سلسلة ايام الله [2] - فتح القسطنطينية - الوعد النبوي الحق
بسم الله الرحمن الرحيم
هناك حوادث فارقة قليلة في التاريخ الإنساني، منها الفتح الإسلامي للقسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، ووجه الأهمية التي اكتسبها هذا الحدث التاريخي الفذ أنه حول عاصمة "قسطنطين الكبير" إلى عاصمة الإسلام "إسلامبول".ولم يكن هذا مجرد تغيير في إسم مدينة، وإنما كان تغييراً في مجرى التاريخ الإنساني بأسره، إذ أن المدينة التي بناها الإمبراطور قسطنطين الكبير لتكون منافسة لروما في المكانة الدينية والتي تحوي كنيسة آيا صوفيا معقل النصرانية الأرثذوكسية الشرقية في وقتها والتي حاول المسلمون فتحها 11 مرة قد وقعت أخيراً في أيدي الفاتحين المسلمين الذين غيروا مستقبلها وتاريخها إلى الأبد لتصبح عاصمةً للإسلام بدلاً من عاصمة النصرانية الشرقية ولتصبح كنيستها الكبيرة آيا صوفيا مسجداً للمسلمين لا يدعى فيه إلا بالوحدانية لله عز وجل بعد حصار وقتال عنيف استمر لأكثر من شهر كامل معلنين بذالك نهاية الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت لـ 1500 عام والتي ناصبت الإسلام العِداء منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.
المحتويات:
1- محمد الفاتح
2- وأعدو لهم ما استطعتم من قوة
3- التحرك المُنتظر
4- عبقرية حربية فذة
5- إنهيار المعنويات
6- فتح من الله .. ونصر قريب
7- المصادر والمراجع
محمد الفاتح
ولد محمد الثاني بن السلطان مراد الثاني في القصر السلطاني في العاصمة العثمانية أدرنة في يوم الأحد 27 رجب سنة 835 هـ .. خصص والده السلطان مراد الثاني عدة معلمين للإشراف على تعليم وتنشأة ابنه محمد الثاني وكان منهم الشيخ أحمد بن إسماعي الكوراني الذي كان له عظيم الأثر في حفظه للقرآن في مدة وجيزة وهو لم يبلغ الثامنة بعد كما جعله يتقن منذ طفولته اللغة العربية والعثمانية والفارسية قراءةً وكتابةً ومحادثةً وترجمة. وقد كان من ضمن العلماء الذين أشرفوا على تعليم الفاتح الشيخ الشريف محمد بن حمزة الدمشقي الملقب بـ " آق شمس الدين " الذي كان كثيراً ما يأخذ الامير محمد الثاني ويمر به على الساحل ويشير إلى أسوار القسطنطينية الشاهقة التي تلوح في الأفق من من بعيد ثم يقول له : أترى تلك المدينة التي تلوح في الأفق؟ إنها القسطنطينية، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أمته سيفتحها بجيشه، ويضمها إلى أمة التوحيد، فقال عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه: " لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذالك الجيش " .مرت السنون والأمير محمد يتربى ويتعلم على يد هذين الشيخين الجليلين وينهل من وافر علمهما عقداً من الزمان.ثم رحل السلطان مراد الثاني سنة 855 هـ فتولى بعده إبنه الأمير محمد الثاني الخلافة وعمره لا يتجاوز التاسعة عشرة. عندما تولى الفاتح الخلافة أصلح شؤون الدولة فرتب شؤون الصرف في بيت مال المسلمين ومنع البذخ والترف في الإنفاق واهتم بكتائب الجيش العثماني آنذاك فأعاد تنظيمها، ووضع سجلات خاصة بالجند، وزاد من مرتباتهم، وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوفرة في ذالك العصر، كما اهتم بالأقاليم فعزل المقصرين من الولاة وأقر الصالحين منهم وطور البلاط السلطاني فكان لجهود الإصلاح الداخلي التي قام بها محمد الفاتح أبلغ الأثر في جاهزية الجبهة الداخلية العثمانية لبدء الإستعدادات لتحقيق حلم الفاتح الكبير في فتح القسطنطينية وضمها إلى أمة التوحيد والإسلام والذي غُرس فيه منذ طفولته على يد الشيخ آق شمس الدين.
وأعدو لهم ما استطعتم من قوة
http://store1.up-00.com/2014-04/1396515226562.jpg
قبل ان نشرع في ذكر استعدادت السلطان محمد لابد ان نذكر ضخامة وشدة تحصين القسطنطينية حتى لا يصاب بعضنا بالتعجب من ضخامة الإستعداد العثماني لفتحها. كانت القسطنطينية محاطة بالمياة البحرية من ثلاثة جبهات، مضيق البسفور ، وبحر مرمرة، والقرن الذهبي الذي كان محمياً بسلسلة ضخمة جداً تتحكم في دخول السفن إليه بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بالقسطنطينية من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة الى القرن الذهبي يتخللها نهر وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدماً ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدماً وعليه أبراج يصل ارتفاعها الى 60 قدماً وأما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة خمس وعشرين قدماً وعليه أبراج موزعة مليئة بالجند.
http://store1.up-00.com/2014-04/1396515226471.jpg
و بالتالي نستطيع أن نقول أن القسطنطينية كانت أحصن مدينة عرفها العالم القديم ولذالك استعصت على عشرات محاولات الغزو والتي كان منها 11 محاولة إسلامية سابقة. بذل محمد الفاتح جهوداً كبيرة في التخطيط والترتيب لفتح هذه المدينة الحصينة، فبذل جهوداً كبيرة في تقوية الجيش العثماني حتى أضحى واحداً من أكبر الجيوش في وقته، كما عُني عناية خاصة بتدريب ذالك الجيش على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للعملية الجهادية التاريخية المُنتظرة إتباعاً لقوله تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ). كما اعتنى الفاتح بإعداد جنوده إعداداً معنوياً قوياً، وغرس روح الجهاد فيهم، وتذكيرهم بثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على الجيش الذي سيفتح القسطنطينية، وتحريضهم على ان يكونوا هم ذالك الجيش المقصود بالحديث، مما أعطاهم قوة معنوية هائلة وشجاعة منقطعة النظير. كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائمهم، وربطهم بالجهاد وفق أوامر الله عز وجل كما اعتنى السلطان عناية خاصة بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية فأحضر مهندساً مجرياً خبيراً بصنع المدافع وأمده بكل ما يحتاجه من مال ورجال فصنع مدافعاً عدة كان منها المدفع السلطاني الذي ذُكر عنه انه كان يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه من مكانه والذي لم تشهد الدنيا له مثيلاً من قبل.
http://waelpapers.files.wordpress.co...bronze_15c.png
كما اعتنى السلطان بالأسطول العثماني حيث عمل على تقويته وتحديث سفنه لكي يكون قادراً على فرض الحصار على القسطنطينية من الناحية البحرية. كما مهد السلطان محمد الطريق من أدرنة حيث معسكرات الجيش العثماني وحيث مصانع المدافع نحو القسطنطينية حتى تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها نحو القسطنطينية.