الحرية المدنسة: القمع متأصل في العقل الغربي
الحرية المدنسة:
القمع متأصل في العقل الغربي لا في النسيج الديني المسيحي
سدَنَة الفوضي والديمقراطية
قد يُظَن في إطار الجو الكارثي الذي أفرزته العولمة الأمريكية (أو ما بعد الاستعمار بحسب الجابري)، أن شيئا ما، اختلف في السلوك الشعوبي والعنصري لدي بعض أدْعياء التدين في العالم، فأنتج واقعاً صِدامياً محموماً. وكأن مناخ الحِقد والكراهية الذي صار يُهيمن علي العلاقات الإنسانية المحكومة بجدل التكنولوجيا والحرب، مجرد نِتاج لما أسماه نيتشه إرادة القوة والهيمنة، والاستعمار، والمقايضة علي موارد الأرض وعلي كرامة الشُعوب. والواقع أن مركزية الإنسان الأعلي في العالم، وتدميره القِيَم الميتافيزيقية هو ما أضل البشر عن مسؤولياتهم الوُجودية، وولد الشرور الكونية، وألقي المجتمعات في العدم. إن تاريخ الشر، والقول لبول ريكور، يجد جذوره في الخطايا والمعاصي، كما في ممارسات القمع وما يتولد عنها من مُعاناة إنسانية.
ينص الإنجيل علي أن معاني الكراهية والتوحش وتسويغ الاعتداء علي الآخر، اندلعت مع الآثام الأولي، حين قتل المتطرفون أنبياء الله ورُسُله إليهم. ويذكر الشوكاني في تفسير الآية 38 من سورة (الفُرقان) أن أصحاب الرّسّ قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه. وتحدثت سورة (البروج) عن المحارق التي أعدها سدنة الفوضي وحُراس اللادينية من أجل القضاء علي المعتقدات الإيمانية المتجذرة في النسيج الاجتماعي، ولم تكن تروق للسلطة السياسية التي كانت قائمة وقتئذٍ. ينتج عن هذا أن الذين قتلوا الأنبياء، بدافع الشر المحض، ومارسوا الإرهاب ومراقبة الشعائر الدينية علي مدي التاريخ، واججوا المحارق من أجل الإلغاء الاعتقادي والثقافي للمختلف، ومزقوا العقد الاجتماعي الذي يقضي بالتواصل والعيش المُشترك بين جميع الكائنات الوُجودية، لم يعبروا إلا عن الخيبة وعن الهزيمة والإفلاس العقلاني. لأن صناعة الدمار الفكري، وممارسة الاستئصال الديني، هي من كشفت عن إيجابية القناعات العقائدية، وأسبغت علي الوعي الإيماني بُعداً إحيائياً قضي علي الحماسة الإيديولوجية التي خططت للقضاء علي حركات التدين في التاريخ. وبمقايسة منهاج التفكير المعاصر المجبول بالعداوة للإسلام، كما يقول هشام جعيط في أوروبا والإسلام ، بالوقائع التاريخية المتطرفة، يتبدي العقل الغربي المحبط من اخفاق التجارب الاستعمارية والماركسية والعِلمانية، مصاباً بالهوَس وبالهستيريا إزاء مانِعِيَة الإسلام وارتفاع نِسب التدين وحصانة القرآن بوصفه منافساً حضارياً.
لقد تحولت الأنوار الغربية التي كانت تتباهي بنيوتن وهوبس وبفولتير وديدرو وروسو، وبالنظريات الليبيرالية التي ملأت ساحة الحداثـة باعتبارها ـ من وجهة نظرها ـ بديلاً عن الظلامية المسيحية المُعادية للفلسفة وللفلاسفة، إلي نظام إقطاعي مُغلق، بعد خُسوف العقل ، وهيمنة الواقع التكنولوجي علي مقدرات الفكر الإنساني، فصار الكائن الغربي يتوهم أنه يقبض علي الحقيقة. وتوسع خياله، فأخذ يفرض علي الناس نظام فهم للحياة الدنيا وللآخرة. غير أن هذه الميثولوجيا سقطت، واكتشف المواطن العالمي مخاتلات الحداثة ويوتوبيا التحرر ووهم المدينة الفاضلة. ولم يجد خفراء العالم الجديد من إمكان للهيمنة سوي التهريج الثقافي والتمويه بالصورة داخل البازار الإعلامي الذي تقمص ثياب الموضوعية والعقلانية، وحول العالم إلي سوق كوني تُعرض فيه كل المزادات والمزايدات العلنية. وهذه نتيجة طبيعية لمقدمة غير طبيعية.
فالصهيونية تُعربد منذ عقود في هذا القِطاع الحساس: تُمارس الابتزاز والهيمنة، وتعبث بالرأي العالم العالمي، وتكرس المْيز الديني، والعنصرية التاريخية. لقد فضح الجنرال دي غول الذي حكم فرنسا من عام 1959 إلي عام 1969، الازدواجية والانتقائية التي تكبل حرية الإعلام الخاضع للتوظيف الصهيوني، وذلك حين تحدث عن اللوبي الموالي لإسرائيل، والذي يمارس تأثيره في مختلف المجالات، وبصفة أخص في الأوساط الإعلامية، كما كتب ذلك غارودي في الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية (الطبعة الفرنسية، ص 213). وأفاد غارودي بأن الإيديولوجيا الناظمة للإعلام العالمي، هي الصهيونية المتغلغلة في عالم الأموال والأعمال والسياسة من فرنسا إلي أمريكا. إذ لا مجال لأي نجاح اجتماعي دون بركات منها وسلام واستسلام بمصالحها ولأطماعها اللامتناهية. وتبدو الحمي الصهيونية أكثر ما تبدو عارية ومهتوكة الأستار في الانتخابات السياسية، فلا إمكان للترشح إلي الرئاسة الفرنسية، يقول غارودي: مهما كان الانتماء الحزبي، وسواء كان المترشح جاك شيراك أو ميتران، إلا بعد الذهاب إلي زيارة إسرائيل طلباً للحظوة الإعلامية (ص 213). لقد نجحت هذه الإيديولوجيا في أن تكون فزاعة تنشر الرُعب، وتزرع ثقافة الخوف بطريقة دستورية لدي مختلف النُخَب والقوي المدنية والعلمية. في شهر ايار (مايو) من عام 1990، صوت البرلمان الفرنسي من أجل تنقيح قانون حرية الصحافة الذي يرجع تاريخه إلي عام 1881 بما ينسجم والرغبات الصهيونية القمعية. صار لِزاماً علي المفكر ألاَ يفكر، وعلي المؤرخ أن يكتفي بالرواية والنقل دون تحقيق أو تمحيص، لأن القانون التشريعي الجديد يحرم ويجرم كل من يقوم بالنقد أو بمجرد المراجعة للتاريخ اليهودي.
إذن يصير محل تتبع قانوني، ويُضاهَي بالعنصرية، ويوسَم بالانحياز إلي النازية (غارودي، ص 219 ـ 220)، كما حصل مع المفكر البريطاني David Irving وعمره 67 عاماً، فقد حُوكم في النمسا في 21 شباط (فبراير) 2006 من أجل مناقشته للمزاعم الصهيونية المتعلقة بغرف الغاز النازية وبعدد المقتولين فيها، وسلطت عليه عقوبة السِجن لمدة ثلاث سنوات، ولو لم يفعل لسُجن من 10 إلي 20 عاماً.
المؤسف، أن هذا الوجه العنصري المتوحش نجح في اقتناص الكراهية وعوامل الصِدام الحضاري لتجييش الكائنات وعسكرة العالم، وتأليب العقل الغربي ضد العقل الإسلامي بما يمارس من هرسلة إعلامية علي المتلقين، وبما تطبعه في الأذهان من صور نمطية تتردد وتتكرر بشكل ثابت، تقدم نمطاً جاهزاً ومقولباً يكرس الشائعات المنقوشة في المِخيال الاجتماعي، وقد تكلبس فيه الاعتقاد بأن رجل الصحراء العربي قادم ليَدْهَس إنسان الحداثة ويفجر الحضارة بأعماله الإرهابية. كثيرة هي التراكمات التشويهية التي اختزنها العقل الغربي، واختزلها في تصنيفات ساذجة تتحرك داخل فراغ منهجي لا ينبت إلا العمي الإيديولوجي.
فمن توماس الأكويني (أبو الكنيسة اللاتينية) الذي ينعت المسلمين بالكفار والملحدين والزنادقة، إلي دانتي الإيطالي (نموذج الإنسية المسيحية القروسطية) الذي يتهجم في الكوميديا الإلهية علي مقام النبوة، إلي الطابور المعادي من المستشرقين، وإلي صُناع الثورات العالمية مثل كارل ماركس الذي كان يحرض الغرب في الخمسينات من القرن التاسع عشر ضد الدولة العثمانية الإسلامية.
إذا جمعنا هذا العدوان الفكري مع العدوان العملي وهو الاستعمار الذي جثم علي صدر الأمة الإسلامية قرنين من الزمان وما يزال، وجدنا من الطبيعي أن تمتد الأيادي بالرسوم والصور التي تستهدف النبي محمداً صلي الله عليه وسلم بالإهانة. كان البازار الإعلام الغربي يقدم إلي الناس صورة العربي المسلم في شكل خليجي داعر وعربيد، وكنا نبارك هذه الإهانات الكاريكاتورية لأن الأمة العربية كانت منقسمة إلي شعوب غنية استكبارية، وأخري وضيعة ليس لها من الأمر شيء سوي معاينة الفساد والفوضي والدمار الأخلاقي الذي تستبيحه الغطرسة البترولية، ولم يكن أحد ليدرك أن هذا الكاريكاتور المُزري سيلصق يوماً بشخص النبي الطاهر الكريم في محاولة لازدراء الأمة الإسلامية التي هانت علي نفسها وعلي العالم.
الرسام والرسول
ما كان محمد عليه الصلاة والسلام حائداً عن أصول التعامل الإنساني الموزون. لقد كان صانعاً لمكارم الأخلاق، وداعياً إلي الخير بإذن الله وسراجاً منيراً. لم ينفك هذا النبي الكريم يقدم نفسه إلي أهل الكتاب من النصاري واليهود بوصفه أخاً لجميع الأنبياء السابقين، يرفض التفرقة والميز الديني والتمايز علي أيٍ منهم وعلي أيٍ من أتباعهم، لأنه معني بإحالة الخطاب القرآني إليهم. فالإسلام كما يقول ماكسيم رودنسون، رسالة عالمية تقدم النص الشرعي إلي الناس جميعاً، وكلهم مدعوون إلي الانخراط في مبادئه مهما كان انتماؤهم الوطني والاجتماعي. وضروري التأكيد علي أن الدِيانة الإسلامية تقدم لأتباعها مشروعاً اجتماعياً، وبرنامجاً حياتياً متكاملاً. وهذه خصوصية إسلامية تمايزه عن المسيحية وعن البوذية، يخطئ الغربيون حين يتجاوزونها لينظروا إلي الإسلام من منظور مسيحي.
ليس من قبيل الصُدفة أن يستحدث الرسول الكريم لأرض يثرب صفة حضارية فيسميها المدينة بمعني المدنية والمدينية في إطار عُمراني ودستوري اندمجت فيه مختلف الكِيانات والطوائف ضمن عالم روحاني متوحد، وقد كانت من قبل لا تُقيم علاقاتها إلا بالتنافر والتجاذب والاقتتال الداخلي. إن لحظة الهجرة النبوية هي لحظة المصالحة مع الذات الإيمانية الكلية (أهل الكتاب).
( يتبع)
-------------
د. محمد أحمد الخضراوي