أي كلمة أخرى غير إرشادات مقتضبة وواضحة.
اختار مايكل الفندق الأكثر فخامة على طول شارع هاستينغ الرئيس ووضع السيارة في موقف السيارات, ثم قادها إلى ردهة الاستقبال.
اكتشفت ساندرين أن جناحهما يطل على النهر. والمنظر الهادئ يخالف منظر الشاطئ الذهبي.
أعلن مايكل حلول وقت الغداء:" دعينا نذهب إلى مكان ما لتناول الطعام".
التفتت ساندرين إليه:" أنا لا أرغب في الاشتراك في اللعبة التي اخترت أن تلعبها".
-وما هي بالتحديد؟
أقرت بنبرة جافة:" أنت مناور فائق الحنكة".
-أهذا مدح أم هجاء؟
-كلاهما معا.
رد عليها بحسرة مفكرا:" شكرا. ما هي اللعبة التي تتخيلين أنني ألعبها؟".
-نوع من الانتقام.
لم يتظاهر بعدم الفهم:" أتقصدين إبقاءك مترقبة حتى أتم الصفقة؟".
-نعم.
رغب في قطع المسافة بينهما وهزها إلى أن تطلب الرحمة. ولكنه بدلا من ذلك, دس يدا في جيب سرواله وقال بعد أن تحكم بطبقة صوته:
-ما رأيك لو قلت لك, الليلة؟
انقبض شيء ما داخل معدتها وانعقد بشكل مؤلم وقاس:" ولماذا الانتظار؟ لم ليس الآن؟".
-هل لديك طلبات محددة؟
يا للسماء! كيف أمكنها أن تتكلم بمثل هذا الصوت الهادئ فيما هي ترتعش في داخلها مثل ورقة في مهب الرياح؟
-نوريني.
-أنت الذي يمسك زمام المبادرة.
وقفت من دون حراك تماما, ونظراته الثابتة لا تتزحزح.
اللعنة عليه, إنه لن يمد لها يد العون.
اجتازت الغرفة بخطوات بطيئة وثابتة إلى حيث يقف.
حثها صوت رفيع, تظاهري باللامبالاة, ودعيه يشعر أنه لا يعني لك شيئا.
لقد جرها هذا القدر من التحدي إلى تنفيذ رغباته الشيطانية. وفيما هي تغلي في داخلها بدا هو في قمة السعادة.
أغمضت ساندرين عينيها للحظات ثم فتحتهما ثانية. لم يكن مايكل بمثل هذا البرود يوما.
هنالك جزء منها يتلهف إلى زوجها. ودت أن تضيع في عالم الأحاسيس العاطفية والروحية, فيتشاطران معا وحدة الجسد والروح.
كان أمرا جيدا. . . وصححت . . . أكثر من جيد.
أمسكت يد ذقنها ورفعتها كي تنظر إليه. مسح بإبهامه خدها بتمهل.
ابتلعت ساندرين ريقها لا إراديا. أرادت أن تبتعد عنه ولكن العينين الرماديتين الداكنتين أجبرتاها على التحديق بهما.
ثم أحنى رأسه وعانقها. .
* * *
سألها برقة:" كل شيء على ما يرام؟".
ماذا باستطاعتها أن تقول. لم تجد كلمة مناسبة واحدة, واستطاعت أخيرا أن تقول:" عاجزة عن الكلام".
أوضح سؤاله ببطء:" أقصدك أنت".
-لا بأس.
أنت تكذبين, أنبها صوت في داخلها. فما زالت تتوجعين من معاناة لا علاقة لها بالألم الجسدي.
لاحظ مايكل الكآبة في تينك العينين الجميلتين المضيئتين, وتسارع نبضها فمال إليها وطبع قبلة على خدها, ثم أزاح بلطف خصلة شعر منسدلة على خدها.
أرادت ساندرين أن تغمض عينيها وتحجب عنها مرآه, ولكنها لم تستطع. وعوضا عن ذلك زمت شفتيها بصمت مدعية الاحتجاج والعتاب.
أعلنت وهي تنزلق عن السرير بحركة واحدة رشيقة, قاصدة الحمام:" وقت الغداء, أنا جائعة".
لم ترغب بالشجار. فهي لا تملك الطاقة أو الميل في هذه اللحظة لتفعل أي شيء.
وقفت تحت رذاذ ماء الدوش لتغتسل, ثم فتحت الباب الزجاجي ومدت يدها والتقطت منشفة. عندما خرج مايكل من الحمام كانت ساندرين قد ارتدت ملابسها ورفعت شعرها فوق رأسها, وأخذت بوضع أحمر الشفاه.
ارتدى ملابسه, ومرر أصابعه في شعره المبتل ثم مال برأسه مازحا ولوح بذراعه إلى الباب قائلا:" تفضلي أمامي".
☺☻☺☻
-
5-مخالب امرأة
انتقيا مطعما صغيرا وحميما, واختارا طاولة في الخارج, تحت مظلة كبيرة.
رفضت ساندرين أن تطلب شيئا آخر غير المعجنات واكتفت بقهوة سادة.
-هل استمتعت بالطعام؟
نظرت إلى الرجل الجالس قبالتها, وكافحت موجة غامرة من الأحاسيس.
كيف يمكن له ترك هذا التأثير المزلزل عليها؟ يا لجاذبيته الفطرية.
-نعم, أشكرك.
التوى فمه بابتسامة ضعيفة:" جواب مؤدب جدا. أتريدين مزيدا من القهوة؟".
هزت رأسها نفيا. ثم راقبته وهو يلوح بيده للنادل كي يجلب ورقة الحساب.
-جاهزة للذهاب؟
سألها مايكل بعد بضع دقائق, فنهضت ساندرين على قدميها من دون جدال.
تمشيا معا في الشارع الرئيسي, يتوقفان من حين إلى آخر أمام واجهات المحلات. واشترت ساندرين بطاقات عدة ولوسيون مرطب وكريم واق من أشعة الشمس.
وأصرت على دفع الثمن بنفسها. واشترت بواسطة بطاقة اعتمادها ثوب سباحة وثوبا أزرق جميلا.
سألها مايكل وهما يضعان أكياس المشتريات في جناحهما بالفندق:" بركة السباحة أم المحيط؟".
لم تتردد أبدا:" المحيط".
لم يستغرق أمر تغيير ملابسها وأخذ المناشف وعبور الشارع إلى الشاطئ سوى دقائق معدودة.
كان البحر هادئا بأمواجه الصغيرة المتكسرة على الشاطئ. فيما بدا الخليج بصخوره الناتئة وسفحه المنحدر من ربوة خضراء آية في الجمال و العذوبة.
يا لها من نعمة! فكرت ساندرين بصمت وهي تفرش منشفتها تحت مظلة نصبها مايكل.
تمشيا بعد عشرين دقيقة عبر الرمال إلى طرف الماء, ثم سارا بضع خطوات فيه, حتى غمرتهما المياه الزرقاء, ليطفوا على السطح ثانية ويكربا عباب الأمواج, سابحين بموازاة الشاطئ.
فكرت وهي تتمتع بالمناظر الطبيعية الخلابة التي تلف العديد من المنازل ذات الألوان الزاهية, المنتشرة على طول الشاطئ, أن سكينة لا متناهية تكتنف المحيط اللامحدود وإحساس بالتوحد مع الطبيعة يختلف تماما عن بركة السباحة.
كم من الوقت مر على آخر عطلة قضتها في نووسا؟ سنوات! أدركت ذلك بحسرة, وهي تتذكر كيف قضتها مع والديها خلال عطلة منتصف السنة الدراسية. سبقت تلك الأيام تمزق عائلتها بسبب الطلاق, وشعور المرارة الذي ملأ قلبها وتضارب الولاء مع اقتران كل من والديها بشخص آخر.
تكفلت المدارس الداخلية المقتصرة على طبقة معينة بتوفير ملجأ آمن لها, فلم تعد تشعر بالانتماء إلى أي من العائلتين. وجدت دائما الحب والترحيب في كل مرة تأتي فيها للزيارة. ولطالما اعتقدت أن ارتباكها ناجم عن حساسيتها للأمر.
عوضت عن ذلك النقص بالاعتماد على نفسها, والكفاح الدؤوب ثم النجاح. كل ذلك جرى بعصامية. واستطاعت أن تستخدم موهبتها في الخطابة والتمثيل, فبدأت في مسرحيات مدرسية وعرض الأزياء. ثم تولى ظهورها في إعلانات تلفزيونية, أما الباقي فأشبه بقصص الأحلام, عندما عرض عليها دور في مسلسل للتلفزيون الاسترالي. لقد كان قيامها بعرض أزياء في نيويورك ودعوتها إلى حفلة كان مايكل في مقدمة الحضور فيها, حدثين غيرا حياتها.
-هل عقدت العزم على الانفراد بذاتك؟
اتسعت عينا ساندرين لهذا الصوت المألوف والتفتت لترى مايكل قربها. لم يؤثر الشعر المبتل والماء الذي يسيل على وجهه على كمال قسماته المنحوتة أو يقللا من قوته التي تظهر من دون أي جهد.
-لا.
-أتودين استخدام يديك في شيء آخر مليء بالمغامرة؟
لم تستطع أن تقرأ تعابير وجهه, فيما عيناه تراقبانها بعزم بالغ, أربكها, فسألته:
-مثل ماذا؟
-ركوب الأمواج أو التزلج على الماء أو التزحلق السريع؟
-أنت تمزح من دون شك؟
تابع مايكل وكأنها لم تتكلم:" هل نستأجر زورقا ونستكشف الرياضات المائية؟".
قبضت بيدها حفنة من الماء ورشته بها, فحذرها:" أستطيع الاقتصاص منك".
-أنا أرتجف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة:" يمكن تأجيل ذلك".
وظهر في عينيه وميض دافئ وهادف تمكن من زعزعة عزيمتها.
نظراتها المتشابكة مع نظراته جعلتها تحس به إلى درجة مخيفة وغامضة. لم تشأ أن تعلق في شباك جاذبيته, لأنها تؤثر على المنطق وتقضي على أي تفكير سليم.
استشعر مايكل ترددها, وعرف سببه, ولهذا قرر إعطاءها مهلة قصيرة للاسترخاء:
-سوف أسابقك إلى الشاطئ.
ساوى بين ضرباته وضرباتها, فخرجا من الماء سوية. التقط منشفته عندما وصلا إلى المظلة, قائلا:
-أترغبين بشراب؟
ردت ساندرين, وهي تحذو حذوه:" بعد أن أستحم وأرتدي ملابس جافة".
سحب مايكل المظلة من الرمل وأعادها إلى محل التأجير في طريق عودتهما إلى الفندق. وأشار عليها عندما وصلا المدخل:
-اصعدي أنت, وسألحق بك بعد عشر دقائق.
أومأت برأسها ثم عبرت الردهة إلى مكتب الاستقبال لأخذ مفتاح غرفتها. اتجهت إلى الحمام فور دخولها الجناح ثم خرجت إلى غرفة النوم فوجدت مايكل يحمل أكياسا عدة من محال معروفة.
-كنت تتسوق.
أعلن لها وهو يفرق الأكياس عن بعضها ويخرج محتوياتها:" ثياب نرتديها على العشاء".
التقط رزمة ملفوفة بورقة هدية ورماها على الوسادة قائلا:"خذي, هذه لك".
اكتشفت سروالا حريريا أسود للسهرة وبلوزة بلون الذهب المعتق.
شكرته بغمغمة مقدرة له هديته, وهي تراقبه يخرج سروالا أسود وقميصا حريريا أزرق اللون.
لو أفصح عن نيته في قضاء الليلة هنا, لجلبت بعض الملابس واستطاعت توفير بعض المال.
وفكرت, في أن المال ليس مشكلة, بالنسبة إليه.
جاء سروال السهرة والبلوزة على مقاسها تماما. وكانت تضع زينتها عندما رجع مايكل إلى الغرفة.
أشاحت ساندرين بنظرها عن المرآة لتقابل نظراته الوامضة وأثنت على اختياره:
-إنهما جميلان.
أقر بنبرة هازئة وهو يطرح المنشفة:" شكرا".
عادت لتركز انتباهها على وضع زينتها, وتجهد في تثبيت أصابعها وهي تضع اللون الذهبي الخفيف على جفنها العلوي.
أنبت نفسها في توبيخ صامت, وركزت اهتمامها بحزم على ماكياجها. واختارت أن تترك شعرها منسدلا على كتفيها.
-
أطرى عليها مايكل بعد أن عادت إلى غرفة النوم:" جميل. ولكن هنالك شيء ما ناقص".
شعرت بالتوتر والجزع ونسبتهما إلى حساسيتها المفرطة على هذا الرجل بالذات.
كان هذا جنونا. لماذا تشعر وكأن حيوانا مفترسا جائعا يطاردها, وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليها؟
استطاعت أن تقول بخفة:" ما هو؟".
أخذ يقترب منها, وأمسك بيدها اليسرى ووضع خاتم الزواج ثم ألحقه بخاتم رائع من الألماس على شكل اجاصة قائلا:" هذا".
خفضت ساندرين نظرها إلى يدها ورأت رموز امتلاكه لها وحارت بين أن تضحك أو تبكي:
-مايكل. . .
ضاع أي شيء أرادت أن تضيفه عندما ضغط على شفتيها بإصبعه:" دعينا نخرج لاحتساء ذلك الشراب, ما رأيك؟".
ضم صالون الفندق مجموعة من الزبائن, ورفع مايكل حاجبه عندما أصرت على طلب عصير برتقال:" أأنت بحاجة إلى صفاء الذهن؟".
-حتما.
-خائفة يا ساندرين؟
ردت عليه بتحد:" منك؟ لا".
كادت قهقهته المبحوحة تحطم معنوياتها وساورتها الرغبة بضربه عندما رفع كأسه قفي حركة إيمائية ساخرة.
استطاعت وهي تأخذ رشفة من العصير المنعش أن تغير موضوع الحديث:" كيف حال جدتك؟".
-إنها سيدة رائعة.
ماذا يمكنها أن تقول؟ واستقرت بعد ثوان على قول:" هذا لطف منها".
-لقد وعدتها أن نعرج لزيارتها بعد عودتنا.
لم ترغب التفكير في ذلك مقدما. كان يكفيها أن تفرغ من كل نهار على حدة.
-هل تريدين كأس عصير آخر؟
هزت ساندرين رأسها نفيا ثم راقبته يضع كوبه الفارغ على الطاولة قائلا:
-أنذهب لتناول العشاء؟
وقع اختيارهما على مطعم ايطالي, الأفضل في المدينة. طلب مايكل بعض المقبلات الايطالية التقليدية ثم استقر رأيهما على اسكالوب لحم العجل, اتبعاه بحلوى الليمون الشهية.
قالت وهما يتمشيان في الطريق:" لا أعقد أن باستطاعتي أكل أي شيء قبل ظهيرة الغد, على أقل احتمال".
لقد أمضت ساعات رائعة ذكرتها بالأمسيات السابقة التي قضياها معا في تناول الطعام اللذيذ.
قالت وهي تبتسم له بدفء:" كانت أمسية لطيفة, شكرا".
كانت تعابيره دافئة أيضا وحملت تانك العينان الرماديتان المشعتان وميضا لم تأبه بتفسيره:
-هذا من دواعي سروري.
اقترحت عفويا:" دعنا نتمشى قليلا".
أمسك يدها ببساطة, ولم تسحبها من يده.
هل هما مثل زوجين متحابين؟
بطريقة ما لم تعتقد ذلك, فلغة جسديهما لم تكن تنطق بذلك.
داعب بكسل شرايين رسغها الرقيقة. وعندما حاولت أن تحرر يدها, رفعها إلى شفتيه ولثم أصابعها.
رفعت ساندرين رأسها وتلاقت نظراتهما:" أتحاول إغوائي؟".
-هل نجحت؟
بصورة فائقة.
-أتعودين إلى خيار الالتزام بالصمت, يا صغيرتي؟
منحته ابتسامة خلابة:" طبعا".
-نظرا إلى أن أي شيء يقال قد يدفعني إلى الغرور؟
-تقريبا.
سارا على جانب واحد من الشارع, وهما يتمهلان من حين إلى آخر عندما يلفت انتباههما شيء ما معروض في محل, ثم عبرا الشارع وعادا أدراجهما إلى الفندق.
كانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة عندما تقدمته إلى جناحهما, وخلعت حذاءها فورا ثم مدت يديها إلى حزام سروال السهرة.
كان من الصعب الحفاظ على الكثير من الحشمة بحضوره, فانسحبت إلى الحمام.
لم يسعفها بشيء ارتفاع حاجبه ولا ابتسامته البطيئة, وهي تندس بين الشراشف.
-لقد فات الأوان على ادعاء الخجل يا حبيبتي؟
-ربما لا أشعر بالراحة لاستعراض نفسي.
-هل أنت؟.
ارتسم العبوس الخفيف على جبينها:" هل أنا . . . ماذا؟".
زم مايكل فمه بصبر وهو يستدير لمواجهتها مسندا رأسه على يده:" تشعرين بعدم الراحة معي".
كان قريبا منها أكثر مما يجب, وخطيرا أكثر من اللازم. أصبحت ترصد كل نفس تأخذه. بدأت خفقات قلبها تتسارع.
أقرت ساندرين بصوت مبحوح:" أشعر بعدم الراحة مع نفسي عندما أكون معك".
واتسعت عيناها عندما رفع يدا وضرب طرف أنفها بسبابته بخفة, ثم سألها:
-أهذا أمر سيء؟
شدت أصابعها في محاولة للسيطرة على مشاعرها المتأججة.
استفهمت ساندرين بصوت مخنوق قليلا:" أنت تفعل ذلك متعمدا, أليس كذلك؟".
-وما الذي أفعله يا صغيرتي؟
-تغويني.
أخفض رأسه وهمهم:
-هل تريدين أن أتوقف؟
كادت تجيب بنعم.
لكنها عادت ورفعت ذراعيها وشبكت يديها خلف عنقه واستسلمت لعناق زوجها.
مر وقت طويل قبل أن يستلقيا, ويغطا بسهولة في نوم هانئ, لم يستيقظا منه إلا في الصباح عندما جلب لهما النادل الفطور.
سأله مايكل وهو يشرب ما تبقى من عصير البرتقال, ثم يصب لنفسه فنجان قهوة سادة:
-ماذا تريدين أن تفعلي اليوم؟
كانت ساندرين تتضور جوعا فيما هي ممتلئة بدفء حميم بسبب الإشباع العاطفي.
-نذهب إلى ميلين و مونتفيل وجبال غلاس هاوس.
-كنت أخشى أن تقولي ذلك.
سألته وهي تتصنع البراءة:" لماذا؟ هل هناك ثمة شيء آخر يدور في ذهنك؟".
-باستطاعتنا أن نبقى هنا, ونطلب غداء في ساعة متأخرة ثم نعود إلى الساحل.
قضاء بضعة ساعات أخرى معه في الجناح سيضعف دفاعاتها, التي لم تعد تتحمل المزيد, فعارضت بصرامة:" إنه يوم جديد. دعنا نستغله على أفضل صورة".
-هذه نيتي بالضبط.
-دعنا من المبالغة. لقد فككنا عقدة.
احتدت نظراته وقال:" أهذا ما عنى لك ذلك؟ فك عقدة؟".
رفعت ساندرين فنجانها إلى فمها, واحتست منه القهوة, ثم ردت:" مايكل, هل ترغب بالقيام بعملية تحليل؟ هل تريد أن أضع نظاما لتسجيل النقاط, لكي أعطيك درجة إضافية؟".
أراد أن يسحبها من قدميها إلى غرفته لكي يحول هذا الفتور إلى حرارة متوقدة.
لقد تجاوبت معه في كل خطوة, طوال الليل وفي الصباح, وهو مستعد أن يراهن على ذلك بحياته. لكنها في وضح النهار, تتصرف بشكل مختلف لحماية ذاتها. وهذا لا يضيره ما دام يمتلكها في المساء.
قال متشدقا:" لا أتذكر أنك تنغمسين في التمثيل كثيرا. كما أننا لم ننغمس البتة في سيناريو من نوع ما, هل شعرت بذات السعادة التي شعرت بها. أنا لا أرى سببا لمعاودة الكرة الآن".
-الثقة أمر جميل.
صحح مايكل بشيء من السخرية:" المعرفة. . . معرفتك".
أقرت في سرها بحسرة أنه يعرفها تماما, مما يعطيه أفضلية جائرة.
أنهيا الفطور في صمت,ثم استحما وارتديا ملابسهما, قبل أن يدفعا حساب المنتجع ويغادرا بسيارتهما.
كان نهارا جميلا بسماء صافية, لا يشوبها إلا القليل من الغيوم. وأنبأت أشعة الشمس بارتفاع درجة الحرارة, فيما كان يخرجان من نووسا ويتجهان إلى الجبال.
كان من السهل جدا أن تتذكر حبها لمايكل والبهجة التي عرفتها معه. ولم يتطلب الأمر غير نظرة عابرة وذاكرة حية, حتى فاض قلبها حبا. وأصبح مايكل محور تركيزها. إنه تواصل روحي, ينغص راحة بالها.
-
تشنجت لبضع ثوان مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة.
يا للسماء, فكري بأمر آخر!
توقفت السيارة فجأة, وامتدت ذراعه لتشكل حاجزا يحميها وهي تندفع إلى الأمام, وسمعت مايكل يشتم بصوت خفيض.
-ما الذي حدث؟
سألت ساندرين بدهشة وذهول فيما جمدت السيارة مكانها بعد صرير عجلاتها. إلا أنها وجدت الجواب بنفسها حين رأت كلبا صغيرا يفر إلى المرعى المقابل.
تمتم مايكل بغضب وهو يرمقها بنظرة شاملة:" حيوان غبي, كان يمكن أن يقتل, هل أنت على ما يرام؟".
هزت رأسها من دون أن تتكلم, فاحتدت نظراته وأضاف:" أأنت متأكدة؟".
وأمسك ذقنها ثم أدار رأسها نحوه, وأخضعها لتقويم شامل.
لن تدعه يعرف أنه سبب عدم هدوئها, وليس الحادث الذي كاد يقع.
وضعت يدها على حنجرتها لتخفي نبضاتها المتسارعة, وتنفست الصعداء في صمت, عندما أفلتها وحل انتباهه مجددا إلى الطريق.
وصلا مونتفيل عند الظهيرة فتجولا في بضعة محلات, اشترت منها هدايا لأقاربها, ثم تمتعا بتناول غداء شهي في مقهى يطل على الوادي قبل أن يعودا أدراجهما إلى الشاطئ الذهبي.
كانت الرحلة ممتعة, وأفصحت عن ذلك حالما دخلا الفيلا عند الساعة السادسة مساء.
تساءل مايكل متشدقا, ومبتسما بخبث:" كل ما فيها".
ردت ساندرين بتحفظ:" معظم ما فيها".
وسمعته يضحك بصوت منخفض قبل أن يقول:" هيا نبدل ملابسنا ونخرج لتناول العشاء".
خالفته الرأي, وهي تقوم ذهنيا محتويات الثلاجة:" يمكنني تحضير العشاء هنا".
قرر مايكل بحزم:" حجزت طاولة في مطعم فندق حياة".
نبهته ساندرين فيما كان يدفعها إلى الأمام باتجاه الدرج:" يجب أن أراجع الدور الذي أؤديه".
-سنرجع إلى البيت عند التاسعة, حينها يمكنك الانزواء على مقعد ومراجعة الحوار.
كان مطعم حياة مليئا بالزبائن, فقادهم النادل إلى طاولة قريبة من نافذة تشرف على قناطر النهر الجميلة.
طلب مايكل شرابا, ثم اختارا أطباق السلطة والطبق الرئيسي, ولكنهما أجلا طلب الحلوى.
كانت ساندرين تستمتع بأكل القريدس عندما سمعت صوتا ناعما مألوفا. ها هي كايت ليندن, أنثى فاتنة بحق, تبدو بملابسها السوداء مثل عارضة أزياء خرجت لتوها من بين صفحات مجلة فوغ العالمية, وكان شعرها وماكياجها صورة عن الكمال. ورأت غريغور إلى جانبها.
قالت كايت وهي تطبع قبلة في الهواء موجهة لساندرين:" عزيزتي, تصوري أن ألتقي بك هنا".
ألقت ساندرين نظرة سريعة على غريغور ولمحت وميضا في عينيه, مما جعلها تستنتج أن لدى كايت هدفا. وهذا الهدف هو إيقاع مايكل في شباكها.
وافقتها ساندرين وهي ترمي مايكل بنظرة استهزاء من شبه عينيها المغمضتين:" يا لعجائب الصدف".
-أرجو أن لا يكون في انضمامنا لكما أي إزعاج؟".
ارتمت كايت على أحد الكراسي من دون انتظار الرد على سؤالها:" إنه شيء رائع. ينبئ بأمسية مميزة".
راح غريغور و كايت يطالعان لائحة الطعام, وأصر غريغور بعد أن طلبا الأطباق التي اختارها:" سأطلب زجاجة أخرى من المرطبات".
التفتت كايت نحو ساندرين وسألتها بصوت ينم عن اهتمام مصطنع, جعل ساندرين تعجب بمقدرة كايت التمثيلية:" هل أنت على ما يرام يا عزيزتي؟ تبدين شاحبة قليلا".
رسمت ساندرين على وجهها ابتسامة حلوة وردت:" هل تعتقدين ذلك؟".
-يقيم غريغور حفلة ليلة السبت. ويجب أن تحضراها.
رد مايكل بتصنع وهو يرفع كأسه دلالة على تقديره للدعوة:" لسوء الحظ, سنكون حينها في سيدني".
حقا؟ تساءلت ساندرين في سرها, إنها تعتزم زيارة عائلتها هناك, ولكن لم يخطر ببالها أن مايكل سيرافقها.
أخفت كايت شعورها بالخيبة وقالت:" يا للعار".
أحست ساندرين أن كايت تشحذ مخالبها متهيأة للانقضاض وهي تتابع:" يفترض أن تكون لقطات التصوير غدا ممتعة. ستصور ساندرين مشهدا جميلا".
تمهلت قليلا ثم تابعت:" لا بد أنه يصعب عليك مواجهة أمر تواجدها مع أحد".
رد مايكل بابتسامة قاتلة وبصوت ناعم يحمل في طياته الوعيد:" ليس لدي مشكلة في ذلك, لأنني الرجل الذي تزوجته".
راقبت ساندرين كايت وهي ترفرف بأهدابها وتعلق:" أنا أعشق الرجل المتسلط".
قال غريغور متدخلا:" حقا, يا عزيزتي؟ إنك تدهشينني, فعهدي أنك حريصة على اتخاذ القرارات في علاقاتك".
لو كانت النظرات قاتلة, لوقع غريغور صريعا, ولألقي القبض على كايت بتهمة ارتكاب جريمة قتل.
وبسبب هذه الألاعيب المبطنة التي تشعر بها النساء برغبة في القيام بها, وجدت ساندرين تصرف كايت, من جهة, مسليا, ومن جهة أخرى أرادت أن تفقأ عينها! وفكرت بامتعاض بأن الغيرة إحساس لا مفر منه.
ألقت نظرة سريعة على مايكل والتقطت الوميض الخافت الظاهر في عينيه الرماديتين. هل فضح أمرها إلى هذا الحد؟ لقد اكتسب القدرة على قراءة ما يدور في خلدها بدقة بالغة منذ اللحظة الأولى, فيما بقي هو كتابا مغلقا تقريبا.
جاء النادل بأطباق كايت و غريغور الرئيسية, بينما ركزت ساندرين على التهام سمك السالمون.
-إلى متى ستمكثين في سيدني؟
-أنا . . .
كانت على وشك أن تضيف, لا أعرف على التأكيد, غير أن مايكل قاطعها.
-إلى أن ينتهي تصوير الفيلم وتنجز الحملة الدعائية له.
تمادت كايت في لعبها بغنج:" وبعد ذلك؟".
التفت مايكل إلى ساندرين مبتسما بأدب وأمسك بيدها ثم رفعها إلى شفتيه:" نيويورك ثم باريس".
حاذري! قالت ساندرين في سرها, من الواضح أنه يلجأ إلى الأسلحة الثقيلة.
علقت كايت وهي تتنهد حسدا:" الفرنسية. . يا لها من لغة رومانسية! الحصول على زوج يعبر عن رغباته بلغته الأم. . يجعلني أفقد صوابي".
رد غريغور متشدقا:" لقد تزوجت عدة مرات وفي كل مرة كان زوجك من جنسية, بحيث يظن المرء أنك امرأة متعددة اللغات".
-حيوان.
-أنا لا أقول إلا الحقيقة, كما أعرفها. يا عزيزتي.
حولت كايت انتباهها إلى ساندرين:" أديت تجربة للدور الرئيسي في فيلم لوكاس الجديد. وأظن أني سأحصل عليه".
مسدت شعرها بيدها وأضافت:" هل تحضرين لعمل آخر؟".
أعادت ساندرين وضع السكين والشوكة على المائدة, واحتست ما تبقى في كأسها من شراب:
-تهاني.
-لم تجيبي على سؤالي.
فكرت مليا قبل أن تجيب, لأنها كانت تعي أن مايكل صب كامل اهتمامه على يدها:
-ليس لدي أي مشاريع فورية.
-أتريدين قهوة حبيبتي؟
هزت رأسها نفيا, فصرف النادل وأعلن:" نرجو المعذرة, لأننا على وشك المغادرة. يجب أن أتفحص بعض المعلومات في الكومبيوتر وعلى ساندرين مراجعة حوارها".
ثم نهض على قدميه قائلا:" عمتما مساء".
جلب لهما البواب سيارتهما في غضون دقائق, فجلست ساندرين على المقعد إلى جانبه وأسندت رأسها إلى الخلف.
-لا تعليق؟
أدارت رأسها قليلا نحو مايكل وقالت بامتعاض:
-كلا. لا شيء البتة.
وسمعته يضحك بصوت خفيض مبحوح.
سألها وهما يدخلان ردهة الفيلا:" أين تفضلين مراجعة دورك؟".
كانت ترغب بخلع حذائها والجلوس على أحد المقاعد الوثيرة, فأجابت:
-هنا.
خلع سترته وعلقها على أحد كتفيه:" سأضع الكومبيوتر على مائدة غرفة الطعام. هل تحضرين القهوة أم أقوم أنا بذلك؟".
-حضر القهوة أنت. سأصعد إلى غرفتي لأغير ملابسي.
كان مايكل لا يزال منكبا على جهاز الكومبيوتر عندما عادت إلى غرفة نومها قبل منتصف الليل بدقائق, وخلدت إلى النوم في غضون دقائق من وضع رأسها على المخدة.
لم تسمعه يندس في الفراش إلى جانبها. ولم تع أن ذراعه تشدها إليه.
☻☺☻☺