http://www.mexat.com/vb/attachment.p...1&d=1464134905
http://www.mexat.com/vb/attachment.p...4&d=1458239484
بسم الله الرحمن الرحيم
*تقرأ الفاتحة على روحها*
#
بعد أن فرغت الغرفة من الأطباء في ساعات الصباح الأولى ، أطرق جان برأسه والألم يموج بصفحتي عينيه العسليتين واللتين بدتا لوهلة قاتمتين كأنما هجرهما بريق الحياة البهيج ، بدت مقلتاه ميتتين وبالنسبة لتوأمه كانت أشباح الماضي تلقي بظلالها البائسة فوقهما ، ظلال الذكريات السوداء المرعبة !
تجرأ آيان على أن يكون أنانيا ويتمنى أمنية ظالمة ، أمنية بها من الرحمة أضعاف ما يرافقها من القسوة ، فقد دعا لوهلة ودون أن يدرك ، أن لا تعود ذاكرة شقيقه أبدا ، حتى لا يرى الموت مجددا في عينيه ، كي لا يلقى روح توأمه مكبلة بالرعب خلف عدستيه القتيلتين ، هربا من تكرار الفاجعة قبل أكثر من عشر سنوات !
لم يُرِد أن يكون بتلك القسوة ليتمنى ذلك ، بل دعا دعواته كلها رأفة بروحه الكسيرة ، فـ جان عانى بما يكفي منذ طفولته ، وهو - آيان - لا يستطيع تحمل رؤيته يقاسي الأوجاع ذاتها ثانية.
ربما فقد جان ذاكرته عن تلك الأوقات الموجعة والتي أضحى بعدها طيف إنسان ما لم يكن حطام روح ضائعة ، لكن بفقدانه ذاكرته للمرة الثانية فهناك احتمال أن يستعيد ذكرياته كلها بما فيها تلك الأيام حالكة السواد ، والتي قد تهدم ما تم ترميمه من كيانه على مدى سنوات ، وربما حطم رجوع لحظاته المأساوية جسر التواصل الذي بناه آيان بينهما خلال الأعوام المنصرمة بتكتمه على ذنبه القديم ، إن ما يرعب آيان أكثر ليس انهيار ذاته بانهيار جان ، بل ما يهز وجدانه هو الخوف من أن تفترق كفاهما بعد أن تشابكتا أخيرا !
أخذ الأمر عشر سنوات بالنسبة لـ آيان حتى شعر بأن توأمه يضع كفه بكفه دون خوف من تركه - آيان - لها فجأة ، فبعمر السادسة أو قريبا من ذلك ، كتب جان سؤاله المعذب على البطاقة الصغيرة المصبوغة بلون أوراق الخريف ، ذاك السؤال الذي وقع في قلب آيان موقعه المميت ليتركه مثقوبا مثقلا بالذنب.
” آي ، في ذلك اليوم بالسوق الكبيرة ، لمَ تركت يدي فجأة ؟ لمَ تخليت عني ؟ “.
كلاهما كان طفلا صغيرا يفترض به أن يعيش براءة طفولته وبهجتها ، لكن جان فقد صوته وتهشمت روحه ، وما بقي كان مجرد كسرات مبعثرة استغرقت أعواما حتى لُملِم شتاتها ، وآيان ، قتله ذنبه في تلك السن الصغيرة جدا وقبل حتى أن يبدأ إدراكه لمعاني الذنب وتأنيب الضمير !
كلاهما ، عاش طفولة قاسية !
جلس آيان على الكرسي إلى جوار سرير المشفى حيث يستلقي شقيقه مسندا كتفيه إلى الوسائد البيضاء خلفه وهو ينكس رأسه محدقا في الغطاء الأبيض الخفيف الذي يغطي جسده المنهك وأصابع كفه اليسرى تلاعب أطرافه ببطء ، لن يلومه أحد إن باح بكراهيته اللون الأبيض فقد كان مبيته بالمستشفى سببا لمشاعر النفور هذه !
زم آيان شفتيه مكافحا تمرد عينيه ببالغ الصعوبة ، رؤية روحه على هذا النحو المأساوي تعذبه إلى حد يرغب معه في التلاشي ، كابد لرسم ابتسامة باهتة على شفتيه لعله بذلك يواسي شقيقه في مصابهما ، بالأحرى ، يواسي نفسه في مصابه هو !
انحنى بجذعه للأمام مقتربا من توأمه ومد أنامله نحو ذقنه الأمرد ليرفع وجهه برقة ، زم جان شفتيه ومقلتاه تعاندان رغبة شقيقه أن ينظر في عينيه ، لكن عناده تكسر بسهولة حين قابل عدستي آيان الحانيتين ، أن يبصر الشفقة في مقلتي آيان كان آخر ما يفكر به ، وربما أسعده أنه لم يجدها مندسة بين ثنايا الحكايات في حدقتي توأمه الذي تأمله بحب واهتمام كبيرين ، اتسعت ابتسامته المحبة رغم العذاب الذي لاح على تقاسيم وجهه الشاحبة التي اجهدها السهر ، رفع كفه إلى وجنة جان ليربت عليها قائلا برقة:
You will be fine Jaanam...مغŒں تمہارے ساتھ ہوں...(ستكون بخير يا روحي ، أنا معك...)
بحلق به جان باكتئاب وما لبث أن أشاح بمآقيه نحو النافذة مقوسا شفتيه المزمومتين للأسفل والحزن يغزو تفاصيل وجهه الذابلة ، لم يحب أن يبدو ضعيفا مهزوما ، لكن لم يكن من خيار آخر أمامه ، خانت دمعة سلطته وفرّت من مسكنها لتنحدر على وجنته اليمنى وهو يتنهد عائدا برأسه للخلف وكان من شأن دمعته تلك أن تفطر كيان شقيقه إلى جزأين متفرقين ، تمردت عبرة آيان على خده هو الآخر ، لقد هزم ، وأعلنت شهقته خسارته !
التفت جان ناحيته وعلى تقاسيمه مسحة صفراء من القلق المصحوب بالإرتباك ، لم يتذكر أي شيء حتى الآن لكنه يدرك أن آيان شخص عزيز عليه جدا ، وإلا ما كان قلبه ليخزه بذاك الشكل المؤلم وهو يبصر وجهه المحتقن وارتعاشة جسده...وتلك العبرات الصادقة !
أفلتت من بين شفتيه شهقة أخرى شعر آيان أنها تقتلع روحه معها ، كان صدى صوت والدته العذب يتردد في أذنيه بجملتها " آي ، امسح دموعك حالا ، كن قويا فالرجال لا يبكون " ، لم يكن قد بلغ السادسة حين وقف أمام باب غرفة توأمه بالمستشفى بآيبات آباد مكفكفا بيديه الصغيرتين دموعه التي ترثي حال شقيقه النائم خلف الباب على سرير المستشفى ، كما اللحظة !
لم تكن والدته مخطئة بالطبع ، فقد أرادت له أن يغدو قويا صبورا لا هشا تكسره أي نازلة ، لكن كلماتها تلك أثرت به على نحو خاطئ ، فقد أدى به الكبت إلى الإنهيار دائما وجعل منه سهلا قابلا للإنكسار !
وهذه المرة كانت من مرات انهياره الصعبة ، من المرات التي أدار فيها أذنا صماء لكلام والدته وأجهش بالبكاء ، سمح لنفسه بالتحطم أمام جان ذلك إن لم تكن نفسه من سمحت له بذلك خائنة عزيمته على الصبر والتجلد أمامه على الأقل !
قطب جان جبينه والخوف يعجن وجدانه الذي اضطرب أكثر لرؤيته شقيقه ينهار هكذا لكن كلماته لم تسعفه وأصبح قاموسه فجأة خارج التغطية ، عذبت مسامعه شهقةُ توأمه الثالثة وكلماته المتقطعة التي زاحمتها دموع مرارته حين تكلم بانهيار مطأطأ الرأس حيث خذلته جرأته فلم يقدر على النظر بوجه مرآته:يا الله جان أنا آسف...أنا آسف...أنا تسببت بهذا لي... لنا...أنا كنت دائما السبب وراء مصائبي... منذ الطفولة...منذ الطفولة وأنت تعاني لأنني أحمق غير مبالٍ... لولاي لما كنت هنا الآن...أنا من يفترض به أن يكون على هذا السرير مخلوع الكتف لا أنت...أنا لم أستطع الوفاء بوعدي لي وخذلتني للمرة الثانية...لو أنني سمعتني وهربنا من البيت قبل أن تحل بنا الكارثة لما كان لكل هذا أن يحدث... أنت في المستشفى من جديد بسببي...لقد...تركتُ كفي مجددا بعد أن أقسمت على أن لا أفلتها مهما حدث...تلك المرة تركتُ كفي... فأصبحتُ أبكما...وهذه المرة...يا ربي أنا أخرق لم أصدقني...لم آخذ بكفي وتركتها... فأصبحتُ...فاقدا للذاكرة للمرة الثانية...أنا آسف حقا...ليت أسفي يجعلني قادرا على التذكر... ليتني أستطيع إصلاح ما كسرته...حتى بالماضي...أنا دمرتني بالكامل تبا لي...أنا أحمل هذا الذنب اللعين مذ كنا أطفالا...لم أكن مرة قادرا على حمايتك...رغم أنني قطعت على نفسي عهدا بذلك...لكنني لم أفي بعهدي...أنا لست أهلا للوعود...أعلم أنك تكرهني...أنا أيضا أكرهنـ...
قاطعه جان وقد أنهكت دموعه وجنته اليمنى:لوجه الله توقف عن إيذائي...توقف ارجوك...
كان يراقب شقيقه مشدوها والذهول يتملكه فيما يسمعه يتكلم بذلك الإنهيار بينما يشعر بفؤاده يشتكي ألما لا يطاق كأنما يثقبه مثقاب عملاق ، كان آيان يتحدث بشكل متقطع ويبلع ريقه ويتنشق أنفه على نحو أثار ألم جان ، وعندما وصل مرحلة الكراهية أحس الأخير بقلبه يكاد ينشق نصفين ولم يستطع تحمل المزيد من الأذى وطالبه بالتوقف.
حرك ذراعه اليسرى السليمة نحو كف آيان ليبعدها عن وجهه المحتقن مجبرا إياه على رفع رأسه ليلمح الذنب يسطر تعابيره المعذبة ، تأمل لبرهة خيال الإثم يسكن حدقتيه ثم شد أصابعه على كفه كابحا ألمه ، قال بنبرة راجية والمرارة تندس في صوته المهزوز:أنا لا أذكر أي شيء مما تتحدث عنه بعد...لكنني أدرك أن ما تتفوه به يؤذيني كما يؤذيك...أنا لا أدري ماذا كنت لأشعر تحديدا بهذه اللحظة لو لم أفقد ذاكرتي...لكن... لكن شيئا بداخلي لا أدري كنهه يجعلني واثقا أنني ما كنت لألومك على شيء...
قاطعه آيان بأسى صاحب نحيبه وهو يسحب أنفاسه سحبا وعيناه العسليتان ترقبان الأرضية:نہغŒں کرتے تهے...مجھے كبهى بليم نهى كيا...(لم تكن تفعل...لم تلمني ولو لمرة...)
ارتخت أعصاب جان المشدودة فهز رأسه مزيحا حدقتيه للأعلى وابتسامة مرارة ترسم نفسها على شفتيه الباهتتين ، قال بارتياح وعبراته تتسابق للنزول على وجنتيه:ولم كل هذا وأنت تعلم أنني سأسامحك...؟
أردف وآيان يحدق به مترقبا وقسماته الآسفة ملفعة بالذنب:کچھ بدل نهى هوا...کچھ بدل نهى هوگا آي...(لم يتغير شيء...لن يتغير شيء آي...) والله...ربما فقدت ذاكرتي لكنني لم أصبح شخصا آخر...إن كنت أسامحك في السابق فسأظل أفعل...
always will forgive you Jaanam...I always will...(سأسامحك دائما يا روحي...)
سالت دمعة يتيمة على خده حين تابع بمرارة وعدستاه تحملقان بمآقي أخيه بشيء بدا أشبه بالرجاء:يقيني أن لا ذنب لك على الإطلاق...أنت تحمل نفسك ما لا طاقة لك به...إنني أشعر بذلك...
هز رأسه للجانبين ببطء وآيان يرمقه بنظرات مذهولة شابها شيء من الحيرة وجان يكمل:لا تعذب نفسك بذنوب لم ترتكبها...لا تقتل نفسك هكذا...
أخرسه آيان باحتضانه المفاجئ له وكلمته الوحيدة تضيق بشهقاته المتمردة:I'm sorry...(آسف...)
رددها عدة مرات وذراعاه تشدان على عنق توأمه الذي تمتم غير قادر على مقاومة رغبته العارمة في البكاء:
Don't apologize...مجھے سزا دے رہے ہو...(لا تعتذر...اعتذارك يعذبني...)
أحس جان بدفء وجود آيان حين عانقه ، لربما لأن روحاهما من تعانقتا لا جسداهما ، وكان ذلك الإحساس وقتها مألوفا له بطريقة مبهمة.
ربت على كتف آيان للحظات ابتعد الأخير بعدها عنه مغمغما بتوجس كان لأماراته أن تتحكم في لغة جسده المتصلب:آلمتُك ؟
لاحت ابتسامة انكسار باهتة على شفتي جان فضغط آيان شفتيه وضميره يؤنبه ، مد كفه نحو جان ليستقر بها فوق أذنه مربتا عليها بدفء وشفتاه تنطقان مطمئنتين:سيعود كل شيء إلى طبيعته قريبا بإذن الله ، لا تقلق حسنا ؟
تغير الدفء في وجهه ليحل الإرتياب محله عندما لاحظ تقطيبة جان وملامحه المتألمة فصاح بخوف:كيا تم ٹھغŒک ہو ميرى جان ؟ (هل أنت على ما يرام يا روحي ؟)
أمسك جان بيسراه رسغ توأمه ورأسه يكاد ينفجر من الألم فأغمض عينيه مقطبا جبينه مما حدى بشقيقه المرعوب أن يسأل والوجل يقتحم صوته: جان يار ( جان يا رفيق ) قل شيئا أخبرني ما الذي يجري ؟ جان !
تهاوت كف المعني لتستقر على السرير وأنينه المتوجع يطرق فؤاد آيان لا مسمعيه ، قفز من مجلسه هاتفا:سأنادي على الطبيب...
ثم ترك الغرفة راكضا وجان خلفه يلاحق طيفه بعينين شبه مغمضتين ورؤيته مشوشة بسبب الألم ، دس حدقتيه خلف رموشه وصور ما تلوح في مخيلته ميز منها سوقا كبيرة اصطخبت بالمتسوقين والمارة ، ثم طفلين يشبهانه ، كفان متشابكتان ، وشفاه أحدهما تتحرك بكلمات لم تصل أذنيه وظلت حبيسة ذاكرته الضائعة ، وأخيرا رأى الأنامل الصغيرة المترابطة تفترق فجأة ، ثم انتهى كل شيء !
مثل عاصفة بدأت ثم هدأت مخلفة وراءها دمارا ما كانت لتبالي به.
-

