".. سينما نجيب محفوظ.. "
إهداء إلى أخي العزيز هاروهيكوشيكي
حينما نتحدث عن الأديب العربى الكبير نجيب محفوظ في مكسات فإننا نتحدث في نفس الوقت عن السينمائى نجيب محفوظ.. هذا السينمائى الذى قدم للسينما روايات وقصص وسيناريوهات منفصلة عن اعماله الأدبية ..كفيلم "عنتر وعبله" عام 1945 وهو اولى تجارب كاتبنا الكبير في السينما كسيناريست ، ومن هذه التجارب ايضا..تجارب مأخوذة عن قصص لأدباء آخرون ، وقد تشاركوننى الدهشة عندما نعلم ان كاتب بحجم نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل فى الآداب والذى قامت السينما المكسيكية بانتاج فيلمين عن رواياته " بداية ونهاية" من اخراج أرتورو ريبيستين و" زقاق المدق " من اخراج خورخي فونس والتى قامت ببطولته "سلمى حايك" هو نفسه الذى يقوم بكتابة سيناريو فيلم "الطريق المسدود" المأخوذ عن رواية ادبية تحمل نفس الإسم للأديب احسان عبد القدوس ثم يقوم بكتابة الصياغة الدرامية لفيلم "الفتوة" للمخرج صلاح ابو سيف عن قصة ادبية ايضا والبطولة لفريد شوقى والذى ايضا يكرر معه التحربة في فيلم "جعلونى مجرما" من اخراج عاطف سالم والذى يشترك مع نفس المخرج مرة اخرى فىكتابة فيلم "احنا التلامذه" ، وكان الفضل في دخول التجربة السينمائية او بالأحرى اقتحام نجيب محفوظ عالم السينما من باب كتابة السيناريو وليس تحويل اعماله الأدبية للسينما فحسب ، يعود للمخرج صلاح ابو سيف وهذا ما يدين به نجيب محفوظ للمخرج الكبير ، ولعل ابرز هذه الاعمال المشتركة بينهم والمنفصله عن اعماله الأدبية كان فيلم " ريا وسكينة" وهى قصه حقيقية احدثت ضجة أنذاك وكتبت عنها الصحف، واقتبست الفكرة من صفحات الحوادث ليقوم نجيب محفوظ بكتابة الصياغة الدرامية لها، إلا انه يركز على شخصية البطل في احداث الفيلم الذى يقوم بدور الضابط الذى يتنكر بين هذه العصابة ليكون واحدا منهم .. حتى ليكاد ان يكون الضابط هو محور الأحداث وليست ريا وسكينة ، واعتقد ان هذا ليس بمستغرب لو عرفنا ان الذى يقوم بهذا الدور هو نجم نجوم هذه الفترة والفتى الأول بلا منازع "انور وجدى" وهذا ما سبب نقد شديد لهذا الفيلم آنذاك ،حيث تجاهل الظروف التى دفعت ريا وسكينه الى هذا الطريق وهذا المصير ، وربما هذا الذى تداركه نجيب وابو سيف فيما بعد عندما قدما فيلم "الوحش" عام1954 عن قصه حقيقية ايضا لقاتل يُدعى "الخــُط" فقاما ببناء درامى قوى للفيلم يقوم على تحليل الظروف والعوامل التى افرزت عنها شخصية هذا القاتل ، والقصة تحكى عن رجل ثرى ، تقريبا هو الذى يحكم قريته فلا يتهاون في قتل من يقف امام مصالحه او حرق المحصول الزراعى اذ كان خصمه من مُلاك الاراضى وكان اداة هذا الثرى في اجرامه هو الرجل المدعو "الوحش" ، وقد نجح نجيب محفوط في كتابة تحليل درامى قوى عن هذا التفاوت في الطبقات وانهاه بمصرع هذا الثرى والقبض على الوحش مع التأكيد ان الأمان لن يوجد بهذا المصرع وهذا القبض.. انه لن ينتهى إلا بانتهاء النظام نفسه .،، وقد قدما الثنائى ايضا " محفوظ وابوسيف" افلام كــ " المنتقم "وفيلم " بين السماء والارض" والأخير عن قصة قصيرة لمحفوظ والذى نال عنه صلاح ابوسيف جائزة اجرأ مخرج من جمعية الفيلم عام 59 ، هذا والى جانب اول رواية لمحفوظ تٌقدم للسينما " بداية ونهاية" من اخراج ابو سيف ايضا ...
ولعل نجيب محفوط يعد الكاتب العربى الوحيد التى عولجت بعض من رواياته اكثر من مرة..كفيلم " الطريق" والمأخوذ عن رواية له بنفس الإسم من اخراج حسام الدين مصطفى وبطولة رشدى اباظه ،شادية . والذى اعيد انتاجه مرة اخرى في فيلم من اخراج اشرف فهمى تحت اسم " وصمة عار" بطولة نور الشريف ،يسرا
كما اعيد فيلم " اللص والكلاب" المأخوذ عن روايته الشهيره للمخرج كمال الشيخ مرة اخرى
تحت اسم "ليل وخونه" لــ اشرف فهمى ايضا .
وعندما تغير المجتمع الذى كتب عنه نجيب محفوظ ..مجتمع الملكية ، وجاء العهد الجديد بعد قيام الثورة عام 1952 والذى قد انهى قبلها ثلاثيته الشهيرة ( بين القصرين-قصر الشوق-السكرية) وعن هذه التغيرات التى طرأت على المجتمع اعتقد في نفسه انه قد انتهى كروائيا بهذا التغيير الذى سعى اليه من خلال نقد المجتمع في معظم رواياته، وبحثا عن مهنة لزيادة دخله خصوصا بعد زواجه، قام بتسجيل اسمه في قوائم كُتاب السيناريو ، وطوال خمس سنوات لم يكتب فيهم اى اعمال ادبية ، إلا ان الأديب بدأ يتحرك من داخله ويطغى على كاتب السيناريو..وكما ورد على لسانه في كتاب(في حب نجيب محفوظ) للكاتب رجاء النقاش،يقول.. " وجدت نفسى منجذبا مرة اخرى نحو الأدب، وكانت فرحتى غامرة عندما امسكت بالقلم مرة اخرى، ولم اصدق نفسى عندما جلست امام الورق من جديد لأعاود الكتابة، وكانت كل الأفكار المسيطرة على في ذاك الوقت الدين والتصوف والفلسفة " وكانت نتاج هذه المحاولة مرة اخرى للكتابة الأدبية هى رائعته ..(( اولاد حارتنا)) والتى كانت من حيثيات فوزه بجائزة نوبل . والجدير بالذكر ان محفوظ قام باعادة صياغه لها بعد ثمانية عشر عاما في صورة اخرى اشبه بالتجريد لما لاقته اولاد حارتنا من هجوم رجال الدين والتى امتد اثرها الى حد التطرف في عام 94 في محاولة فاشلة لإغتياله وكانت ملحمته "الحرافيش" والتى انتجت السينما المصرية ست افلام مقتبسة عن هذا العمل منها "الحرافيش" و"المطارد" و"التوت والنبوت" و " شهد الملكة" ....
يتبع
