الفصل الثالث
[ ما وجدت خلف الستائر المخمليّة ]
تأملت إنعكآس صورتي على زجآج النافذة التي أجلس أمامها وشعور الإنزعاج يتزآيد في نفسي ، رفعت يدي من على طاولة
المكتب وَ أنزلتهآ أمسح بهآ على فستاني الأسود وَ بشكل تلقائي عادت أصابعي تجعد القماش مجددًا عندما قبضت عليه بعصبية.
أتمنى لو يكفون عن الثرثرة من خلف الباب كل يوم .. لقد مضى أسبوعآن وَ أنا أستمع لأحاديث أقرآد العائلة وَ التي تدور كلهآ
حولي وَ حول غرفة السيّد سكارليت الغامضة التي يقفون أمام بابها المقفل الآن وَ يحاولون التفكير بشتى الطرق التي تقنعني
بالخروج منهآ ، سمعت والدي يقول " هذا يكفي .. لن أنام الليلة حتى أرآها " ثم أخي يرد عليه " عنيدة .. وماذا يمكننا أن نفعل ؟
هل أكسر الباب ؟ " فيرد أبي اليائس " مستحيل هذه الغرفة عزيزة على جدتك كما تعلم هذا سيزيدها إصرارًا على ماتفعله فقط !
.. لكن لا يمكننا أن نسمح بهذا أكثر ! " تتدخل أمي " إنها حتى عزفت عن تناول الطعام .. وفاة الجدة (بيرتا) أثر عليهآ كثيرًا لذآ
دعونآ نفسح لهآ المجال لكي تستعيد نفسها مجددًا " ثم همهمة انتهت بتنهدآت ومواقفات حول أن وقع وفاة الجدة (بيرتا) كان مفاجئًا
لي وأنني كنتُ قد رفعت آمالي بتحسنها ذلك اليوم حين طلبتني لكن الجدة فارقت الحياة بعد ذلك بشكل صادم جدًا بالنسبة لي ، لهذآ
أحبس نفسي في غرفة السيّد سكارليت التي تحبهآ كثيرًا كنوع من الإنكار لما حدث .. لكن هذا غير صحيح ! لا أحد يعرف السبب
الحقيقي غيري ذلك أنني أبقيت السبب طي الكتمان وَ رفضت الخروج من الغرفة حتى أحقق ما أصبوا إليه وهاقد حققت ما أريده
هذا اليوم بالفعل !
عادت ذاكرتي أدراجها لذلك الوقت قبل فترة قصيرة .. عندمآ وقفت في فناء المنزل الساعة الخامسة فجرًا كما طلبت مني جدتي
لا أدري ماذا أترقب وَ التوتر يلقي بظلاله عليّ ، وعندما كنت أخال تلك اللحظآت القصيرة دهرًا من الزمآن وّ الزمن يتثاقل ..
وقفت منتظرة المجهول كتلك الطفلة التي كنتها بلا أدنى شك بكلمآت جدتي ، دون خوف من وقع ذلك الاسم القديم على نفسي
كنت مستعدة للغطس لتلك الأعماق المظلمة لأعيد فتح الصندوق الذي خبأت فيه ذكرى السيّد سكارليت وكأنني كنت أنتظر هذه
الإشارة من جدتي كل هذه السنوآت .. بل كنت أنتظرها حقًا .
في ذلك الوقت الذي حددته لي جدتي ، التقيت بمسيو تشايفز .. أنه كبير خدم طاعن في السن ، وقف هو الآخر مذهولًا
عندما لم يجد الشخص الذي كان يتوقعة ، قال لي أنه يبحث عن جدتي وقد قطع موعدًا معها في هذآ الوقت فلم أنا من تقف
بالخارج بإنتظآرة فأخبرته بأنني حفيدتها الصغرى وَ قد طلبت مني ذلك لأنها غير قادرة بسبب صحتها ، حينها أرتاحت
قسمات الرجل وقال لي :
ــ جيّد ، أتمنى أن تتحسن صحتها قريبًا مدموزآيل ..يا آلهي كم تشبهين سيدتي الرآحلة لوسي !
تساءلت : تقصد شقيقة جدتي لوسي ؟ هل كنت كبير خدمها ؟
فرد بهدوء : نعم ، هذا صحيح
ــ إذن ، ماسبب مجيئك إلى هنآ وَ في هذا الوقت ؟
ــ من أجل سيدي .. السيد سكارليت مدموزآيل
شهقت : مـ .. ماذا ؟ السيّد سكارليت ؟! أنه حقًا موجود !
قطب كبير الخدم حاجبية بتساؤل : ألا تعرفين .. لكنه توقف وَ قرر أن يبقى سؤاله مبهمًا
فأجبت : أعرف ماذا ؟ طلبت مني جدتي توصيل رسالة من السيد سكارليت ولكنني لا أملك الرسالة حتى الآن
لقد طلبت مني جدتي أن آتي هنا أولًا قبل أن أحصل عليها وَ ..
لكن الرجل تحرك باحثًا عن شيء في جيب سترتة ، ثم أخرج مظروف رسالة وَ قال لي مبتسمًا بلطف :
ــ فهمت فهمت .. لكن يَاصغيرتي الرسالة معي وَ فيها العنوآن .. تفضلي .
ــ ماذا ! لكن جدتي قالت لي أنني سأجدها في غرفة السيّد سكارليت .. أعني عندنا غرفة خاصة وَ ..
عجزت عن التعبير بما يجول في خاطري فتنهدت بإحباط قائلة :
ــ لم أعد أفهم شيئًا !
لكن الرجل هز رأسه متفهمًا وَ تلك الإبتسامة اللطيفة المتعاطفة مازالت مرتسمة على محياه ثم قال :
ــ نعم ، لكنك ستفهمين قريبًا .. عليكِ فقط أن تتبعي ماقالت لكِ مدآم بيرتا وَ ستجدين كل شيء حيث قالت .
هكذآ ودعني الرجل الطيب مبتعدًا كالحلم وَ استدرت بعدها رآجعة إلى غرفة جدتي لأوصل الرسالة لها
لكنهآ كانت نائمة .. هل أتركها بجانبها ؟ لآ .. لا تبدو فكرة جيدة فهي رسالة حصلت عليها الساعة الخامسة
فجرًا ! سأبقيها معي حتى تستيقظ جدتي .. وَ الآن .. ترددت مجددًا كلمات جدتي " ستجدينها خلف الستائر المخملية "
هل حان الآوآن لأتخطى حاجز تلك الستائر يا ترى ؟ تساءلت عن ذلك وأنا متوجهة بعزم إلى غرفة السيّد سكارليت.
هل كنت خائفة من رؤية الغرفة يعلوهآ الغبار؟ من رآئحة الوحدة ؟ الآن وأنا أخطوا لأول مرة على أرضية الغرفة
كان كل ذلك آخر ما أخشاه فقد كانت شبه مظلمة وَ لم أكترث بإضاءة المكان .. كنت أحاول دفع نفسي إلى حيث ;
تلك الستائر دون التوقف أو التفكير .. كان اعتقادي بعدم وجود شيء في الغرفة قد عاد ، وَبدخولي إلى لغرفة رجعتُ
إلى الوآقع ، لهذآ كنت مستعدة لما سأجده خلف الستائر .. الغبار .. الفراغ .. لا يهم ، فقد قبضت على طرف الستارة
وَ أزحتها كاشفة لعينيّ ما أردت رؤيته زمنًا طويلًا ، وَ لم يمنعني كل استعدادي ذآك من الذهول لما رأيتُ خلفها ..
غير معقول ! تلك الفسحة الصغيرة التي تخبئهآ الستائر كانت تحوي طاولة صغيرة تكدست فوقهآ رسائل و مظاريفها
بشكل فوضوي حتى أن بعضها كان مرميًا على الأرض حولها ، وَ بجانبها كرسي جميل يجلس علية السيّد سكارليت !
وَ الذي لم يكن إلا دميّة ! دميّة بحجم طفل في الخامسة من عمرة ، أطرافها ورأسها من الخزف وملامحها ملامح طفل جميل
ذو شعر أشقر مجعد وَ عينين ذآت لون أزرق مشرق ، ترتدي ملابس حمرآء ثمينة ، جوآرب بيضآء وَ تنتعل أجمل حذآئين
بكعبٍ عال! كنتُ مبهورة بتلك الدميّة الفريدة .. وَ التي كانت مع الضوء الخافت في المكآن تبدو كطفل حقيقي يحدق بي !
اقتربت من الطاولة وحملت مجموعة من الرسائل ، لم أشعر بعدها بنفسي عندما انهمكت في فتحها واحدة تلو الآخرى وَ
قراءتها .. لم أنتبه إلا بعد وقت طويل من جلوسي في ذلك الركن الخفي من الغرفة على صوت شهقاتي وَ دموعي .. كانت
هذه الرسائل تبدو كقصاصات ارتمت داخلها وقائع وَ ذكريات أصحابها .. كانت حكاية طويلة يرويها مجموعة أشخاص وَ
كان أحد هؤلاء هي جدتي الحبيبة .. كانت أجزاء متمزقة وهي الآن أمامي تشكل الحكاية الكاملة وَ الإجابة على كل سؤال
خطر على بالي يومًا .. لقد أعادت لي أيضًا مشاهد قديمة كنت بنفسي شاهدةً عليها ..
قصاصة (1)
ــ قد يقتلني قريبًا ، لا أدري إن كنتُ سأنجو هذه المرة لهذآ ..
قاطعتها بيرتا بإنزعاج : لا ترددي مثل هذا الكلام بالله عليك ! إن كنتِ متأكدة أنه يضمرلكِ
شرًا فأبلغي الشرطة . لكن لوسي هزت رأسها سلبًا وَ تنهدت بيأس ، ثم قالت أخيرًا : لا يمكنني
، لا أملك دليلًا ملموسًا إنما أعرف فقط .. أشعر بالمرض عند تناول الطعام معه .. أرآه يتحين
الفرص ليضع يده على كل مايخصني .. وَ صار يطلب مني أن أرسل أبني الحبيب لمصحة لأنه كما
يدعي تظهر عليه علامات التخلف العقلي ! هل تصدقين ذلك يا بيرتا ! سكارليت الصغير بخير حال
وَ عقله سليم لكنه طفلُ ذو مناعة ضعيفة فقط .. هذا الرجل .. لقد خُدِعت به ، تزوجته وَاعتقدت أنه
سيكون سندًا لي وَ لولدي لكنه قد قرر منذ البداية الإستيلاء على ما نملكه من ثروة وَ إزاحتي أنا وطفلي
من الطريق .. لكن لن أسمح بهذا ، لقد جهزت شيئًا حتى لو حدث الأسوأ !
ربتت لوسي على شيء جميل بجانبها ، فنظرت شقيقتها الكبرى بيرتا إلى ذلك الشيء بدهشة :
ــ ماهذه الدميّة ؟ وماذا تقصدين بأنكِ جهزت شيئًا ؟ ..
ــ أقصد بأنني حتى لولم أتمكن من حماية نفسي ، فلن أترك طفلي تحت رحمته .. تعرفين كم أحب إختراع
الأحاجي وَ الألغاز يا بيرتا - تبتسم - لن يتمكن من الحصول على مايبتغي حتى لو أزاحني ! أنظري أليست
جميلة ؟ هذه الدميّة اسمها " السيّد سكارليت " وَ بها سأحمي أبني بإذن الله .. لقد طلبت صنعها خصيصًا
لسكارليت الصغير ، سيكون السيّد سكارليت رفيقة وَ حارسه دائمًا .
قصاصة (2)
أحتضن الدمية التي كانت بحجمه تمامًا وَ هو ينزل ببطء من السرير ، كان يشعر بالعطش وهذه الدميّة ثقيلة
لكنه يحبها فالسيد سكارليت هدية من والدته وَقالت أنه سيكون صديقة وَ حاميه دومًا ..سمع أصوآت تخترق
سكون الليل .. والده وَ والدته يتشاجرآن مرة آخرى ، أنهما في المكتب .. أقترب كثيرًا .. صوت أمه يتردد
" لننفصل! .. لننفصل !" .. " غيّرتُ الوصية لن يكون لكَ شيء " .." حتى لو قتلتنا فلن تحصل على فلس
فالحزنة محميّة برقم سري " .. " أنا وسكارليت فقط! " .. " أخرج من هُنا .. من حياتنا ! " .. أمي! أراد
سكارليت الصغير أن يصرخ لكن الخوف أفقده القدرة على النطق ، لم يفهم شيئًا لكن صوت أمه المرتج
أقلقه كثيرًا .. سمع صوت والده " أغربي عن وجهي " أسرع الخطى يجر من خلفه السيد سكارليت وَ في
اللحظة التي أطل برأسه عبر باب المكتب المفتوح رأى والده يدفع والدته عند الشرفة لتسقط ..
أحتضن السيّد سكارليت بشدة وَ هو يشاهد والده يستدير ببطء ناحيته ، لم يتمكن من النطق لكن في أعماقه
كانت هناك ثورة متأججة " ماما .. اختفت "
# يُتبَعْ