بِيانو غارِقٌ في القاع ..
ثُمّ أصبَح الجمهورُ صامِتاً بشكلٍ مشدود على أنغامِ موسيقاهُ العذبة ، منذ البداية كان ساكِناً .. ولكن هناك اختلافٌ بين السّكوت المُندهش و الإستماع المتململ .. في الحقيقة لم يكن أيّ واحدٍ فيهم على دراية بالشّيء الذي سوف يطرق مسامعهم بعد قَليل ، أيّ في هذه اللحظة الموعودة ..
و بطريقة عَجيبة دَخل ذلك الصّبي البالغ من العُمر ستّة عشر عاماً .. أمسك بأنغام البيانو و ضغطَ بيداهُ النّحيلتان لوحة المفاتيح البيضاء المصطفّة مع الأسود القاني ، لقد كانت نغماتُهُ صادرة بشكلٍ عجيب من سمفونية كانت غارقة في المُحيط ! شَعرَ النّاسُ هناك بفقاقيعِ الهواء تخرجُ من أفواههم المفتوحة بصدمة ، المَشهَدُ المرسومُ أمامهم كانت حكاياهُ صادرة من البيانو نفسه .. هل هي فعلاً نفسُ الآلة التي عَزف عليها المُتسابِقُ الذي قبله ؟ في لحظة سريعة كانت عقولهم تتسائل كيفَ لتلك الحديدة الصّدئة أن تُخرج ألحاناً هادئة بشكلٍ عجيب ..
أجسادُهم كانت تطفوا .. و أرواحُهم تحاول أن تتماسك فقط لأن لا تضيعَ في متاهة قصّته الخُرافية .. لقد كان فقط يُعرّفهم على وجودِ ( المَاء ) الأزرق في ذاته ، ولكن كيفَ للبيانو أن يُصدِرَ هذه الأصوات وهو في قاعٍ غامِض ؟
تَغيّر المشهدُ بسرعة ، لكن المياه لازالت تتدفّق بغرابة من أنغامٍ تلك المعزوفة البَسيطة .. اقترنَ الحُزنُ الصّامت على سُكونِ ألحانه ، لقد رأوا بأعينهم البرزخيّة كَيف أنّ القاعَ قد تحوّل إلى شلّال ، كان منزَوياً بين الصّخور الأصطناعيّة وقد صَبّ بمياهِهِ الفاتحة المُنعشة على وسط مَتنِ بِركة صغيرة ، تختبأ بجانبِ منزلٍ من الخَشب و القَشّ ..
هذهِ أجواءُ موسيقاه ، عُزِفت بثماله فجعلت المخلوقات المُستمعة تَسكر مع خيالاته .. لا أحد .. لا أحد قد وعى لنفسه أنه انجذب نحو العزفِ المائي ذاك ، رجعت أرواحُهم إلى القاعة ، تحسست أجسادُهم المقاعد الباردة .. و التَمست أُنوفُهم رائِحة غُبار المُكيّف القاسي .. الأضواءُ الصّفراء المختلطة مع ألوان خشبة المَسرح .. إنّهم في وسط مُسابقة !
لم يُدرك أيّ من الجمهور أنّ ذلك الفتى كان يُمهّدهم لإنهاءِ مشهده ، غابَ الماءُ تدريجيّاً ، وكأنّ البركة قد أُفرِغت من ألوانها الزرقاء ليبانَ لونُ رُخامها .. لقد انتهت الرّحلة ..
ختمها بتنهيدة ساحِرة و بقي ساكِناً في مقعده بعد أن رفع أصابعه عَن لوحة المَفاتيح ، الجمهورُ صامت .. نَهض بعد ثوانٍ دهريّة وودّعهم بإيمائه بسيطة بعد أن وقف يُناظر وجوههم الشّاردة ، الجمهورُ صامِت .. فُتِحت السّتارة الجانبية وخرجَ مُعلناً عن انتهاءِ دوره .. ولازالَ الجُمهورُ صامتاً ..
حتّى عندما أُعلِنت النّتائج ، لم يكن اسمَهُ من ضمن الفائِزين الذين سيرَونه في الجولة الثّانية ، و السبب بسيط .. لأنّه فقط لم يَعزف سمفونيّة جون سيبيليس التي كان من المفترض أن يقوم بها كما فَعل المُتسابقون من قبله و مِن بعدِه ..
{ خربِشة عقلي المُتخلّف ..
http://im53.gulfup.com/s4d79E.gif