http://www.mexat.com/vb/attachment.p...6&d=1439764125
(14)
|| الاضطراب ||
.
.
- وغدًا سيكون موعد تشييع جنازته
كانت هذه الجملة التي نزلت على مسامع ايلك كالصاعقة قد أحالت العالم إلى ظلامٍ داكنٍ لم يكن فيه مكان يتسع إليه
أسنانه التي كانت تتصافق ببعضها سكنت , تنفسه بدأ يضيق , فتح فمه ناطقًا بلسان ثقيل
- ايدين .. جنازته غدًا ؟!
- ذلك صحيح
شهق شهقة اختطفت أنفاسه
ثم لم يعد يسمع شيئًا
ولا يرى شيئًا
الدموع التي تجمعت بين محاجر عينيه صنعت بينه وبين كل شيء غشاشة فلم يعد يرى .. وراحت كلمات السيد اندرسون ترن في أذنه
ايدين مات , وغدًا ستكون جنازته , ايدين غادر هذا العالم , بالأمس كان يتحدث معه , كان يضحك ويقول له بأنه مُرهق , واليوم هو لم يعد في هذا العالم
لم يودعه الوداع الأخير كما يفعل دائمًا , وعده الذي قطعه لايلك بأنه لن يتركه وحيدًا لم يصنه , لقد غادر ايدين عالم ايلك وذهب لمكان لا تصل إليه أقدامه
ايدين رحل وإلى الأبد
انسابت دموعه الساخنة على وجهه الذي ما زال يحمل ملامح الهلع بينما تشخص عيناه لأفق غير مرئي
ضم بيديه على جسده وانحنى واضعًا رأسه بين ركبتيه ومضى يرتجف والخوف يدب في أرجاء نفسه
رحل مصدر أمانه , فمن أين له الأمان بعده , رحل من سهر لياليٍ ولياليٍ على راحته , فمن أين يجد الراحة بعد اليوم , رحل من كان يصنع له أسباب سعادته .. لا بل رحل سبب سعادته
راح يبكي ويئن بألم يجتاح جسده .. قلبه .. يؤلمه بشده
ضغط على قلبه متألمًا بينما يشهق بين فينة وأخرى
لكن صوتًا باردًا , قاسيًا ومرعبًا , اخترق تلك الظلمة الموحشة التي سكنت قلبه إلى الأبد , حين نطق بهدوء العالم أجمع
- هل ستأتي لحضور جنازته ؟
عض على شفتيه بشده , ثم نطق وكأن النطق يقتله
- لماذا .. لماذا تزف لي هذا الخبر بكل برود , ألستَ حزينًا لموت حفيدك؟! , ألستَ متألمًا لموت ايدين ؟!
- ما الذي تُريد مني فعله , أن أبكي بشكلٍ يجلب الشفقة كما فعلت ؟!
احمرت عيناه حقدًا وكأنما نار قرمزية أوقدت بداخلها حين قال مُختنقًا بدموعه
- لقد كان يدافع عنك دائمًا .. كان يخبرني أن أثق بك .. لكن أنت .. أنت .. حتى الحزن والبكاء عليه تراه مضيعة وضعف !
ضحك السيد اندرسون ساخرًا فتسارعت أنفاس ايلك حين زمجر وفي صوته بوادر الانفجار
- سأقتلك
- تقتلني! أنت !
- سأقتلك , سأجعلك تلحق بايدين أيها السافل , أقسم أني لن أُبقي على حياتك , سأجعلك تندم , أقسم بأني سأقتلك
- هه , إذن دعني أرى كيف ستقتلني وعينيك لم تجرؤ يومًا على النظر في عيني !
انقطع الاتصال فرمى ايلك بهاتفه وخلع سماعته وقذفها ثم راح يضرب المقود صارخًا بأعلى صوته
أسند رأسه على المقود ومضى في نحيبه , بكى كالطفل الذي لا يعرف كيف يعبر عن حزنه , بينما يشعر بنار تلتهم قلبه , يؤلمه بشده , يؤلمه بشكل فضيع
لماذا .. لماذا هو ما زال على قيد الحياة بينما ايدين يموت .. لماذا شخصٌ حقيرٌ قذرٌ ونكرةٌ مثله يعيش , وايدين الذي ضحى بالكثير لأجله , وفعل الكثير لأجله يموت ! .. بالطبع , بقاءه على قيد الحياة لم يعد مهمًا , سيقتل ذلك الشيطان , ثم سيحلق بايدين , فهو لم يعد يرى في الحياة أي سببٍ يبقيه على قيدها
رفع وجهه عن المقود محدقًا بعيونه التي استحالتها الدموع إلى حمراء بالكامل لهاتفه الذي يضيء برقم اندرو , التقط سماعته وأجاب , فسمع نبرة القلق في صوت اندرو الذي قال مُسرعًا
- ايلك إن الجو باردٌ جدًا والثلج يهطل بغزاره , أنا حقًا أشعر بالقلق , لماذا ستغادر اليوم فجأة هل كل شيء على ما يرام ؟ , أرجوك انتظر على الأقل حتى تهدأ العاصفة
- لا تنتظرني فأنا لن أعود
- لكن ايلك انتظر...
لم يعطيه فرصة ليقول المزيد فقد أغلق الهاتف وشغل محرك سيارته وانطلق في طريقه
. . . . .
كان يحدق في هاتفه عاقدًا حاجبيه , ما الذي حدث فجأة , تلك الملامح التي علت وجهه قبل أن يغادر لم تكن طبيعية أبدًا , يا الهي يكاد القلق يهتك به
سمع أصواتًا بالأسفل ضوضاء غير طبيعيه فألقى نظرة من خلال النافذة , كان هناك تجمهر عظيم , هل هو شجار! , ركز نظره بالأسفل فكانت فتاة ذات شعر كستنائي طويل تقف بحذر والجميع مُتحلق حولها
- تلك , إنها تلك الشرسة , ابنه صديق والدي!!
قال ذلك بعينين متسعتين ثم ركض متوجهًا للمصعد
وهناك في الأسفل كانت ميا ما تزال واقفة في مكانها محدقة بشيء من الحذر نحو أحدى الفتيات التي دنت منها ثم دفعتها لتسقطها أرضًا , فزفرت تلك الأخيرة قائلة بغضب
- ما الذي تظنين نفسك تفعلينه !
ابتسمت المعنية ساخرة وهي تشير لأحدهم بيدها , فنظرت ميا حيث أشارت وإذا بأربع فتيات خرجن من المبنى الرئيسي , قطبت وهي تنتبه لحقيبتها في يد أحداهن بينما الأخريات يحملن كتبها , وقفن أمامها وبدأن بتمزيق الكتب ونثرها فوقها , بينما هي جالسة من دون أن تُحرك أي ساكن
وصل اندرو في هذه اللحظة فاشتاط غضبًا وبدأ الشرر يقدح من عينيه وهو يرى أحدى الفتيات ترفع قدمها ثم تدوس على كتف ميا مما جعلها تلتصق بالأرض وقد قبض الألم وجهها
- كيف تجرأتِ واقتربتِ من السيد سبنسر , من تظنين نفسك هاه ! , لم يسبق أن استطاع أحدهم الوقوف في وجهي لذا اسمعيني جيدًا , سأمهلك يومان فقط , إن لم تغادري المدرسة دون رجعة فأنتِ في عداد الموتى سمعتي!
طفق متقدمًا نحوهم والنار تشتعل في عينيه
- هل تمزحين معي !
توقف اندرو في مكانه محدقًا بدهشة كبيرة نحو تلك الشرسة التي نطقت بها بملامح كالجليد ! فهيمن الهدوء على المكان في حين وقفت ميا وهي تدفع الفتاة التي كانت تدوس عليها ثم راحت تنفض الغبار الذي علق في ملابسها بينما لم يجرؤ أحد على النطق
رفعت عينيها الواثقتين محدقة بجميع من تجمهر حولها وقد احتدت عينيها الواسعتين
نطقت بصوتٍ خافتٍ محدقة نحو الفتاة الطويلة أمامها
- هي أنتِ .. تقولين بأنه لم يسبق أن وقف شخص ما في وجهك !
ابتسمت ابتسامه مائلة ونطقت وهي ترفع رأسها بثقه
- لا بأس إذن اسمعي جيدًا ما سأقوله لأني لن أُعيد قوله مجددًا , أنا لم أكن مهتمة جدًا بالبقاء في هذه المدرسة بالذات , لكن بما أنكِ تريدين مني الخروج منها لهذه الدرجة فأنا غيرتُ رأيي , أريد أن ألعب معكِ هذه اللعبة ولنرى من سيصمد أكثر
رفعت أصبعها و أشارات نحو الأرض مبتسمة بتحدي ثم تابعت وعينيها الحادتين تلتحم بعيني الفتاة
- تُربة هذه الأرض ستشهد على وقوفي في وجهكِ أنتِ ومن معكِ
نظرت إليها ببرود ثم أردفت بصوتٍ ساخر
- تذكري كلامي هذا جيدًا يا عمود الكهرباء
ثم تحركت متخطية جموع من تجمهر هناك , مرت بجانب اندرو محدقة به ببرود فلم يستطع أن يخفي دهشته وهو يبادلها التحديق , لكن الغضب سرعان ما عاد يسكن عينيه حين التفت محدقًا نحو جموع الفتيات واللاتي لم تجرؤ واحدة منهن على إيقاف ميا
شهقت تلك الطويلة برعبٍ حين انتبهت لاندرو يتقدم نحوهم وعلى وجهه سكن الغضب
لم تكن تريده أن يراها , ولم يكونوا ليجرؤوا لفعل ما فعلوه بميا أمام الجميع في حرم المدرسة لو أنهم كانوا يعلمون بأن اندرو ما يزال هنا
والذي كان قد توقف أمامهم الآن ونطق بصوتٍ مرعبٍ والشر يقدح من عينيه
- ما الذي كنتن تفعلنه بحق الـ.. ! , وتسمين أنفسكن فتيات ! , هل تجرأتن ولطختن سمعتكن بما فعلتهن اليوم بتلك الفتاة التي لا ذنب لها ! , بأي حق تغضبن لأني قمتُ بتدريسها ! , بأي حق تنمرتن عليها ! بأي حق تطلبن منها الخروج من المدرسة ! هل تُحملنني ذنب ما يحدث لها !!
بكت الفتاة الطويلة قائلة وهي تهز رأسها نافيه
- لا لم أقصد فعل ..
- وتجرئين على الرد أيضًا !
صاح بها بغضبٍ لتشهق جميع الفتيات برعب ويبدأ أغلبهن بالبكاء , فابتسم اندرو بسخرية وتابع كبركانٍ ثائر
- تلك الفتاة هي ابنة صديق والدي الذي طلب مني مساعدتها في دروسها , أما انتن فماذا تكونون بحق ! ,اسمعنني جيدًا وظعن ما أقوله لكن حلقة في أذانكن , إن فعلتن ما فعلتهن اليوم مجددًا فلن يمر الأمر بسلام كما هو اليوم , فأنا ما زلتُ أحاول الحفاظ على أعصابي , عار عليكن ما فعلتهن اليوم , أنتن عار على أهاليكن , عار على مدرستنا التي ستلطخن سمعتها بتنمركن على الفتيات الضعيفات , حتى لو اقتربت مني تلك الفتاة حتى لو اقتربت من الصف الخاص بأكمله لا يحق لكن التنمر عليها ما دمت أنا راضي بذلك , سمعتن !
استدار وغادر المكان تاركًا خلفه سمفونيه بكاء عذبه تخللتها شهقات مؤلمه أطربت مسامعه وأطفأت غليل النار التي اشتعلت في صدره
.
.
حل المساء بطيئًا جدًا على ايلك , كان يقف أمام ساعة المدينة , يتأمل عقاربها وهي تتحرك مع مرور الوقت وشيئًا في العالم لم يتغير , الناس تمضي في سبيلها والأطفال يضحكون أسفل ندف الثلج كما لو كان اليوم أسعد يوم في السنة !
وهو واقف في مكانه وقد تراكم الثلج فوق أكتافه وبلل قدميه بالكامل , بدا له الجو كئيبًا غاضبًا حزينًا مظلمًا ووحيدًا .. يشبهه تمامًا
أخذ نفسًا عميقًا فراح البخار يتصاعد من فمه لشدة برودة الطقس , أخرج هاتفه واتصل بايدين , ثم راح يستمع لرنات الهاتف محدقًا بعينين مظلمتين نحو عقارب الساعة , حتى وصل للبريد الصوتي , فتنفس الصعداء ثم نطق بصوتٍ بدا هادئًا في البداية
- ايدين , لن تصدق كيف أصبح العالم غريبًا عني بعد رحيلك , أشعر بالغربة في كل مكان , حتى في الأماكن التي تحمل ذكرياتنا , أشعر بأن العالم يرفض وجودي , وأن كل شيءٍ في عيني صار اسودًا , لم أعد أرى السماء زرقاء ناصعة تجلب التفاؤل كما كنت أراها , لم اعد أرى في القهوة الطعم الذي ينسيني همي ويخفف لي أوجاعي , لم أعد أشعر بطعم الشوكلاه لذيذًا كما كان , ايدين لماذا ذهبتَ وتركتني , قلي لِمَ لَمْ تنتظرني , يكاد قلبي يتفطر حزنًا لرحيلك , لم أشعر يومًا بهذا الألم الفظيع , أريد أن أراك ايدين , أريد أن أسمع صوتك , أنا لن أُسامح أبدًا من يجد في رحيلك أمرًا لا يستحق الحزن عليه , أنا سوف آخذ بثأرك من ذلك العجوز السافل , ثم سألحق بك فلم يعد هناك سبب يدفعني لمواصلة الحياة ما دمتَ أنتَ قد غادرتها
انتهى وقت الرسالة مع جفاف دموعه
- سأنتقم لك ايدين , سآخذ بثأرك , ثم سألحق بك فانتظرني
مسح دموعه , ثم استدار ليستقل سيارته نحو محطة القطار وكل ما يدور في ذهنه هو الانتقام ولا شيء غيره قد يشفي غليل النار في صدره
كلمات ايدين الحانية حين كان يطمئنه من نوايا جده تزيد لهيب النار في صدره , لقد كان ايدين يحاول أن يجعله يثق بذلك السافل , بالمقابل ذلك الأخير حتى حين مات ايدين لم يهتز له طرف , لم تدمع له عين , لم يحزن حتى
اِشتاطَ غضبًا وهو يرى بوابة منزل اندرسون تُفتح على مصراعيها استقبالًا له .. لم يوقفه أحد .. أيستخف ذلك العجوز بتهديده ! ,هل يسخر منه !
لا بأس , خُض في غرورك وكبريائك إلى آخر لحظة في حياتك
توقف أثناء سيره عبر الممر الحجري مُحدقًا نحو اليمين حيث بحيرة ماء كبيرة تتوسطها جزيرةٌ خضراء تحفها الزهور العطرية , يفصلها عن اليابسة جسر خشبي , وكانت على تلك الجزيرة عدد من الطاولات البيضاء التي تتحلق حولها الكراسي
ورأى نفسه يجلس على أحدها مُنكسًا لرأسه بينما وقف ايدين أمامه يوبخه على مخالفة أوامره , ثم رآه يضحك معه وهم يلعبون بالكره , ورآه يقف أمام البوابة يستقبله مع الخدم بإعداد حفلة مليئة بالشوكلاه بعد عودته من بطولة حققها .... ثم رآه في أقصى اليمين .. حيث إسطبل الخيول .. يجلس على الكرسي ويخبره .. بهدوء ثقيل .. بأن عليه العيش في لندن .. بعيدًا عنه .. وعن أمانه .. إلى أجل غير معلوم
تنفس بعمق وهو يقاوم الألم الذي أخنقه , أكمل سيره نحو المنزل ثم عبر البهو متوجهًا نحو المصعد حيث أخذه إلى الطابق الثالث نحو غرفة ايدين
دخلها وأغلق الباب خلفه ثم راح مقلبًا بصره في زواياها المُظلمة
تقدم بخطى ثقيلة وجلس على طرف السرير ثم التفت مُحدقًا بإطار الصورة فوق الطاولة
كانت صورة له يركب ظهر ايدين ويضحك , مد يده والتقطها , ومضى يتأمل ملامح ايدين الواثقة , عينيه الفضيتين التي تحدقان إليه برضا
ترك الإطار وهو يستلقي على ظهره واضعًا ساعده على عينيه لتنساب الدموع على وجهه , عض على شفته السفلية ليُخرس تلك الشهقات القاتلة
التقط الوسادة التي مُلئت برائحة ايدين واحتضنها على وجهه مُرَحبًا بها ثم راح ينتحب بشده
ظل لساعة كاملة على حاله تلك , لم يستطع أن يخرج من غرفة ايدين , كل شيء فيها يذكره بايدين , ضحكة ايدين , غضب ايدين , خطوات ايدين , صوت ايدين
عَلِق في ذكرياته حتى لم يعد يعيي ما حوله , لم يعد يسمع سوا صوت ايدين ولا يستنشق سوا رائحة ايدين
وقف مترنحًا وهو يُخرج المسدس من جيبه الخلفي وخرج من الغرفة متوجهًا نحو المصعد حيث مكتب السيد اندرسون في الطابق الثاني

