السرد بين السيناريو والصورة والإخراج..~(حلقة نقاش)~..
السرد بين السيناريو والصورة والإخراج
تختلف التعريفات التي تتناول لفظة (السرد) في اللغة،التي تمثِّل المحور الأساسي الذي تقوم عليه الأعمال الأدبية والفنية عموما،وتحاول أن تصنع لها تعريفا محددا ودقيقا،فمن الكتاب من يذهب إلى أن السرد عبارة عن (الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يتعهد بالإخبار عن واقعة أو سلسلة من الوقائع) أو أنه (مجموع الوقائع والأحداث التي تُرتَّب في نظام أو توال سلسلة من المشاهد) وكيف أن لفظة السرد ليس من الممكن أن تشمل غير المكتوب او المنطوق لفظيا كأن نُطلق على المَشاهد المصورة (سرد) فهو أمر خاطئ في نظر عديد من الكتاب الذين اعتنوا بنظريات السرد واصطلاحاتها.
والسرد السينمائي هو مرادف لمعنى السرد في الفن.
فهو-أي السرد السينمائي-البناء الذي تصب فيه "وحدة الموضوع" أو "حبكة القصة" .. ومجموعة الإشارات التي تُترجِم الحركة المُتخيَّـلة إلى مجموعة من المَشاهد المكتوبة على صفحات السيناريو.
ففي النص الروائي يكون التعبير الظاهري عن الأحداث والشخصيات قائما على مبدأين هما: (المقروء،المتخيل) بمعنى أنه يعتمد على القراءة أولا لفهم المضمون ومن ثم التخيل لوضع الصورة الشكلية لهذا المضمون،أما في النص السينمائي،المسرحي والكارتوني فإن ترجمة التعبير تكون ظاهرة في ركائز ثلاثة هي: (المرئي،المسموع،المتحرك)،بمعنى أن يكون التعبير عن الحدث ظاهرا في توفير الدلالة البصرية (الصورة بكل أشكالها) والسمعية (الحوارات والمؤثرات الصوتية) والحركية (تفاعل الصورة مع المضمون والذي ينتج عنه شفرات ومدلولات المَشاهد والأحداث والترميز من ظمنها).
وهذا التطور الذي صاحب عملية كتابة السيناريو السينمائي،المسرحي والكارتوني وفصله عن عملية الإخراج وجعله مستقلا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به قد مر بمراحل عديدة .. حيث استمر النص السينمائي لفترة طويلة كمجموعة ورقات لا تـُكتب إلاَّ لإثبات خطوات الفيلم وأحداثه وحبكته القصصية حيث كان يخضع لمعايير الإخراج التي تعتمد على توفير الجمالية التصويرية،ومن هنا ظهر ما يعرف بالسيناريو المصور وهو ما يعرف بــ الكوميكس والمانجا،وحتى الأأفلام في الوقت الحالي يتم صنع لها كوميكس مبسط جدا يوضح فيه كيفية عملية السرد الإخراجي الاولية قبل ان يباشر المخرج الإخراج الفعلي،كما في الأنمي الذي لابد أن يكون أساسه مانجا حتى لو كان هذا الأنمي أو الكارتون اقتباسا أدبيا فإنه قبل تحويله لعمل مشاهد-سواء فيلم أو مسلسل-تتم عمل له مانجا تخصه يخلق من خلالها هذا الأنمي،إلا أن النقاد والكتاب الذين أتوا من بعده بدؤوا يدركون أهمية السيناريو السينمائي وأهمية تفرده بأساليبه السردية التي يجب أن تكون ظاهرة في بناء الفيلم،إلى أن دخل الصوت في السينما فجعل السيناريو ركنا أساسيا لا يقبل الجدل،حيث تفرد حينها بخصوصيته التي أصبح يقوم على أساسها الفيلم السينمائي.
==============
ويثبت الفيلسوف اليوناني أرسطو ان الفن ليس إلا فعلا من أفعال المحاكاة،حيث يحاكي الطبيعة والواقع الحدثي والإنساني وأوجه الحياة المختلفة،وهذه المحاكاة تقف في العمل المشاهد بين مطلبين رئيسيين:-
الأول: تحويل المظاهر الاعتيادية في الحياة إلى مجموعة من الإشارات الجمالية التي تخلق منها قيمة شاعرية عبر رصف المميزات السينمائية كالتصوير والمونتاج والديكورات والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الصورة لغة تعبيرية طاغية،ويلاحظ ذلك تحديدا في المسرح من خلال الإهتمام بأدنى التفاصيل الديكوراتية في المسرح،وكذلك في التفاصيل الدقيقة في الأعمال الكارتونية عن اقتراب الكاميرا من منظر معين.
الثاني: الحفاظ على واقعية تلك المظاهر وعدم السير بها نحو خلق عالم متخيل وحالم وربما فانتازي،ولكن فيما بعد خلق لهذه القاعدة استثنائات كثيرة خاصة في عالم الكارتون والأنميشن.
فهي-أي المطلبين-تشغل موقعاً وسطاً متفرداً بين الامتدادات الفوضوية للواقع الخام والعوالم المتخيلة.
وحينما نعلم ذلك،فإننا نرى كيف تمكنت السينما من رصف جماليات الفن الإنساني وصهرها في قالب الفيلم السينمائي بشمولية تطغى فيه على بقية الفنون الإنسانية الأخرى،باستثناء المسرح الذي يخلق نوعا أعمق من الإمتداد الفكري.
==============
وتظهر مظاهر السرد السينمائي في أشكال عدة لعل أبرزها:-
1 – نسق التتابع :
وهو النسق الذي يعتمد على سرد الأحداث وفق تراتبية زمنية محددة لا تخرج عن نطاق التتابع المكاني والزماني،وهو الأسلوب المتبع في أغلبيةأعمال المشاهدة وخصوصا الاقتباسات الروائية الشهيرة.
2 – نسق التداخل :
وهو الذي يعتمد في سرده على تداخل الأحداث فيما بينها ولخبطة أوراق الشخصيات بسبب الارتدادات الكثيرة والقفزات المتعددة من شخصية أو حدث إلى شخصية أو حدث آخر لتخرج في نهاية العمل بنتائج متعددة تتعلق بكل قصة أو شخصية بحد ذاتها،ومن الأمثلة على هذه النوعية تبرز أعمال مثل: الأنمي الماسة الزرقاء و فيلم Magnolia ومسرحية رصاصة في قلبين-( أخترت مسرحية عربية لأن لم يجل في بالي مسرحية أجنبية ينطبق عليها هذا النسق بشكل كبير لكن لو استثننينا عدم التداخل الكبير لشخصية أوثيلو مع بقية الشخوص من مسرحية أوثيلو لشيكسبير لانطبق عليها هذا النسق إلى حد ما)-.
3 – نسق التوازي :
هو صورة أو وجه آخر لنسق التداخل،إلا أنه يقدم الشخصيات والأحداث المختلفة بصورة متوازية ومتماشية وفق تراتبية زمنية رغم إذابته الرابط المكاني بينها،وتبرز أعمال كثيرة في هذا النوع لعل أشهرها : فيلم Kabul.Express وفيلم Crashوالأنمي صقور الأرض وهزيم الرعد وكذلك مسرحية ماكبث وتاجر البندقية.
4 – النسق الدائري :
وفيه أن يبدأ الفيلم من نهاية القصة التي يطرحها لكي نرجع حينها إلى الوراء كي نفهمها حتى نصل إلى نقطة البداية،وحينها يتضح مغزى النهاية التي ظهرت كبداية للفيلم،ومن الأمثلة على هذه الأعمال : مسرحيا لا يوجد من طبق هذا النسق الى حد ما في الإقتباس المصري عن طريق محمد صبحي لمسرحية كارمن بنفس الاسم طبق محمد صبحي هذا النسق إلى حد ما،أما في عالم الكارتون غيصعب تطبيق هذا النسق خصوصا لو كان هذا العمل عبارة عن مسلسل إلا أن هنالك أعمال لامست هذا النسق مثل جو البطل و Gun Grave ،سينمائيا فيلمي Memento و Fight .Club
5 – نسق التكرار :
وفيه تتكرر أحداث القصة أكثر من مرة تبعا لما تقتضيه عملية السرد كتعددية الآراء المطروحة ووجوب سرد كل واحدة منها أو لإظهار حقيقة مغيبة أو التركيز على نقطة معينة .. ومن هذه الأعمال يبرز لنا : فيلم Rashomon و مسرحية الملك لير وكذلك الأنمي كونان إلى حد كبير.
==============