-
عسى ان تنال اعجابكم
طيور محلقة
بقلم الهاوية ..
بنت غريب
ألقت برأسها على حاشية النافذة ، و أنطلق بصرها بعيدا متخطيا جثث من الدماء ، و أشجار زيتون تحتضر ، وأوراق تفاح تجتمع فوقها أشلاء الشهداء،أحلام مدثرة بالأكفان ، و آمال ملقاة على النعوش ، دموع لا تنضب و أحزان لا تنتهي ، شباب أرهقتهم الهموم و شيوخ قتلتهم الأيام شيئا فشيئا ، هناك بعيدا رأت تلك الفتاة الصغيرة تجمع الحجارة ، تحملها حجرا حجرا بأناملها الصغيرة ، تحضنها بحنان لتبني قلعة من الأحلام ..
و قبل أن أضع الحجر الأخير رأيت كرة من اللهب تندفع نحو الكوخ ، تحرق قواعده وتلتهم أحلامي و أنا أسمع أنين أمي المكتوم يخبو شيئا فشيئا ، و ترحل أمي مع كرة اللهب تلك و تقام جنازة بلا جثة ، و تبكيها عيون بلا دموع ، و رحلت أمي و انتقلت أنا و أبي إلى كوخ يحوينا ، رحلنا مخلفين وراءنا ركام بيت محروق ورماد جثة أمي ، رحلنا و مازالت النار متقدة في قلب أبي لا تطفئها دموعه التي لا تجف ، و مازالت الأسئلة في مخيلتي تبحث عن إجابات ، و مرت الأيام و أصبحت السبع سنوات خمس عشرة سنة ..
- ليلى .. ليلى..
- نعم يا أبي ..
- أريدك أن تذهبي معي إلي المزرعة .
- لكن غدا سأذهب إلى المدرسة .
- انسي الأمر يا صغيرتي ، فبناءها أصبح ركاما و حطاما تدوس عليه الدبابات و تبلله دموع ترثي أجسادا اختلطت دماؤها بذلك الركام .
اجتاحني سكون رهيب ، و لم تنزل دموعي ، و لم يخترق أنيني عظيمات صدري ..
فلماذا البكاء و النواح على مدرسة كانت ركاما قبل ان تصبح رمادا ؟
كانت بناء تهاوى أساسه .. و وريقات صبغها الزمن .. فلماذا البكاء ؟
- حاضر يا أبي .
استيقظت في الصباح ، و لم أجد أبي ، أيقنت أن نفسه منعته من إيقاظي بعد أن قضيت ليلة سيئة أخرى ، حملت بين يدي خبزا ساخنا و بعضا من اللبن الطازج ، وجريت محاولة أن أسبق الزمن تداعب النسمات و جنتي بينما اندفع بين شجيرات الزيتون ، و فجأة التصقت قدماي بالأرض و جالت عيناي المكان، أشجار ملقاة على الأرض تنتظر النعوش و الأكفان ، تضطجع مخلفة مساحات شاسعة تجول فيها الذكريات الجميلة ، و بين أشجار الزيتون رأيته مغمضا عيناه تندفع الدماء من رأسه على أوراق الزيتون ..
و خنقتها العبرات ، اقتربت منه مسحت جبهته .
- استيقظ يا أبتاه ، لم يبق لي غيرك ، أبتاه استيقظ لنعيد زرع تلك الشجار، و نحطم تلك الدبابات .. انتظر هنا ، سأذهب لأحضر المساعدة .
واندفعت بعيدا و رأت كرة من اللهب تلتهم أشجار التفاح و تؤلم أوراق الزيتون و تحيط بجسد والدها ، كرة من اللهب انطلقت من ذلك الجسم الصغير المزروع في كل مكان ينتظر ضحيته الأخرى ، كرة من اللهب أفقدتها كل ما تملك .
لن أبكي ، لماذا أبكي و مازالت أمي تنتظر الثأر ؟
كيف أبكي في جنازات تقام بلا جثث ؟
أليس بكائي ضعف و حمق مني ؟
قالوا أن الأنثى كتلة من العواطف ، و لكن نحن نساء صنعتنا قسوة الأيام ..
مازالت دموعنا تسيل ، مازالت حقوقنا مرمية على قارعة الطريق ، أصبحت مآسينا سطور تملأ أوراق الصحف ، نفقد كل ما نملك ، تمتلئ شوارعنا بمناظر مشبعة بالدماء .
عدت إلى البيت ، وحيدة تعصرني الأحزان ، صراخ أمي المكتوم يدور في مخيلتي ، و منظر أبي و الدماء تسيل من رأسه يتردد على ذاكرتي ، عدت أناشد ذكرياتي أن تبعث الأمل في داخلي و أنا أمسح بلطف على ملابس أبي ، و لكن كانت الدقائق تحمل لي صفعة أخرى ، أشباه من البشر يدخلون إلى بيتنا ، يحرقون ذكرياتنا ، و أتوه في عالمي و أسير في الأزقة المظلمة ، تراودني أحلام و تموت أحلام أخرى في داخلي ، و أحس بالبرد يتسلل إلى أوصالي و أتذكر أبي و أنبش في ذكريات أمي ، و لا أستطيع أن أتذكر ما حدث بعد ذلك ، و انتقلت إلى عالم آخر ، استيقظت لأجد نفسي في غرفة دافئة اتجهت نحو النافذة جبال في كل مكان ، و طرق الباب ..
- السلام عليكم و رحمة الله ..
- و عليكم السلام ، أين أنا ؟ " قلتها بنبرة حادة "
- لا تخافي ، إنه كوخ يأوي الفتيات .
- في هذا المكان المقفر .
- هنا نحن بأمان ، يصلنا الطعام و السلاح .
- السلاح !
- نعم ، هناك من يمدنا بمعلومات ترشدنا إلى مواقع الصهاينة ، و نقوم نحن بما يلزم .
- كم فتاة تقطن هنا ؟
- خمس فتيات .
و كان للأيام الفضل في توثق علاقتنا ، أصبحنا أخوات يجمعنا الإسلام ، يجمعنا كتاب الله ، و غدا ستكون أول عملية لي ، على الحدود ، بقنابل يدوية ..
مرت الساعات ، و نجحنا تطايرت أشلاؤهم و تبعثرت قواتهم ، يسقطون كالذباب .. إنهم ذباب يخافون من طفل يحمل مقلاعا ، يهجمون على النساء و يخشون من أنفسهم ، ذباب بلا مأوى ، و استمرت عملياتنا و ازداد عدد الضحايا كما يقول رؤساءهم ، أما أنا فأظن أن عدد المجرمين على أرضنا قل ..
و استمرت عملياتنا ، و استمر نضالنا لنحرر أرضا أغتصبت ، لنبني بيوتا هدمت ، و نزرع أشجارا قتلت ..
استمرت لتنبئهم بقدوم نضال جديد ، و صحوة جديدة ، لنحرر كل أسير ، و ننتقم لكل طفل شهيد ، مات مرعوبا أو مات و هو يحتضن حجارته الصغيرة مغلفة بـأحلامه الكبيرة ، و لنبكي نصرا و ننتقم لكل من مات دون أن نبكي عليه ، و سيعودوا غدا ليصبحوا كما هم الآن شعب بلا وطن ..
شعب أفراده مبعثرين ..
و سنحكم أرضا هي لنا ، و نستيقظ كل صباح على تغريد العصافير ، ليذهب كل طفل إلى مدرسة تحتضنه ، و ليعود كل فرد من عمله ليجد عائلة محبة بانتظاره ، يومها ستهدم دولة إسرائيل و تبكي على أطلالها دول أخرى ، لتعود بيوتنا لنا ، و يعود الحق لأصحابه .
أسيأتي هذا اليوم أم أنه حلم يقظة ؟
أسيأتي يوما نعيش فيه كما تعيشون أم أننا سنظل نذوق الذل ؟
كم أتمنى أن أستيقظ غدا لأجد العالم بلا سلاح و بلا حقد أو أطماع !
ألن تشرق الشمس غذا لتحرق الظلم في قلوبنا ، و تذيب الحقد من أفئدتنا .
ألن يأتي الغد ليعود كل أحبتنا ؟
ليعود ذلك الصبي إلى حضن أبيه،لتزف الفتاة عروسة عوضا عن كونها أشلاء إنسان،
لتكمل تلك الرضيع عامها الأول ، لتفتح أبوب الأقصى لكل مسلم يقصدها ..
أم أنها أحلام ؟ .. مجرد أحلام ..
- بماذا تفكرين ؟
- لا شيء ، ما الجديد .
- جاءت معلومات أخرى .
- متى ستكون العملية الأخرى .
- غدا ..
- غدا؟ هذه أول مرة ننفذ فيها العملية بعد يوم من تسلم المعلومات .
- يقولون أنها عاجلة ..
عاجلة .. ولم العجلة ؟
مازالوا هنا لن يرحلوا وسنظل هنا في أرضنا فلم العجلة ؟
لن أزرع الشك في قلوبهن ، قد يكون ما أفكر به مجرد أوهام ..
و جاء الغد حملنا أسلحتنا و اتجهنا يدفعنا عشقنا للحرية فهي نظرنا حياة وردية ، بلا مشاكل ، و ما أن تمركزنا في أماكننا و استعددنا جرت آمنة و هي تصرخ ..
- اهربن إنها خدعة ..
و انطلقت الطلقات تنهش جسدها الغض ، و اندفعت ليلى لتحس برصاصة تمزق قدمها و سقطت .. سقطت لترى فرقتها تسقط واحدة تلو الأخرى ، تتمزق أجسادهن و تتحطم عظامهن تحت و طأة الهري و امتلأ المكان بالدماء ، و ارتسمت ابتسامة على وجه ليلى ، و هي ترى حلمها يتحقق ترى المسلمين حاملين أسلحتهم يتدفقون من كل مكان من المشرق و المغرب .. من الشمال و الجنوب .. يتجهون نحو الأقصى ، و جوههم تشع رضا ، يحطمون قيود الأقصى يطردون اليهود ، و لكن ذلك حلم ..مجرد حلم ، و هل نملك غير الأحلام؟
و اندفع الجنود نحوها أرادوها أسيرة و لكن لن يسلب الطير الحر حريته ابتسمت قبل أن تنطلق القنابل الملفوفة حولها لتحرق كل من حولها ..
و نجحت العملية ..
و رحلت ليلى .. لنخط نهاية قصة فتاة فلسطينية ..
ليلى لم تملك غير الحلم و لم تعتقد يوما أن حلمها لن يتحقق ..
و حلمها الآن دين على كل طائر حر يحلق في سماء العدالة ..
طير مثل ليلى ..
-
رد: عسى ان تنال اعجابكم
مشكوره أختي evil girl
على القصه الرائعه
واللي تبين تضحية وصبر
الظلم اللي يقع على أخواننا المسلمين
::مغتاظ:: :ميت: :جرح: :بكاء:
-
رد: عسى ان تنال اعجابكم
شكرا خيو evil girl المهضوم كثير عل قصة
-
رد: عسى ان تنال اعجابكم
شكرا اختي علي الموضوع والقصه