http://www.mexat.com/vb/attachment.p...6&d=1436047184
.
.
ما إن دخل غرفته حتى ألقى بنفسه على سرير اندرو متنهدًا بعمق وراح يحدق نحو السقف بشرود ترن في إذنه أصوات قرع خطوات ذلك الرجل على الأرض وراح يُبحر في محيط ذكرياته لترسو به ذاكرته عند تلك الأيام الخوالي , في تلك الليلة التي قرر ايدين أخذه فيها إلى منزله منزل اندرسون كارهًا تركه لوحده في منزل ذلك الرجل الذي يسمونه والده , أحب ايلك ذلك المنزل الذي يعجبه تصميمه النادر والذي يوحي لمن يدخله بأنه قد عاد سنواتٍ للوراء , إلى تلك العصور الوسطى بفخامة قلعاتها ودقة تصاميمها , كان يحب أن يلهو مع تلك الخيول وفي تلك البركة ذات التصميم المبهر , ولأنه قضى معظم طفولته في منزل اندرسون فقد كان يشعر بالانتماء نحوه أكثر من منزل واتسون
إلا أن الرعب الذي كان يتغلغل في جسده حين يسمع قرع تلك الأقدام الثابتة لم يكن يعرف له سبب , غير تلك النظرة التي رمقه بها في أول لقاء بينهم
تلك النظرة الباردة التي صدرت من تلك العيون الفضية جعلته يشعر بأنه يغرق في حمم بركانيه صهرت كل ما فيه من قوة وثقة
لم يكن قد حياه أو سأل عن اسمه أو حتى عن سببِ وجوده في منزله
بل اكتفى بتلك النظرة المخيفة ثم أشاح تاركًا خلفه ايلك الصغير شاخصة عيناه ترتجف أطرافه رعبًا
تنهد ايلك وهو يتقلب على السرير محاولًا طرد تلك الذكريات , لم يكن يملك لذلك الرجل أي ذكرى سوا تلك النظرات التي لم يكن قادرًا على أن يتحاشاها بقدر خوفه منها
أمام تلك النظرات يشعر ايلك بأنه هشٌ تمامًا لدرجة تسمح لتلك العينين الفضيتين لقتله بمجرد أن تلتقي بعينيه
هو يُدرك بأن شعوره هذا لم يكن دون سبب , هو فقط لا يعرف ما هو السبب , يوجد سببٌ قوي لشعوره يُقسم بوجوده , لكنه ببساطة لا يعرفه
شعور الخوف ذاك يصبح مُضاعفًا عندما لا يكون ايدين قربه , يشعر بأنه يقف مُجردًا أمام عدو مُسلح , ايدين لم يكن يفهم ذلك , ولم يكن ايلك قادرًا على جعله يفهم
رن هاتفه مرة أخرى فرفعه محدقًا فيه بانزعاج , كان ينوي أن يُقفل هاتفه قبل أن يلمح الرقم ليدرك بأنه ليس لاندرو بل لكيفين , فأجاب مسرعًا وهو يرتدي سماعته ليأتيه ذلك الصوت البارد
- آلمتك قدمك لذلك أخذتك للفحص , هذا سببُ تأخرنا
مرت لحظة لم يستوعب فيها ايلك ما نطق به كيفين , وقال مسرعًا بعد أن فهم أنه يخبره بالعذر الذي أخرهم , أو بمعنى أصح بالكذبة التي سيخفي بها السبب الحقيقي الذي أخرهم
- آه حسنا
ما إن سمع كيفين تلك الكلمات حتى أنهى الاتصال , فنظر ايلك متعجبًا لهاتفه
- هل هو غاضب !!
فكر قليلًا وتنهد قائلًا ببؤس
- حسنًا وما الغريب في كونه غاضب , فأنا جعلته يكذب دون رغبة منه
صمت والتقطيب يزداد بين حاجبيه
- لماذا كل من يقترب مني يصبح كاذب محترف , أولًا اندرو والآن كيفين
ظل يحدق بسكون نحو السقف قابضًا على شفتيه بشده ثم انقلب على جنبه وغمر وجهه بين يديه وما لبث إلا أن غط في نومٍ عميقٍ أيقضه منه صوت اندرو الذي كان قريبًا منه جدًا
فجأة وقبل أن يفتح عينيه شَعر بجسده يرتفع ففتح عينيه برعب لتقع على اندرو يجلس فوقه ويشد قميص نحوه والغضب يعتلي ملامح وجهه
- إياك والظن بأن تلك الكذبة انطلت علي , لماذا خرجت من المُستشفى ؟
سحقًا هو لم يُجهز الكذبة بعد
- لقد كنتُ أهرب من شخصٍ ما
فجأة وجد نفسه يقول الحقيقة ولم يدري لماذا فعل , حسنًا هو لم يكن قد جهز كذبة بعد وحتى لو كَذِب فاندرو لن يصدقه , قول الحقيقة سيكون أسهل وأكثر راحة , مرت لحظة لم ينطق بها اندرو بينما ظهر التعجب على وجهه من سرعة استسلام ايلك ثم قطب وقال متذكرًا
- هل هو ذلك الرجل نفسه أمام الفندق ذلك اليوم !!
- هاه , آه نعم هو
بطريقه ما اندرو ساعده على خلق كذبة , ظهر الشك على اندرو وقال محدقًا نحوه بعينين ضيقتين
- ألم تهدده ذلك اليوم , لماذا هربت منه !
أجاب ايلك وهو يتحاشى النظر في عينيه
- سأخبرك لكن هلّا ابتعدت عني , أنتَ ثقيل
انزعج لكنه سرعان ما ابتسم وجلس بجانبه ليقول
- ما الذي حدث بعد أن هددته , اخبرني ؟
تنهد ايلك وهو يعود ليستلقي على الوسائد قائلًا
- إنه ليسَ نفس الشخص لقد كذبت عليك !
حسنًا على الأقل سيكون صادقًا في عيني اندرو , بما أنه يعرف الحقيقة فلم يُرهق نفسه في الكذب عليه , ارتفع حاجبي اندرو ثم قطب ليقول غاضبًا
- هل تعبثُ معي , قُل الحقيقة مباشره , من هو الذي هربت منه ؟
- شخصٌ كبيرٌ أعرفه , لكنه لم يراني على أي حال فأنا هربت قبل ذلك
- هل ستهدده هو الآخر لو رآك !!
قال ذلك ساخِرًا فعقد ايلك حاجبيه وقال شادًا بيده على سواره
- انه ليس شخصًا عاديًا , هو قادرٌ على تحطيمي حين لا يكون ايدين بالجوار , لا يمكن أن أقترب منه فهو يستطيع قتلي دون أن يضطر للمسي
أجفل اندرو قائلًا برعب
- هل هو قاتلٌ محترف , ولماذا أنتَ تعرف تلك الأشكال؟!
تنهد ايلك بانزعاج
- إنه ليسَ قاتلًا , هو فقط شخصٌ مخيف , أنا لا اعرفه جيدًا إنه فقط شخصٌ قابلته من قبل
عرك اندرو جبينه بصبر
- هل تُخبرني بلغز تُريد مني حله !! , قُل شيء أفهمه
نظر إليه ايلك بحده ثم جلس مُنفعلا وقال
- أنا نفسي لم افهمه فكيف تُريد مني أن اشرح لك !
زفر اندرو ثم قال بقلة صبر
- هل تمزح معي , قلتَ بأن ذلك الرجلُ مُخيف , حسنًا , جيدٌ جدًا , والآن أخبرني لماذا تظن بأنه مخيف !
التزم ايلك الصمت وراح يفكر بحيرة , همس شاردًا
- أنا لا اعرف
انتبه للحيرة التي تعلو ملامح ايلك , وقال مستنكرًا
- لا تعرف لماذا تخاف منه ؟!
- أشعر بأنه يجب علي أن احذر منه , لكني لا اعرف لماذا , لطالما خِفت منه ومن نظراته , لكني لم اسأل نفسي يومًا عن السبب , ايدين أيضًا سألني , لم يكن يتوقع مني إجابة , لكني املك سببًا , هو فقط أنني لا اعرفه , لم يكن علي أن أخاف من كيفين كما أخافه , كيفين مُختلف , لكني لا اعرف لماذا
كان يتمتم بذلك منكسًا رأسه وقد بدت الحيرة في عمق عينيه , لم يكن يبدو كمن يجيب عن سؤال اندرو إنما بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه
راح اندرو يراقبه بحيرة شديدة , إنه يشعر بالخطر تجاه الأشخاص , لكنه لا يعرف أين يوجد ذلك الخطر ! ابتسم واضعًا يديه على كتفي ايلك وقال
- توقف عن التفكير ايلك , يومًا ستأتيك الإجابة بنفسها , كل ما عليك فعله هو أن تتبع شعورك , إن شعرتَ نحوه بالخطر فتجنبه قدر الإمكان لستَ بحاجة إلى أي سبب , فشعورك في قلبك سببٌ كافي يدفعك لتلك التصرفات
كان يركز في كل حرف من كلمات اندرو , شعر بالسعادة تطفح على قلبه , كانت تلك الكلمات هي الإجابة التي كان يبحث عنها , هو ليس بحاجة إلى سبب لتجنبه , فشعوره بالخطر بداخله سبب كافي يبرر به تصرفاته , ابتسم بسعادة وفتح فمه ليقول شيئا لكن اهتزاز هاتفه في جيبه لفت انتباهه
فنظر للرقم وابتسم محدثًا اندرو
- سوف أتحدثُ مع ايدين , شكرًا على الغفوة الجميلة التي حظيتُ بها في سريرك
قال ذلك ثم خرج من الغرفة وهو يُجيب على المكالمة ويضع القبعة الرياضية فوق رأسه
- أهلًا ايدين
- هل صرتَ على ما يرام الآن ؟
- أنا بخير
- هل قابلتَ جدي ؟
- هل تمزح , أنا لم أعد إلى ذلك المستشفى , وسوف اهجره مدى الحياة
أطلق ايدين ضحكة عالية ثم قال مُتنهدًا
- ألهذه الدرجة يفعل بك الخوف ! , حسنًا كُن مرتاح البال فجدي لم يعد في لندن , طائرته كانت اليوم
أفرج ايلك عن ابتسامة واسعة وقال بفرحة لم يستطع إخفاءها
- هل أنتَ جاد !
- وهل سأكذب عليك !
- أنا آسف لم أقصد , لكن أرجوك أن تخبرني في المرة القادمة لو جاء جدي إلى لندن , أعلم أنك لم تتوقع لقاءنا ولكن دعني أُهيئ نفسي على الأقل
همهم ايدين بكلمات موافقة ثم قال
- على أي حال , لا تنسى أن تهتم بقدمك جيدًا , ألم يسألك كيفين عن سبب خوفك ؟!
- لا لم يسأل , لا أعتقد بأنه سيسأل , بالأحرى هو لا يحتاج لأن يسأل فهو شخصٌ يعرف كل شيء
- ولماذا تظنُ أنه يعرف كل شيء !
- لأنه لا يسأل ببساطه
قال ايدين متنهدًا
- إنه لا يسأل لأنه لا يتوقع منك إجابة
- ولماذا تظن ذلك ؟!
- هو قال لي ذلك
اتسعت عيناه صدمة وقال غير مصدق
- كيفين قال لك ذلك !!
- أجل هو بنفسه , لذلك توقف عن خوفك الذي لا معنى له وابعد الغشاوة التي تعمي عينيك وأبصر حولك جيدًا
لم يعلق ايلك فقد كان بطريقة ما مصدوم , تنهد ايدين وقال مُرهقًا
- ايلك لا ترهق نفسك بالتفكير , عش على سجيتك ولا تفكر بالأمور كثيرًا , همم لا تنسى أن تدفئ جسدك فالجو ما زال باردًا , تصبح على خير

