...
مررت قرب مصنع الأخشاب و نظرت إلى مدخله و لوحته المبتلة بالكامل.. كان مظلما مقفلاً. شعرت وكأني رأيته من قبل بمثل هذا الوضع , تابعت السير
حتى ظهر لي ستار الأشجار إلى اليمين , لقد اقتربت من المنزل..
أردت أن أسرع أكثر و فعلت , ولكن ألتمع البرق مجدداً و شهقت عندما ضرب المنبه جسدي بأكمله بقوة لم اعتقدها من قبل و كأني صعقت بكهرباء قوية..
زاغت عيناي وأنا أرى شيئا ما طويلاً أسوداً يقف أمام السيارة مباشرة , سأصدمه !!!
انحرفت بسرعة يساراً وأنا أحاول التحكم بها بقوة لم أفلت المقود رغم أني يدي ترتجفان بسبب كهربائية حاستي المخيفة , مالذي جرى للسيارة ؟!!.
ضغطت المكابح بقوة , ارتفع صرير العجلات و صوت آخر غريب , أقسم بأني أتحكم بها جيداً , لكنها لا تستجيب , أخذت تتزحلق كالصابون على أرضٍ ناعمة مبلله ,
وبحدة إلى جانب الطريق المملوء بالمياه ظلت قدمي على المكابح و يداي مشدودتان بقوة على المقود رأيت كل شيء يمر بسرعة خارقة .. لكنها –السيارة-
افلتت مني رغما عني , و كادت تنقلب بي رأساً... صرخت : ربــاااااه..
ارتطم رأسي بالزجاج مرتداً لأشعر بألم حارق, تذكرت حزام الأمان الآن فقط ! , تباً.. تأوهت مجدداً و تمالكت نفسي..
فتحت عيني أخيراً عندما استقرت , و وجدتني عالقة هنا أسفل الطريق بسيارتي بينما شلالات مياه المطر تهطل من كل جانب ..
رفعت يدي إلى جبيني الذي آلمني بقوة و رأيت الدماء على الضوء الخافت , هتفت بغضب : آآفف.. لماذا ؟!!.
ركزت ظهري اتنفس بعمق مجددا اتذكر مالذي جرى بحق الجحيم ؟!! , تحسست جسدي المرتجف لعلي أصبت لكني لا أشعر بشيء >>؟؟..
كان هنالك شيئا ما اعترضني.. نبض قلبي بسرعة.. الطريق خالٍ كيف ظهر لي شيئا ما أسود طويل وسط الطريق..!
هل أخادع نفسي و أٌقول بأن هذا وهم..؟! لا يمكن.. نظرت خلفي حيث الطريق بقلق... لم يكن هنالك من شيء .. لا شيء على الأطلاق..
لعله رجل ما يرتدي الاسود.. غير.. ما يمكن أن يُخرج أحداً الآن ؟!
المطر لا يزل ينهمر بنفس وقعه السريع.. تنهدت ثم حاولت اخراج السيارة من وضعها المزري .. لكن المحرك قد تعطل كلياً... جميل جداً... تبا له !!
صرخت بضيق , فتشت في الأدراج حتى وجدت المصباح اليدوي.. اخذته و خرجت تحت المطر اتفحص ما جرى ..
لقد انزلقت السيارة وعلقت العجلات الأمامية ببحر من الطين وجذع شجرة كبيرة قد وقع على الزجاج من الخلف,
يلزمني انتظار ما يخرجها..! تأوهت يجب أن أتصل بشركة التأمين لاحقاً..
اخذت هاتفي و محفظتي وفتحت الدرج لأخذ مسدسي.. خرجت أصعد الطريق بصعوبة و ألم الصدمة يداهمني. رفعت المصباح في كل اتجاه ,
لا وجود لأي شخص ..
أين اختفى ؟!. كان قلبي يقرع بقوة لا اعتقد بأني صدمتُ أحداً لقد انزلقت فقط إلى هناك.. آآآه .. ظننت بأني سأموت في حادث.. لكن حمدا لله..!.
شعرت بالحنق لقد علقت سيارتي و اصبت بجبهتي من أجل لا شيء !.. أخذت أسير على طول الطريق ويدي اليسرى قابضة على المصباح
بينما الآخرى تمسك بالمسدس المحشو.. فتشت الطريق طويلاً .. لم يكن هنا من أحد !.
وقفت جانباً تحت حماية شجرة قريبة إلى الشارع و حاولت الأتصال... كانت الاشارة تتقطع بشدة بسبب الرعد و العاصفة..
مسحت جبيني بيدي العارية اعتقد بأن الدماء توقفت.
تنهدت و سرت تحت المطر لأنظر الى الجانب الآخر للطريق , كان خلفي بقليل المصنع.. فكرت والمطر يغمرني و يقطر من رأسي ..
هل يمكن أن لديهم هاتف ما هناك..؟, هذا إن كان أحد ما هناك بهذه الساعة !.
فجأة اقتربت من جانبي شاحنة ما لم اتبينها .. فهدأت حتى توقفت. خرج منها شخص ما و هتف منادياً
_ مرحباً..؟!!
رفعت المصباح إلى وجه الشخص ففتحت فمي دهشة , وهو كذلك صدم يحدق بي.. أنه أخ شون على ما اعتقد , من وجدا "جوني" في الغابة !...
بسرعة دسست السلاح في جيبي الخلفي.
سألني بصدمة : تلك سيارتك !!.. هل أنتِ بخير..؟!
كان صوته مصدوما يحدق بي.. قلت بلا اكتراث رغم الألم في رأسي : كانت سيارة جديدة للأسف و...
_ تعالي بسرعة اصعدي سأوصلك !!
حثني بسرعة وهو يمد ذراعه نحوي , تبينت صدق صوته كما أنه ساعدني من قبل رغم أن لا اعرف اسمه أو من يكون ..
ركبت شاحنته الجافة و شعرت بأنني بللت معقدها تماماً .. صعد هو بسرعة و التفت إلى الخلف.. مد ذراعه و رأيت بأنه لم يرتدي قميصاً طويلاً كلتك المرة
, بان لقلقي – وشم أسود رهيب على ذراعه من منتصف ساعده – لم أرى مثله من قبل , اعني الشبان يحبون وضع هذا..
لكن هذا الوشم بدا وكأنه أعمق بكثير بسواده و شكلة المخيفة الغريب وكأنه عروق دموية , كان يستمر حتى تحت كمه ,
سحب معطفا ما رمادياً , اعتقد بأنه ملكه..
_ ضعي هذا عليك..!
خلعت جاكت الجينز المبلل لأضعه عند ساقي ثم وضعت معطفه حولي بحركة سريعة قبل أن يلاحظ سلاحي , رفعت شعري المبلل
كان المعطف دافئاً و اشعرني بالراحة .. ظل يحدق بي مراقباً شكلي.
ثم هتف بصدمة واستنكار : لقد اصبت..!!
انتبهت لوجهه الشاحب , وعينيه الخضراوين الغريبة المندهشة.. نعم اعتقد بأنهما خضراوان.
لا أدري لم هو مرعوب بشأني , همست بعبوس : صدق أو لا.. بنفس مكان تلك الصدمة..!
نظر نحوي وكأنني مجنونة أو ما شابه , زفرة بحدة و أخذ يفتش بالدرج حتى وجد منديلا قماشياً نظيفاً..
قلت بسرعة : لا حاجة له.. لقد غسلته الأمطار.. اشعر بأنني بأفضل حال.
وبخني : ابقي ثابتة و اصمتي !!.
ألقاه بيدي , فقلت بتعب : طيب مهما يكن.
نظر نحوي بعبوس و تمتم بشيء ما لم اسمعه وأنا أضغط بالمنديل على الجرح.. انطلق بحذر في شاحنته القوية..
تنهدت و فجأة شعرت بالدوار وأنا أرى طريقه لقد التف وغير مساره..!
هتفت بذعر : إلى أين أنت ذاهب..؟!
حذرني : لا تهلعي !... سآخذك للمستشفى..!
صرخت بتوتر : لا , أنا بخير !! , خذني من هناك منزلي.. أنا بخير!
وكنت أقاوم الدوار.. نظر إلي , قال برفق هذه المرة : يجب أن تتأكدي بأنك بخير , لقد صدمت رأسك مجدداً . هذا سيء كفاية..!
فتحت فمي لأتكلم لكن دار بي مكاني ولم أعد أستطيع الرؤية. لا ليست إغماءه أرجوك..!!
لكن اطبق الظلام رغما عني مقاومتي. رأيت شيئاً.. شخص أسود طويل في الظلام.. حسبته انسان لولا أنه في غاية الطول و النحف.. ل
ا ليس بشري أو ربما عيناي تتلاعبان برؤيتي فتمتد الأشياء وكأنها مطاط سائل .. كان يحمل شيء ما يقطر على الارض..
توضحت لي قطرات الدم في الظلمة. بينما المنبه يصرخ في عقلي.. الهرب .. بعيداً..!
......
شعرت بنفسي محمولة و الأرض بعيدة و موحلة جداً , قصف البرق بقوة بمكان بعيد.. لكن المكان مضيء هنا.. ثم رأيت القدمين تسيران فوق رخامٍ أبيض..
تأوهت بتعب : ذلك الشيء.. آه.. في الظلام..
_ ماذا ؟.
رددتُ بكلمة ما و وعيي يغيب بعيداً , شعرت بالقلق على سلاحي مؤكد سيراه.. بالكاد لحقت على ذرة من وعييّ لأهمس :
_ لا.. سلاحـ....
سحبني الظلام كلياً.. لكني كنت مرتاحة الآن و كل شيء هادئ , اعجبني الدفء كثيراً. لقد مضت أيام كثيرة لم أنم فيه.. كان عقلي مرتاحاً جداً من كل شيء..
_ صباح الخير , روز.. يكفيك كل هذا النوم !, يجب أن تفيقي..
فتحت عيني بضيق , يالا الأزعاج , ظننت بأني أسكن وحدي..!!
لكن حدقت بعيون زرقاء جميلة كالبحر , وبسمة مشرقة فاجأتني جداً.. كان شعره ذهبي لامع , بسمته تذكرني.. لا يمكن... لا يمكن.. هل متْ ؟؟
هل هذا معقول ؟؟!!
ظللت أحدق بوجهه الجميل , ضحك قائلاً : جيـد جداً.. أتعرفين أين أنت يا روز ؟!.
قلت بصدمة أسأله : هل أنا ميتة ؟!.
ظل يحدق بي , هتفت مرتجفة وأنا لا أصدق ما أراه : رباه .. أبي..!!! , أني أراك أمامي.. لقد مت...!
رأيت عينيه الزرقاوين تتوسعان , لا افهم .. أني أراه حقاً.. لكني لم أعرف صوته في حياتي ... وقد عرفته الآن , كم هو صوت جميل و دافئ..
رفعت يدي بسرعة اتحسس وجهه المنحني , سالت دموعي لم اقدر على كبت أي شيء الان :
_ لقد مت صحيح , لكني معك.. هذا رائع.. أبي..!
تأوه وهو يمسك بيدي و يهمس بحزن : لا.. آوه "روز".. أنا لست...!
قاطعته : أبي.. اشتاق إليك بشدة كل يوم.. هذا هو خاتمك بيدي.. ترى أين أمي...؟!
حاولت النظر حولي.. كان كل شيء أبيض, أهذا هو الموت.. أنه بارد قليلاً , لكني لا أشعر بالألم.. يمكنني أن أجد أمي هنا , اعتقد هذا..
أردت أن أهتف باسمها... لكن..
_ روز.. أنتِ لست ميتة !, وأنا لست والدك.. أنا آسف..!
عدت وحدقت بوجهه الحزين القلق , ظللت أنظر نحوه كثيراً.. لا أصدقه.. ما هذا الصوت ؟؟
رد بضيق وصوتٍ حزين قليلا : روز.. أنت بالمستشفى..! , عودي للراحة قليلاً..
هتفت : لا.. لا... مهلا.. لا تذهب.. أبــــــــي..!!!
صرخت بقوة اناديه لكنه تجاهلني و غادر.. و انتابني التعب و النعاس مجدداً يسحبني للظلام مجدداً..
مر وقت قصير قبل أسمع أشخاص ينادونني لكني لا آبه.. لقد اضعت الطريق.. ظننت بأني سألحق بـ أبي.. لكنه تركني و ذهب..
بقيت في الظلمة الدافئة استمع لقلبي.. حتى هزني شيء مزعج..
_ رووووز !!.. يكفي نوماً.. لقد حل الليل..!!
فتحت عيني بألم و رأيت وجه "جين" القلق الذي سرعان ما اشرق لرؤيتي و كان خلفها عدة اشخاص , حككت عيني كي أرى جيداً..
_ يا ألهي روز..
بكت آيميلي وهي تنحني و تضم رأسي.. ثم لمحت مايكل يحدق بي بقلق , ابتسمت له ببطء , فابتسم لي..
حاولت تهدئتهم : أنا بخيـر يا رفاق..
ظللت بضع دقائق حتى استعادت ذاكرتي كل ما حدث.. اضطررت لأخبارهم بالحادث , فوبختني جيــن بحده و كذلك مايك بينما انتحبت آيمي قليلاً بعد..
لم أكن افكر جيداً.. لقد حلمت عن والدي.. لكن كان هذا حقيقياً أو قريبا جدا منه.. لقد لمسته وقد حدثني.. أنا واثقة..