عام 2050م
حائط أبيض طويل خالٍ من الزينة، يمتد إلى ما نهاية أمام عيون سوداء، ترف أهدابها الطويلة كلما مر بقربها أحدٌ ما، صوت الأحذية السائرة بجانبها، لونها الأسود المناقض للملابس المتشابهة بلونها الفاتح، والعيون البارزة من تحت الأقنعة، حتى تكاد لا تميز أصحابها، لقد باتوا متشابهين منذ زمن لم يعد يذكرهُ البعض، ألم يكن زمن الأجداد، أكثر حرية، هذا ما نادى به رجلٌ وقف أمام بوابة رمادية عريضة، منادياً بصوته الجهوري:
-أريد حريتي..
وهو يزيل قناعه عن وجهه، ليظهر لهم وأمام العلن يعلن تمرده، لتظهر نظرة الفزع على محيا الجالسين في تلك الردهة، ردهة المستشفى التي وجدت لاستقبال كم هائل من البشر العليلين، ما الحرية؟ إنها تلك الكلمة الممنوعة من قاموس العالم، حينما تنطق حروفها الأربعة تطل العيون مستنكرة، على انها الوباء نفسه الذي يجتاح العالم ولازال يزوره في كل سنة، والوبال الذي جلب الدمار للعالم...ما أن يلبس أحدهم الحرية، حتى يتمرد العالم عليه، هل كانت الحرية قفصاً؟ لقد كانت بنظرهم قفص يحبسك في دائرة عدم الفهم، لا يجب أن تفهم، يجب عليهم أن يفهموك ما معنى الحياة في هذا العالم، لأنك لا تمتلك المقومات التي يمتلكونها...
سرعان ما سُمع صوت أحذية رجال الأمن بملابسهم الرمادية، الذين تدرعوا بدروع حديدية، ووضعوا على وجوههم أقنعة كلون ملابسهم، تعلوها مضخة لتنقية الهواء... رفع الرجل ذراعيه إلى الأعلى محاولاً الاحتجاج وصد هجومهم عليه، ولكن محاولته باءت بالفشل، لقد تم طرحه أرضاً وتكبيله بالأصفاد، وأخذه بعيداً عن عيون المشاهدين الذين تعودوا على هذه المناظر... واعتبروا من يقدم على هذا مجرد إرهابي...مختل، يخالف قوانين العالم المحصن الذي يعيشون فيه!
تتأرجح قدمان صغيرتان بحذاء أسود وجوارب بيضاء من على مقعد حديدي، تمسك يديها جوانبه، تحدق بالسائرين والآتين، بينما يسترق رجلٌ يجلس في الطرف المقابل، النظر دون خجل إلى المرأة الجالسة بقربها، يرفع يده إلى لحيته السوداء التي ظهرت من أطراف القناع، ليعيد النظر حوله.. تنقل نظرها إلى الممر الطويل، يأتيها صوت سحب حذاء، نغمة رنين هاتف اشعاعي، ثم رائحة عطر نفاذة، يتجعد منها أنفها الصغير، تعيد نظرها إلى والداتها الجالسة بجانبها، وفي عينيها النظرة نفسها، تلك النظرة الباردة والمعتادة على كل تلك الأشياء، على الروائح، والأشكال والنظرات...
من بين الغرف العديدة، التي امتدت في ذلك الرواق الضيق، كتب على أبوابها بتسلسل أرقام إلى عشرة، خرجت ممرضة، برأس مغطا بقبعة زرقاء قطنية، وقناع معدني بارز يغطي عيناها بغطاء شفاف، أما فمها فبرز عليه شيءٌ أبيض كمروحة منقية للهواء، نادت باسمها:
-لين خلفان...
التقطت والدتها يدها، مشيتا إلى الغرفة رقم ثلاثة التي خرجت منها تلك الممرضة وظلت واقفة تنتظرهما، ومع كل خطوة، كانت الفتاة تشد يدها من والدتها، تنظر حولها بترقب، لعل ذلك الوجه يظهر قريباً كالعادة، ولكنه لم يظهر، فأرخت دفعاتها، لقد جاءت اليوم لأجل الفحوصات الدورية، التي لازمتها منذ ولادتها الغريبة التي لم تفهم حقيقتها في هذا العالم المخيف، لقد سمعت والديها مرة خفية منذ سنوات، في ليلة شتوية باردة، لا صوت يسمع فيها إلا صوت صافرة القطار الصاخبة، استيقظت من النوم مفزوعة على كابوس، كان بطله ذلك الطبيب، همت بفتح الباب عليهما، توقفت أصابعها الصغيرة على المقبض وهي تسمعهما يتحدثان عنها:
-كان حملها صعبٌ جداً، لا يمكنني المجازفة مرة أخرى مع اصرارهم ورفضهم للحمل الطبيعي، سوف يخضع الطفل للتغير الجيني، بزعمهم، لكي يعيش بعيداً عن الأمراض... إن حال "لين" لا يعجبني.. في كل مرة تعود من الحجز، وقد فقدت وزناً، وظهرت عليها آثار الرضوض، رادين الأمر إلى حالتها الصحية بعد الفحوصات الدورية وتدهور صحتها، إلى جانب أنه لا يمكننا الاطلاع على نتائجها... بسبب جهلنا...
اخفضت صوتها خائفة من تلصص أحدهم عليهما، بعد أن تأكدت من اغلاقها الكامل للهاتف الإشعاعي:
-لا يمكننا الثقة في الأطباء فأكثرهم من الدجالين، ولو حملت بطريقة طبيعية فسوف يتم محاكمتنا واسقاط الحمل بدعوى التشوهات الجينية الوراثية..
ظلت يدها على المقبض، وعيناها تنظران إليهما من فتحت الباب الموارب، كان عقلها يفوق عمرها البالغ الثامنة بمرات، لقد فهمت ما يقصدانه، لقد فطنت منذ زمن لحقيقة ما يحدث لها، ولكنها ارتأت الصمت، لقد وجدته السبيل الوحيد للنجاة واخفاء نفسها به، هي لم تصارح والديها يوماً بما كان يحدث لها، بسبب التهديدات، التي تم ممارستها عليها منذ طفولتها المبكرة من الطاقم الطبي الموجود في المستشفى. في تلك الليلة، تركت المقبض، بالرغم من تحذريهما المستمر لها ألا تغامر وتخرج بمفردها إلى الخارج، ولكنها غامرت بنفسها وبجهل أرادت الهرب لعل هناك ملجأ لها، يبعدها عن ذلك العذاب... في كثير من الأوقات كانت تبكي... تترجهما ألا يأخذاها إلى المستشفى... في كثيراً من المرات كانت تنهار، وفي مرة انهارت تبكي بهستيرية في ردهة المستشفى بعد رؤية وجه ذلك الطبيب يخرج لها من غرفة الفحص، لعلها تفلت منه، لكن سرعان ما اجتمع عليها الممرضات والطبيب الذي حقنها بحقنة مهدئة... ثوانٍ حتى سقطت بين أيديهم كخرقة بالية... كم كان أبواها جاهلين... جاهلين بما يحدث لها...
خرجت من باب الشقة، ركضت على السلالم دون حذاء، واجهت في ذلك اليوم ظلمة الليل ووحشة المدينة، سارت بين الدكانين المنارة بإنارة صفراء، شعرها الأسود تحركه الرياح، فستان نومها القصير يكشف عن ساقيها وقدميها الملطختين بالغبار، تنظر إلى المارة بنظرة فارغة، لم تكن آبه، لقد خرجت من السجن لتواجه الحياة التي حرمت منها، لم يكن يسمح لها بالخروج، كانت طول حياتها محبوسة، أما في المنزل أو المستشفى، لخوفهم الشديد على صحتها، كانت تجهل ما بها، لم تكن مريضة، لم تعاني من خطب ما إلا بعد دخولها للمستشفى، كانت تخرج منه في حالة يرثى لها وحالة جسدية مرهقة بسبب الأدوية والتجارب. ركضت في الشارع عابرة ممر المشاة، لعلها تبعد تلك الأفكار عن عقلها، وقفت فوق جسر وبحيرة، وضعت فكها على سياجه الحديدي، نظرت إلى البحيرة الصناعية المتلألئة فوق انارة الشارع، رأت سرب بط، رفعت يدها إليه راسمة دائرة، وكأنها تريد الإمساك به، ولكن يدها أطبقت عليه لتختفي الصورة من أمامها، وضعت خدها على السياج ملتفة بعد أن تناهى إلى مسامعها صوت ضحك طفل مع والدته، رأتها تحت الانارة وهي ترفعه إلى الأعلى ليرمي قطع الخبز إلى البط الذي بدأ يبقبق، مطالباً بالمزيد، تساءل عقلها الصغير، هل هذا طفل طبيعي؟ أم أنه طفل متدني المستوى كما يقولون عنهم، أطفال لا فائدة من عمل التجارب عليهم، أطفال لا ذكاء لديهم، ولا مميزات كالتي لديها، طفل تتمنى لو تكون مثله، أن تعيش حياة طبيعية كسائر العالم الذي تراه في الأجهزة اللوحية، هل كان ما تراه مزيفاً؟ هل الواقع مزيف؟ أم حياتها هي المزيفة؟! تركت السياج، سارت بخطوات متأنية، وقفت أمام كشك بعد أن مرت على المتاجر والدكاكين، وشمت رائحة الطعام المشوي والمقلي من كشكات متوزعة على طول الطريق، نظرت بعينين واسعتين إلى أسياخ البطاطس اللولبية المقلية، والذرة المشوية، وشاورما الدجاج، دون أن تتجرأ على الاقتراب منه، فقط ظلت تنظر إليهم بحذر ورغبة، سرعان ما هربت عندما نظر إليها صاحب الكشك بنظرة مبهمة، وفي النهاية وبعد أن تاهت عن الطريق، جلست في زقاق مظلم وسخ، وحيدة ملطخة بغبار الشارع، وقدميها قد جرحتا من المشي الطويل، لقد تم البحث عنها بهستيرية من قِبَلِ والديها اللذان اكتشفا اختفائها فور خروجها، إلى أن وجدوها عبر تتبع الشريحة الموجودة في جسدها، بعد الإبلاغ عنها في المستشفى، لم تكن فرداً غير مهم، إنما كان كل الاهتمام مركزاً عليها، لذا تم حجزها فوراً في المستشفى لمتابعة حالتها الجسدية والعقلية... بعيداً عن عيون والديها اللذان منعا كالعادة عبر تخوفيهما بحالتها الصحية، تم حجرها داخل غرفة ضيقة، لها سرير صغير، ونافذة صغيرة غير شفافة، بكاد تستطيع فتحها، دون أيّ ملهيات، مجرد دخول دوري لطاقم الطبي، اجراء بعض الفحوصات اللزمة، لم تحاول الصياح والرفض ككل مرة عندما استوعبت أمرها، أيقنت أخيراً أن الذي يحدث لا يمكن تغيره مهما حاولت، إلا بفكرة الهرب والتحايل عليهم، ككل مرة وعندما تفعل فعلاً متهوراً يتم أخذها إلى قسم الأمراض النفسية لمتابعة حالتها النفسية، وعلاجها لكي تبدأ تجاربهم عليها من جديد....