الإسفَافُ الكِِتابِي .. " حيَن يستخفٌّ الكاتِبُ بعقلِ قُرَّاءِه "
مدخل :
أن نتعلَّم السّيطَرة على نسيِج اللَّغة ودفِقهَا يعِني أنْ نتعلَّم كيَف
نُفكَّر ، وكيَف نطُوّر حساسيَّتنا وخيالَنا وفِكرنا النَّقدِي.
-ماريُو فارغاسْ يُوسَا
http://im60.gulfup.com/8hDWgQ.png
القرَاءة ، تُشبِه أن ينِتقل المرَء من المُحيط الماديَّ إلى آخر معُنوي يقرَّبه من وجَدان الكاتِب وينقَل له تصَّوره وَ ماهيَّة ما يريَد الحدِيث عنَه.
إنَّ كلِمات هذا الكاتِب ترُجَمان يربِط عقله بعقل القارئ وروُحه برُوحه ويصَقل مهارَة الأولَّ كما يُثرِي ثقافَة ومعلُومات الأخير ويذيَقه مُتعة ممُتزَجة
بلذَّة القراءَة الاختياريَّة . فمثَل هذه المشاعر قلَّما يستشعرها المُكره على القراءَة ومثَله من يقرأ كتاباً سيّْئاً.
إن تحوّلت الِكتابة إلى تَجارة ، وغايَة لـ خلَق فرَاغ زِمني فِي عالم الأدبَ دُون أدنى احترام لـ تارِيخه وأهميَّة تطَّوره ورقيَّة ومدى قوَّته فِي عَكس زَمان أصحابهِ
وفكرِهم،إن صارَت الكِتابة آدة للشَّهرَة وفُرصَة لكِسب المُعجبِين والمُعجبَات والتَّجملُ بِرداءَ الثَّقافَة وإدَّعاء امتلاكه ، إن صَار الكاتِب غيَر مبُالٍ بـ ماهيَّة ما يكُتب
ولا بكيَف يكُتب ولا على أيّ قاعدةٍ يكُتب ، إن فاضَ عدَد الهُواةَ ومُتَّخذي الأدبَ [ صيَحة وأسلُوب حياة ] فعَندها أهلاً بـ الإسَفاف الكِتابي والاستِخفاف بعقُول القرَّاءة
ووداعاً لـ القراءَة الحقيقَّة وارتقاء الذَّوق العام.
http://im60.gulfup.com/XwtgZe.png
لا يَخفى عليَنا ما وصَل إلِيه بعضَ الكُتَّاب مِن إسفاف كتابِي ، واستخفاف واستهتارَ بعقول القرَّاء وإدَّعاء امتلاك مهارَة الكِتابة واطلاق مُصطَلح كاتب على كلّ من يرَصف
" كلِمات عربيَّة " ناهيكم عن كُونها " فصيَحة أم لا " وقَد صارت الكِتابة وسيلة للشَّهرة وصَار كلّ من يبَحث عن الشَّهرة كاتباً. ظّنا منه أن أسَهل ما في الوجود
هو مَزج العبارات ببعضها البعضَ ومشاركة العالم خيالاته المرِيضَة أحياناً وتفرِيغ عقد نقصه وجهله ورغباته الذاتية في أحيانٍ أخرى ولا ننسَى حشُو العقُول بالغثَّ
والسَّمين بالهراء والثرثرَة مع القليل القليل من الفائدَة الِّتي بالكاد يخرج معها القارئ.
وبالطَّبع يَحمل القُرَّاء مسؤليَّة بزُوغ نَجم مثل هولاءِ الكُتَّاب وارتفاع شُهرتهم وارتقاءَ أسماءِهم إلى ما لا تستحقَّ من المراتبِ ، حيَن صارَت [ الكِتابة مُوضَـة ] ! وَ أسلُوب حياة
وَ [ طَفرة مُؤَّقتة ] ستخبُو قرِيباً! كُون الشَّريحة العُظمى من مُتابعِي أمثال هؤلاء ، ممَّن لا باع لهم فِي القراءة -ولا أعنِي بالكَّم أو سنين مُزاولتهم للقراءَة- بَل أقِصدُ
بالكِيف ومدى ارتقاءِ الذَّوق العام الّذي يحدَّد مُيولهم وطريقَة وماهيَّة قراءِتهم للكُتب ! فحِيَن تتَّحول القراءَة من فرَصة للاستَزادة والتَّعلم والاستمتاع بلُونٍ من ألوان
المعرَفة والأدب الّذي تهواه النَّفس وتميل إلِيه الرَّوح إلى مشَهد تمثيِلي لكِتاب بجانبِ وردَة وَ كُوب قهَوة خرافِي -أجدُني أميل للتَّركيز عليه أكثر من الكتاب نفسهِ أحياناً-
وحيَن يبدأ المرَء باعتبار ذاته قارئاً حيَن يرصُف كتباً فُوق أخرى وينُمَّق عبارات إعجاب فارَغة دُون مراجعة حقيقيَّة ثم يأتي بأحدث آلات التّصوير وأكثر تأثيرات برامج
تعديل الصَّور جمالاً ليُرِينا كم هُو قارئ متذَّوق وأنيق ! حيَنها فقط تُصبِح القراءَة مهَزلة وهواية لِمن لا هوايَة له مع أنَّها بـالأصِل هويَّة تحُكم الأمم وتفرِّقُ بين شعبٍ وآخر.
لا أقُول بأنَّ كلَّ من احتسَى القهوة أو اختار مكاناً جميلاً للقراءة كاذب ، ولا أتطاولَ أو استهزئ بَمن يعتِني بمُشاركَة وتوثيق لحظات قراءته مع غيره من الأصدقاء والمعارفَ ،
على العَكس من الجميل أن نفَخر ونُجمَّل ما نُحبّ بكلِّ ما نهواه ولكلّ منّا طقُوسه أثناء القراءَة وانتقاءَه الشَّخصي للمكان والزّمان لكنَّني أعتب على من يركَّز على المظهر
وشهَرة الكِتاب دُون أن يحَّكم عقله ومنطقه قَبل الاختيارْ.
إنّ أهميَّة اختيار كتابٍ جيَّد بمثل أهميّة اختيار دواءِ مُناسِب ، ومدرَسةٍ ذات بيئَة جيَّدة وجامعة مرمُوقة مُتناسبَة وطمُوحنا الشّخصي ، فالقراءَة شكل من أشكال التَّهذيب فإن
كان الدَّواء لصَّحة الأجسَام فالقراءَة لصَّحة العقُول والأرواح وتنقِية الأفكار وتنمية الشَّخصية وزيادة الإيجابيَّات . إنَّنا حيَن نرُكَّز على الاسِم والعبارات الجَّذابة والشَّهرة
والغلاف ومواكبَة الآخرِين فِيمَ يقرأون نخسَر بذلِك أوقاتنا وأموالنا وَ عقُولنا !! فكَم كانت الكُتب سبباً لرَّقي أشخاصٍ وانحطاطِ آخرِين ولعلَّ أقوى ما يحضُرني كُتب الإلحَاد
ونَقض ما يجيء فِي ديننا الحنيف وتسخير الأقلام للسَّب والشَّتم والتَّطاول على المقدَّسات والمُعتقدات باسِم الفلسَفة وحريَّة التفَّكير والتَّحرر ! فكم شهِدنا من تأثَّرٍ فاق فِي
مداه تأثير صحبةٍ أو مُحيط أو حتَّى مرِّبىٍ ونسَف بسنوات كانت تستظَّل بنُور الدَّين إلى ظلمة وهاوية الأفكار الِّتي أودَت بأصحابها وقتلت فِيهم ذُوقهم وميلهم وفكرِهم
القرائِي والأهم مُعتقداتهم ومصيرهم الدنُيوي . ولا نستبعد التأثير القّوي للأدب [ بقصصه ونثرِه وشعره ] كذلِك وإن جاء بأشكالٍ أخرى وصُورٍ لا تغيب على عقلِ المطّلع
على أحوال عالم الرَّوايات والقَصص مؤَّخراً.
http://im60.gulfup.com/fdLeA1.png
لعلَّ السؤال البديّهي الّذي يخُطر فِي بال الكثيريَن الآن هُو :
" إن كان هذا الكِتاب سيَّئاً فلِم اشتهر ؟ وكيَف شاع بيَن النَّاس ؟ ولَم يقرَأه كثيرُون ؟ "
هذا سؤالٌ حيَّر كثيراً من المُهتَّمين فِي هذا المجال ، فكُون الكتاب سيّئاً وغير لائِق أحياناً قد يكُون هُو سبب شهرته !! ، ولكن بالحديث عن عصرِنا هذا فالإجابة سهلة
ويمُكن حصُرها بين نقاطٍ كثيرةٍ لعلَّ أهمها [ الإعلام ] وتسويق الكِتاب وكيفيَّة ذلك ؟! . ففِي مقالة عن التسَّويق لـ استاذ التَّسويق بيرغَر ورَدت فِي إحدى المدَّونات
الِّتي تعرضَ لنبذَة عن كتابه بعنواَن العدُوى " وهو كتابَ يتناول كيفيَّة انتقال الهَوس أو الاهتمام بشئ بيَن البشَر " كان أبرز ما يُناقشَه الكتاب طريقة جديدة للتَّسويق
تسَّمى التسَّويق الشّفهي! كلِمة ثناءَ من هُنا وصيَحة إعجاب من هُناك استفاضَة في المديح ،عبارات لمَّاعة تسَّوق وترَّوج وتوصي بشَّدة بـ الشئ -وفي حالة موضوعي
هنا بالكتاب- على غِرار : " من لم يقرأ هذا الكِتاب لم يقرأ شيْئاً/ فاته الكثير / عليه أن يقرأه/ مالّذي ينتظَره ؟! .. إلخ "
إذ كشَف الاستاذ بيرَغر عن أحصائيَّة عجبية بشأن القصص والرّوايات قائلاً : أن عشرِين إلى خمسين بالمئة من المبيعات تسوَّق بالطريَّقة الشَّفهية ومثلها الكُتب
الِّتي قد تباع وإن لم تحُصل على تقييم عالٍ فِي موقع شهير كموقع أمازون . صحيح أن الكتاب يتحدَّث عن تسويق المُنتجات عامَّة وأنه لم يعرِض للكُتب السَّيئة
بشكل رئيسي وسبب رُواجها لكنَّه يُطابق واقع الحال ويكاد يغلُب على الكُتب المشهُورة -في ساحة الأدب حاليَّاً- وإليُكم مثلاً تجرِبتي الشخصيَّة فِي ذلك :
دار نشَر برَّاقة تبزُغ بصُور مُلفتة وعَدد مُعجبِين كبير ، وتنَّوع رائع فِي الكُتب وأسعار مُغريَة وَ محُتوى شبابِي ممُتع من القَصص والرَّوايات ، كنت أتعرَّض للصَّور
الِّتي تعرضَها الدَّار كثيراً مرَّة بعد أخرى حتَّى بتَّ من المُتابعِين لجديدها وإن لم أقرأ لها، وكملَّت زميلَة لي ما ينُقصني من افتَتان وإعجابَ بـ توصيَة حارَّة بالّذهاب إلى هُناك
فهي الِّتي [ لا تقرأ ] استطاعَت أخيراً ولوج بوابَّة القراءة واقتحاَم عالم الأدب من أوسَع أبوابه بعَد أن اشترت روايَة كُنت قد رأيتها بعد ذلِك ملازمة ليديها ولأيدي
وصُور كثيرين لدرجَة حسبِت معها أنّ هذه الرَّواية هي ما يُضعف أسلوبي ويحول بيني وبين تذَّوق الأدب الحقيقيّ! وأنَّني لم أحصُل على الكنزِ الذَّهبي بعد!
وبالطَّبع طرٍت لمقًّر الدَّار وكلِّي سرُور وحيرة وَ وإعجابَ بِما يُعرض وكم أغراني الازدَحام بالدَّخول والوقُوف فِي صفُوف المُشترِين ، ولحُسن الحظَ كُتب لِي أن اشترِي كتابِين
فقط ومُنعَت عنّي الرَّواية المنشودَة الِّتي أحبَّتها صديقتي وهامَت بِها عشقاً! حائَرةً بأيَّ الكتابِين أبدأ ، بقيت لفترَة طويلة وأنا أعِد نفسي بأنَّني سأنتقي الوقت المثالِي والإجازة
المثاليَّة لاستمتع بهِما على أكمل وجَه وحيَن أتت تلك اللَّحَظة أدَخلتُ وبكلِّ سرُور الكتابِين إلى قائِمة : أسوأ ما قرأت لهذا العام ! ولسَان حالِي يقُول وأنا أصَّحح الأخطاء النحَّوية
والإملائيَّة والكتابيَّة هنا وَ هُناك ليتِني انتشل ذاتي من ضيق هذا الكتاب إلى فسحَة آخرٍ بديل لكنَّني لم أكُن أملك عداهُ حيَنها.
إنَّ ما حدَث لِي هُو جزء ممَّ حدث لكثيريَن غيرِي ولكِنَّ الفرَق هُو أنَّ لكلِّ فردٍ منَّا درجَة تأثَّر واقتناع تختلِف عن الآخر ولا تستغربُوا لو طغَى -هذا النوع من الكتب- عند
البعَض على ما يقرأه وحسب أنَّه بذلِك ولَج بوابَّة الأدب العظِيم والأسلوب الرَّوائي الحسَن السَّلِيم!
بعد ذلِك تحَّولت دهشتي إلى استغراب من أكوام المُعجبِين حتّى شكَكت بذُوقي ومزاجي أثناء القراءَة لكنَّ احتفاظي بالانطباع المُستاء حتَّى هذِه اللَّحظة بدأ يُجلي لِي الصّورة
على حقيقَتها.
أيضاً من أسباب شهرة الكُتب السَّيئة : أن تُوصي شخصيَّة /جَهة / صحيَفة /مُوقع مشهُور بالكِتاب أو أن يُستغلَّ شخصٌ ، أو شئٌ أو قضّية أو همّ معاصر لهموم الأمَّة أو حتّى ميلٌ
عاطفيَّ في بعض أفرادها للترَّويج للكتاب . فتخيَّلوا معي أن المدَّون أو الكاتِب الّذي تتابعونه وتكنَّون له الإعجاب أو المُوقع الّذي تطلَّعون عليه دُوماً وضَع قائمة بأجمل الكُتب
ودعاكم إلى قراءتها ونُصحكم بذلِك . إن تكرار مثل هذا النوع من التّوصيات من شخصٍ لآخر على أشكاله المُختلفة قد يساهم في رفع نسبة شراءكم لكتابٍ مّا
اسِم الكاتب ، العُنوان ، الغلاف وجوَدة الكِتاب العاليَّة-من ناحية الطّباعة واختيار الغلاف- ، طريَقة العرَض حجَم الدّاعمِين كذلِك والصَّور البرَّاقة وانتشار الكتاب بيَن وسطٍ مَّا
تكُونون مُندمجين فيه -وما أكثر ذلك مع انخراط مُعظم الأفراد في المواقع الاجتماعيَّة كلّن بما تميل إلِيه نفسه- كّل ذلك جاء من بين الأسباب الِّتي ترَّوج للكتب السَّيئة وتدفع
حتَّى -القرَّاء الأذكياء والمُخضرِمين- لقراءتها!
" الكتاب الذّي غير حياة كثيرين " / " القًّصة الِّتي ستلامِس فِيك الوتر أو الّتي لم تقرأ مثلها " / " من أكثر الكُتب مبيعاً " / " الطبَّعة السَّابعَة " / " كتاب مرَّشح لجائزَة ... " / "
رواية ترجمة لأكثر من ثلاثِين لُغة !! " عبارات جانبيَّة صغيرة كهذِه ، لها مفعولها ولا تستغربوا حيَن أقول أنَّ كثيراً مِنها مُزيَّفة !
وبالعُودة إلى المقالة عن الاستَاذ بيرغَر من جديد كان قد أورد أسساً لشَرح سيكولوجيَّة المشاركَة في الّشبكات الاجتماعيَّة ومن ضمِنها سيكولوجيَّة القِصص ! ، وهذا من
جديد ينطبق على موضوعي لترويج الكُتب أياً كان نوعها، فحيَن تنتشرَ قصَّة خلف كيفيَّة صدُور هذا الكِتاب أو حتَّى معلُومة عن مؤلَّفة وإن كانت فضيِحة مدَّوية فستؤثَّر وتقرع أبواب الَّشهرة حتماً فلِيس كلَّ كتاب
يحمل قصَّة رنَّانة لإلهام كاتبه وحثَّه على نشرِه . ولِمن أراد الإطلَّاع على المدّونة الِّتي تحدَّثت عن كتاب " العدوى " فهذا هو المصدر : هُنـــا
وإليُكم حادثة حصلت قبل فترة وجيزة فكانت سبباً لشهرةِ كتابٍ مَّا رُغم أن صاحبها أراد بِها العكَس :
صدَرت رواية عن الجِن ودار بعد صُدورها بفترةٍ طويلة لغطٌ كبيرٌ حول أنَّ كل من يقرأها سيتلبَّسه جنَّي:d وأن بها طلاسم وشعوذات ولا تجوز قراءتها وعلينا التَّحذير
من شراءها وكان هذا التحذِير سبباً لإقبال النّاس على شراءِها ، وقد اعترف المؤلِّف ساخراً بأن شهرة كتابه ازدادت بعد ما قِيل حتَّى وجدَّتني وسَط تلك المعمعة والرَّسائل
الِّتي وصلت لعدد من أفراد عائلتِي أمازحهم بالتَّهديد بشراء الكتاب وأننّي سأقرأ عليهم الطَّلاسم وأجرّبها ! وقد كانت مزحتي بغرَض إثبات سذاجَة مُحتوى الرّسالة لكنَّني
وُجهت بالتحذيرات والوعيد :ضحكة:
هذه القصَّة على وضوح زيف ما وردَ في الرَسالة وعلى سذاجة الشَّائعة وجَدت من قتله الفضُول وذهب ينشُد الطّلاسم ويدَّعي الشجَّاعة أو يُكابر خُوفه ليدُخل في عوالم
خفيةٍ ويرى بنفسه حقيقةَ ما تحمله الرسالة من وعيدٍ بالمصير المشؤوم الّذي ينتظره وما تلك الإشاعة ببعيدة عن صاحبِتها الِّتي صدَرت في حقٍ فيلم رُعب اكتسَح العالم منذ
فترة طويلة وكان تحذير طُويل يأتي من كلِّ مكان بلا مصَدر حُول أن من يجلس ليشاهد الفيلم سيُصاب بسكته أو يكُون في حضرة الجِن -من جديد!- .
يتبع .. يُرجى عدم الرّد