http://us.movies1.yimg.com/movies.ya...usho/babel.jpg
الطاقم التمثيلي بالعمل هو الطاقم الأفضل لعام 2006 ليس فقط باحتوائه على أسماء فنية ضخمة بل لأن جميع الممثلين حتى الثانويين منهم التزموا بحدود شخصياتهم ونجحوا أن يعبروا عن معاناة الشخصيات وأن يكسبوا تعاطف الجمهور معهم وأن يقنعوهم بصدق معاناتهم، براد بيت بدور (ريتشارد) يتفجر إبداعاً وجمالية وإقناع يضم دوره هذا إلى أحد أفضل أدواره وينجح بالخروج من سطحية أدواره السابقة في المكسيكي 11 و12 أوشن وتروي والسيد والسيدة سميث مع شعر أبيض وذقن بيضاء براد بيت يجبر المشاهد على عدم التركيز على وسامته والتركيز على تمثيله – كما فعل سابقاً بأفلامه الهامة في التسعينات - وينجح بأن يجعل المشاهد يشعر بعاطفته وحبه لزوجته وبتوتره وخوفه عليها وغضبه طوال العمل من نفسه لأنه كان سبب قدومها إلى المغرب، مشاعر عديدة سنلمسها حتى من نبرة صوته على الهاتف ، كيت بلانشيت بدور (سوزان) تقدم أداء مميز رغم قصر دورها مشهد توترها الرائع أثناء شربها الكوكا كولا لا ينسى تفرض نفسها كأهم ممثلة هذا العام بفضل مشاركتها بهذا الفيلم وبفيلمين مهمين آخرين Notes on a scandal الذي أكسبها ترشيح الغولدن غلوب كأفضل ممثلة درامية والألماني الجيد، غايل غارسيا برنل بدور (سانتيغو) يجعلنا نقتنع لماذا هو أفضل ممثل لاتيني حالياً فالشاب الذي تألق بدور تشي غيفارا في مذكرات سائق الدراجة عام 2004 يظهر هنا بأداء يجعلنا نرى من خلاله صورة الشاب المكسيكي الطائش المتمرد أما أدريانا بارازا بدور عمته أميلي تقدم هي الأخرى أداء لاتيني شديد العاطفة تشعرنا فعلاً بمدى حنانها وحرصها على الأطفال وبمد صدمتها حزنها حين يذهب كل شيء أدراج الرياح، الممثلة اليابانية راينيكو كايكيوشي من خلال دور (تشيكو) تفرض نفسها كالممثلة الأفضل في العمل بأداء إيحائي مثير للشفقة فرغم عدم نطقها بأي كلمة بالعمل ولكن الأعين ستدمع على مأساتها، فراينيكو تنجح بالتعبير عن عجزها ونقصها وشهوانيتها ومراهقتها وشقها لأمها وشوقها لأن تكون شابة طبيعية ومحبوبة، الممثل الياباني القدير كوجي ياكوشو مع ظهوره البسيط بدور ياسوجيرو يغمر الفيلم بعاطفة أبوية خالصة وأداء تمثيلي قدير جداً، وبصورة متناقضة رائعة أجد أن أفضل مشهدين تمثيليين في العمل مشهد حبس ياكوشو لدموعه أثناء حديثه مع الشرطي ومشهد انفجار براد بيت بالبكاء أثناء حديثه مع ولده على الهاتف، بقية الممثلين اللاتينيين واليابانيين والمغاربة جميعهم ظهروا بأداء مذهل يجبر هوليوود على الخوف من وجود مواهب تمثيلية تتحدى نجومهم .
موسيقى العمل راقية جداً ومؤثرة جداً ممزوجة بين ألحان لاتينية وألحان مغربية تذكرنا بمقطوعة جبل بروكباك الرائعة مع عزف غيتار حساس ومؤثر ومرهف جداً وموزعة بذكاء على مشاهد العمل .
http://us.movies1.yimg.com/movies.ya..._inarritu3.jpg
إليخاندرو كونزاليس أناريتو يقدم صور عبقرية جداً وإخراج متمكن واثق هو أفضل ما قدمه حتى الآن (لا عجب أن ينال أفضل مخرج في كان) ، جمالية ما قدمه أناريتو إنه يجعل الصورة تعبر لوحدها عن مجمل أفكار النص ويجعلها هي المتكلمة في أغلب الأوقات، لا أعرف لماذا أناريتو يكره المونتاج ويكسره دوماً في أفلامه ليقدم صورة عبثية بحتة ولكن في الوقت نفسه منطقية وبصورة غريبة جداً تجعلنا نعجب بالطريقة الثورية التي يتعامل بها أناريتو مع المونتاج والأسلوب الغريب الذي يرتب به أحداث فيلمه فلا نملك أن نقول سوى إن المونتيرة كيث ساوتير قدمت من خلال مونتاج فيلم بابل أحد أفضل مونتاجات العام 2006 رغم إنه لا يوجد مونتاج في المعنى التقليدي للكلمة بل يوجد لعبة مونتاج وتلاعب بالمشاهد من خلال المونتاج كما عند تارانتينو، أناريتو يطهو فيلمه على نار هادئة يقدم لنا الخلفيات الدرامية والنفسية للشخصيات ويجعل الشخصيات تأخذ وقتها في التعبير عن نفسها وعن صفاتها ثم يدخلنا بسلسلة من الأحداث الموترة الخطيرة وينجح بنفس الوقت بالحفاظ على الرابط الفاصل بين قصص فيلمه الأربع لنشعر للحظات أننا نشاهد أربع أفلام مختلفة ولكننا لا ننسى الواصل بينها، هذه الصورة العبثية الغريبة يقدمها من خلال حركة كاميرته التي لا تهدأ أبداً والتي تنتقل دائماً من صورة عنيفة مجنونة صاخبة إلى صورة شاعرية هادئة، أناريتو يجعل الكاميرا تلاحق ممثليه وتبحث عن نقط الضعف في الشخصيات ويهتم بالتركيزعلى لحظات الإنكسار والهزيمة، ومن ناحية أخرى نراه يهتم بالصورة الواقعية وتفاصيل المكان في فيلمه لدرجة لا يبني معها ديكورات أو يصمم ملابس أو يجعل الطاقم التمثيلي يضع مكياج أو يصمم تصريحات شعر، بل يدور حول العالم ليصور الحقيقية المطلقة دون رتوش من المغرب إلى الولايات المتحدة إلى المكسيك إلى اليابان، نراه يشدد الإضاءة ويهتم بإبراز الألوان القوية بمشاهد المغرب ليشعرنا بحرارة الجو ويركز على الألوان الرمادية الكئيبة في اليابان لنشعر بكئابة شيكو، أناريتو اهتم بإظهار الواقعية في عمله لدرجة أدخلته في مجموعة من التناقضات الطبيعية الحقيقية بين الطيب والسيئ والجميل والقبيح، فمن جمال الطبيعة في المغرب وبراءة الطفولة إلى الفقر والذل والجهل وانتهاك حقوق الإنسان، ومن أجواء التدين في المكسيك كنائس وصور للمسيح واحتفالات دينية إلى عاهرات ومهربي مخدرات، وفي اليابان نرى شيكو تدور في شوارع اليابان العصرية وتدخل الملاهي الليلة الصاخبة دون أن تسمع أي صوت ترى الناس منتشين بالموسيقى ويرقصون بجنون دون أن تستطيع الشعور بهذه النشوة، في هذا المشاهد قام أناريتو بقطع الصوت لكي نقف مكان شيكو ونشعر بمدى مأساتها، ونراها لاحقاً تقف على شرفة منزلها العالم من أسفلها صاخب وهي وحيدة لا أحد يشعر بها، ما قضمه أناريتو بفيلمه هو الأبهار البصري بعينه وواحد من أفضل أفلام العام السابق بجدارة ومنافس متوحش لمارتن سكورسيزي في حفل الأوسكار .
والسلام ليس الختام
جوروماكي العزيز