استدرت بقوة نحوه والفزع يتفشى مؤلما في قلبي وكأنه ظهر من العدم.. ثم تصلبت في بقعتي أراقبه بجمود في ظل الإضاءة الخافته التي جادت بها أنور النُزل الخارجية على الغرفة المظلمة.. سار نحوي بهدوء ولم أتخوف منه أو أحاول الهرب من مواجهته عكس ما سولت لي نفسي طيلة النهار.. وحين أصبح قريباً بما فيه الكفاية بحدود اللباقة رفع يده بوشح يخصه وأراد أن يضعه حولي.. اعترضت يده برفق وقلت بما تحصلت عليه من دماثة ورفق:
- حسبك..
كان صوته يشبه صوتي ومشاعره التي انعكست فيه تكاد تتحدث عن مشاعري المختلطة حين قال بكآبة:
- لنتحدث ياصوفي، فلن أطيق ليلة أخرى تشبه الأمس في عذابها!
أجبته بصراحة خافته وأنا أعرض عن مواجهته بجانبي:
- ليست الأحوال لدي على ذات القدر من الوضوح كما هي عندك فلا تزيد من تعقيدها
فقال برزانة بها من الحزن والثقة ما فاجئني:
- سأمنحك قدر ما تشائين من الوقت فأنا واثق من قرارك، ولن أمل الإنتظار كوني طالما كنت تلميذه النجيب
واستدار قاصداً الباب فقلت عاتبة بنبرة ساخطة بعض الشيء:
- ألا تدين لي بإعتذار عن البارحة؟!
أجاب بهدوء:
- أخبرتك بالأمس أني لست نادماً، لقد سرقتي قلبي مني منذ أعوام وكان علي سرقت قبلتك الأولى منك قبل أن يفعلها أحد آخر
فقلت بإندفاع كاذب نم عن بغضي لشعوري بالتعري أمامه:
- أنت مخطئ بإعتقادك أنها كانت الأولى!
فنظر الي بوجه مصمت التعابير وقال ببرود:
- بلى صوفي.. لقد كانت الأولى بالفعل وإنكارك يؤذيني ويجعلني تعيساً إذا كان هذا ما تصبين إليه!، وأعلمي أني لم أقلها من باب الغرور في المحبة بل من باب معرفة عميقة بطباعك وأفكارك أكتسبتها عبر السنين..
افحمني رده واسكتني عن متابعة اللغو، وشعرت بالحرارة تجتاح أذناي ورقبتي الى حدٍ لاذع، ثم خرج وتركني اراقبه يسير بعيداً باتجاه البحيرة بأغرب الأحاسيس والعواطف، أرغمت ذهني على الخروج من التفكير فيما حدث عنوة وأنا استدير لأكمل بحثي عن الوشاح، ووجدته مثنياً على طاولة خدمة بالقرب من المقعد فسحبته وهممت بالعودة الى الباحة لتقديم يد المساعدة حتى لا أغرق في تفاصيل ما جرى، وكاد قلبي أن يقع من مكانه لدى دخول فيليب الغاضب و اغلاقه الباب من وراءه بسخط!..
القيت نظرة سريعة على الواجهة الزجاجية من وراءه بتلقائية وكأني أبحث عن منقذ يخلصني من هذه الورطة، وازاد هلعي وأنا أراه يشد على قبضته أمامه قبل أن يشير بها الى الوراء حيث سار جون وهو يقول مغاضباً:
- مالذي كان يفعله عندك قبل لحظات فقط ؟!
وعلى الرغم من شعوري بالخوف حيال انفعاله و تواجهنا المفاجئ إلا انني أجبته بإستياء وأنا أهم بتخطيه الى الخارج:
- لست ملزمة بالإجابة على استفهاماتك فيليب!
واستطعت بسرعة بديهة التخلص من قبضته التي كادت أن تمسك بعضدي ومع ذلك بقية عاجزة أمام بنيته الكاملة حين خف و ثبت الباب ليمنعني من الخروج.. ارهبني فعله ووجومه و تقهقرت الى الوراء للإحتماء بعيداً عنه وبدى من الواضح أن نفوري وفزعي قد أصابه بموجع حيث أنه ارخى ذراعه بهدوء ودهشة ثم قال:
- صوفي مالخطب هنا!
ولاحظت أن جسدي كان يرتعش فعلاً وتبعه دموعي فقلت والخجل يزيد من شعوري بالإهانة في حضرته:
- لماذا تجعلني أتخبط في شعوري بالقلق والخوف في تعاملي معك ببعض أساليبك!، أنا لا أطيق العيش بهذه النفسية، ليس لمدة أطول فيليب فدعني وشأني أرجوك
وأخترت الخروج من الباب الذي يصل المكتب بجلسة الإستقبال الرئيسية هذه المرة فلم يعترض طريقي أو يحاول إيقافي على الإطلاق ولا أظنه يتمادى في جرأته أكثر مما فعل.. هذه هي، لست بحالة تسمح لي بالتعاطي مع أحدهم أو أن أكون ذا نفع لما تبقى من اليوم، وجل ما أحتاج إليه هو الإنفراد بذاتي مطولاً ولا شيء آخر..
وفي العلية جلست الى ظهر السرير وأسندت رأسي الى الجدار بكآبة تامة، ولم تعد جرعة السعادة عصر اليوم كافية لتسليتي وإلهائي عما أخوضه من صراع بينهما، فالإحساس الذي يعتريني كان بمثابة جلبة وأصوات تصرخ برأسي في الوقت ذاته مطالبة بهذا أو ذاك، وما أتعبني على وجه الخصوص هو ذلك الصوت الذي ظل يصرخ لصالح جون بحضور ملفت، ومايزيد من غرابة المطالب هو اقتناعي التام بفيليب من قبله واعتقادي الجازم من أن حباً عظيماً سيجمعنا في نهاية المطاف بغض النظر عن ما اخترت التصريح به سلفاً بشأن تحفظاتي ضد العلاقة.. أمن الممكن أن يتمكن جون من غسل دماغي وقلبي من ثمالة الإعجاب بفيليب فيكون هو الحب المنشود! هذه الإستفسارت ظلت تهيم في عقلي ذهاباً وإياباً حتى أصابتني بالدور.
توالت طرقات خافته على الباب مجدداً وظننت أنها ريتا أتت تطمئن علي فأجبتها بالدخول بلسان ثقيل وشددت ظهري لأجفل إبان ولوج فيليب عوضاً عنها، بيد أني لم أكن بذات الرهبة منه لعارض من اللامبالاة فلم يصدر مني أي ردود فعل هجومية كانت أو دفاعية، وأظن أن ذلك شجعه على القدوم والدنو من السرير ليجلس أمامي عليه.. حولت نظري تلقائياً بعيداً عنه فقال بلطف أربكني وهو يدلك قدمي الممتده بإهمال:
- لماذا تتحاشين النظر في عيناي عزيزتي؟!

