3- اجتياح فرنسا (( Invasion France)) :-
كان لدى القوات المقاتلة البريطانية و الفرنسية على جبهة الغرب في شهر مايو عام 1940م أكثر من 4800 مدرعة ، بينما لم يكن لدى القوات الألمانية أكثر من 2800 مدرعة ؛ منها العربات المصفحة ( و كان عدد الدبابات عند بداية الهجوم 2200 دبابة ) ، فكان على الألمان مواجهة تفوق يعادل الضعف تقريباً .
كتب ليدل هارت فقال : (( في اليوم العاشر من مايو عام 1940م قام هتلر بهجومه الكاسح على الجبهة الغربية ، و كان هذا الهجوم منتظراً منذ وقتٍ طويل ، و قد حقق نصراً خاطفاً غير مجرى التاريخ ، و أثر تأثيراً كبيراً في مستقبل العالم )) .
كانت الأعمال القتالية تسير بدقة مثيرة ؛ و انتظام مذهل ، لقد برهن تدريب القوات على فائدته و أهميته مرة أخرى في تاريخ فن الحرب . كما برهن عامل ( الكفاءة القيادية ) على دوره الفعال أيضاً .
هكذا تمكنت فرقتا البانزر الأولى و العاشرة من الاستيلاء على الضفة الشمالية لنهر الموز و احتلال مدينة سيدان التاريخية و المحصنة و ذلك في ليل 12/5/1940م . و بدأ العمل لعبور نهر الموز و تشكيل موقع دفاعي على الضفة المقابلة .
و سارت العملية بدقة ، و تابعت فرق البانزر اندفاعها و جرت أعنف المعارك عند إحدى القرى القريبة من نهر الموز في يوم 14/5/1940م ، حيث تناوبت السيطرة عليها القوات الألمانية و القوات الحليفة مرات عديدة . و في اليوم التالي ؛ وقع في قبضة الجنرال الألماني غودريان أمر صادر عن القيادة الفرنسية : (( يجب أخيراً إيقاف تقدم الدبابات الألمانية )) . و كان الجنود بحاجة للراحة بعد الجهد الذي بذلوه طوال الأيام الماضية و لياليها في مسير متصل و معارك متتالية ؛ إلا أن الجنرال غودريان استثارته برقية القيادة الفرنسية فجمع قادته حتى مستوى قادة السرايا و طلب إليهم بذل المزيد من الجهد لإحباط المحاولات الفرنسية .
و أمكن للحماسة أن تضعف من تأثير التعب و الإرهاق ، فتابعت فرق البانزر تقدمها ، مخلفة وراءها نهر الموز .
في مواجهة خط ماجينو الدفاعي الفرنسي
كان ضجيج الفرنسيين يرتفع على ضجيج الحرب ، كلما تصاعد ضجيج الحرب ، بصراخ : (( خط ماجينو يحمينا )) . و كان من حق الفرنسيين أن يفخروا بهذا الإنجاز التنظيمي الرائع و الذي استمر العمل فيه طوال خمسة عشر عاماً تقريباً حتى اكتمل في تجهيزه و تسليحه ، و أصبح مدينة دفاعية ممتدة تحت الأرض على امتداد الحدود الفرنسية . و ها هو الجنرال الألماني رومل و قد وصل إلى خط ماجينو ، و كان في مواجهته تحصينات و قلاع ليست من خط ماجينو و لكنها استطالة له ، بتنظيمها الدفاعي و تسليحها . و وضع رومل خطته للهجوم و عرضها على قائده فون كلوغ ، فوافق عليها كلوغ دون أي تعليق أو تعديل . و تضمنت خطة رومل ما يلي :
التقدم حتى مدينة سيفري و هي مدينة على الحدود الفرنسية – البلجيكية مع دفع فوج الاستطلاع في الوقت ذاته ، لتحديد و اكتشاف و استطلاع خط ماجينو على جبهة واسعة ، في حين تحتل الكتلة الرئيسية للمدفعية مرابضها حول مدينة سيفري . و يتقدم لواء البانزر المدرع المدعم بالمدفعية لاقتحام خط ماجينو . ثم يأتي لواء المشاة المدعم بالدبابات للاستيلاء على التحصينات ، و ليعمل على إزالة الموانع و العوائق . و ما إن يتم إنجاز هذا الواجب ، حتى يتم تطوير الاختراق للوصول إلى أفيسنيس و هي منطقة في شمال بلجيكا على بعد 20 كلم من مدينة سيفري و تقوم بقية قوات الفرقة الألمانية بمتابعة التحرك وراء المدرعات المتقدمة و الكتلة الرئيسية للفرقة . و تبقى على اتصال معها .
على هذا ، انطلق الفوج الألماني إلى المقدمة ( الرأس ) في 16/5/1940م و تقدم بسرعة ، فتم الوصول إلى مدينة سيفري ، دون مقاومة . و احتلت المدفعية ، و المدفعية المضادة للطائرات ، مرابضها ، و فتحت نيرانها على الفور ضد مناطق واسعة بهدف معرفة رد فعل العدو ، و اكتشاف مواقع مدفعيته . و لكن ما من مدفع فرنسي أطلق نيرانه ، أو رد على النار بمثلها . و تقدم لواء البانزر 25 و وصل إلى قرية كليرفليت . و ركب رومل الدبابة الأولى كعادته ، و جاءت معلومات من عناصر الاستطلاع عن وجود ألغام على الطريق ، فقام بعملية التفاف بعيداً عن الطريق بمسافة 5 كلم . و كان لا بد من التحرك بصورة بطيئة لتمهيد الطرق و إزالة بعض الحواجز الطبيعية ، و ما إن تم تجاوز ذلك ، حتى وجد رومل و العناصر المتقدمة معه ، أنهم على بعد مائة متر فقط من شبكة تحصينات فرنسية ، و أمامها مجموعات من الجنود الفرنسيين يقومون بزرع الألغام ، و أسرعت إحدى الدبابات المتقدمة ففتحت النار على أهداف تقابلها ، و جاء الرد فوراً . فتعرضت الدبابات المتقدمة لنار غزيرة من المدافع الرشاشة و المدافع المضادة للدبابات ، فأصيبت دبابتان إصابات مباشرة ، و أصيبت دبابات أخرى بأضرار بالغة و أصبحت خارج القتال ، و تم إسكات المقاومة . و اندفعت مفارز راكبي الدرجات النارية و معهم عناصر المهندسين لإزالة الموانع ، و تفجير الحواجز ، و تمهيـد الطريـق .
و استمر هذا العمل حتى هبوط الليل ، و ظهرت في الظلمة الحرائق المشتعلة في القرى المحيطة . و أصدر رومل أمره بمتابعة التقدم تحت جنح الظلام . و وقعت بعض الاشتباكات العنيفة مع مواقع الفرنسيين و المدافع المضادة للدبابات ، و لكن رومل و قوته المتقدمة تابعوا سيرهم تحت حماية المدفعية التي كانت تطلق نيران الإعاقة على أهدافها المحددة . و كان رومل طوال الوقت يتابع توجيه التحرك ، مع اتصال باستمرار مع بقية القوات حتى لا يحدث أي انقطاع فيما بينها ، و أمكن تجاوز خط ماجينو الشهير . و لم يكن ذلك حلماً بل إنه حقيقة واقعة . و تابع رومل و قواته توغله العميق ، فتجاوز خط الدفاع الثاني ، بعد معركة ضارية .
لقد كان هذا الهجوم من أبرز الأعمال المثيرة للجنرال رومل ، و من أكثرها فاعلية و تأثيراً ، إذ استطاع بواستطها إيقاع القوات الفرنسية بحالة من الاضطراب و الفوضى و الهلع .
و قد تضمن التقرير الرسمي – التاريخي لفرقة البانزر السابعة ، أن هذه الفرقة خسرت منذ أن بدأت عملياتها و حتى تجاوزت خط ماجينو ، 35 قتيلاً و 59 جريحاً . و خسر الفرنسيون في قطاع عمل هذه الفرقة أعداداً أكبر بكثير من القتلى و الجرحى ، بالإضافة إلى وقوع 10000 آلاف فرنسي في قبضة القوات الألمانية ، و 100 دبابة و 30 مركبة مدرعة و 27 مدفعاً ، و تم إسقاط طائرتين فرنسيتين .
وقوع الكارثة
عندما اكتسح الألمان هولندا و بلجيكا عزلوا قوات بريطانيا مع بقايا الجيش السابع الفرنسي في ميناء دنكرك على القناة الإنجليزية .
و بينما كانت القوات الألمانية تستعد للإنقضاض على ميناء دنكرك الفرنسي الواقع في شمال فرنسا ، كانت تجري فوق ميناء دنكرك في يوم 16/5/1940م إشتباكات جوية ، ففي 24/5/1940م وصلت برقية بتوقيع هتلر و جاء فيها : (( ستتولى القوى الجوية أمر دنكرك )) ، فبوغتت القوات الألمانية بهذه البرقية ، و كان لا بد من تنفيذ الأمر و كان بإمكان الألمان القضاء على قوات الحلفاء لو أرادوا لكنهم تركوها عندما أرسل هتلر برقيته و جعلوا هذه القوات تهرب بأقل قدرٍ من الخسائر لإبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية إقامة علاقة تفاهمٍ مع بريطانيا .
و الواقع أن الحلفاء قد أخذوا يفكرون سريعاً في الهروب من فرنسا التي اجتاحتها الجيوش الألمانية ، ففي يوم 26/5/1940م بدأت أكبر عملية إخلاء سببتها أبشع هزيمة للحلفاء في ميناء دنكرك ، فدارت في سماء ميناء دنكرك معركة جوية شديدة ، فقامت الطائرات الحليفة بالدفاع عن سفن النقل المكتظة بالجنود بينما كانت الطائرات الألمانية تقصف السفن و الميناء بعنف و دون توقف و ازدادت مشاكل البريطانيين حدةً بسبب الهجمات الجوية الألمانية المستمرة على الميناء و أدى القصف الألماني إلى جعل الأرصفة غير صالحةٍ لرسو السفن و أصبح الإجلاء يتم بعد ذلك من الشواطيء نفسها.
استمرت الهجمات الجوية الألمانية بلا هوادة و كذلك استمرت عمليات الإخلاء عدة أيام تمكنت فيها القيادة البريطانية من إنقاذ 334000 ألف من الجنود البريطانيين و الفرنسيين و غيرهم و قد تركوا وراءهم كل معداتهم الحربية الثقيلة و بهذا لم يحقق سلاح الطيران الألماني وعده لهتلر ، رغم أن البريطانيين فقدوا معداتهم إلا أنهم أفلتوا من الهلاك و قد أبحر أسطول الإجلاء وسط ظروفٍ صعبة وضعه فيها سلاح الجو الألماني ، و بسقوط فرنسا بيد الألمان أصبح تعرض الجزر البريطانية للغزو احتمالاً قائماً .
سقوط فرنسا
في 10/6/1940م أعلن الزعيم الإيطالي موسوليني الحرب على فرنسا ، و قد أدرك أن المعارك الألمانية الفرنسية قد انتهت و أن المقاومة المنظمة قد اختفت .
و تلفتت الحكومة الفرنسية تسأل المعونة . لقد توجهت إلى لندن و واشنطن تسألهما إنجادها . و لكن صرخاتها ذهبت أدراج الرياح .
و انهارت مقاومة الفرنسيين انهياراً تاماً ، و تزايد عدد الأسرى ، بالإضافة إلى استيلاء الألمان على كميات ضخمة من الأعتدة القتالية المتنوعة . فما لبث الفرنسيون حتى أعلنوا استسلامهم .
* المرفقات مرقمة :-
1- الخريطة تبين اتجاه القوات الألمانية و محاصرتها لميناء دنكرك الفرنسي .
2- الخريطة تبين اختراق القوات الألمانية الحدود الفرنسية .
