أمن الممكن حب المـوت ؟؟
أأخشى الموت ؟
لا أعتقد ذلك … إني أخشى عواقبه ولا أخشاه في حد ذاته ، فهو لا يزيد عن كونه مرحلة من مراحل الوجود ، لا يعني هذا يقيني من مكانتي في المرحلة اللاحقة ولكن ما بعد الموت هو نتيجة حياتي ، نتيجة اختياراتي وقراراتي التي سوف تكون قد تمت بالفعل حين تحين آخرتي ، بمعنى أنه لن يكون بيدي شيئاً وقتها… لن يكون مطلوباً منّي التفكير أو اتخاذ قرارات أو الحياة والتكيف مع عدم الفهم ، ساعتها تنتهي مسئولياتي .. ينتهي الوقت المخصص للامتحان ويبقي انتظار النتيجة فتحمّل عواقب إمكاناتي المبذولة .
في الموت انطلاق وحرية من قيود الحياة ، في الموت تحرر من الجسد ومتطلباته ـ ولكن هل الروح بلا متطلبات؟!
الموت أحد عناصر الحياة الطبيعية وكل ما هو طبيعي جميل ـ لا ليس كل طبيعي جميل ، فالقبح جزء من الطبيعة ، إذن فقد يكون الموت مثله مثل أي شيء آخر له وجهتي الجمال والقبح .
ذكرت أني أخشى عواقب الموت ، قصدت بذلك أن أفقد بعد موتي القدرة على الكتابة والقدرة على العطاء كما إني أخشى الوحدة… عجيب هذا الأمر ، لا يختلف كثيراً ما أخشاه بعد مماتي عما أخشاه في حياتي !! فأنا أتنفس بكتاباتي ــ ربما لن أحتاج للتنفس في الآخرة ! ــ وأحاول التغلب على الوحدة من خلال مخزون أو فائض العطاء الذي أملكه ولا أستطيع كبته وهو نفسه الذي يتسبب في الاستغلال وسوء الاستخدام والألم ولكنه حياتي .
الموت ليس كارثة أو مصيبة كما يتصور البعض ويدّعي البعض الآخر ، الموت نعمة من نعم الله علينا ولكنه يقترن بالحزن والدموع والسواد والكآبة ، يقترن بطقوس ومشاعر وانفعالات هؤلاء الذين ما زالوا على قيد الحياة ، وكلها تقترن ليس بالموت ولكن بحدث الفقد وإحساس الافتقاد ، هناك في الحياة من أفعال الناس ما يتطلب الحزن والبكاء أكثر من حدث الموت ، غير الطبيعي في الحياة هو الذي يبكيني… غير الحقيقي ، غير العدل ، تلك الأمراض التي تصيب بعض الناس مثل : فقد الإحساس أو افتقاد المنطق البنّاء أو غيبوبة القلب ، أما الموت فهو رحمة وخلاص من تلك الأمراض .
هل أبكي موت مريض طريح الفراش أم أبكي صراع أبنائه على ما لا يكاد يذكر من أملاكه ؟؟ أأبكي الموت ولا أبكي الحقد والكراهية والأنانية ؟!
لا… لا أخشى الموت ، تماماً كما لا أخشى الله .. بل أحبه .. إنني حقاً أحبه .
لا يعنى أني لا أخشى الموت أني لا أخشى شيئاً ، بلا… إني أخشى الألم ، أخشى المجهول وأخشى البدايات أي بداية وكل بداية جديدة تخيفني لأنها مرتبطة بالمجهول ، فالبداية بالنسبة لي مثل فتح باب مغلق بعدة أقفال أترقب ما وراؤه أثناء محاولات الفتح ـ ولا أفقه شيئاً مما يحمله لي ، ويلي فتحه فترة مظلمة من الزمان مثل ظلام ليل طالت ساعاته لا يتضح أمره إلا بطلوع الفجر .
لا أدري من أين يأتي ذلك التناقض العجيب : الخوف من المجهول والحب والثقة التامة بالله ؟ كيف يجتمع النقيضين ؟ ربما لأنه لا شيء ثابت في الحياة سوى قانون التغير ، حتى حب الله والثقة التامة لا تدوم كل الوقت ، ولكن ما اختفاؤها أو نقصها أكثر منه توكيداً بعودة يقين وتمام الحب والثقة ، ولاشك أن أي خشية أو ضعف إنساني يستغلان تلك الفرصة النادرة باحتلال العرش… عرش التحكم في الموقف … عرش السلطة .
آه ! كيف يسهو عليّ أكبر خوف ؟؟ الخوف من الخطأ ، إني أخشاه كما لا أخشى شيء في الوجود ، أخشى الخطأ في حق الآخرين وفي حق نفسي… كأني لست إنسان ، وكأن هذا الخطأ حبل مشنقة يلتف حول عنقي ، حينما أختار أن أخطأ أكون قد أصدرت على نفسي الحكم بالإعدام ، ذلك الإعدام الذي يقويك لأنه لا يقتلك هو انتحار معروفة نتائجه : النجاة في آخر لحظة ! لعبة سخيفة مللتها ولن أكف عنها… لن يكفوا عن دفعي للانتحار ، فلست سوى إنسان بحالات ضعفه اتخذها عذراً كي أسمح لهم دفعي للانتحار !
لابد وأن أنهي تلك المهزلة… لا أقصد مهزلة حياتي فليس بيدي إنهاؤها ، لا المهزلة ولا حياتي ! أقصد مهزلة تلك السطور ، فبقدر ما تقوم به كلماتي من تضخيم الموضوع ، بقدر تفاهة حقيقته بالنسبة لكثيرين آخرين أو على الأقل لا مبالاتهم ، فما بالي اليوم غير جميع الأيام ــ أو كمعظم أيامي ... أبالي !
:confused: :confused: :confused: :confused: :confused: :confused:

