نهضت معتدلاً في جلستي، ونطقت على الفور بأول سؤال قفز إلى ذهني: "أين كنتارو؟"
أدركت الأنثى عمن كنت أتحدث، فأومأت برأسها إلى حيث كان يرقد في مكان قريب من حيث جلسنا. انحنيت نحوه لأتأكد من حالته، فوجدته لا يزال غائباً عن الوعي ولكن يتنفس بانتظام. أدركت أن وضعه الصحي لم يكن يستوجب القلق، وأنه سرعان ما سيستيقظ حين يستعيد قواه كما حصل معي. تنفست الصعداء، ونظرت نحوها لأجدها ترمقني بنظرات مستنكرة.
"لماذا أنت مهتم بهذا الفتى بهذا الشكل؟" سألتني بنبرة استهجان وكأنما تلومني على جريمة اقترفتها. "إنه يستغلك ... بل جميع سكان هذا الكوكب يستغلونك لخوض حربهم ضد أولئك المدمرين القذرين... أليس كذلك؟!"
لم تترك لي الفرصة لأنفي اتهامها هذا، بل أردفت بنبرة هجومية وصوتها قد علا بعصبية لم أجد لها مبرراً: "إنهم محض مخلوقات حقيرة وضعيفة. لست مضطراً لتكون لعبة بين أيديهم! إنهم يزجونك في حربهم اللعينة هذه ويتركونك تواجه الموت بدلاً عنهم! أخبرني... كم من بني جنسنا واجهوا حتفهم قبل أن تصبح وحدك في هذه الحرب التي لا ذنب لك فيها ؟!"
"ليس هناك مخلوق معدن حي سواي هنا على الأرض، ولم يكن هناك سواي منذ البداية." أخبرتها ببساطة.
"أنت.. تعيش هنا وحيداً؟ " سألتني مصدومة.
"لا وجود للمعدن الحي على هذا الكوكب، فلقد جئت من كوكب آخر اسمه كنتاروس. في البداية حسبت أنك أيضاً من كنتاروس ولكنني أرى جلياً أنك لست كذلك. من أي كوكب أنتِ؟ هل هناك آخرون مثلنا أيضاً؟ "
حاولت جاهداً اخفاء لهفتي لسماع ردها. لكنها لم تقدم لي جواباً شافياً بل ردت على سؤالي بسؤال آخر.
"ما دامت الأرض ليست موطنك، فلماذا تدافع عنها وعن سكانها بهذه الضراوة؟"
"من قال لك أن الأرض ليست موطني؟ بل هي كذلك، وسأقاتل في سبيلها حتى أحميها من كل معتد أثيم."
"لماذا ؟"
"لأنني أحبها، ولأن أهلها يحتاجونني." نظرت نحو كنتارو مردفاً: "لأن عائلتي تحتاجني."
"عائلتك؟ ألم تقل أنك وحيد هنا ؟ "
"ليس تماماً، فلدي كنتارو والبروفيسور هوشي."
حدقت بي للحظة باستهجان وكأنني مجنون أو ما شابه، ثم استرقت نظرة نحو كنتارو قبل أن تتابع طرح الأسئلة. "من يكون هذا الفتى بأي حال؟ لماذا وكيف التحم بك؟"
"إنها قصة طويلة. أتريدين سماعها ؟ "
هزت كتفيها متصنعة اللامبالاة. "لست واثقة أنني أريد معرفتها... لكن أخبرني بها بأية حال."
سردت عليها قصتي منذ البداية. أخبرتها عن كوكب كنتاروس وعن مايا وقصة مجيئنا للأرض .. أخبرتها أن القلادة جزء من المعدن الذي صنعته مايا مني وأنني أحتاج للالتحام بكنتارو كي أصبح في كامل قواي. أخبرتها أن كنتارو ووالده بمثابة عائلتي، وأنني سأبذل الغالي والرخيص لحماية عائلتي وهذه الأرض.
كانت تنصت لحديثي باهتمام عميق، وما إن انتهيت حتى بدت غارقة في الذهول مما أخبرتها به. بدا لي أنها كانت في حيرة شديدة من أمرها وكأن ما أخبرتها به يعارض كل حقيقة في هذه الحياة كانت مسلمة بالنسبة لها، وكم تمنيت لو تخبرني بما يشوش فكرها بهذا الشكل.
سألت بتردد وكأنما التبس الأمر عليها: "البشر... هم عائلتك؟"
"هذا صحيح. والأرض هي موطني الثاني."
لاذت بالصمت وقد تجلى الوجوم على وجهها الجميل. طرحت عليها من جديد السؤال الذي سبق وتحاشت الإجابة عنه.
"وأنتِ... أين هو وطنك؟"
أطلت من عينيها نظرات حزن دفين اصطلت به روحها من الأعماق، ورغم محاولتها التماسك أمامي إلا أنها لم تفلح في مغالبة طوفان الأسى الذي اجتاحها. أرسلت دموعها على وجنتيها بغزارة وحرقة وقد أشاحت بوجهها قليلاً عني.
"وطني... قد ضاع منذ زمن.." تمتمت بمرارة وهي تغص بعبراتها. "كل شيء.. وكل من أعرف... كلهم قد ضاعوا للأبد..."
شعرت لحظتها وكأن شيئاً ثقيلاً قد أطبق على صدري وأنا أراها على هذا الحال. لقد سبق وعشت مثل هذه اللحظة... رأيت أمامي حزناً كهذا لا تقوى على حمله الجبال العديد من المرات... أولاها حين حمل البروفيسور هوشي جسد مايا البارد بين ذراعيه وإلى جانبه ابنه المحزون على فراق أمه... وآخرها عندما أصيب كنتارو بخيبة الأمل بعد اكتشف خديعة المدمرة التي انتحلت صفة شقيقة مايا..
لم يكن قد سبق لي أن جربت مثل هذا الشعور بنفسي لذا لم يكن بوسعي الادعاء بأنني قادر على فهمه ومشاطرة هذا الإحساس مع أحد.
ماذا كان يتوجب علي أن أقول في موقف كهذا ؟ كان الأمر سهلاً مع كنتارو... فوجودي بقربه وتحليقنا معاً في السماء الواسعة كان كفيلاً بالتخفيف عن آلامه ومواساته في أحلك أوقاته.
استرسلت في البكاء بصمت أليم لبعض الوقت. إن الاستسلام للضعف بالنسبة لمخلوق معتد بنفسه لدرجة الغرور مثل هذه الأنثى ليس بالأمر الهين، لذا سيطر علي شعور بالإحراج من هذا الموقف. ترددت قليلاً قبل أن أكسر حاجز الصمت قائلاً برفق: "هون عليك. لا أعلم ما هي قصتك، لكنني أستطيع أن أرى بأنك مررت بظروف لا تحسدين عليها."
أخذت تكفكف دموعها بعصبية محاولة لملمة كبريائها الجريح دون أن تنظر إلي. جازفت بوضع يدي على كتفها مما أجفلها قليلاً فالتفتت نحوي بعينين لا تزالان تلمعان من أثر تلك الدموع. خطر لي أنني وحتى هذه اللحظة لم أكن أعرف اسمها... كان علي طرح هذا السؤال البديهي منذ البداية!
"ألن تخبريني باسمك؟"
اتسعت عيناها بشيء من الدهشة وكأنما سألتها عن شيء مفقود. أتراها نسيت اسمها أم ماذا ؟
"اسمي هو... أثينا"
"أثينا..." رددت بلا تفكير. يا له من اسم رنان!
"مرحباً بك على كوكبنا يا أثينا. اسمي هو جونكر."
"أعرف ذلك. لم يتوقف المدمرون عن ترديد اسمك أمامي طوال فترة احتجازي عندهم."
"أخبريني أثينا... ما هي قصتك؟"
ردت علي بتوتر: " كل ما سأخبرك به هو أنني من مكان بعيد جداً... لذا لا تسألني المزيد عن ماضي."
رغم الخيبة التي خلفتها كلماتها في نفسي إلا انني قررت احترام رغبتها هذه. "كما تشائين... لن أثقل عليك بأسئلة لا تريدين الإجابة عنها. لكن أخبريني... كيف وقعتي في قبضة أولئك الأوغاد؟"
"كنت قد وصلت مصادفة إلى نظامكم الشمسي، وفجأة ظهرت لي قاعدتهم من العدم، وبالكاد كنت قد أدركت ما يجري حتى كانوا قد أوقعوني في الأسر وسيطروا علي بواسطة ذلك الطوق اللعين."
وقع بصرها على الجرح في صدري فبدا عليها شيء من الأسف، إلا أن أنفتها لم تسمح لها بالتصريح بذلك. أدركت أنها كانت في صميمها تشعر بالسوء من مواجهتنا الدموية تلك.
"لا تهتمي لما حصل. لم يكن لك ذنب في ذلك."
ظهرت علامات الارتباك على وجهها وكأنما كان إظهارها لمشاعر الأسف أو التعاطف مدعاة للخزي، فسارعت لإخفاء اضطرابها هذا قائلة بتلك النبرة المتعالية التي تجيدها: "ومن قال أنني أهتم؟ أتعلم أنني لو قاتلتك وأنا بكامل وعيي لخرجت من هذه المعركة بأكثر من هذه الجروح بكثير؟"
"هييه أنتِ! لو قاتلك جونكر بكل قوته لما كنت على قيد الحياة هذه اللحظة!"
التفت كلانا نحو كنتارو الذي فاجأنا بصراخه ذاك. قبل أن أعبر له عن سعادتي بسلامته سبقتني أثينا بقولها بامتعاض وهي ترمقه بنظرات غير ودودة على الاطلاق: "منذ متى وأنت مستيقظ أيها المزعج الصغير؟"
رد عليها كنتارو متضايقاً: "لقد عدت لوعيي للتو.. ولعلمك فإن اسمي هو كنتارو!" ثم تجاهلها ووجه الكلام إلي. "هل أنت بخير يا جونكر؟"
"أنا على أحسن حال. وأنت يا كنتارو؟"
"أنا على ما يرام." رد علي وهو يقفز إلى كفي المبسوطة إليه ثم انتقل إلى كتفي كعادته.
اختلس نظرة مترددة نحو أثينا قبل أن يهمس في أذني: "أنا مستيقظ منذ البداية وسمعت كل شيء... وكذلك أبي! لكنني لا أظنها ستكون سعيدة بمعرفة ذلك فلا داعي لإخبارها! "
كتمت ضحكة كادت تفلت مني بعد سماعي لكلماته هذه. بالطبع لن تكون سعيدة بذلك أبداً!
تابع لي هامساً: "أبي يتساءل ما الذي تنويه أثينا الآن وقد أصبحت حرة؟"
كان هذا التساؤل قد تبادر لذهني للتو. ارتأيت أن أطرح عليها ذلك السؤال مباشرة. "أثينا، ما الذي تنوين فعله الآن؟"
أطرقت برأسها مفكرة بوجوم وقد قطبت حاجبيها للحظة قبل أن تجيب. "لا أعرف." ثم أشاحت بناظريها متمتمة بصوت خفيض ومسحة الحزن تغشاها مجدداً: "ليس لدي مكان أذهب إليه."
تبادلنا أنا وكنتارو النظرات وقد تشاطر كلانا شعور التعاطف معها رغم شخصيتها المزعجة. أنصت كنتارو قليلاً لما كان والده يخبره به عبر جهاز الاتصال في خوذته، ثم قال لي: "جونكر... أبي يقول افعل ما تراه مناسباً."
شعرت بامتنان غريب للبروفيسور هوشي على كلماته هذه. لقد منحني حرية التصرف في أمر اعتبره خاصاً بي... وهذا بحد ذاته كان تجربة فريدة بالنسبة لي.
لم يكن هناك حاجة للتفكير. لقد كانت فرصتي للتعايش مع من هي من بني جنسي بدل الوحدة التي ظننتها مقدرة لي.
"لم لا تطوين صفحة الماضي يا أثينا وتبدئي حياة جديدة هنا على الأرض؟ اعتبري هذا المكان موطنك من الآن فصاعداً."
نعم. كنت قد ارتأتيت أن الحل الأفضل لهذا الوضع هو دعوة أثينا للبقاء معي بدل الانطلاق في مجاهل الفضاء على غير هدى.
رمقني كنتارو بنظرات قلقة وكأنه لم يكن يحبذ هذه الفكرة... لعله كان لا يزال عاجزاً عن الوثوق بأثينا. كان يقاوم رغبة في الاعتراض بشدة، لكنه كابر على نفسه محترماً رغباتي. ابتسمت وهززت رأسي برفق مطمئناً إياه ولسان حالي يقول أن ليس هناك ما يخشاه، فالأمور كلها تحت السيطرة.
نظر كلانا نحو أثينا منتظرين ردها على هذه الدعوة.
"كلا..." أتى ردها ببرود. "لا رغبة لي بالبقاء هنا."
"ولم لا ؟ " حاورتها بهدوء محاولاً اقناعها. "ألم تقولي ألا مكان لك لتذهبي إليه؟"
صرت عينيها وهي تومئ برأسها بحركة عصبية تجاه كنتارو. "لن أبقى على هذا الكوكب.. ليس وهذه المخلوقات تعيش عليه. ولا تسألني عن الأسباب فهي تخصني وحدي!"
أصابني الإحباط جراء جوابها هذا، إلا أنني لم أستسلم. كنت قد استخلصت من كلماتها أن كراهيتها غير المبررة لكنتارو لم تكن شخصية، فهي بالكاد تعرفت عليه. لقد كان في صدرها حقد دفين على البشرية جمعاء، بل على أية مخلوقات شبيهة بها. الاستنتاج الوحيد لهذه المعضلة هو أنها ربما تكون قد مرت بتجربة أليمة مع المخلوقات التي صنعتها فأوغرت صدرها تجاه أشباههم من المخلوقات العضوية.
"لست مضطرة للبقاء هنا على الأرض، على الأقل إلى أن تغيري رأيك. لكن على الأقل ابقي هنا في مجموعتنا الشمسية... ابقي معي على القمر إن أردت فهناك أقضي معظم وقتي حين لا أكون على الأرض."
رفعت ناظريها نحو القمر الذي كان قد أطل بنوره في السماء ونظرنا نحوه بدورنا. كان الليل قد هبط بالفعل ولم يشعر أي منا بذلك حتى اللحظة.
"لن تكون المرة الأولى التي أبقى فيها على أحد الأقمار..." تمتمت أثينا بشرود. لاحت في عينيها نظرات شوق ولوعة وكأنما مر بها طيف ذكرى من الماضي. حسبت لوهلة أنها ستغرق في البكاء مجدداً.
تماسكت أثينا ونفضت عن نفسها غبار الأحزان. نظرت نحوي بعينين براقتين. "حسناً... سأبقى. ولكن لوقت قصير، إلى أن أستجمع شتات نفسي وأقرر ما خطوتي التالية."
أومأت لها برأسي مرحباً. "ابقي قدر ما تشائين."
"لا تسيء الفهم. نحن لن نصبح أصدقاء أو ما شابه..." قالت بعنجهية بدأت أعتاد عليها. "هذا الوضع مؤقت."
أخذ كنتارو يتبرم من كلامها بصوت خفيض غير مفهوم. أما أنا فأخذت أذكر نفسي بأن هذه المخلوقة رغم أسلوبها المنفر والبغيض أحياناً إلا أن هذا كان ستاراً تختبئ خلفه لتخفي كل ذلك الحزن والألم اللذين يمزقان روحها التائهة.
ربما كانت بلا وطن تنتمي إليه، لكنني في صميم نفسي قررت أنني سأصنع لها واحداً.

