-
ونظرا معا الى الحدائق ، لكن كل شيء كان ساكتا وصامتا.
وصل غويدو الى القصر متأخرا وكان يرتدي بنطلون جينز وكنزة، وهو يعرف ان هذا سيغضب عمه.تسلل عبر الحدائق عن طريق بوابة صغيرة وتنقل بسرعة وهدوء عبر الظلال المرتفعة. ومع قليل من الحظ، سيصل الى غرفته وبغير ثيابه بسرعة الى مايسميه فرانسيسكو " اللباس اللائق". ومايسميه هو " القميص الخانق".
تمكن عبر الاشجار من رؤية الشرفة المطلة على الماء، حيث كان
الكونت يستقبل ضيفتهم قبل العشاء.. اجل .. يسيتطيع ان يراه الان. وليو وماركو كذلك. لكن السيدة بقيت مجهولة، وكل ما استطاع تبينه كان فستانها الارزق ،ولكنه لم يرى وجهها. اقترب اكثر بين الاشجار، فاستدارت لتنظر الى الخارج. وفجأة رأى وجهها بوضوح.
لوهلة، كاد يستمر مكانه، ثم خرج سريعا من مخبأه.
سمع عمه يسأل:" هل من خطب؟"
ثم جاء صوت دولسي:" لا... ظننت للحظة انني رأيت احدا يتحرك هناك ولابد انني كنت مخطئة".
وبدأ العرق يتصبب من جبين غويدو. ولايمكن لهذا ان يحدث له. ماذا حصل للحظ الذي طالما حالفه؟ ماذا حصل للملاك الحارس الذي طالما رافقه؟ فهو لم يكن يقصد ان تجري الامور هكذا.
تناهت اليه اصوات ليو وماركو ثم صوت عمه يقول:" ماذا حدث له؟ اعتذر لتأخر ابن اخي.. فليتصل به احد منكما ليسأل متى سيكون هنا."
وتحرك غويدو بسرعة . مامن احد شاهده، ومازال بامكانه ان يتهرب. سيتسلل من الطريق التي جاء منها.. ويتصل بعمه ليعتذر بسبب ازمة طارئة ستمنعه من الانضمام اليهم هذه الليلة.
كان على وشك ان يهم بالعودة عبر الحديقه حين لاحت له فكرة مروعة سمرته ارضا.
فقد كان يعرف عادة عمه مع الضيوف الجدد، وهي لاتتغير . العشاء ثم جولة في القصر، واخيرا في مكتبته.. وهناك سيأتي " بالبوم " الصور ويعرص صور العائلة التي سيظهر فيها غويدو بجلاء.
وتأوه بصوت مرتفع، متسائلا عما فعله في حياته ليستحق هذا. لا يجب ان ترى دولسي هذه الصور مهما كان الثمن.
وتراجع ملتصقا بالجدار، حتى التقى بباب صغير، يعرف انه لا يستخدم ابدا، ولو استطاع المرور عبره، سيصبح بالقرب من مكتبة عمه.
وكما توقع، كان الباب مقفلا. ولكن خشبة قديم جدا بحيث ان ضربة واحد ستكسره بسهولة. كان الممر مظلما جدا، فتعثر اكثر من مرة ، وكاد يقع لكنه التقط نفسه، واحس ان الغبار غطاه، ولكن لم يكن لديه وقت ليقلق على هذا. وأرى نورا مضاءا، فالخدم مشغولون في تحضير العشاء، فراح يخطط للمرور من امامه دون ان يراه احد. سار في ممر ضيق، كان في نهايته باب سري يؤدي الى المكتبة.
كانت المكتبة فارغة ومظلمة، لذا اضاء مصباحا واحد ثم تقدم الى درج المنضدة حيث يحتفظ عمه بمفتاح خزانة الكتب والبومات الصور.
-مكانك!
جاء الصوت من خلفه.. اخذ غويدو نفسا عميقا، املا الا يكون المعدن البارد الذي احس به على اذنه، وما كان يظنه.
-قف واستدر ببطء، ويداك الى الاعلى.
فعل هذا.. ليجد اسوأ مخاوفه تتحقق وهو ينظر الى بندقية طويلة مزدوجة.
***
مع مرور الدقائق دون ظهور الوريث ، بدأت ابتسامة الكونت تتلاشى، الى ان اعلن اخيرا ان العشاء لايمكن ان يتأخر اكثر . ودخل الاربعة الى غرفة الطعام المتسعه المزخرفة، حيث رافق دولسي الى مكان الشرف.
واستعاد فرانسيسكو ذكراياته مع اللايدي هارييت ، ساردا الكثير من الاحداث التي كانت دولسي واثقه انه اما اخترعها او حولها من سيدات اخريات.
قال متفجعا:" انا على امل ان يتزوج ابناء اخوتي ويواسونني في ايامي الاخيرة.. لكنهم عنيدون وانانيون".
وافق ليو مبتسما:" انانيون جدا. لدينا فكره مختلفه عن الزواج".
تنهد فرانسيسكو:" اخشى ان نبقى جميعا عازبين في هذه العائلة."
سألته دولسي:" وابن اخيك غويدو... هل هو عازب؟"
قال ماركو:" بكل تأكيد هو عازب".
-
وقال فرانسيسكو:" يجب ان اعتذر لضيفتنا نيابة عن غويدو. ولكن، لاشك عندي انه سيكون هنا قريبا."
ورفع صوته في آخر كلماته، وكأنما يوجه رسالة الى ابن اخيه ليذكرة بواجبه.
توسل غويدو بتوتر:" ليزا ... ارجوك ابعدي هذا الشيء عني ، دعيني اخذها."
واراح مديرة المنزل من البندقية وساعدها على الجلوس.
قالت بضعف:" انها غير محشوة ظننتك لصا.. ياللسماء! كدت اقتلك."
-لن تقتليني ببندقية غير محشوة، لكنك كدت تتسببين لي بنوبة قلبية... ولو كنت لصا، فيماذا كنت تفكرين لتهاجميني هكذا؟ لابد انك كنت تشاهدين الكثير من افلام العصابات.
قالت منتهدة:" اجل ... ظننت ان قليلا من الاثارة سيكون ممتعا".
-قليل من الاثارة.. انت بحاجة الى مايعيد اليك وعيك، واذا كنت تريدين الاثارة، بامكانك مساعدتي حتى لايراني احد.
واشار الى الالبومات:" احتاج ان اتخلص من هذه.. لبضع ساعات فقط.
قالت ليزا :" لكنه يعرضها دائما على ضيوفه".
-اعرف.. ولهذا اريدها ان تختفي . ولا استطيع شرح الامر ، ليزا.. مستقبلي كله بين يديك، وزواجي ، واولادي، واولاد اولادي، سلالة دم كالفاني كلها لمئة سنة قادمة. واذا لم تساعديني سينتهي كل شيء.. ولن ترغبي في ان يعذب هذا ضميرك .. اليس كذلك؟
-لكنك لن تستطيع فعل شيء هكذا، فإذا وجد الكونت الالبومات مفقودة سيستدعي الشرطة.
شد غويدو شعره:" اذن ... ماذا افعل؟"
-دع الامر لي سيدي.
كان الكونت فرانسيسكو في افضل مزاج، يتحدث عن ماضي البندقية المشرف.. ولو ان دولسي كانت تدرك ان هذا كله مجرد استعراض ، الا انها احست انها وقعت تحت السحر.
قال يشرح لها :" كان الجميع يأتي الى هنا لحضور الكارنفال... انا احدد الكارنفال حسب طريقتي، بحفل راقص مقنع خلال الصيف.. وحفلة هذه السنة ستجري يوم الاربعاء القادم ، واتمنى ان تشرفيني بحضورك.
تمتمت:" لست متأكدة تماما انني سأكون هنا الاسبوع القادم".
قال بلهفة:" أوه ... لكن لا بد ان تكوني هنا. ولو لتعويضي عن خجلي بالنسبة لهذه الليلة. لا اعرف كيف اعتذر عن عدم حضور غويدو وسوف ابلغه استيائي."
ابتسمت دولسي:" لكنك اعتذرت قبل الان. يؤسفني انني لم التق به . لكن ، بما ان هذا كان ترتيبا في اللحظة الاخيرة، فلابد انه كان صعبا عليه."
-اشكر قولك هذا . لكن في الاسبوع القادم، سيقدم اعتذاره شخصيا.
ولم يكن هناك مجال لثنيه عن فكرته ، لذا تمتمت دولسي شيئا" مبهما" ومهذبا" ، واستسلمت للتمتع بالقصر . . وحين انتهت الجولة شرب الجميع القهوة ، ثم رافقها الرجال الثلاثة إلى المرسى حيث كان المركب ينتظر وكان ليو وماركو يريدان مساعدتها للصعود ، لكن الكونت ابعدهما.
قال بلياقة : " مرافقة اللايدي الجميلة هو امتياز لي . . ليلة سعيدة سينيوريتا ، وأنا آسف لما حصل كنت امل ان اريك الصور لكن لاأعرف كيف اضاعت مدبرة المنزل المفتاح . . ليس من عادتها ارتكاب مثل هذه الغلطة".
قالت دولسي : " سأتطلع شوقا" لرؤيتها في وقت آخر".
- اجل . . حين تأتين إلى حفلة الرقص التنكرية يوم الأربعاء القادم . لا تنسي ، وسيكون غويدو هنا.
- انا حقا" متشوقة لرؤيته.
جلست في مقعدها بارتياح ولوح لها افراد اسرة كالفاني إلى ان ابتعدا
عن الأنظار
وقال الكونت : " إنها رائعة".
قال ليو : " لاتتعب نفسك عمي . . لن يجديك ذلك نفعا" ".
- ماذا تعني؟
قال ماركو : " غويدو يقابل امرأة اخرى وتسري اقاويل بأنه قضى الأسبوع الفائت كله معها حتى انه قليلا" مذهب إلى العمل . . ومتى كان يهمل غويدو عمله؟ اقول لك عمي ، الأمر جدي".
- لماذا لم تقل لي هذا قبل الآن؟
قال ليو : " بدا نا من الأما اكثر ان تمر الأمسية اولا".
سأل فرانسيسكو مجفلا" : " هل عرفتم شيئا" عن هذه الامرأة؟".
- عرفنا فقط انه التقاها وهو يقود الغندول.
-
شخر فرانسيسكو ساخرا" : " سائحة . . تبحث عن حب عابر وتستسلم لأي شاب تلتقيه . . لكن اللايدي دولسي امرأة من طبقة رفيعة.
وهاهو يهملها من اجل حقيرة اهو مجنون؟".
قال ليو : " بل هو من أسرة كالفاني".
كان القمر مرتفعا" في السماء عندما جلست دولسي تراقب المياه التي تعبرها . كانت المقاهي الصغيرة قرب الماء قد بدأت تفرغ والأنوار تنطفئ امامراكب الليل فكانت تنقل العشاق في نزهات ليلية تحت الضوء القمر وتحت ناظري سائقي الغندولات لكن دولسي لم تلمح الرجل الذي تسعى اليه وتنهدت تتساءل عما يفعله الآن . ومالذي شغله عنها الليلة ومتى ستقول له وداعا" ؟ ربما سيتصل ليقول كم يفتقدها ويجب ان يراها . . قد يكون هناك رسالة منه في الفندق.
اسرعت إلى الجناح متشوقة لمعرفة اي شيء عنه لكن حين اتصلت بمكتب الاستعلامات لم تجد اي رسالة وجلست تحدق بجهاز الهاتف يائسة.
فجأة احست انها ليست لوحدها كان هناك صوت من غرفة النوم الثانية وبعد لحظة ، انفتح الباب.
وصاحت دولسي : " جيني".
- مرحبا" . . تسعدني رؤيتك.
وألقت الشابة ذراعيها حول دولسي في تحية متلهفة
- لكن . . ماذا تفعلين . . اعني لم اكن اعرف انك قادمة.
- فكر والدي اننا قد نستمع بعطلة قصيرة معا" . ولهذا حجز هذا الجناح . . كي يكون لنا معا" مكان كاف
- وهل قال لك لماذا انا هنا؟
- قال إنك تقومين بأبحاث تسويق له وانا اعرف انه يوسع اعماله دائما".
ولم يبد هذا لجيني مريبا" . وادركت دولسي انها لاتعرف شيئا" عن عملها ، لذا لاسبب يدعو ان تفكر بالأسوأ . مع ذلك كان دولسي إحساس رهيب ان الأمور قد بدأت تسوء.
تطلعت جيني الى ثوب السهرة:" تبدين رائعة..أوه.. دولسي.. هل كنت برفقة رجل؟"
-لقد تناولت العشاء مع ثلاثة... ولاواحد منهم كان الذي اريده..
قالت جيني بحكمة:" ثلاثة؟ اظن ان واحد يكفي اذا كان من تريدينه أوه دولسي، كم انا مسرورة... تسعدني رؤيته مجددا".
اجفلت دولسي:" من؟"
-حين وصلت، اتصلت بفيدي فورا من المطار. وجاء ليأخذني، وقال انه اشتاق الي كثيرا، ثم..
حاولت دولسي تجاهل القضبة الباردة التي امسكت معدتها، وقالت:" مهلك لحظة.. هل كنت مع فيدي هذا المساء؟"
-طبعا.. ومن غيره.. لم يكن قادرا في البداية..
-لكنه غير مواعيده.
واشتعلت عينا دولسي.
-اعتقد هذا.. لم أسأل. ماهمني ما دمنا معا؟
هكذا إذن.. كان مع جيني.. وغلت دولسي في داخلها. انه يخدعهما معا..
وسارت دولسي نحو الباب، فنادتها جيني:" الى اين انت ذاهبة؟"
ردت من فوق كتفها:" الى اي مكان"
ما ان خرجت من الفندق حتى دخلت في متاهة متشابكة من الشوارع الصغيرة المعتمة. كانت تسير على غير هدى، ماقالته جيني لتوها كشف امر ذاك المخادع. يالهي! لطالما رددت على نفسها ان تبقى حذرة والا تثق به تماما... لكن يبدو انها وقعت تحت سحره.
كان الظلام دامسا في الازقه. وكان من السهل البقاء بعيدا عن الانظار. مر ثنائي بقربها ، فسمعتهما يتكلمان بصوت خافت مفعهم بالمشاعر ثم تلاشيا في الصمت.
هذه مدينة العشاق.. ولقد رمت نفسها في فخها مثل فتاة غرّة لاتعرف شيئا... غبية! غبية!
وفكرت بتحد: استحق هذا.. سأكون اكثر حكمة في المرة القادمة.
لكن لن يكون هناك مرة قادمة.. قد يكون هناك علاقات اخرى، لكن لن تشعر ابدا بالسعادة والامان اللذين احست بهما وهو يعتني بها. كل هذا وهم، وهذا اكثر ما كان يؤلمها.
من مكانه المميز في مقهى على ضفاف المياة ، تمكن غويدو من رؤية دولسي تغادر قصر" كالفاني"
ترك نصف ساعة تمر قبل ان يعود الى المنزل..
كل شيء جيد حتى الان. لكن هل ذهبت خطته ادراج الرياح؟ لقد وعدته ليزا ان تخفي مفتاح الخزانه، لكن لنفرض ان عمه كان لديه
-
مفتاح اخر، وتمكن من اخراج صور العائلة؟ عندئذ ستتعرف اليه دولسي.. وتقول اسمه وستحدث مشاجرة... وسينفجر ليو وماركو بالضحك... وها هو الان يتجه الى مشاجرة اخرى.
-ها انت ايها النذل!
وتردد صدى الصوت في الردهة الرخامية الطويلة، وتبعه فرانسيسكو بوجه كالعاصفة . ثم ليو وماركو المصممان على الا يفوتهما المرح.
-عمي استطيع ان اشرح..
-بالتأكيد يجب ان تشرح.. ليس لي بل لتلك اللايدي الشابة الفاتنة .
طريقه معامتلتك لها امر بغيض.
قال غويدو بحذر :" هذا يتوقف على نظراتك للامور".
وصمت فرانسيسكو قليلاثم اشار الى مكتبته:" اتبعني الى هنا."
وصدم غويدو مترقبا الشر.
لم تكشف المكتبة عن شيء. كانت فناجين القهوة تدل على ان الجميع امضى وقتا هناك. لكن الكونت اخذ موقعه امام خزانه الكتب ليخفي محتوياتها.
وقال الكونت بصوت مهيب:" انها لايدي، اتعرف هذا؟ وتصرفت وكأنها لاتزيد عن.. عن .. حسن جدا، لا اعرف ماذا اقول!"
وفكر غويدو :" اتمنى لو تقول المزيد... فلربما اصبح لدي فكرة.
تابع فرانسيسكو:" لقد تصرفت بكل لباقة مع انها كان يجب ان تعلقك في اعلى عمود انارة بعدما حدث الليلة".
سأل غويدو:" وماذا حدث الليلة... بالضبط؟"
-اتسألني هذا؟
-اجل.. اسألك فعلا.. وانتما الاثنان..
واستدار غويدو نحو ليو وماركو:" توقفا عن الضحك والا سأجلدكما."
هل رأت الصور ام لم ترها؟ اذا لم يعرف قريبا سيصاب بانهيار عصبي.
ودخلت ليزا كالشبح:" عذرا ايها السادة."
وبدأت تجمع الفناجين وعندما مرت امام غويدو، وامات له بعلامة انتصار سريعة، فاسترخى، لكن قليلا فقط.
-انا اسف حول هذه الليلة لكن شيئا طرأ..
قال فرانسيسكو بوقار مهيب:" لايدي دولسي كانت خائبة كثيرا بالطبع، لانها لم تلتق بك... وطلبت مني ان اقول لك هذا!"
-حقا؟
-اكدت لها انك ستكون موجودا في الحفلة التنكرية، وقالت انها تتشوق لهذا اللقاء... واكدت ان هذايعني الكثير لها.
في لهفته لجمع دولسي وغويدو، كان الكونت يبالغ قليلا ويعطي لكلام دولسي ابعادا لم تقصدها مطلقا.. وبالنسبة لغويدو، الذي كانت اعصابه ثائرة، بدت الكلمات منذرة بشر. واضح ان دولسي اكتشفت الحقيقة.. لكن بدلا من مواجهته، ابقت غضبها مكبوتا للمرة القادمة وهذه هي رسالتها لاعلان اقترب الكارثة.
-أوه.. اعتقد ربما.. اعذرني عمي... فشيء اخر قد استجد وخرج ممن الغرفة بأسرع وقت ممكن.
-
8- القدر...
كانت المسافة الى فندق فيتوريو تبلغ ميلا اذا كان المرء يعرف الشوراع الخلفية جيدا. سلك غويدو طريقا مختصرة قادته عبر منزل صديقه انريكو، حيث احتسى القهوة بسرعة قبل ان يختفي مجددا.
قبل وصوله الى الفندق ببضع دقائق، وجد نفسه الى جانب قناة صغيرة... واذ كان مسرعا، كاد يصطدم بامرأة قادمة من الجهة الاخرى.
-انا اسف جدا.. دولسي! انا..
لكن وجهها قال له الاسوأ، وكلماتها اكدت هذا :" انت احطّ المنحطين".
-لو استطعت فقط ان اشرح..
-ماذا هناك لتشرح؟ انك مخادع، وانني اعرف كل شيء؟
-يالهي! لقد رأيتها إذن..
-رأيت ماذا؟
شد شعره:" ما كنت اريد لهذا ان يحدث..."
-اذن لماذا فعلته؟ أوه.. بالطبع، لم تقصد ان يكتشف امرك. واعتقد انك ظننت انني لن اكتشف حقيقتك...
-كنت سأقو لك بنفسي.. اقسم بذلك.
-وهل سيصلح هذا الامور؟
-بالطبع لا.. لكن.. لو استطعت ان اجعلك تفهمين كيف حدث هذا. كانت حادثة، واعرف انه كان يجب ان اقول لك كل شيء منذ البداية.. لكن هل يهم هذا حقا..
-هل يهم..؟ انا لا اصدق انك قلت هذا. كان يجب ان اعرف حين تخليت عني الليلة، واعطيتني عذرا واهيا.. في الواقع ليس بعذر ابدا. شيء ما استجد! اما كان يمكن ان تفكر بشيء افضل من هذا؟
اعترف:" لم استطع التفكير بأي شيء، لكنك الان عرفت، الايمكن ان نبدأ من جديد؟"
-لست اصدق ما اسمعه لايمكن ان تكون مراوغا وعديم الضمير الى هذا الحد...
-عزيزتي. ارجوك.. اعرف انني لست على قدر المقام.. لكنني سأكون. اقسم لك . هل فعلت شيئا رهيبا الى هذا الحد؟
-لاجدوى من قول المزيد.. ليلة سعيدة .. وداعا.
في لهفته امسك كتفيها:" لايجب ان تذهبي الان."
-لا اريد ان ابقى.. وارجوك... اتركني.
-لا استطيع ان تركك تذهبين.
-ابعد يديك عني.
توسل:" بضع دقائق اخرى"
-اي نوع من الاغبياء تظنني؟ اتركني.
وحاولت الاندفاع في طريقها لتتجاوزه، لكنه انزل يديه الى خصرها وقربها منه، وقال بحزم:" سأتركك.. بعد ان اشرح لك هذا."
حاولت التخلص منه.. فهذا النوع من الشرح خطير جدا. لكن ذراعيه كانتا قويتين كالفولاذ، وكان حياته تعتمد على مايفعل، وكأنه يخشى الا تتاح له الفرصة مجددا. عانقها بقوة لم يستعملها معها من قبل. فشعرت بالاثارة تتسلل في جسمها، ولم يعد قلبها، ولا مشاعرها، تهتم بالتحذير الذي يطلقه رأسها.. فقلبها كان يريده، يريد ما يحدث الان ويريد ان يستمر.
تمكنت من ابعاد نفسها قليلا، وقالت شاهقة:" دعني.."
اجابها:" لا اسطيع.. اخاف لاجدك مرة اخرى.. ولن اخاطر بهذا."
-لقد فقدتني وانتهى الامر، ولم اكن يوما لك..
قاومت هذا الاغواء منذ اللحظة التي قابلته فيها.. وها هو الان يجبرها ان تشعر به في وقت جاء فيه لتوه عند جيني
التفكير بجيني اعطاها الشجاعة لتحرر نفسها. وتراجع خطوه الى الوراء، ليحتفظ بتوازنه وهي تدفعه عنها، ولم يدرك اي منهما انهما كانا يقفان قريبا جدا من الماء، الى ان تعثر ووقع صارخا.
وكان اهل البندقية يعيشون في الماء وخارجة منذ نعومة اظافرهم..
وان يقع واحد منهم في القتاة ليس امرا عظيما.. ابقى غويدو فمه مقفلا بشده الى ان خرج الى سطح الماء. ثم مسح عينيه ونظر حوله باحثا عن سلم، لكنه لم يجد شيئا على بعد النظر، وبما ان المد كان منخفضا، فقد كانت حجارة الضفة عالية جدا ليتسلقها.
مد يده مناديا:" ساعديني على الخروج".
وكانت دولسي قد ركعت على ركبة واحدة تنظر اليه بلهفة:" هل تأذيت
-
-لا.. لكنني مبلل ، ساعديني على الخروج.
-ولماذا اساعدك؟ تستطيع السباحة!
-بالتأكيد ، فأنا سباح ماهر...
-جيد.. اسبح اذن لتعود الى بيتك.
ووقفت على قدميها واستدارت بعيدا.
-عزيزتي!
وامام عينيه المذعورتين اختفت في الظلام، وتركته يتخبط في الماء. ولزمها ساعة سير اخرى قبل ان تستوعب فعلا ما جرى معها، ياله من شخص بغيض خائن! لكنها كانت تعرف هذا. فقد اتت الى هنا لاثباته، والان فعلت هذا وكسبت اجرها، وهي سعيدة جدا لكن الاحساس بذراعيه حولها كان لايزال يقول لها انها تكذب على نفسها.
عادت الى الجناح الامبراطوري، وقد صممت ان تحذر جيني. لقد انتظرت طويلا.. وبحزم دقت باب غرفة نوم جيني.
ونادت:" احتاج ان اكلمك".
جاء صوت جيني من الداخل:" الايمكن الانتظار حتى الصباح؟"
-لا انه امر مهم.
وتناهى الى مسمعها صوت رجل، ففتحت الباب.. وراحت تفكر في انه لم يخدعها فقط بل سارع ليعود الى هنا بعد مقابلتهما قرب القناة.
قالت جيني باحتجاج:" هذا حقا ليس الوقت المناسب."
وخطت الى الداخل، فرأت رجلا لم تره يوما في حياتها... او ربما راته في مكان ما، الا انها لاتذكر اين.
قالت جيني بصوت منخفض:" هذا فيدي".
حدقت دولسي به :" هذا؟ انه ليس فيدي."
قال الشاب محرجا:" بلى.. انا فيدي."
ثم مد لها يده :" انا فيدريكو لوتشي. كيف حالك؟"
قال بصوت ذاهل:" سيئة جدا. في الواقع، اعتقد انني سأجن . اذا كنت انت فيدي، فمن هو الرجل الذي رميته لتوي في القناة؟"
وحدق الاثنان بها.
استدرات دولسي فجأة وذهبت لتقف قرب النافذة تنظر الى الخارج... وكانت ابعد عن التفكير، وابعد عن الاحساس تقريبا. في اعماق عذاباتها كان هناك شيء مدفون قد ينلقب الى سعادة. لكن الوقت مازال مبكرا جدا لتعرف.
في الصورة التي اراها روسكو اياها، كان هناك رجلان، احدهما يلعب على الماندولين ويغني لجيني ... ومن الطبيعي ان نفترض انه فيدي. والرجل الاخر، الجالس خلفهما كان يتمتع بوجه طفولي.. ولم يخطر لها ... او لرسكو انه قديكون فيدي.
ومع ذلك يبدو الان انه هو.
إذن ، من...؟"
استعادت جيني رباطة جأشها اولا. سألت :" ماذا تعني؟ لماذا كنت تتجولين وترمين الناس في الاقنية؟"
ردت دولسي بجنون:" لانه يستحق هذا .... لانه اوه... لا.... هذا لايمكن."
قال فيدي بلطف:" ربما بقيت لوقت طويل في الشمس؟"
اعترفت دولسي:" اجل ... هذا صحيح. لقد كنت ضعيفة جدا ... واعتنى بي. لكنني ظننته انت.. لقد كان يرتدي قميصك.. على الاقل كان اسمك عليه... ويجذف بالغندول.."
قال:" يبدو ان هذا غويدو".
وصدمها الاسم . كانت تسمع عن غويدو طوال الامسية.
0غويدو من؟
-غويدو كالفاني. انه صديقي منذ كنا في المدرسة. وفي احد الايام سيصبح كونتا. لكن ما يعجبه حقا هو التجذيف في الغندول. لذا ادعه يستعيره، لكنه مضطر ان يدعي انه انا لان ليس لديه ترخيص.
سارعت دولسي الى اخراج الصورة من حقيبة يدها.
-هل هذا هو؟ الذي يعزم الماندولين؟
قالت جيني:" هذا هو غويدو... لقد كان صديقالفيدي ولي. حين جئت في المرة الاولى الى البندقية، كان يقوم بعمل فيدي كي نكون معا."
قال فيدي:" كنا نعلم ان احد يتعقبنا. لذا كنا نخرج احيانا معا لنربك والدها."
-لقد اربكتماه بما يكفي.
وجلست دولسي فجأة
نظرت جيني الى دولسي نظرة متسائلة:" لكن ، كيف حصلت على هذه الصورة؟"
قالت دولسي على مضض"" لقد اعطاني اياها والدك.. كان يلاحقكما اخر مرة هنا. وظن ان فيدي .. حسنا.."
قال فيدي بسخرية :" صائد ثروات."
-
-اخشى هذا ، لكن كان الامر اكثر سوءا.يبدو انه خلط تماما بينك وبين غويدو،ويعتقد انك تدعي انك وريت لقب.:"
وتذكرت جيني:" هذا ما كان غويدو يقوله لي حين التقطت تلك الصورة."
قال فيدي:" لا .. لقد التقطها احد المصورين المتجولين ليبيعها الى السواح, واعرف هذا لانني اشتريت نسخة منها، ويبدو ان واحدة وصلت الى الكونت، وعم غويدو، وتسبب له بوقت عصيب بسببها. ولا بد ان جاسوس السنيور هاريسون اشترى نسخة ايضا، وحمل اليه قصة مشوهة عما استرق السمع اليه."
نظرت جيني الى دولسي بفضول:" لكن لماذا اعطاك ابي هذه الصورة؟"
ردت دولسي بمرارة:" الايمكن ان تخمني؟ لقد ارسلني الى هنا لاجد فيدي واوقع به."
-كيف؟
-بأن ادعي انني ثرية، واشغل اهتمامه عنك. ولا اعرف ماذا كان حقا ارستقراطيا ، كما يدعي.
قال فيدي بارتباك:" لكنني لست هكذا، ولم ادع يوما .. انه غويدو."
0اعرف هذا الان. كان من المفترض ان امثل دورا على غويدو ... فيدي.. وابعثر مالي.. مال روسكو ... ثم اريك انه غير مخلص، وانه يجري وراء المال.. انا تحري خاص جيني.
-انت... ماذا؟
لقد استخدمني والدك "لافتح عينيك" ويبدو انه هو الاعمى..أوه جيني انا اسفة جدا.. كنت اظن انني سأنقذك من مخادع، لكنني فهمت الامر بشكل خاطئ.
وحضرت نفسها لمواجهة الصدمة وخيبة الامل في عيني جيني. لكن جيني هزت كتفيها ونظرت الى فيدي، وبعد لحظة كانا بين احضان بعضهما
وفهمت دولسي ان جيني حصلت على حب حياتها، ولايهمها اي شيء اخر.
وسألت جيني وهي في احضان فيدي :" اتعنين انك كنت تتملقين الرجل الخاطئ بمعسول الكلام طوال هذا الاسبوع؟"
ردت دولسي متصلبة :" شيء من هذا القبيل".
وانطلقت جيني بضحكة مختنقة، وانضم اليها فيدي بعد لحظة، فابتسمت دولسي ابتسامة ضعيفة، وقالت:" ليس الامر مضحكا .. لقد كان يخدعني."
-حسنا.. كنت تخدعينه كذلك.
ردت دولسي بحزم:" لكنني لم اعرف باللقب . لقد كنت في منزله.. انه في حي سكني وليس..."
واكمل فيدي لها:" وليس ما تتزقعينه من كونت المستقبل،وهذا ما يعجب غويدو . في الواقع انه رجل ثري جدا . لقد اسس عملا خاصا به ويملك مصنعين احدهما لصنع الزجاج، والاخر يصنع كل انواع التذكارات للسواح، والفساتين المزخرفة، والصور، افلام الفيديو.."
وسألت دولسي بصوت غريب:" والاقنعة؟"
-اوه اجل.. الاقنعة . انها من اختصاصه.. حتى انه يصمم بعضا منها لنفسه.. لكنه في معظم الاحوال رجل اعمال ناجح. منزله الرسمي هو قصر كالفاني، لكنه يستبقي تلك الشقة الصغيرة كملاذ له. وبالطبع، هي مكان جيد لاستقبال السيدات اللواتي لايريد ان يعرف عمه بهن..
وصمت بعد ان ركلته جيني..
قالت دولسي بارتباك:" شكرا لك .. لقد فهمت."
قالت جيني :" من المؤسف انك لم تلتقي بالرجل المناسب".
اجفل فيدي:" عفوا..؟ اتريدين ان تطاردني النساء؟"
قالت بمحبة:" هذا فقط لانني اعرف انك مخلص لي حبيبي . اذن، تستطيع دولسي تسوية الامور كلها مع ابي."
قالت دولسي:" لست واثقه من ذلك. انه يريدك ان تتزوجي من رجل ثري، او صاحب لقب، ويفضل الاثنين معا."
قالت جيني:" وانا كل ما اريده هو فيدي، ولايهمني لو حرمني من امواله.. انا فوق السن القانونية، ولست مضطرة لطاعته. الا انني لا اريد الانفصال عنه.. انه عنيد بشكل رهيب... ما ان يصمم على شيء حتى يشعر انه ملزم بالامر الى الابد وانا كل ما لديه.. واذا انفصلنا ، فلن يرى احفاده وستكون له حياة بائسة قاتمة في شيخوخته".
قالت دولسي:" انه مصمم على ان ينفذ مايريد في هذه المسألة."
وبدا وجه جيني للحظة كوجة روسكو:" وانا كذلك ، لذا يجب ان تفكربشيء لكن دعونا نفعل هذا في الصباح."
وتثاءبت.
قالت دولسي:" الصباح يكاد يطلع.
-
قالت جيني بحزم:" ليلة سعيدة دولسي. يجب ان تستريحي قليلا".
ولم تستطع دولسي سوى ان تذهب الى غرفتها وتخلع ملابسها، وتحاول ان تصل الى وفاق مع افكارها المضطربة. جزء منها كان غاضبا من غويدو... فهذا كله غلطته لادعائه انه فيدي وهو يعرف انه ليس كذلك. لكن جزءا منها كان سعيدا، لانه لم يكن مخادعا عديم الاحساس.
فقد اولاها الكثير من العناية عندما كانت مريضة ولم يحاول مطلقا استغلالها.
وغاص قلبها قليلا وهي تفكر في مافعلته. لكنهما خدعا بعضهما، فهل يمكن ان يضعا هذا خلفهما.؟
لقد كتمت مشاعرها. اما الان فلا شيء يمنعها من الاعتراف بحبها.
وسيعود العالم الى الاشراق مجددا. سبحت دولسي في احلامها الى ان غاصت في نوم عميق دام حتى الساعة التاسعة من الصباح التالي..
استحمت وارتدت ملابسها بسرعة، وبينما همت بمغادرة غرفة نومها، رأت الفطور حاضرا على الشرفة وفيدي وجيني جالسين هناك يشربان القهوة.
قالت جيني برضى:" اليس صباحا رائعا؟ انا سعيدة لدرجة الموت".
قال فيدي بلباقة:" اذن .. ساموت معك."
قالت دولسي :" سنموت جميعا اذا عرف روسكو بهذا."
لكنها كذلك كانت سعيدة، فغويدو رجل حر ، والشعور الرقيق الذي نشأبينهما على مر الايام القليلة الماضية، كان حبا. كما انها حرة الان لتطلق العنان لمشاعرها لو انها فقط تستطيع ان تراه قريبا.
وتعالى قرع الباب.
قالت جيني:" لقد طلبت لك القهوة."
قالت دولسي:" شكرا... سافتح الباب."
اتجهت الى الباب الخارجي وكان من الواضح ان من يقرع عديم الصبر. فتحت دولسي الباب.. ورأت غويدو.
قفز قلبها فرحا عند رؤيته. اما هو ، فدخل بحذر وكـأنه يتوقع ان تصب عليه الزيت المغلي.
سأل متفحصا وجهها المبتسم:" اما زلت غاضبة مني؟"
-وهل يجب ان اكون؟
-حسنا، لقد كنت غاضبة جدا ليلة امس، واذكر هذا لانك رميتني في الماء.
-انا لم ارمك... انت وقعت.
-ولم تساعديني على الخروج.
-تستطيع ان تسبح.
-كنت مضطرا . وفي النهاية التقطني مركب يحمل النفايات ووصلت الى البيت برائحة كريهة هربت منها قطط الازقة.
ضحكت، فاضاف:" ليس الامر مضحكا."
-بلى ... انه مضحك.
رد ساخرا:" اجل... اعتقد هذا.. حين استيقظت اليوم عرفت انني يجب ان اراك واشرح لك. واحاول ان اجعلك تفهمين كيف حدث كل شيء ... لكن الان.. كل ما يهم هو..."
واستغرق في النظر الى وجهها.
-... كل ما يهم ... عانقيني حبيبتي... عانقيني!
وشدها اليه في اللحظة التي فتحت فيها ذراعيها له. وعرفت كم كانت تشتاق للاحساس بذراعيه حولها. كانت تتظاهر ان شوقها لم يكن حقيقيا، لكن في سرها كانت تريد بشدة ان يعانقها.
تمتم:"لقد اردت ان افعل هذا دائما. وعرفت منذ اول لحظة انك انت.. وانت عرفت هذا ايضا، اليس كذلك؟"
همست مذهولة:" لا اعرف ماذا عرفت؟"
قبل شعرها :" بل عرفت ... لابد انك عرفت.."
وقلبها مجددا:" سنمضي كل حياتنا معا".
بالكاد صدقت ماسمعت :" كل حياتنا...؟"
كان كل شيء يجري بسرعة.
-سنوات وسنوات سأقضيها وانا اقبلك واحبك بكل طريقة ممكنة واحصل على اولاد وسيمين منك.
ارجعها الى الوراء وامسك رأسها بين يديه، ولم تستطع فيما بعد ابدا ان تنسى منظر وجهه السعيد، المشتعل بالحب. وعاش هذا في رأسها كنقيض رهيب لما تلاه.
قال بجنون:" قولي لي حبيبتي .. هل تؤمنين بالقدر؟"
-حسنا ... انا...
-لقد كان القدر... اليس كذلك؟ وهو الذي جمعنا معا.. القدر هو الذي جعل حذاءك يقع في قاربي.
بدأت تشعر بالخطر، وقالت:" ليس بالضبط."
سأل وقد اتسعت عيناه:" الم يكن حادثا؟"
-
وانفجر فجأة بضحك مرح:" رأيتني من الجسر ، وقلت لنفسك" يجب ان احصل على هذا الشاب الوسيم" فرميت الحذاء للفت انتباهي... اوه عزيزتي . قولي ان هذا صحيح، فكري بما قد يفعل هذا بغروري بنفسي."
بدأت ترواغ لكسب الوقت:" غرورك كبير بما يكفي من دون مساعدتي... هذا الشاب الوسيم ... حقا!"
-ليلة امس وانت غاضبة ، ظننت ان حياتي انتهت، لانك هكذا بالنسبة لي ... حياتي."
-لكنك لاتعرفني..
-عرفتك منذ اللحظة الاولى. وعرفت انك طيبة القلب وستساميحنني على خداعي البريء لانك عرفت ان نواياي سليمة. لكن قولي لي ، كيف عرفت؟ كنت سأسألك ليلة امس، لكنك رميتني في الماء.
وتحول من الجد الى التهريج في لمح البصر. وبالكاد استطاعت دولسي ان تجاريه.
-انا لا الومك لانك اغرقتني.
وسارع ليضيف:" حين اكتشفت من انا وانني لست من كنت تظنين.. كيف عرفت على اي حال؟"
-لم اكن اعرف...
-اذن... لماذا كنت غاضبة مني؟ انا لست رجلا صعب المراس ياعزيزتي، لكن حين يرميني احد في القناة يجب ان اعرف لماذا
وجدت مرحه لا يقاوم، وسـألت:" وهل يهم؟ اعتقد ان البندقية مليئة بمن يرغب في رميك في القناة."
-هذامؤكد، لكنهم عادة يكبحون انفسهم .
كيف ستكون الحياة مع هذا الرجل المجنون الفاتن؟ لو انها فقط تستطيع تخطي المصاعب التي ستواجهها.
قالت بسرعة:" اسمع.. لدي شيء اقوله لك."
-قولي لي انك تحبينني.. قولي لي هذا اولا واخيرا، ولن اهتم لشيء اخر. انت تحبينني ... اليس كذلك؟
-اجل .. اجل.. احبك . لكن استمع الي، انه امر مهم...
-لاشيء مهم سوى اننا وجدنا بعضنا.. عانقيني... الان ودائما ...
وعادت الى مابين ذراعيه مجددا، واسكت كلماتها المضطربة. كان العناق هذه المره مختلفا ، وكان اعترافها بالحب انعشه... قبلا، كان عناقه مضطربا، حذرا، يطالبها بالاستجابة. اما الان فهو رجل يعرف انه محبوب، وكان هذا واضحا في ذراعيه المتملكتين.. وستقول له كل شيء بعد لحظة، كما وعدت نفسها، لكن لمجرد لحظة.. ولحظة اخرى..
وجاء النداء من الغرفة المجاورة:" هل هذه هي القهوة؟"
تنهد غويدو:" اللعنة على كل من يقاطعنا. يجب ان ندخل ونكون مهذبين عزيزتي.. لكن، قريبا يجب ان نكون لوحدنا."
وجاء نداء اخر من الداخل، فتركها غويدو على مضض.
وهمس :" فيما بعد."
ودخل يبحث عن صاحب الصوت:" ماذا تفعل هنا بحق الشيطان؟ وجيني! رائع ان اراك مرة اخرى."
لحقت دولسي به الى الغرفة الرئيسية، لتجده يعانق جيني ضاحكا.
ونظر الى جيني ثم دولسي:" انتما تعرفان بعضكما؟."
قالت دولسي بسرعة:" قليلا فقط."
قال فيدي :" غويدو ، ياصديقي. كنت سأتصل بك واطلب مساعدتك."
-لكنكما لاتبدوان بحاجة الى مساعدتي.. فأنا لم ار في حياتي حيبيبن بهذه السعادة.
-لكن والد جيني يريد تحطيمنا. حتى انه استخدم تحريا خاصا ليقتفي اثرنا ويشهر بي.
بدأ غويدو مشمئزا للفكرة:" تحر خاص؟ اي نوع من البشر يلجأ الى مثل هذا العمل القذر التافه؟ مع ذلك ، فأي ضرر يسيتطع فعله لك؟"
ساد صمت مربك.. واخذت دولسي نفسا عميقا، وقالت:" التحري ليس رجلا.. بل امرأة.. وهي انا."
واستدار غويدو ببطء لينظر اليها..
&&&
-
9- خداع...
سأل غويدو بهدوء:" ماذا قلت.؟"
ولزم دولسي كل شجاعتها لترد:" انا التحري الخاص."
-انت؟
وبدا كأنه لايعرف معنى الكلمة.
قال فيدي بلهفة:" لكن دولسي الان الى جانبنا. لذلك كل شيء على مايرام.. وسوف تساعدنا."
قالت دولسي:" لا اعرف اذا كان روسكو سيصغي الي.. لكنني سأقوم بكل مافي وسعي."
كان غويدو ينظر اليها باستغراب، لكنه كان لايزال هادئا.. ربما لم يفهم تماما بعد او ربما لايريد ان يفهم.
وكرر ببطء ، وبالطريقة الغريبة ذاتها:" انت.. تحرية خاصة؟"
وكأنه يحاول فهم اصوات لامعنى لها.
-اجل.
-وجئت الى هنا كي..؟"
-كان روسكو قلقا على ابنته.. وفهم الامور بشكل خاطئ. ويعتقد ان فيدي يدعي انه انت.
ضحك فيدي:" اتتصور هذا؟ كونت ! ارسل دولسي لنجدني وتغويني لابتعد عن جيني. وكأن احدا يستطيع هذا . والمضحك انها ظنتك انا!."
قال غويدو بخفة:" وهكذا استهدفتني بدلا منك.. اجل انها نكتة ممتازة."
وخبا اللمعان من عينيه، بل من كل كيانه:" اذن هذا ماكان الامر عليه."
تحركت جيني بقلق للنبرة التي سمعتها في صوت غويدو. وكان فيدي ببراءة يحاول ان يشرح لغويدو دون ان يفهم مايعنيه هذا . وحاولت جيني لفت اهتمامه لكنه كان غافلا تماما.. وقال بوقاحة:" ليس هناك الكثيرين ممن يستطيعون خداعك غويدو".
رد غويدو على الفور:" حتى اليوم، كنت استطبع القول ان لا احد يخدعني".
ورفع يد دولسي الى شفتيه:" أهنئك انستي.. لقد كان تخفيا رائعا، لعبته حتى النهاية باقناع مكتمل."
قال فيدي:" لقد نلت منه دولسي.. وعلى احد ان يمنحك ميدالية".
قال غويدو بهدوء:" سيكون هذا امتيازا لي".
ولم يكن في عينيه غضب او ادنه، بل نظرة حيرة، وكأنه يتساءل كيف ان العالم تغير في لحظة. وغرزت دولسي اظافرها في راحة يدها. لو انها فقط استطاعت ان تشرح له على طريقتها..
قالت بحذر:" ربما يجب ان تنتظر لتسمع القصة كلها، فهناك امور كثيرة لا تعرفها.. ويجب ان اشرحها لك..."
-لايمكن للمرء ان يعرف كل شيء.. انما مايكفي ليكون مهما..وكان صعبا عليها ان ترد. ابتسم لجيني ابتسامة مطمئنة، وقال، تستطيعين القول لوالدك ان فيدي لم يدع ادعاء كاذبا، وهذا ما سيرضيه."
قالت جيني:" انت لا تعرف ابي، حين يكره شخصا.. ينتهي الامر."
قال فيدي متجهما:" وفقري هو الذي يزعجه، وحين يعرف الحقيقة، سيرغب ان تتزوج جيني منك انت، وتكون كونتيسه."
قال غويدو بخفة:" لاتقلق ..سأقول انني سأتنسك. فالحب معقد جدا بالنسبة لي."
واستدار الى دولسي:" اذن ، جئت الى هنا لتخدعينا... فهل ستقولين لنا اسمك الحقيقي؟"
قالت:" كنت استخدم اسمي الحقيقي..."
واضافت بصوت هامس:" على عكس بعض الناس."
احمر وجهه، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وسألها:" وماذا في الاسم؟ لبست الحقيقة دائما فيه."
-لا ... الافعال مهمة ايضا. فبعض الناس يدعون انهم يعيشون نوعا من الحياة بينما يعيشون نوعا اخر.
ارتفع حاجباه:" تتكلمين معي عن الادعاء؟"
واسكتها هذا.
سأل فيدي بلهفة:" هل فكرت بشيء ما؟"
وبخه غويدو:" كن صبورا. لقد اكتشفت لتوي كيف تجري الامور."
واحس برجفة، ولو ان وجهه كان لايزال مبتسما.
-حتى عبقري مثلي لايمكن ان يفكر بسرعة كبيرة.
قال فيدي:" لاجدوى.. لايمكن فعل شيء.
-
قال غويدو:" لماذا لا نسأل دولسي؟ على اي حال ، الخداع هو مهنتها.. وتقوم به بشكل مدهش."
قالت بعجل:" لا.. انه خداع البندقية، ومواهبي لاتمتد الى هذا الحد."
اكد لها غويدو بهدوء:" انت تقللين من قدر نفسك انستي. فلديك موهبة البندقية في التخفي، وهذه المهارة عظيمة... معظم الغرباء عن البندقية لايملكونها... وانت كما اعتقد ، ولدت معها."
التقت بعينيه متحدية:" بالعكس سيدي."
اذا كانت هذه هي اللعبة التي يريد ان يلعبها ، فهي ايضا تستطيع اعطاء افضل مالديها.
-لقد نسيت انني مؤخرا كنت اخذ دروسا على يد استاذ ماهر في هذا المجال.
تمتم بصوت منخفض لم يسمعه سواها : " وانا كذلك . . انا الذي ظننت ان لاشيء اتعلمه بعد ، وجدت شيئا" مختلفا".
ردت متمتمة: " الحياة مليئة بأمور غير متوقعة . وقد يكون الناس اكثر براءة مما يبدو عليهم".
اجابها بخبث: " قد يكون الناس مختلفين تماما" عما يظهر عليهم".
هزت رأسها: " لايجدر بالمرء ان يثق بمن يقون بالالأعيب".
هز كتفيه: " يمكن قول هذا عن الجميع".
- لا . . . فالبعض يبحث عن لقمة عيشه.
وبدا متأثرا": " آه . . اجل . حين يقوم بعمله لأجل المال يكون هذا فضيلة . . أليس كذلك؟
والتقت عيناها بعينيه ، ووجدت فيهما شيئا" غير متوقع . . كان غاضبا" لكنه كذلك مجروح . فهذا الموقف فاجأه.
بعد لحظة وقف ، وقبل خد جيني وصافح فيدي وقال بابتهاج:
" بارككما الله . . انا سعيد لكما . . ولا تقلقا . . سأفكر بشيء . . وانت آنستي . .".
واستدار إلى دولسي : " كان من دواعي سروري التحدث إليك . .
لكنني الآن يجب ان اذهب. فقد كنت اهمل عملي كثيرا" مؤخرا" والآن هناك الكثير من العمل ينتظرني ، وهذا ماسيشغلني لبعض الوقت".
وغادر دون انتظار الرد لكن لم يكن لديها كاتقوله وماذا تستطيع القول لرجل يريد ان يبتعد عنها؟
***********************
في معمل غويدو للتذكارات على جزيرة مورانو ، احس موظفو المعمل بالقلق فلعدة ايام غاب رب عملهم دون سابق إنذار. .
وتسببت عودته بارتياح عام ، سرعان ماتحول إلى دهشة فقد كان غويدو دائما" يدير عمله بروح مرحة لكنه لم يعد هكذا بل اصبح يعطي الأوامر بوقار ، وبرود ، وبحزم كمن ليس لديه وقت يضيعه.
لزم دولسي يوما" كاملا" لاقتفاء اثره . وعندما بلغت المصنع ، كانت تخشى ان يكون الجميع هناك يعرف من هي ولماذا هي هنا لكن الشاب الذي كان على المدخل دلها على الطابق الأعلى دون معارضة.
في الطابق العلوي ، وجدت مكتب غويدو الزجاجي ، رأته جالسا" وراء مكتبه يتحدث إلى رجل متوسط العمر . ورآها الرجل ، فتكلم مع غويدو ليجعله يرفع نظره.
واجفلها وجهه . كان متعبا" ، كأنه لم ينم منذ مدة طويلة ونسي كيف يبتسم . ونظر في اتجاهها ، ثم اشاح بوجهه بعيدا" ، وللحظة رهيبة ظنته سيرفض رؤيتها ولكنه هز رأسه وأشار إلى احدهم ليرشدها إلى الداخل.
شعرت في مكتبه بأنها لاتعرف عنه سوى القليل . . الكمبيوتر الهاتف واكوام الملفات ، انبأتها ان هذا رجل يتعامل مع عمله بجدية.
وسألت بخفة : " هل هذه هي حقيقتك؟".
رد باختصار : " احد اوجهها يدهشني انك مازلت في البندقية . . ظننتك سافرت بالأمس".
ردت بهدوء : " انت تعرف انني لم اسافر لأنك سمعتني اقرع بابك ليلة امس . . ولقد قرعته لمدة طويلة قبل ان ارحل".
قال: " لم يكن الوقت مناسبا" ، وماكنت سأعرف ماذا اقول . . خاصة في ذلك المكان".\
وتحدتها عيناه بذكرى الأيام القليلة السعيدة التي امضياها في تلك الشقة الصغيرة . . ثم نظر بعيدا" ووقف ليذرع مكتبه ، دون الاقتراب منها .
- لكنني مسرور لأنك تهتمين برؤيتي.
سألت والأمل يراودها: " وانت؟".
- اجل . . من الصواب ان نودع بعضنا البعض بشكل لائق.
وازعجتها لهجته الباردة : " سأقول وداعا" حين اكون على مايرام وجاهزة ، وليس حين تقول لي ان افعل . فهناك امور كثيرة يجب توضيحها اولا".
-
واضافت بلهجة اكثر نعومة: " استمعت إليك حين كنت تقول عذرك بالأمس ، ولم يكن هذا كل مااستمعت إليك وانت تقوله".
وندمت على ماقالت فورا". فإذا لم يكن مغتاظا" منها من قبل . . فقد اصبح مغتاظا" الآن . فقد ذكرته بما لايريد ان يتذكره.
قال : " لطف منك ان تثيري الموضوع لابد انك ضحكت كثيرا" في سرك لهذا الانتصار".
- ضحكت . .؟ ماذا تقول ؟ انا لم اضحك ، ولم اقصد ان يحصل شيء من هذا.
- لم تقصدي ؟ اعذريني . . لقد فهمت انك جئت إلى البندقية عرضا" ولغرض محدد.
صاحت : " لكن مجيئي لاعلاقة له بك".
- آه . . اجل ، لقد نسيت لقد جئت لتخدعي صديقي وتدمريه وليس انا ، وهذا بالطبع يحسن الأمور.
- جئت لأحمي جيني من صائد الثروات.
- وكيف يمكن ان تكوني متأكدة انه صائد ثروات ؟ فمعلوماتك لم تكن صائبة ، لأنك خلطت بيني وبينه.
اعترفت : " كانت المعلومات مغالطة وجاءت من روسكو وكان علي ان اعرف إذا كان على حق".
- كان قد عزم الرأي قبل ان تبدأي.
- هو من عزم الرأي . . وليس انا.
- توقف عن السير ، وتكلم بغضب: " بحق السماء . . اي نوع من النساء يقوم بمثل هذا العمل؟.
- اقوم بهذا لأكسب عيشي فليس لدي شيء ودفع روسكو ثمن كل شيء.
نظر اليها بما يكاد يكون شبح ابتسامة : " كعرض مسرحي ، حقا" الموقع والملابس تقدمة من روسكو هاريسون ، والنص . . ممن؟ هل هو عمل مشترك بينكما؟".
- لم يكن الأمر هكذا. .
قال بعناد: " ردي علي".
ولم يعد فيه الآن اي اثر للشاب الجذل الذي فتنها كان متجهما" ولم تكن لتصدق عينيها لو لم تره . . وامرها مجددا" : " ردي علي . . كل مل حدث بيننا مخطط له؟".
- جئت لأفتش عن فيدريكو . . وظننته انت بسبب الصوره.
وأرته الصورة.
- اجل . . كنت ابحث عن وجهك. لكن حين وجدتك ، كنت ترتدي قميصه ، واسمه عليه . .
- وكيف حدث ان وجدتني؟
- بحثت عنك؟
رفع حاجبيه : " إذن لم يكن لقاؤنا صدفة كما كنت اظن وتلك اللحظة المؤثرة خين وقع حذاؤك عند قدمي في الغندول؟".
تلك اللحظة التي سماها قدرا" وعيناه مشرقتان ، ومليئتان بالحب.
قالت تعترف يائسة : " لقد رميته . . وقفت على الجسر آملة ان تنظر إلى اعلى ، وحين لم تفعل ، رميت حذائي".
اجفلت وهي تراقبه . ولم تعد تعرف كيف عساها ان تكون ردة فعل هذا الرجل .
للحظة لم يبد أي ردة فعل ثم انفجر فجأة بالضحك . وملأها هذا بالارتياح ، إلى ان سمعت في صوته مايبعث على الإضطراب.
اخيرا" قال: " هذا شيء مضحك لقد دبرت كل شيء حتى ادق التفاصيل ووقع الأحمق المسكين في الفخ . حتى انه ظن ان ماحدث هو من فعل القدر".
قالت ساخطة: " لكن الغلطة لم تكن غلطتي لوحدي . . فحين رأيت الاسم على قميصك كان بإمكانك القول إنك لست فيدي ، بل مجرد شاب ثري يعبث بمركب . . فلماذا لم تفعل؟
كرر: " نسيت . . حسن جدا" . . ربما نسيت لأنني اردت ان انسى صدقي ماشئت . لكن اكثر من اي شيء صدقي ان من الأفضل ان تذهبي من هنا ولاتعودي ابدا".
- انا لست على استعداد للاستسلام والذهاب بعد.
- امر مؤسف . . لأنني لااعتقد ان البندقية كبيرة بما يكفي لتتحمل كلينا.
انفتح الباب بحدة ودخلت امرأة متوسطة العمر وقالت شيئا" لم تفهمه دولسي ابتسم غويدو لها ابتسامة مختصرة ورد بتصلب لحقت بها فتاتان اخريان محملتان بالأقنعة.
بدأ غويدو يقول: " لا . .".
لكن احتجاجه ضاع من ضجيج الكلام وهز كتفيه مستسلما" وقال لدولسي بانزعاج : " هذا إنتاج جديد . . وكنا بانتظاره . . لكن الوقت غير مناسب . . أوه . . اللعنة على كل شيء".
-
وكانت الأقنعة عظيمة ولم تكن من الكرتون المدهون فقط مثل التي رأتها على جدران شقته بل مغطاة بالحرير والريش والقطع النقديه
وافق غويدو على الأقنعة وتحدث بلطف مع موظفاته لكنه تمكن من ابعادهن عن الغرفة بسرعة
قالت دولسي وهي تمسك قناعا" بديعا" من الساتان الأحمر والريش المتعدد الألوان
- هارالكان . . وهذا . .
ورفعت قناعا" طويل الأنف من الساتان القرمزي : " هذا بانتالون . .
التاجر اذكر ماقلته لي".
- لكن كان هناك اشياء اخرى لم يكن لدي الوقت لأقولها لك عن كولو مبين مثلا"
- قلت انها متعلقة لكن حادة وشجاعة وتستطيع رؤية الجانب المضحك من الحياة.
- وقلت كذلك انها مخادعة . . إنها تمازح وتخادع هارلوكان وتقوده إلى فخها بينما تضحك عليه طوال الوقت لأنه غبي بما يكفي ليصدقها وينتهي الأمر بالمهرج المسكين إلى التساؤل ماذا اصابه.
كان يتكلم بخفة لكنها احست بأن المه ملموسا" وعرفت انه لم يكن معتادا" على التعاسة . . ولم يعرف في حياته الكثير منها . . وهو الآن يتخبط وتشوقت ان تمد يدها اليه لكنها لم تجرؤ.
وذكرته : " قلت لي انني لست مثل كولومبين".
ابتسم بحزن: " كنت مخطئا" . اتظنين انني نسيت خداعي لك؟ . .
لكن خداعك كان مخططا" له قبل ان تجيئي إلى هنا وهذا مالا استطيع
التغاضي عنه اما خداعي فكان تهورا" استسلمت له . . ربما حماقة
لكن وليد لحظته لأنني . . حسن جدا" . . لايهم".
توسلت اليه : " اخبرني".
وبات هذا الأمر في غاية الأهمية بالنسبة لها.
لكنه هز رأسه : " لن يشكل هذا فرقا" الأن وياليت كان له فرق سافري دولسي فلا شيء يمكن ان يكون ميتا" اكثر من حب ميت".
وتجهم وجهه بألم فجأة وقال بخشونة :" لأجل الله . . ارحلي".
ليتها تكر بطريقة لثنيه عن قراره ، لكن عناده كان شرسا". .
لقد كبر سنا" منذ الأمس.
رن هاتفه فأسرع يمسكه بنفاذ صبر واستدارت دولسي لتخرج متسائلة عما إذا كان بالأمكان ان تكون النهاية هكذا لكنها استدارت حين سمعت غويدو يتكلم : "فيدي".
سألت وقد شعرت بوقوع كارثة : " مالامر".
كان يتكلم باللهجة البندقية والتقطت دولسي اسم جيني ثم تكرر اسم فيدي عدة مرات وكأن غويدو كان يحاول تهدئته ولم تستطع دولسي سوى ان تسمع صوتا" خافتا" من سماعة الهاتف ، وبدا لها ان فيدي مذعور.
واقفل غويدو السماعة ، فسألت " مالامر؟".
لبس سترته وقال: " تعالي . . . يجب ان نسرع".
وخرجا من المعمل. كانا قرب الماء حين استطاعت ان تسأله مجددا"
"مالذي حدث"
كان هناك مركب بانتظارهما . وساعدهما غويدو على النزول إليه ثم
انطلق المركب هادرا" عبر البحيرة. وصاح من فوق هدير المحرك.
- رب عملك وصل.
- رب . . اتعني روسكو؟
- اجل . . والد جيني واستطاعت ان تتصل بفيدي واتصل هو بي . .
يجب ان نفعل شيئا" بسرعة لمنعه من إعادتها إلى انكلترا
- لقد وعدت فيدي ان تفكر بخطة.
- انا افكر بخطة الآن اولا" يجب ان ندخل الفندق معا"
- ونقول ماذا؟
رد متصلبا" : " احاول التفكير بهذا يجب ان نصحح نظرة الرجل إلى الوقائع ، ولأجل هذا احتاجك هناك".
- إذن احيانا" يحتاج هارلو إلى كولو مبين؟
- احيانا" لاتستطيع العيش من دونها ، حتى ولو لم يعجبه هذا . . لقد حان الوقت لتقرري إلى اي جانب تقفين
- انا إلى جانب جيني . لقد سمعتني اقول إنني سأساعدهما
- وبدلا" من الرد ، صاح شيئا"للسائق فزادت سرعة المركب حتى اصبح الكلام مستحيلا" وسرعان ماوصلا إلى غراند كنال حيث اضطروا إلى البطء الشديد وسألت دولسي : " الا تستطيع ان نسرع اكثر؟".
- لا . . إنه القانون . . هاهو الفندق.
واخرجها من المركب ، وقال : " يجب ان نتظاهر بأداء دور".
-
سألت بذعر : " لكن ماهو النص؟".
- ارتجلي.
وادخلها عبر الردهة إلى المصعد.
سألت وهما يبلغان الطابق العلوي : " لكن لنفترض اننا لم نفلح؟".
- انت البارعة في هذا.
- لاتقل لي هذا . . انا هاوية ، وانت تستطيع ان تعطيني دروسا"
- حسن جدا" . . مارأيك بهذا : انت تعرفين هذا الرجل وانا لا اعرفه . . ابدأي انت وسألحق بك افعلي هذا من اجل جيني ولأجل فيدي الذي حاولت تدمير حياته.
لم يكن هناك وقت للرد وانفتح باب المصعد امامهما كان البلب المزدوج للجناح ومن خلفه تناهى إلى مسامعها صوت جيني المضطرب ، وصوت فيدي المذعور.
ونظر غويدو إلى دولسي مترقبا"
قالت : " سنبدأ".
ودفعت الباب لتفتحه
حدق الثلاثة في الداخل بهما . ثم اسرعت جيني إلى دولسي متوسلة وسارع فيدي إلى مصافحة غويدو ليتحدث إليه بالبندقية وثبتت دولسي عينيها على روسكو ، الذي كان يصيح وهو يمد إصبعه نحو فيدي : " أنا لا أعرف من هو هذا الرجل؟"
قالت جيني باحتجاج : " إنه فيدي ".
صاح فليذهب إلى الجحيم".
واستدار روسكو إليه : " انت . . انت الذي تسببت بكل هذه المتاعب".
للوهلة الأولى ، لم تستطع دولسي ان تفكر في اي شيء ، لكنها سرعان مااستجمعت افكارهاوتكلمت بثقة ظاهرة : "سيد هاريسون اسمح لي ان اقدم لك السيد غويدو كالفاني . . ابن اخ الكونت كالفاني عائلة اكتشفت انها كانت يوما" على معرفة بعائلتي".
ذكر عائلة دولسي جعل روسكو بصمت ، كما املت . وهذاماأعطاها
الفرصة لتكمل بسرعة: " بعد ان وصلت إلى هنا ، ادركت معنى الأسم
كالفاني . . وتبين ان عمة ابي ، لايدي هارييت تعرف عم غويدو جيدا" ، إذا كنت تعرف ماذا يعني هذا . ورحب بي الكونت بحرارة حين زرت القصر يوم امس".
كانت تتكلم بشيء من المبالغة لكيما يتأثر روسكو بهذه الأرستقراطية
وكل كلمة كانت تصيب الهدف وسرها ان ترى هذا.
وتماما" كما وعدها غويدو بأن تجاريها في الكلام ، وصافح يد روسكو من الرد ردا" متمدنا" معتدلا" . . لكنه عاد إلى طبيعته مجددا"
- لكنك في الصورة تتملق ابنتي.
قال غويدو بسرعة: " لكن فقط تحت انظار حبيبها الحقيقي".
ودفع فيدي إلى الأمام : " اعتقد انك التقيت بصديقي فيدريكو لوتشي الذي كان محظوظا" بما يكفي ليفوز بحب جيني".
انفجر روسكو : " مهلك الآن . . ماذا كنت تفعل في تلك الملابس؟
لهذا ظننتك فيدي".
قال غويدو:" هو فيدي ، وانا غويدو".
- الكونت غويدو؟
- عمي مازال على قيد الحياة ، اطال له بعمره..
- لكنك..
- ونظر روسكو من غويدو إلى فيدي ثم الى دولسي : " . . انت . . لا . . انتظر . .".
ثم جاء الإلهام إلى دولسي في وميض مبهم وقالت كأنما على مضض : " سيد روسكو . . قريبا" جدا" نحتاج انت وانا إلى مناقشة هذه المسرحية كيف يمكن ان اقوم بعمل شريف صادق بينما المعلومات
التي زودتني بها لم تكت صحيحة؟".
فغر فمه:" انا..".
اخرجت الصورة
- انظر اليها لقد اكدت لي ان الرجل الذي يحمل الماندولين هو فيدريكو لوتشي . وعلى هذا الأساس منحتك جزاء من وقتي الذي ، دعني اذكرك ، انه ليس رخيصا" وبعد اسبوع وبعد ان اعطيتك افضل الجهود اكتشفت ان فيدي هم في الواقع رجل اخر.
صاح روسكو : " لكنك قلت إنك تعرفينه ".
- لم اقل هذا قلت إن عائلتي تعرف عائلته منذ زمن طويل كنت مسرورة لاتقائي بالكونت الذي كان يوما" يعرف اللايدي هارييت ، لكن عدا عن هذا ، كان الأمر كله مضيعة لوقتي وإني احملك مسؤلية ذلك .
قال روسكو : " حسنا" .. حسنا" .. ربما كنت مخطئا" قليلا" لكن الامر لم يكن مضيعة للوقت فقد عرفنا انه . . ليس ارستقراطيا"
واشار إلى فيدي
قالت دولسي بصوت متصلب : " بما انه لم يدع هذا ، فليس الأمر مدهشا" ايمكن ان نتوقف عن هذا الهراء الآن ؟ لقد عرفت ان الرجل الذي تحبه ابنتك لايحاول ان يخدعها بادعاء مزيف . . وهذا بالتأكيد مايهم".
تردد روسكو على غير عادته . . كان قد استوعب ان غويدو ارستقراطي حقيقي ويجب ان يسعى لمصادقته ، وان فيدي هو صديقه وشكه بفيدي دون إغضاب غويدو يتطلب مهارة اجتماعية لايملكها روسكو ، وصمت غاضبا"وعرف غويدو مايدور في خلده ، وتقدم للمساعدة ، بكل سحره
قال بنعومة "اعرف ان عمي سيكون متلهفا" لأن يعرض عليك ضيافته إنه يقيم حفلة تنكرية في الأسبوع المقبل ووجودك مع ابنتك سيضفي على الحفل رونقا" خاصا"
تحاربت عجرفة روسكو مع رغبته للإسراع بإعادة جيني إلى انكلترا..
وكسبت عجرفته المعركة.
قال بصوت اجوف : " هذا كرم منك وستحب هذا اليس كذلك حبيبتي الصغيرة؟هذا . . حسنا" .. يجب ان اقول . .".
تحت غطاء ضجيج سروره تمتم غويدو إلى دولسي :"احسنت لقد قامت كولومبين بسحرها وعرفت كيف تتعاملين معه".
قالت دولسي بضعف:" كاد يطفئ فتيلي".
واستعاد روسكو رباطة جأشه واخذ يشد على يد غويدو :" قل لعمك إنني سأجيء لأراه في الحال فالرجال ذوي الجوهر الواحد يجب ان يلتقوا معا".
قال غويدو مرتجلا" بسرعة: " عمي مسافر الأن لكنه سيتشرف بالتعرف إليك في الحفلة
واستدار إلى دولسي بسرعة قبل ان يفكر روسكو بالمزيد من الأسئلة – فهمت انك ستكونين هناك آنستي . . وسيكون من المبهج رؤيتك . .
فيدي ، دعنا نذهب.
وبدأ فيدي بالقول :" لكنني. .
قال غويدو عبر اسنان مشدودة : " ليس الآن".
وحثه على الخروج : " لأجل الله ياصديقي ، اصمت وانت خارج".
-
[I]10 – أيــن كـرامـتـي؟[/I]
هكذا، منع غويدو روسكو من ان يأخذ جيني بعيدا، وبهذا اشترى للحبيبن وقتا اضافيا. اما دولسي فكاد الوقت يقتلها.
انتقل روسكو ليقيم في الجناح، واستولى على الغرفة الثانية مما اجبر جيني ودولسي على مشاطرة الغرفة الالى امضى وقته يشتكشف المدينة، مرغما ابنته على مرافقته اينما ذهب، وكان فخورا يكون اللايدي دولسي دليلته السياحية.
طلب منها تقريرا مفصلا عن عشائها في القصر.. مع تصويرها للتصرف المهذب الاجتماعي الذي يجب ان يلاحظه في مسكن الكونت.
واعلن مشاكسا:" مجرد انني رجل صنعت نفسي بنفسي لا يعني انني جاهل.. ولا اريد اي غلطة في هذا السياق".
واكدت له دولسي ان احد لن يخطئ. واتصل بها غويدو مرة ، يشرح ببرود ان افضل الملابس النتكرية يمكن ان تجدها في "كال موينتو" ويمكن ان تأخذ جيني الى هناك وتتأكد من ان تختار زي كولومبين.
سألت:" الا يجب ان يكون الزي لي؟"
-ابدا.. لديهم خيار واسع،وانا متأكد انك ستجدين شيئا مناسبا..
لكن قطعا ليس كولومبين، وارجوك ان تقولي لجيني انه لو سار كل شيء على مايرام . ستبقى مع فيدي من تلك اللحظة وصاعدا.
-وهل تخطط لهربهما معا؟
-بل اخطط لاكثر من هذا القبيل.. لكن يجب ان يتم كل شيء بشكل صحيح.
-وهل لي اي دور؟
-اجل، وانا واثق انك ستلعبينه بشكل ممتاز عندما يحين الوقت.
لكنك لاتثق بي بما يكفي لتقوله لي الان.
وتابع غويدو:" اتبعي تعليماتي بالضبط. ضعي نفسك بين يدي البائعة فهي تعرف متطباتك.
-اعتقد ان لك علاقة ما بهذا المحل!
-انا املكه.
كان من الصعب عليها تصديق ان الخيوط السحرية التي تسجت بينهما خلال تلك الايام القليلة الغالبة ، يمكن تدميرها بهذه السهولة. والاصعب هو ان تدرك ان " المهرج" الذي اعتنى بها وحماها هو كذلك الرجل الصارم الذي حكم عليها بخشونة.
ربما يكون خداعها له اكبر من خداعه لها. لكن كان بأمكانه حل الامور في لحظة. الا انه ترك الغلطة تمر.. بسبب ماذا؟ بسبب شيء لم يحتمل قوله لها، لكن من الافضل الاتفكر في هذا والا بدأ الالم من جديد.
كانت تعتقد ان سايمون تركها تعيسة. لكنها الان، ترى ان ذاك البؤس قليل نسبيا. لقد كان سايمون بغيضا طوال الوقت، ومن الجيد انها تخلصت منه. عرفت هذا حتى وهي تعاني.. لكن غويدو امر مختلف. فقد وقعت في حبه بعمق خلال الايام القليلة التي امضياها معا.
لو ان الامور كانت مختلفة.. كم كانا سيتمتعان باكتشاف انفسهما وحقيقة كل منهما.
لكن الان الفراغ المخيف وحده يواجهها. ولن تستطيع ملاحقة هذا الرجل واقناعه لانها لاتعرفه. غويدو الجديد، الصارم ، المنعزل، الذي لا يمكن الوصول اليه، كان رجلا خطيرا.
واخذت دولسي جيني الى المحل، واصر روسكو على مرافقتهما . واختار زيا كله مجوهرات من ايام هنري الثامن، ورفضت دولسي جهوده ليلبسها زي "آن بولين" لكنه اصر على كليوباترا" الذي احست انه زي سيء كسابقه.
ومرت جيني بكل هذا كمن يحلم . واتبعت تعليمات غويدو كما كانت دولسي تقولها ،لكن دون اقتناع. فمع وصول والدها تلاشت ثقتها بنفسها . وبالرغم من كلماتها الشجاعة عن انها فوق السن القانونية وانها تفعل ماتشاء ، فقد استجابت لروسكو بإذعان. وكانت احيانا تتمكن من الاتصال بفيدي، لكن الحديث كان دائما سريعا، وتضطر عادة الى انهاء المكالمة بسرعة.
قالت لها دولسي في احدى الامسيات:" قفي في وجه ابيك ، قولي له انك ستتزوجين فيدي وليكن مايكون ، او اتركيه "
تنهدت جيني : " تجعلين الأمر يبدو سهلا"
- إنه سهل.
- هذا بالنسبة لك ، انت لا تخافين احدا" او شيئا"
وفكرت دولسي : " انا اخاف من مستقبلي ، إذ يبدو لي كئيبا" ووحيدا" الآن.
- دولسي مالذي سأفعله؟ لقد قلت ان غويدو سيسوي الأمور . . لكن كيف؟ وإذا لم ينجح ، سيعيدني والدي إلى بلادنا ، ولن استطيع رؤية فيدي . . وانا لاأستطيع الاتصال به لأكثر من دقيقة كل مرة . فأبي يراقبني كالصقر.
-
- قال دولسي فورا" : " اكتبي له ، وسآخذها له".
- وهل تفعلين هذا لأجلي ؟ أوه . . شكرا" لك
- اكتبيها الآن هل سيعمل فيدي الليلة؟
- لاأعرف . لكنني سأعطيك عنوان منزل عائلته.
خلال دقيقتين ، كانت الرسالة جاهزة داخل مغلف ، وكانت دولسي تسارع في الخروج آملة ان تتجنب روسكو ، لمنها فشلت.
قال بصوت متعب : " إلى اين انت ذاهبة ؟ لقد حان وقت العشاء".
- سأنضم إليكما فيما بعد . لدي شيء افعله اولا"
- لا تتأخري.
كان الظلام يهبط ، والأنوار تشع من محلات البقالة التي لاتزال مفتوحة . ووجدت الزقاق الصغير وترددت قبل ان تدق الباب ، وقد شعرت بالخجل فجأة ، وسمعت من الداخل اصوات حركة ، واصوات مرحة وضحك وقرعت الباب.
وفتح غويدو لها
وللحظة طويلة حدقا ببعضهما ولم تجد دولسي اي لين في وجهه، بل خيبة امل عظيمة كخيبة املها.
اخيرا" قالت : " جئت لأرى فيدي هل هو هنا؟"
قال باختصار: " بالتأكيد".
وتنحى جانبا" لتمر وجاء صوت انثوي محبب من اعماق المنزل :
" من هذا"
وفي لحظة ، ظهرت صاحبة الصوت . كانت ضخمة ، متوسطة العمر
ولها وجه احمر مبتسم ، عابق اللون من اثر الطهي.
وقالت: " مرحبا"
قال غويدو : " هذه السيدة إنكليزية ماريا . . وتريد رؤية فيدي".
- انت تعرفين ابني؟
- ردت دولسي بسرعة : " قليلا" ، معي رسالة له ، من جيني".
- وصرخت ماريا بغبطة : " انت صديقة طيبة . . انا ماريا لوتشي".
- انا دولسي.
ضمت المرأة دولسي إلى صدرها قائلة : " نعم . . أعرف . . اللايدي دولسي".
قالت بسرعة : " لا . . دولسي فقط".
وصاحت ماريا : " فيدي".
وحثت دولسي نحو الباب داخلي : " ادخلي هنا . . لقد بدانا الطعام لتونا وستأكلين معنا".
- أوه لا . . لا اريد التطفل.
- كان من المثير للأعصاب وقوف غويدو هناك صامتا"
- سأعطيه الرسالة واذهب.
اصرت ماريا : " لا . . لا . . ستأكلين معنا".
وابتعدت تصيح بشيء فهمت منه دولسي انها تطلب إضافة مقعد إلى المائدة.
قال غويدو بهدوء: " يجب ان تبقي . حين تدعوك عائلة بندقية إلى منزلها ، هذا شرف".
قالت متحدية : " لكنك لاتريدني ان ابقى؟".
- هذا لا يعني شيئا" . . هذا ليس بيتي .
- لا . . فأنت لم تكرمني يوما" بدعوة إلى بيتك.
- لكنني فعلت هذا . واخذتك إلى بيتي الحقيقي ، البيت الذي احب وهناك ظننت انني بدات أعرف قلبك ، وهذا ماأثبت كم كنت غبيا"
وبأست دولسي . . اين هو الرجل الذي وجدت من السهل ان تحبه؟
لقد اختفى ، وحل مكانه شخص فولاذي القلب.
ظهر فيدي مستعجلا" : " تقول امي إن لديك رسالة لي".
وأعطته دولسي الرسالة فقرأها فرحا"
- شكرا" . . شكرا" عزيزتي دولسي.
ونظر بسرعة إلى غويدو : " سأعانقها كأخ . . ولن تمانع ".
وابتسم غويدو ابتسامة كان يمكن ان تخدع اي احد ماعدا دولسي
"مطلقا".
إنها الآن تعي كل حركاته ، وتعرف ان تصرفاته الفاتنة ماهي إلا اقنعة
يحمي بها نفسه.
صاحت ماريا من داخل الممر : " تعالي وكلي".
احتجت دولسي : " لاأستطيع".
قال: " ستهينينها إذا لم تفعلي".
- لكن السيد هاريسون يريدني. .
وكان هذا اسوأ ماأمكنها قوله . والتوى فم غويدو بابتسامة لارحمة فيها.
- لايكفي لهذا الرجل ان يشير إليك بماله، فتذهبين إليه راكضة . أجل
سيدي ، لاسيدي ، هل احطم لك حياة اخرى اليوم سيدي؟
-
- انا لم احطم حياة احد
قال بصوت اجفلها بمرارته : " وكيف تعرفين؟".
للحظة لمحت الألم الحقيقي خلف غضبه ونظرت إليه في النور الباهت . وصدمها ان ترى كم انها جرحته . . حياة محطمة؟ هذا الفتى العابث الثري الذي يفعل مايشاء؟ مالذي يمكن ان يؤثر عليه؟
- غويدو. .
ومدت يدها ، وفي لحظة كادت تلمسه ، لكن ماريا صاحت مجددا"من الحديقة فرد عليها : " إنها قادمة".
ووضع يده على ذراع دولسي ، بلطف لكن بإصرار ومرة اخرى احست بقبضته الفولاذية فهو لم يكن يطلب منها ، بل يأمرها.
توجها إلى الحديقة التي تتوسطها طاولتان مستطيلتان ، مزينتان بالزهور كان المساء قد حل فأضيئت الشموع على الطاولتين ، وبدت وجوه افراد اسرة لوتشي على الجانبين مشعة . حاولت دولسي ات تحافظ على هدوئها وهي تتعرف إلى الوالد واخويه ، واولاده الثلاثة الكبار ، وابنته وزوجها ، وعدد من الأولاد . وهنا اضاعت تركيزها.
صب الجميع اهتمامه عليها ، فهي صديقة فيدي التي تفعل كل شيء لتجمعه مع جيني . وبما ان ليس هناك طريقة للشرح ماحدث فعلا"
اظطرت إلى تحمل المديح صامتة.
وكان فيدي جالسا" في الطرف الأخر من الطاولة ، ولكنه تقدم وامسك يد دولسي بلهفة وأخذها إلى مقعد إلى جانبه الأيمن ، بينما جلس غويدو قبالتها.
توسل فيدي : " قولي لي كيف حال جيني؟ هل هي مشتاقة إلي ؟ هل هي تعيسة للفراق مثلي؟".
واخبرته بقدر مااستطاعت عن مدى حب جيني له.
قال بحماسة : " شكرا" . . طالما لنا اصدقاء مثلك ومثل غويدو ، اعرف انه مازال لدينا امل".
قال غويدو بحدة: " كن حذرا" فيدي . . انسيت ان دولسي جاءت إلى هنا لتدمرك؟".
احتجت دولسي: " لم يكن الأمر هكذا. . ".
رد فيدي فورا": "بالطبع لم يكن هكذا . . لقد ظللت الوالد . لكنك الآن صديقتنا ، وهذا كل مايهم".
وربت على كتف غويدو : " انس الأمر".
قالت دولسي بتهور : " ليس الجميع بكرمك وتسامحك يافيدي ، وجيني محظوظة جدا" لنفوز بحب رجل متفهم مثلك".
- لا . . لا . . انا المحظوظ.
- وامسك يدها فجأة : " دولسي . . اتصدقين انني صائد ثروات؟".
وامسكت يديه بالمقابل وابتسمت مطمئنة إياه قدر استطاعتها ، وقالت بحرارة: " بالطبع لااصدق . واعرف ا ن كل شيء سينجح معكما . .
فحين يحب شخصان بعضهما حقا" ، يجب ان تنجح الأمور ولايمكن ان ننتهي هذا . . لايمكن".
وتساءلت عما إذا كان غويدو يسمع الرسالة التي تحاول إرسالها له
ورفعت نظرها نحوه لتراه يرقبها عبر الطاولة لكن نور الشموع كان يخفي عينيه.
بدا انه كان هناك سيل لايتوقف من الأطباق . المعجنات ، تبعها السمك ، وبعدها لحم العجل ثم الحلوى . واكلت دولسي بنهم ، مما نال موافقة الجميع ، حتى غويدو.
وقال فيدي متوسلا": " ايمكن ان تقولي لجيني إنني سأكون بانتظارها ليلة غد؟".
سألت : " وهل ستكون في الحفلة؟".
قال غويدو : " ليس بشكل رسمي . لكنه سيكون موجودا".
قال فيدي : " لقد وعدنا غويدو بأن يكون كل شيء على مايرام،
بمساعدتك. في مثل هذا الوقت من الغد ، كل مشاكلنا ستنتهي".
وقفز من مقعده وذهب ليساعد والدته في الطرف الآخر من الطاولة.
وقالت دولسي لغويدو عبر الطاولة : " ليست وعودا" مجنونة على الإطلاق . . ماأقول إنني سأفعله ، افعله".
- لقد حشوت رأسيهما بآمال زائفة ، لكن تذكر ان هارلوكان ليس بالذكاء الذي نظنه، وسوف يخدع نفسه ويقع على وجهه.
- ليس مع مساعدة كولومبين . . فهي تنقذه دائما" وتتذكر الأشياء التي نسيها.
- لاتعتمد على جيني.
- أنا لاأقصد جيني.
- لكنني سأتنكر في زي كليوبترا الم تقل لك البائعة في محلك؟
- بلى . . والخيار جيد إنه ملفت للنظر . ولن يعرف روسكو انك غيرت الزي.
- وماذا سأفعل؟
-
- ظننت انك عرفت ستتسللين وترتدين زي كولومبين.
- هذا جنون.
- جنون بما يكفي لينجح.
وكان قد دنا منها بحيث ان ولنفاسه كانت تهمس على وجهها ، وعيناه تلمعان لكن قربها منه اثر فيه ، مثلما اثر قربه فيها . . وانسحب من كان حول الطاولة مبتسمين لهذين الإثنين الضائعين في عالمهما الخاص.
امسك غويدو يدها ونظر اليها . واحست به يرتجف واحست بالتردد
الذي يحطمه وتألم قلبها بعد بضع ساعات ستخسره إلى الأبد ، إلا إذا استطاعت ان تجد وسيلة لتخطي الحاجز الذي اقامه في وجهها وشيء ماكان يقول لها انها ليست قريبة من هدفها صحيح انه يمر بلحظة ضعف لكنه اقوى عنادا"مما تظن .
شعرت بالرغبة في المغامرة، وفكرت : المزيد من التحدي . حين يخرج من حياتها ، ستتدمر كليا" . . . لكنها لن تفكر بهذا الآن.
استجمعت كل شجاعتها ، ومالت إلى الاماام لتعانقه . واحست بتصميمه على مقاومتها . . لكن بعد لحظة عرفت ان مغامرتها نجحت
كان تفكيره يقول له ان يتراجع . لكنه لم يستطع ، فقد فاجاته وكسبت اول معركة.
تمتم : " توقفي عن هذا".
قالت : " اوقفني انت . . قل لي إنك تحبني".
- انا لا . .
- كاذب.
وتراجعت بعد لحظة ، لكن ليس بعيدا" لأن يده تسللت خلف رأسها كانت عيناه القريبتان من عينيها تحترقان سخطا" لمدى السهولة التي لعبت فيها ضده . لكنه استمر فيإمساك وجهها قريبا" من وجهه.
- لاتفعلي هذا دولسي.
- سأفعل . . ولاأعتقد انك ستدفعني بعيدا" امام الجميع.
- لاتراهني على هذا.
- انسيت انني متحدرة من عائلة مراهنين . . وأعرف عن الترجيحات اكثر منك.
- الترجيحات كلها لصالحي ، ولكن لن تستطيعي الفوز
- لو كنت تحبني قليلا" . . لايمكن ان اخسر .
- انا لاأحبك
- وانا اقول إنك تحبني.
- وهل هكذا يجب ان يكون الأمر معك؟الاستسلام الكامل ؟ لكنك حصلت على هذا مرة. . اتذكرين تلك اللحظة التي جئت فيها إلى الفندق فيتوريو وقلت إنك حياتي ، وتوسلت إليك ان تسامحيني لأنني كتمت عنك هويتي؟ وطوال الوقت كنت تعرفين الحقيقة . مع ذلك تركتني اتابع هذري.
- قالت بمحبة:" لأنني احببت ماكنت تقوله ، ولأنني احببتك . واتذكر الأشياء الآخرى التي قلتها كذلك ، عن السنوات التي ستمضيها معا" . . وبدت رائعة".
- بالتأكيد .. فهي تعني انك قمت بعمل جيد . ولاني اتخيل مدى الرضى الذي شعرت به وانا تحت قدميك امتفي إذا" بذلك ولاتوصليني إلى تلك الحالة مجددا" دعي لي شيئا" من الكرامة.
- فلتذهب الكرامة إلى الجحيم . . انظر كيف اخاطر بكرامتي . وماذا من المفترض ان افعل بعد ليلة غد غويدو؟ ارحل بعيدا" واقضي حياتي في ذكرى رجل اكثر حماقة وعنادا" من ان يرى متى تكون امرأة واقعة في حبه؟
قلت لك مرة من قبل . . انا لست كذلك.
- وكيف انت؟ وكيف لي ان اعرف؟
- لماذا لاتكتشف بنفسك؟
- واتحول مرة اخرى إلى احمق ؟
كان يريد الشجار معها"، يريد ان يحبها . ولايعرف ايهما يريده اكثر ومادام ضائعا" ، فلا بد ان تساعده وهذا تماما" مافعلته إذ دنت منه اكثر وعانقته.
للحظة ظنته سيقاومها لكنه لم يستطع . كان يرتجف وهو يدس
ذراعه حول كتفيها ، ويشدها إليه ، كان غاضبا" وقد احست بذلك من طريقة عناقه لها . ومع ذلك فقد شعرت انه ليس غاضبا" منها فقط
بل كذلك من نفسه ، لانه لم يتمكن من مقاومتها.
وارتفعت اصوات الاستحسان من حولهما . . لكن ايا" منهما لم يسمعها كان قلب دولسي يخفق بقوة بحب مختلط مع النصر . .
إنه لايزال لها ، شاء ذلك ام ابى.
ورن جرس هاتفها النقال فتلفظت بكلمة لاتليق بالسيدات
وتراجع غويدو وكانما اصيب بطلق ناري يتنفس بصعوبة وينظر اليها بعينين محترقتين. واطفأت دولسي الجهاز دون ان ترد لكن الوقت كان قد فات. .
وتبخرت لحظة السحر
قال غويدو : " لايجب ان تطفئيه سيغضب رب عملك".
- فليذهب إلى الجحيم فبعد الغد سيسعدني الا اراه مجددا"
- لاتكوني قاسية عليه لقد صنع معي معروفا"
- واكانت دولسي ترتجف بالحب المكبوت وبالحباط كيف انتهت الأمور هكذا في الحظة الاخيرة وملات الدموع عينيها لكنها لجمتها
- مصممة على الا تظهر اي دليل ضعف امامه
- قالت من الأفضل ان اذهب
- ودعت افراد العائلة ووعدت فيدي ان تقول لجيني كم يحبها ورافقتها ماريا غلى الباب وهناك لدهشتها وجدت غويدو
- قال : "سأارافقك قليلآ".
* * *
-
~~"*" 11-لن أدعك ترحلين "*"~~
توقعت دولسي أن يعتذر غويدو و يتركها ما إن يخرجا من الباب ، لكنه سار معها لفترة . فقد استعاد توازنه الآن ، وأصبح على حذر .
أخيرآ قالت دولسي :" كان شيئآ رهيبآ أن تقول إن روسكو أسدى اليك خدمة."
-أنا آسف .. لم أقصد أن أكون فظآ .
صاحت :" لا يهمني هذا كثيرآ ! فهذا ليس كل ماهو الأمر عليه ! ما زال بإمكاننا إصلاح الأمور ."
قال :" لا أظن هذا ممكنآ . أنت تعرفين كم أغويتني .. لكن لا فائدة ."
-لماذا أنت مصمم على حمل الضغينة ضدي ؟
-أجل .. أنا أختلق مشكلة من لا شيء .. أليس كذلك ؟ ولماذا يهتم رجل اذا التقى بمثاله الأعلى وتبين أنها تخدعه من أجل المال ؟
ولم تكن متأكدة أنها سمعت بشكل صحيح .. وهمست :" مثاله ؟"
-هذه نكتة .. أليس كذلك ؟ ظننت أنني حذق بما يكفي ... ولكن تبين أنني كنت أخدع نفسي !
-ألهذا السبب تكرهني ؟
-أنا لا أكرهك .. فالكراهية مضيعة للوقت . الأمر فقط أنك ماعدت في نظري كما كنت . مشكلة الجنة أنها جميلة جدآ ، خاصة بعد أن تطردي منها ، وتشتاقي لإيجاد طريق للعودة ، صدقيني . لقد أمضيت الأيام القليلة الأخيرة أحاول العودة إلى الجنة ، ولو أن ذلك ضرب من البلاهة . لأنها أحلى شيء حدث لي .. أو سيحدث يوماآ .
ردت بأسف :" وأنا كذلك . أما من طريق للعودة ؟"
-أتعتقدين أنني ماكنت سأجدها ؟
-لربما اختلفت الأمور بيننا لو التقينا بطريقة أخرى .
قال بسخرية :" الحقيقة أنك تشبهين أهل البندقية ، فأنت مخادعة مثلهم . طوال الوقت الذي عرفنا فيه بعضنا كنت تضعين قناعاآ ."
جادلته :" ليس طوال الوقت .. في البداية فقط ."
كرر :" طوال الوقت .. وحين بدا أنك تخلعين القناع كنت تغيرينه بواحد آخر .. ولديك مجموعة كاملة منها ، ومن يستطيع فهم هذا أكثر مني ؟"
-لست الوحيدة . كان يمكن أن تقول لي من أنت منذ البداية .
-كان يجب أن أفعل .. لكني كنت أنظر إليك وكنت واقعآ في حبك في لحظتها . فما أهمية الأسماء ؟ ظننت انك أكثر النساء سحرآ ، فلم أهتم لأي شيء آخر ، ثم فات الوقت . إضافة إلى هذا ، سئمت من النساء اللواتي يريد عمي تزويجي بهن ، فهنّ ماكن يرين فيّ سوى اللقب . لكن أنت كنت ترينني ، على الأقل ظننت هذا . أردت للأمر أن يدوم ، أقله حتى نتعرف أكثر على بعضنا .
و ضحك ضحكة جافة ، ثم تابع :
-وهذا أمر يقزز النفس .. أليس كذلك ؟ مثل شخصية الغبي في قصة خرافية .. وكنت أنا مسرورآ لأنك لست صائدة ثروات ، وطوال الوقت كنت أنت تظنين أنني هكذا .
-جعلتني أعتقد الأسوأ . حين قلت لك إنني اللايدي دولسي ، تصرفت بشكل غريب ، وكأن الأمر مهم .
-كان مهمآ . ولم أستطع تصديق حظي في لقاء من أستطيع أن أحبها وأتزوجها دون معارضة عمي ، واعتقدت أنك رائعة ، المرأة الوحيدة في عالم من المتآمرات .
بدت غاضبة :" عاجلآ أم أجلآ كنت سأخيب ظنك . أحلامك لم تكن حقيقية غويدو . فأنا امرأة عادية أشق طريقي في العالم بأفضل ما أستطيع ، وأقوم بتنازلات ولا أتصرف جيدآ على الدوام . لكن في معظم الأحوال أقوم بما يجب أن أقوم به ، أعجبني هذا أم لا . وأنا محكومة بالظروف ، مثل اي شخص آخر ، ماعداك ربما . فأنت حرّ أكثر من أي شخص أعرفه . لك حياتان . وأنت تنتقل جيئة و ذهاباآ بينهما لإرضاء نفسك .. لذا لا يمكن أن يكون في نفسك تعاطف مع البشر العاديين .
-وهل تريدينني أن أصدق أن ابنة اللورد مادوكس تفعل هذا لتكسب رزقها ؟
-أجل .. أتوقع منك فعلآ أن تصدق . فكل قرش يملكه والدي أنفقه في سباق الخيل أو على موائد مونت كارلو . والأملاك مرهونة ، و المصرف قلق من حجم الدين .. ولو تزوجتني فستجن حتمآ ، لأن والدي سيطالبك بقرض ما إن يسلمني لك . وإذا كنت مجنونآ بما يكفي لتوافقه ، فسوف يعود ليطلب المزيد . . وأنت أفضل حالآ من دوني . إذن ، نحن متفقان على شيء في الواقع ، أعتقد أنني أسديتك معروفآ .
وتابعت سيرها دون انتظار رده ، وكان عليه أن يجري ليلحق بها .
وسارا معآ بصمت .. كان القمر يُبحر في السماء هادئآ ، منيرآ . واستدارت دولسي إلى زقاق معتم ، متلمسة طريقها باستعداد أكبر الآن .
قالت وهي تهمس له في الظلام :" لكن ، في النهاية ، لم يكن الأمر حقآ من أجل المال . لقد قبلت هذا العمل لأنني أردت أن أعاقب كل الرجال بسبب سايمون . لقد أخبرتك عنه في أول أمسية ."
-
الرجل الذي أحببه وظننت أنك رأيته ؟ هل كان هذا حقيقيآ ؟
-أجل كان حقيقيآ ، أنا لم أخترعه . قلت لك إننا كنا سنأتي إلى البندقية لشهر عسلنا . لكن ، مالم أقله لك هو أننا كنا سنقيم في فندق فيتوريو ، وفي الجناح الامبراطوري . وكان قد خطط لكل شيء ، وأنا سأدفع الفواتير .. لقد ظنني وريثة ، وحين أكتشف الحقيقة ، اختفى .
تمتم غويدو شيئآ بدا وكأنه شتيمة بلغة أهل البندقية .
-وجئت إلى هنا .. إلى الفندق ؟
-أصر روسكو على هذا .. وفكرت "أن مامن مشكلة في ذلك ".
سألها غويدو بحدة :" وكان معك هنا ؟ في تفكيرك .. في قلبك ..؟"
قالت :" طوال الطريق من المطار . وطوال الطريق حتى الجناح . كان موجودآ في وقت لا يجب أن يكون ن ليذكرني أنه كان يجب أن يكون ، ولم يكن . وكان طيفه دائمآ يهمس في اذني أن العالم كله ليس سوى خدعة وأن الرجل ليس سوى مخادع ، وهذا ماحوّل البندقية في نظري إلى مكان مرير ، بينما كان يجب أن يكون جميلآ ."
وصمتت ، وقد غمرها العذاب لفكرة كم أن هذا الرجل جعل البندقية جميلة بالنسبة لها .. وكم كان يمكن أن يجعل العالم كله جميلآ .
لكنها فقدته . وأصبح من المستحيل أن تفعل شيئآ آخر .
أحس غويدو بمشاعرها ، وخطا خطوة نحوها . لكنها تراجعت ، تصده . واحتاجت إلى كل قواها لتجبر نفسها أن تفعل ماهو الأفضل لكليهما . ووقف عاجزآ ، يصغي إلى تنفسها المخنوق في الضوء الخافت .
أخيرآ قال :" كان قذرآ . ومن الجيد أنك تخلصت منه ."
ضحكت ضحكة مرتفعة هستيرية :" هذا ما ظننته تمامآ . لكن السخرية في الأمر هي أنني لن أتخلص منه أبدآ . لقد غيرني وغير نظرتي إلى الرجال . حتى أنني بتُ أنظر إلى أبعد من عيونهم لأكتشف أي أكاذيب يقولونهها ، وحين قال لي روسكو ماذا يريد مني أن أفعل ، سررت جدآ . هالك ! أنت تريد الحقيقة ، وهذه هي ! بشعة أليس كذلك ؟ .. مثلي ."
-لم أقل هذا .
-أنا اعرف ما أنا عليه حقآ ، أنت تكتشف الأسوأ . لقد كنت مسرورة بمطاردة ومعاقبة رجل مثل سايمون . رجل يخدع امرأة من أجل المال ، ثم يتخلى عنها حين تفرغ جيوبها .
-وكنت واثقة أنني هكذا .. حسب قول روسكو ! لقد رأيتك من خلال الأفكار التي وضعها سايمون امامي ، و التي لا أستطيع التخلص منها –لأنها تجعل كل الرجال مريبين . وأعتقد أنهم دائمآ سيكونون هكذا وأنا الآن كما أنا . لقد حصل الأمر ولا أستطيع التراجع .
همس برعب :" هذا ماكنت تفكرين به طوال الوقت الذي أمضيناه معآ؟"
ردت هامسة :" لا .. ليس طوال الوقت . حين اعتنيتِ بي ، أصبح كل شيء مشوشآ ."
-ولم تستطيعي أن تقولي لي هذا يومها ؟
-وكيف أستطيع ؟ كنت أظنك فيدي . وبدأت الظن بان جيني محظوظة . ثم عرفت الحقيقة ، وكان الأوان قد فات .. لقد أفسدت كل شيء .. ألم أفعل ؟
ولم يستطع أن يرد .
كانت ترتجف عذابآ وهي ترغم نفسها على قول الحقيقة :" لقد أصبحت شخصآ لا يمكنك أن تحبه ، وأعتقد أنني لا استطيع لومك على هذا . لقد أحببت وهمآ .. فأنا حقيقة قاسية وعبابة .."
استشاط غضبآ :" لا تقولي هذا عن نفسك ."
-ولمَ لا ؟ فهذا ماكنت تقوله لنفسك عني في الأيام القليلة الأخيرة .. فأنا لم أستطع أن أسعدك وأرى هذا الآن .
وضحكت ضحكة خشنى ساخرة خدشت أذنيه .
-لقد كرهت سايمون كثيرآ .. لكن لأسباب خاطئة ، الجرح الحقيقي الذي أصابني به ، هو أنه جعلني مثله .. أوليس هذا مضحكآ ؟ هل تعرف القول المأثور " لاتثق أبدآ بمن ليس أهلآ للثقة "؟ أنا لا استطيع الثقة بأحد ... لذا لا يمكن لأحد أن يثق بي .
-دولسي .
الآن وقد استدارت ، أحس باندفاع لحمايتها ، لكنها صدته ، محاولة التعبير عن أفكارها .
-لن تستطيع تغيير شيء الآن ، ولماذا تحول ؟ لن ننجح . فأنت لن تشعر أبدآ أنك تعرفني ، أو يمكنك أ تثق بي .. فكيف يمكن أ|ن نحب بعضنا هكذا ؟
قال ، وكأنه يتوسل :" اخبريني انت . . كولومبين هي التي تملك كل الأجوبة".
- لكنها لاتعرف الجواب على هذه المعضلة ، ولاأعتقد ان هناك جوابا". . ربما في النهاية ، سأكون افضل حالا" من دونك ، وانا آسفة لأنني جرحتك غويدو . . لكنني اعتقد انك تعاني من كرامتك المصابة.