13. الجزء الأخير من الفصل الأول لفتنة. ^^
وقف يشاهد النيران تلتهم المصنع بما فيه من أموال،
أوراق وأدوات مهمة البسمة عن شفتيه لا تفارقه،
أغلق التلفاز وتنهّد براحة حتى أخرجه من تفكيره رنين الهاتف
رفع السماعة مجيباً:"مرحباً، من المتحدث؟"،
ومن الطرف الآخر قال مستبشراً:"أخي أرأيت؟ أرأيت؟".
ــ ماذǿ.
ــ أعلم أنك الفاعل، أيها الماكر
ظننت وعودك واهية تباً لك كم أنت رائع.
ــ وعودي ولا أخلفها وإن طال بها الزمن.
وما إن قال جملته الأخيرة حتى امتعض من حاله
مستذكراً قولها حينما وصفته بكلب لا يفي وعوده،
أخرجه من تفكيره وامتعاضه صوته الهادئ
قائلاً:"أخي، أأنت معي؟ ما الأمر؟".
ــ لاشيء فقط شردت.
ــ حسنا، والآن طمئني كيف حال المحبوبة؟
ــ لا تسأل أرجوك.
ــ لماذǿ ماذا حصل؟.
ــ فقط.
صمت لبرهة وأتبع:" لاشيء غيّر دفّة الموضوع"،
أجابه أخاه من خلف الهاتف مستنكراً:"أمتأكد؟"،
تنهد برهة واستنشق عليلاً
ليزفّ من بعده آهات ألمه مما كان
فقال صفوان مصطنعاً:"يجب أن أذهب الآن
هناك أمر نسيت اتمامه"،
فأغلق الهاتف حتى علا السواد شاشته
ورماه بعيداً عنه وأغمض عينيه معتصراً علّها تغفو،
فالتفت ببصرره للباب حيث تقبع خلفه
وهمس قولاً:"الفراق يا نفس وإن طال
سيحين الفراق، وكلّنا مفارق لمحبوبه".
*****
خرج من أحلامه الفارغة على طرقات الباب
المختلطة بصوت العصافير،
وقف عن سريره متثاقلاً وفتح الباب
ونظر لها بتعال كاد من بعده أن يسقط عبداً تحت رحمة قلبها
وقال:"ماذا تريدين؟"،
أجابته بكره دفين حاجتها ففسح لها المجال وأشار لها حيث تذهب
وما إن توارت عن نظره غير مبتعدة من الغرفة
ألقى بنفسه جديداً على السرير يفكّر ملياً،
فتحت ذاك الباب من جديد تعلن عودتها لزنزانتها طوعاً
وهي تلقي به بنيران الحقد وشرره
وهو على حاله غير آبه لنظراتها
حتى قام من استلقائه جالساً بسرعة
وقال:"اجلسي"،
وأشار لها حيث الكرسي فجلست وهي تتنهد بغير رضا
نظر لها بتمعّن ثم سار نحو مكتبه البسيط وأخرج منه ظرفاً
احتوى فيه ما احتوى وأعطاها إياه
وقال لها بحنوّ:"لا تفتحيه حتى أقول لك والآن تعالي معي"،
سار خارجاً من الغرفة وسارت خلفه بخطا شبه متزعزعة
فوصلا لحيث غرفتها وطلب منها
أن تجمع مما تحتاج من ملابس وغيره في حقيبة
وما إن انتهت حتى سار بها نحو السيارة المتواضعة،
وسار بها بهدوء وتحفّه زقزقة العصافير وأنسام الصباح العليلة
يحاول جاهداً ألا يختلس منها نظرة ما أو حتى قبلة وداع
ولكن هيهات حتى أوقف سيارته أمام أحد المنازل
وأشار لها نحوه فحينما نزلت من السيارة
وقال لها:"حينما أرحل بعيداً عن نظرك افتحي الظرف"،
ورحل مخلفاً معها كل قلبه وما احتوى،
وبقيت هي واقفة تتأمل أثاره التي خلّفها بعده
فتحت الظرف فكان قد احتوى بمفتاح عليه رقم ما
فتنبّهت أنه مفتاح ذاك المنزل وولجت فكان متواضع الحال
بهيّ المنظر فأخذت تتجول أنحاء المنزل وترى محتواه
حتى كان في آخره غرفة متوسطة الحجم
احتوى فيها الكثير من اللوحات منها المرسومة
ومنها غير المكتلمة وكلّها موسومة باسمه هو وحده "صفوان"
أخذت تتمعن اللوحات فقد كانت رغم بساطة ألوانها
إلا أنها عميقة الفهم والمعنى،
توجّهت نحو غرفتها وأفرغت حقيبتها في خزانتها
فاستلقت على سريرها متنهدة براحة،
أمسكت الظرف من جديد وأخذت تطالع محتواه
فقد كان به من أوراقها الحكومية التي تعينها في حياتها كمواطنة،
وورقة أخرى مطويّة بإحكام فتحتها بروية خشية تمزيقها
وأخذت تقرأ ما كتب بها وكان به:
" الكلاب تبقى وفيّة وإن عضّت يد سيدها
كلانا لا يهوى الغربة وكلانا من وطنه وإليه، لك السلام ".
ابتسمت براحة وسعادة واستلقت تتأمل سقفها فأغمضت عينيها
وهمست:"السلام عليك يا حريّة الروح، قد خرج الكلب من أرضنا"،
وابتسمت بمرح وغصّت في نوم عميق لم تخضه يوماً منذ أعوام طوال.
*****