Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
الفصل الأول..~
لست أذكر ملامحه جيدا.. ولست متأكداً حتى من لقبه الذي اختاره لنفسه.. أ كان شيون؟؟ أم... ؟؟
( لحظة صمت )
اسمه..
حسنا، هو ليس اسما حقيقيا لكننا لا نملك اسماءاً بل أرقاما ننادي بعضنا البعض بها، 157.. هكذا كان الجميع يناديه.. أذكره لأننا مجبرون على وضع تلك الأرقام على صدورنا طوال الوقت.. و بالرغم من أننا لا نعرف القراءة ولا الكتابة، إلا أننا تعلمنا كيف نقرأ تلك الأرقام لكثرة ترددها على آذاننا كل وقت و كل يوم..
أمممـ..
لازلت أذكر بعض الأشياء التي كان يخبرني بها.. لكني بالكاد أذكر صوته..
ممممــــ.. ( تفكير مطول ) ..
أين هو الأن يا ترى؟
بالتفكير في الأمر أجد بأنه اختفى فجأة..!
لا أذكر اليوم الذي خرج به من الميتم.. لكني اذكر مقتطفات عنه في اليوم الذي يسبق اختفاءه..
لقد كان وجهه به بعض الكدمات..
و شعره كان مسدلا على عينيه..
كان يحاول قول شيء ما لكنه لم يستطع قوله لسبب لم أعلمه..
و حين سألته عما سيحصل له بدأ بالإشارة إلى أماكن متفرقة من جسده ..
أشار إلى خاصرته اليسرى ثم اليمنى.. ثم أشار إلى معدته، ثم إلى صدره مرتين و انتهى بالإشارة إلى عينيه..
حسناً.. لا زلت أجهل سبب ما فعله وقتها، أو إلامَ كان يرمي.. لقد كنت صغيراً حينها، و تسللت لكي أراه لكنهم امسكوا بي و اعادوني إلى الغرفة قبل ان اعرف المزيد، و اخبروني بأنه مريض و يجب ألا يقترب أحد منه كي لا ينشر العدوى.. لكنه اختفى..!!
لم يعد له وجود في اليوم التالي..
أممممـ.. هذا كل ما أذكره عنه..
( صمت )..
أشعر بأني نسيت شيئا آخر مهما عنه.. لكنني لا أستطيع تذكر ما كان! اعتقد بأنه كان شيئا ذا أهمية..
.
.
.
^ هذا ما كان شاردٌ به ذهن ذلك الفتى الذي يجلس على أرضية من البلاط الأبيض لمبنى مكونٍ من طابقين، و كانت تلك الأرضية مطلة على ساحة رملية واسعة محاطة بسورٍ حجريٍ عالٍ..
كان ذو شعر عسليِّ اللون و بشرةٍ بيضاء محمرة..
جاءته فتاة من خلفه، بيضاء شعرها أسود يغطي أذنيها.. و وضعت يدها اليمنى على كتفه الأيسر ثم قالت له بانفعال: 201.. لقد ناديتك مراراً ألم تسمعني؟
انتفض في مكانه و التفت إليها ثم ابتسم بعفوية و قال: لا.
جلست بقربه و سألته قائلة: هل كنت تفكر بـ شيون مرة أخرى؟
ضم ساقيه إلى جذعه و أومأ برأسه بالإيجاب، ثم أسند رأسه على ركبتيه و قال بنبرة بها بعض الحسرة: كنت أتوق لتعلم الكثير منه، لم أكن أتوقع بأنه سيخرج من هنا.
- و أنا كذلك.
قالتها بنبرة هادئة بينما كانت تنظر إلى ذلك الجدار العالي، ثم أغمضت عينيها و أردفت قائلة: آااه كم أتوق للخروج من هنا و تعلم الكثير عن الحياة بالخارج.
التفت 201 نحوها ثم قال باندفاع: و أنا أيضا، أرغب بالخروج من هنا و الذهاب إلى المدرسة لأتعلم القراءة و الكتابة.
التفتت إليه هي الأخرى ثم قالت له ببعض السخرية: يا للملل، السيدة مادلين تقول بأن القراءة و الكتابة لن تفيدنا في شيء لذلك هي لم تعلمنا إياها هنا، لماذا ترغب بشدة في تعلمها؟
- لأنني أريد بأن أصبح مثل شيون.
قالها بكل سعادة.. بينما كان الهواء يهز خصلات شعره الناعمة..
و بعد ثوانٍ قليلة، اندفع طفلان متماثلان نحوهما و قال أحدهما باندفاع: 201، 202.. ماذا يكون الـ ميترو؟
- الـ ميترو؟!
قالاها بتساؤل بعد أن التفتا نحوالطفلين الذين يملكان شعرا أسودا و عينان زرقاوتان داكنتان ثم قالا لهما: من أين سمعتما هذه الكلمة؟
ابتسم أحدهما و قال: لقد سمعنا الممرضة تخبر الطاهية بأن الـ ميترو أسرع من القطار العادي.
كانا يقفان خلفهما و ينتظران إجابة منهما تشبع فضولهما.. فأخذ كلا من 201 و 202 بالتفكير ملياً في الإجابة..
قالت 202 بعد مدة قصيرة من التفكير: لا عِلم لي.
ثم التفتت نحو 201 و أردفت قائلة: هل تعلم ما يكون؟
بدت ملامح الشك تظهر على وجهه تدريجيا.. فقالت له: يبدو بأنك لا تعرف.
لحظتها.. قال باندفاع: بالتأكيد أنا أعرف الإجابة.
التفت إليه التوأمان ثم قالا له بسعادة: أحقا! ما هو؟
كتف يديه و رفع أنفه للأعلى ثم قال: بالطبع.. إنه.. إنه..
- انه..؟!
أخذت عيونهم تتلألأ من شدة الفضول فقال بارتباك: إنه حيوان، نعم.. حيوان يشبه النمر لكنه غير مخطط.. و لديه أسنانٌ طويلة جداً و حادة، و هو.. و هو سريع جدا جدا.
ابتسم الصغير الذي يحمل الرقم 218 على صدره ثم قال: واااه.. إذا أنا ميترو.
و عندها، قال الآخر و الذي يحمل الرقم 219 بحنق: هذا ليس عدلاً.. أنا أيضاً أريد لقباً قوياً.
- لماذا؟! ألم تختر الأرنب ليكون لقبك من قبل؟
- بلى، لكن..
بدت ملامح الانزعاج بادية عليه، فوضع 201 يده على رأسه و قام بفرك شعره القصير برفق ثم قال له: لقب الأرنب يليق بك، فأنت لطيف و سريع كالأرانب أيضا.
ازداد انزعاج 219 عند سماعه لذلك وقال بحزم: لا أريد أن أكون لطيفا، بل أريد أن أكون قويا لكي أستطيع الذهاب إلى العالم الخارجي.
كان يبدو واثقا جدا من نفسه مما جعل الآخرين يضحكون عليه بشدة بمن فيهم شقيقه التوأم..
شعر بالحرج من ذلك و قال لهم بحنق: لماذا تضحكون؟!
فأجابته 202: لا نستطيع الخروج من هنا بإرادتنا.. علينا أن نصبح كباراً أولاً.
219 بتساؤل: و كيف نصبح كبا..
و قبل أن يكمل سؤاله، قاطعه 201 قائلاً بنبرة هادئة بينما كان ينظر خارجاً: السيدة مادلين هي من تقرر ما إذا أصبح أحدنا كبيراً أم لا.
ساد المكان صمتُ لوهلة.. ثم كسر سكونه 201 حين قال بعد أن التفت بناظريه جهة الفتاة التي تحمل الرقم 202: آه صحيح.. ما الذي دفعك للبحث عني؟
شهقت بصوت عالٍ ثم قالت بعد أن وضعت كفيها على وجنتيها: يا إلهي لقد نسيت.. أرادت السيدة مادلين أن تخاطبك قي مكتبها.
التفتت نحو أحد التوأمين ثم أردفت قائلة: و أنت أيضا، 219.
أخذ الجميع بالنظر إلى بعضهم باستغراب ثم تساءلوا فيما بينهم عن الأمر الذي تريده مديرة الميتم.
بعد عدة دقائق..
يقف ثلاثة أشخاص عند غرفةٍ بابها مغلق، وهم 201، 202 و 219..
قال أحدهم بتساؤل: هل ترغب السيدة مادلين بمحادثتِك أنتِ أيضا؟
فأومأت برأسها بالإيجاب..
تقدمت نحو الباب و قامت بطرقه ثم وضعت يديها في جيبيّ بنطالها الطويل نسبيا بنّي اللون..
و لحظتها.. صدر صوت امرأة تقول: تفضل بالدخول.
و عندما دخل الجميع إلى الغرفة، أغلقوا الباب خلفهم ثم وقف ثلاثتهم بانتصاب أمام المكتب الذي تجلس هي خلفه..
كانت سيدة ذات شعر شديد السواد و بشرة بيضاء شاحبة.. نظرت إليهم بعينيها البنفسجيتين ثم قالت لهم: ما الذي جاء بكم إلى هنا؟
قالت 202 بارتباك: لقد أخبرتني بأنك تريدين أن تتحدثي معنا سيدة مادلين.
رفعت إحدى حاجبيها و نظرت إلى البطاقات التي تحمل رقم كلٍ منهم ثم قالت: انتظروا قليلا.
أشاحت بناظريها إلى الأوراق المتناثرة على مكتبها و أخذت بترتيبها.. ثم قامت بإخراج ثلاثة أوراقٍ من الدرج العلوي لمكتبها و قالت بعد أن أمعنت النظر إلى بطاقة أحدهم: 202، كم تبلغين من العمر الآن؟
- ستة عشر عاما.
مادلين: و أنت؟
أجابها 219: اثني عشر.
التفتت نحو الأخير ثم قالت له: و أنت 201؟
- ستة عشر.
قامت بكتابة أعمار كلٍ منهم على ورقة منفصلة و وضعتها أمام الشخص الذي تخصه ثم فتحت درج مكتبها مرة أخرى و أخرجت علبة بها حبر أزرق جاف و قالت بعد أن وضعت ابهام يدها اليمنى على الحبر: هل ترون ما أفعله الآن؟
أومأ الجميع برأسهم بالإيجاب، فتابعت حديثها قائلة: أريد منكم أن تضعوا إبهامكم في هذه العلبة كما وضعته الآن ثم يقوم كل شخص منكم بطبع الحبر في المربع الذي بأسفل الورقة التي وضعتها أمامه.
و ما أن فعل جميعهم ما أمرتهم به، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة سرعان ما قامت بإخفائها، ثم جمعت الأوراق و تفحصت بصماتهم جيدا قبل أن تضعها في الدرج مرة أخرى و تقفل عليها.
قالت لهم بينما كانت تنظر في إحدى الأوراق التي تعلو سطح مكتبها: غدا ستذهبون لإجراء فحص شامل خارج الميتم..
قاطعها جميعهم حين قالوا بدهشة: خارج الميتم؟!
- أجل.
219 بسعادة: إذا، نحن أصبحنا كباراً لذلك سنخرج من هنا؟
مادلين بدهشة: كباراً؟! أه نعم.. لقد أصبحتم كباراً كفاية لتخرجوا من الميتم..
كانت السعادة بادية على وجوه ثلاثتهم، فالخروج من الميتم كان حلما أشبه بالخيال بالنسبة لهم.. و لم يتوقع أحدٌ منهم بأنه سيتحقق بهذه السرعة، حتى و إن كان لفترة وجيزة كإجراء فحص شامل في المشفى..
أخبرتهم السيدة مادلين بإبقاء الأمر سراً عن بقية الأيتام ثم أمرتهم بالانصراف.
و بعد خروجهم بعدة دقائق، خرجت هي من الغرفة ثم قامت بإغلاق بابها بمفتاح أخرجته من جيبها..
توجهت نحو قاعة كبيرة نسبيا تحوي العديد من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم من 3 سنوات إلى السابعة عشرة..
يجلس كل شخص منهم أمام طبق وضع على طرفه رقم مطابق للرقم الذي يضعه هذا الشخص على الجهة اليسرى من قميصه.
توقف الجميع عن تناول وجبة غدائهم و التي كانت تختلف من شخص لآخر و التفتوا إليها لحظة دخولها فقالت لهم: لا بأس، أكملوا طعامكم..
ثم توجهت نحو سيدة تبدو في أوائل الأربعينات من عمرها و سألتها هامسة: هل يتناول الجميع وجباتهم بانتظام؟
- نعم سيدة مادلين.
- ألا يوجد من يتذمر أو من يمتنع عن تناول طعامه؟
- لا سيدتي، لم نشهد مثل هذا الأمر منذ عشر سنوات تقريبا.
- هذا جيد.
صمتت قليلا ثم أردفت قائلة: بعد انتهاء الجميع من تناول وجباتهم، أخبري 198 و 210 بالقدوم إلى مكتبي.
و ما أن قالت ذلك حتى خرجت من قاعة الطعام بخطوات متزنة.
و بعد خروجها، تقدمت سيدة أخرى تبدو في الأربعينات من عمرها أيضا و قالت للأخرى: هل الأمر متعلق بذلك الشأن؟
- نعم، هو كذلك.
قالتها بنبرة بها بعض الحزن بينما كانت تنظر إلى جميع الأيتام الذين كانوا يتناولون وجباتهم بسعادة، ثم تنهدت و التفتت نحو السيدة الأخرى قائلة: ليس أمامهم مهرب من الأمر، فهذا هو قدرهم منذ اليوم الذي تخلى به أهاليهم عنهم.
- معك حق إنه قدرهم، لكنه محزن.
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
بعد فترة من الزمن..
يتساءل بعض الأطفال الأيتام عما يفعله أحدهم بالغبار الذي على أرضية الرواق..
فهو و بدلا من القيام بواجب التنظيف لليوم، كان يجلس على الأرض و يرسم أشكالا غريبة عليها..
توجهوا نحوه وهم يمسكون الممسحات الأرضية الطويلة و قال له أحدهم: 201، ما هذه الأشكال؟
التفت نحوه ثم قال: إنها حروف الأبجدية الإنجليزية.
كان ما خطه 201 على الغبار عبارة عن مجموع الحروف s و h و i و o وn.. و التي تشكل اسم شيون.
سأله أحدهم باستغراب: ما هي الأبجدية؟!
201: إنها مجموعة الحروف التي نستخدمها يوميا لتشكيل الكلمات التي نقولها.
- من الذي أخبرك عنها؟
201: شيون..
صمت قليلا بعد قوله ذلك، بينما كان أولئك الأطفال يتساءلون عن هوية هذا الشخص المدعو شيون، ثم قال في نفسه: أه صحيح, هم لا يعرفونه.
سأله أحدهم بفضول: كم عدد حروف الأبجدية الانجليزية؟
فأجابه بأنها تتكون من ستة و عشرين حرفا، فقال له آخر باندفاع: و هل تعرف جميعها؟
ابتسم 201 بارتباك ثم قال: لا, أنا فقط أعرف هذه الحروف التي علمني إياها شيون.
- و هل يعرف شيون جميع حروف الأبجدية؟
عند سماعه لهذا السؤال، نهض 201 بسرعة من على الأرض ثم قال باندفاع: بالتأكيد، و هو يجيد القراءة و الكتابة أيضا.
في هذه اللحظة، سأل أحدهم قائلا بنبرة بها بعض الحدة: ما الذي تتحدثون عنه؟
التفتوا إليها ثم قال أحدهم: سيدة مادلين، نريد أن نتعلم الأبجدية الإنجليزية.
مادلين: أهذا ما كان يشغلكم عن واجب التنظيف؟!
التفتت نحو 201 و رمقته بنظرات حادة ثم أعادت ناظريها نحو الأطفال و قالت لهم بعد أن ابتسمت: ستتعلمونها حين تكبرون و تخرجون من هنا، فهي لن تفيدكم في شيء أبدا.
- ولكن..
قالها الأطفال بغيظ، فقالت لهم بحدة: هذا يكفي الآن، عودوا إلى مهامكم..
نظرت إلى 201 و أردفت قائلة: تعال إلى مكتبي بعد انتهائك من التنظيف.
و بعد مغادرتها الرواق، و استئناف الجميع لمهام التنظيف، نهض 201 من على الأرض و استمر بالنظر إلى اسم شيون الذي كتبه على غبار الأرضية.. تذكر اللحظة التي أخبره بها شيون عن حروف الأبجدية، و عن الطريقة التي يكتب بها اسمه.. تذكر 201 إلحاحه المصر على تعلم تلك الطريقة.. و تذكر تحذير شيون له بأن يخفي الأمر عن السيدة مادلين..
عاد إلى الواقع و تنهد بعمق ثم قام بمسح غبار الأرضية مع الاسم الذي كُتِب عليها و علامات الحنق بادية على قسمات وجهه.
و بعد انتهائه من التنظيف، توجه 201 إلى غرفة السيدة مادلين كما طلبت منه، طرق الباب ثم دخل حين سمحت له..
و بعد أن وقف أمامها، نظرت إلى البطاقة التي على صدره ثم قالت: كم مرة أخبرتك ألا تتفوه بأمور لا داعيَ لها؟
"لكن.." قالها باندفاع منزعجا فقاطعته بقولها و هي تنظر إليه بعينين حادتين: لا تجادل بالأمر.
صمت، وبدت عليه علامات الحزن الممزوج بالغيظ، فتأففت حين رأته و قالت له بعد أن التفتت برأسها بعيدا: حسنا، سأسمح لك بتعلم ما تريده بعد انتهائك من الفحص.
اعترته سعادة غامرة و بدأت عيناه تتلألآن فرحا ثم قال لها: حقا؟!
نظرت إليه ثم ابتسمت بعفوية قائلة: أجل.
ساد الصمت المكان للحظات، ثم أخرجت مادلين عدة أوراق من درج مكتبها و قالت: 201، أريد منك أن تنادي على 198، 202، 210، و 219، أريد أن أعطيكم بعض التعليمات للفحص الذي ستجرونه في الغد.
- حسنا.
خرج من غرفة مكتبها متوجها نحو غرفة تقع في الطابق العلوي لمبنى الملجأ.. فتح بابها باندفاع و بلا مبالاة فالتفتت جميع الفتيات اللاتي كنّ بداخلها نحوه..
كانت غرفة متسعة تحوي العديد من الفتيات اللاتي تجلسن على الملاءات المفروشة على الأرضية، حيث كان موعد النوم قد شارف على الحضور.
نظر إليهم لوهلة ثم قال مناديا على إحداهن: 202، أريد أن أحدثك قليلا.
202 ببعض الاستغراب: ما الأمر.
أشار لها بيده أن تخرج إليه ففعلت، ثم همس لها بما طلبته منه السيدة مادلين..
قامت بإغلاق باب الغرفة و همت بالتوجه معه نحو الغرفة التي ينام فيها الذكور من الأيتام فأوقفتهما إحدى العاملات في الملجأ قائلة بنبرة حازمة: ما الذي تفعله هنا يا...
صمتت قليلا ثم نظرت إلى البطاقة التي على صدره و أكملت سؤالها قائلة: 201؟ لا يجب أن تقترب من مهجع الفتيات.
التفتت نحو 202 و قالت لها بعد أن نظرت إلى بطاقتها هي الأخرى: 202، إلى أين أنت ذاهبة؟ لقد حان موعد النوم.
أثناء ذلك في مهجع الفتيان..
كان الجميع قد استعدوا للنوم حيث تمددوا فوق ملاءاتهم البيضاء النظيفة..
و من بين أولائك الفتية، كان 218 يلح على توأمه بالسؤال عما أرادته السيدة مادلين منه.
قال له 219 ببعض الانزعاج: لا أستطيع إخبارك، لقد أمرتنا ألا نخبر أحدا بالأمر.
وضع 218 كفيه ببعضهما راجيا أخاه بأن يخبره قائلا له: أرجوك لن أخبر أحدا بالأمر.
219: لن أخبرك، و الآن دعني أنم.
قالها ثم أدار جسده للجهة الأخرى معطيا توأمه ظهره، و حينها شعر الأخير بانزعاج شديد و أخذ يمرر إصبعه السبابة على ظهر 219 متخذاً مسارات عشوائية مما جعله يصاب بقشعريرة و رغبة قاتلة في حك ظهره..
أخبر شقيقه بالتوقف بصوت منخفض لكنه رفض ذلك و قال له: لن أتوقف حتى تخبرني.
لم يستطع 219 الاحتمال أكثر فقال لتوأمه: حسنا سأخبرك، لكن إياك أن يعلم أحد بالأمر و بالأخص السيدة مادلين، فهي إن علمت بأني أفشيت السر ستوبخني.
- أعدك بذلك.
و ما أن وعده 218 بعدم إفشاء الأمر، حتى أخبره 219 هامسا في أذنه بما سيحدث غدا و إلى أين سيذهبون.
218: واااه، هذا رائع..
صمت قليلا ثم أردف قائلا بغيظ: لماذا لم تخترني أنا أيضا؟
219: لا أعلم.
218: أنا أيضا أرغب بالذهاب، هذا ليس عدلا.
قالها بصوت مرتفع نسبيا مما جعل 219 يضع يده على فمه لإسكاته ثم قال له: أخفض صوتك.
في هذه اللحظة.. فُتح باب الغرفة ثم قام أحد العاملين في الملجأ بالمناداة على عدة أشخاص ليخرجوا من الغرفة، و كان 219 واحدا منهم.
و حين خروجهم، التقوا بكل من 201 و 202 الذين أخبراهما بما تريده السيدة مادلين، ثم توجه الجميع نحو غرفة مكتبها.
و حين استأذنوها للدخول لرؤيتها، فتحت لهم الباب ثم قامت بإغلاقه بالمفتاح بعد أن تأكدت أن لا أحد يكمن بجوار الغرفة..
في صباح اليوم التالي..
فتحت عينيها و أخذت تلتفت يمنة و يسرة تتفحص المكان الذي تتواجد فيه حاليا بدهشة..
و بينما هي تحرك رأسها، شعرت بألم في الجهة اليسرى من رقبتها.
نظرت للشخص الذي كان نائما على الكرسي بجوارها ثم قالت له بعد أن قامت برجه بعنف: 201، استيقظ..
كانت تلك الرجة كفيلة لجعله يستيقظ و ضربات قلبه تتسارع لشدة الخوف.. فقال لها بانفعال شديد: ماذا دهاك 202؟ لِمَ أيقظتني بتلك الطريقة؟
وضعت يديها على كتفيه ثم قالت له بتساؤل: أين نحن الآن؟ ما هذه الغرفة المتحركة؟
تفحص 201 محيطه بعد سماعه لسؤالها، و بينما هو يلتفت برأسه شعر بنفس الألم الذي شعرت هي به, فوضع يده على الجهة اليسرى من رقبته و التي يندفع الألم منها ليفاجأ بشيء موضوع عليها، و حين قام بإزالته و نظر إليه قال متسائلا باستغراب: لاصق للجروح؟! لا أذكر بأني وضعته.
قال لـ 202: هل يوجد جرح على رقبتي؟
نظرت إلى رقبته من الجهة اليسرى حيث تجلس هي بجانبه ثم قالت له بعد أن تفحصتها جيدا: لا.
و بعد أن قالت ذلك التفتت هي الأخرى محاولة جعل الجزء الأيسر من رقبتها في مجال رؤيته ثم قالت: وأنا، هل يوجد جرح على رقبتي؟ إنها تؤلمني قليلا.
انحنى بجسده للأمام و التفت برأسه محاولا رؤية الجزء الذي أشارت إليه ليفاجأ بوجود لاصق للجروح على رقبتها أيضا.. قام بإزالته ببطء ثم قال لها: لم أجد أي جرح.
"هذا غريب" قالاها بتزامن في نفسيهما.. ثم قاما بالالتفاف للخلف ليجدا أربعة أشخاص آخرين متواجدين معهم، ثلاثة من الأيتام و ممرضة الملجأ السمينة.
اعتدلا في جلوسهما، ثم همست 202 في أذنه متسائلة مجددا عما يكون هذا المكان، صمت 201 قليلا و التفت برأسه جهة النافذة التي كانت تطل على أراضٍ شبه جرداء متحركة.. أخذ ينظر إليها و كأنه يحاول تذكر شيء ما، ثم قال باندفاع: لا بد بأن هذا ما يسمونه بـ السيارة!
202: السيارة؟! ما يكون هذا؟
أجابها بنبرة مملوءة بالثقة: إنها غرفة صغيرة متحركة.. و لديها عجـ.. عجلـ.. عجلات دائرية.
- دائرية؟ لا أرى أي شيء دائري هنا..
أخذت تبحث بناظريها عن شيء مستدير فلم تجد سوى المقود الذي كان يمسك به السائق، فنهضت من مقعدها بسرعة و حاولت الوصول إليه لكن سرعان ما اختل توازنها بسبب اندفاع المركبة التي كانوا على متنها للأمام..
كادت 202 أن تسقط للخلف و يرتطم رأسها بأحد الأعمدة المثبتة في المكان لولا أن أمسكت بها الممرضة بسرعة..
نظرت إلى البطاقة التي على صدرها ثم قالت لها ببعض الحدة: 202، من الخطر أن تقفي في الحافلة و هي تسير دون أن تتمسكي بشيء ما.
"حافلة؟!" قالتها بتساؤل، ثم نظرت إلى 201 و قالت له: إذا لقد كنت مخطئا هذه المرة، اسمها حافلة و ليس سيارة.
شعر 201 بالارتباك و خاطب نفسه قائلا: لكن شيون أخبرني بأن اسمها سيارة.. شيون لا يُخطئ أبدا.
ابتسمت الممرضة عند سماعها ما قالته 202 ثم قالت: الحافلة تشبه السيارة لكنها أكبر من الداخل.. أي أنه لم يكن مخطئا تماما.
صمتت قليلا ثم أردفت قائلة: عودي إلى مقعدك و لا تبرحيه حتى نصل.
202: إلى أين؟
الممرضة: إلى المشفى لإجراء الفحص.
202: أه صحيح.
201: أيتها الممرضة.
التفتت نحوه ثم قالت: ماذا؟
هل تسمحين لي بالذهاب لرؤية المدرسة لبعض الوقت بعد انتهائنا من إجراء الفحص؟
كان طلبه بسيطا، لكن حين سمعته الممرضة بدت عليها علامات الارتباك، فابتسمت و قالت له: سأحاول ذلك.
ابتسم بسعادة ثم التفت بناظريه نحو النافذة التي على يمينه و أخذ ينظر إلى المناظر الطبيعية التي لم يرها من قبل سوى في بعض اللوحات التي كانت معلقة على بعض الجدران في الملجأ، و التي لم يعد لها وجود و اختفت كما اختفى شيون تماماً..
بعد فترة من الزمن..
219: ألم نصل بعد؟
كان سؤاله موجها إلى 202 التي تجلس أمامه.. و حين سمعت سؤاله، قامت بتمريره إلى 201 قائلة: ألم نصل بعد؟
201: لا.
استدارت نحو 219 و أجابته على سؤاله بالنفي، فقال لها: متى سنصل؟
و كالمرة السابقة، قامت بسؤال 201 نفس السؤال فأجابها ببعض الغضب: توقفوا عن سؤالي عن كل شيء فأنا مثلكم لا أعلم.
لحظتها، امتدت يد أمام ناظريه تمسك بقطعة من الخبز.
رفع ناظريه إليها ليجدها تلك الممرضة التي رافقتهم تنظر إليه مبتسمة و تقول له: تفضل بعض الخبز، فالطريق لا يزال طويلا.
أخذها من يدها فناولته بعدها قنينة من الحليب، ثم اعطت الفتاة التي كانت تجلس بجانبه المثل و الصبي الذي كان خلفهم أيضا، و أكملت طريقها نحو الأمام.
التفت 201 نحو الآخرَيْن الذَيْن كانا معه ليجدهم يتناولان الخبز و الحليب أيضا، فأعاد ناظريه إلى ما بين يديه و أخذ قضمته الأولى ثم شرب رشفة من الحليب..
أثناء ذلك كانت الفتاة التي تجاوره قد التهمت حصتها بأكملها و شربت الحليب حتى آخر قطرة ثم قالت بصوت لا يدل على الرضى: أهذا كل شيء؟! لا أزال جائعة.
و بعد ان قالت ذلك، ناولها 201 نصف قطعة الخبز التي كانت معه و ما تبقى من الحليب في القنينة..
نظرت إليه بدهشة ممزوجة بالسعاده ثم قالت له: هل آخذها حقا؟!
201: نعم، فمن السعادة لا شهية لي للطعام.
- شكرا لك.
قالتها بعينين تتلألآن ثم بدأت بتناول ما أعطاها إياه، و بينما هي تفعل ذلك قال لها 219 ببعض التهكم: أنت شرهة جدا 202.
رمقته بنظرات مرعبة ثم قالت له بصوت حاد: لم أسمع، أعد ما قلته؟
لحظتها.. ابتسم بارتباك ثم قال لها: لا شيء.. هههه لقد كنت أحادث نفسي.
ضحك 201 ضحكة خفيفة ثم أعاد ناظريه نحو السماء التي يراها من خلف زجاج نافذة الحافلة..
و بعد عدة دقائق..
توقفت الحافلة بجانب مشفى كبير يقع بالقرب من عدد قليل من المباني، ثم نهضت تلك الممرضة و توجهت إلى داخل المشفى لتخرج بعدها برفقة اتنين من الممرضين و الذين يحملون معهم عدداً من أسرة النقل البيضاء مساوياً لعدد الأيتام الذين هم بداخل الحافلة..
بدؤوا بإدخالهم إلى المشفى الواحد تلوَ الآخر، و الغريب بالأمر أنهم جميعا كانوا نياماً نوماً عميقاً و كأنهم أموات.
خرج أحد الأطباء من المشفى و توجه نحو الممرضة ثم قال لها: منذ متى أعطيتهم الجرعه؟
- منذ 20 دقيقة تقريبا.
- جيد، إذا يمكننا مباشرة العمليات في الحال.
التفت إليهم ثم أردف قائلا: يا للمساكين، لا يعلمون بأن حياتهم على وشك الانتهاء.
و ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة..
نهاية الفصل الأول..
بعد أن انتهت أولى فصول الرواية، لا أريد منكم سوى إبداء آرائكم و انتقاداتكم
و ربما سأبدأ بوضع الأسئلة في الفصل القادم، الذي سيكون بعد اسبوع من الآن
أتمنى أنكم قد استمتعتم في القراءة.. :em_1f605:
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل الثاني..~
خرج أحد الأطباء من المشفى و توجه نحو الممرضة ثم قال لها: منذ متى أعطيتهم الجرعه؟
- منذ 20 دقيقة تقريبا.
- جيد، إذا يمكننا مباشرة العمليات في الحال.
التفت إليهم ثم أردف قائلا: يا للمساكين، لا يعلمون بأن حياتهم على وشك الانتهاء.
و ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة..
انقضت دقائق قليلة تم خلالها حمل الجميع إلى غرفة صغيرة نسبيا تقع بداخل غرفة تحفظ بها الجثث..
لكن، ساور الممرضان اللذان كانا يتحققان من أجساد الأيتام شك بشأن أحدهم.. فقد كان لون جسدها شاحبا.. فقاما بجس نبضها من معصمها، و حينها اكتشفا بأنها قد فارقت الحياة و أن جسدها قد أصبح باردا.
شعرا بالهلع، و قاما بإبلاغ الممرضة التي كانت ترافق الأيتام فأمرتهم بإحضار أحد الأطباء ممن يثقون به لمعرفة وقت الوفاة و أسبابها، فقد يكون بالإمكان الاستفادة منها حتى بعد وفاتها.
ذهب الممرضان، و بقيت الغرفة خالية بلا مراقبة حيث كانت تلك الممرضة قد اجتمعت مع الطبيب الذي أشرف على نقل الأيتام من الحافلة..
كانت تتناقش معه بشأن عملية ما، و كانت تضع ترتيبا لدخول الأيتام إلى غرفة العمليات..
كان ترتيبها كالتالي: 198 - 201- 210 - 219، و كانت تجادل بشأن 202 فيما إذا تبين بأنه يمكن إجراء العملية فستكون أولى العمليات بها هي و من ثم 198.
بينما في مثل هذا الوقت..
فتح أحدهم عيناه و أخذ يتلفت حوله يمينا و شمالاً متسائلا أين يكون الآن؟
نهض من على السرير الذي كان يرقد عليه و من حوله أسرة أخرى تحوي الأربعة أيتامٍ الذين كانوا معه في الحافلة..
توجه نحوهم الواحد تلو الآخر لإيقاظهم لكن دون جدوى، و كانت 202 هي آخر من حاول إيقاظها.. و حين لم تستجب له تأفف بانزعاج و قال لها: لا أعلم كيف تستطيعين مواصلة النوم و جسدك بارد كالثلج.
ثم غادر الغرفة دون أن يعلم أحد بأمره..
أخذ يركض بسعادة في أروقة المشفى و ينظر إلى كلّ ما يلفت ناظريه بعينان لامعتان..
شاهد العديد من الناس يكتبون على ألواح يحملونها و آخرين على أوراق صغيرة يسلمونها للبعض الآخر فشعر بسعادة عارمة و قال باندفاع شديد: لا بد بأن هذه هي المدرسة، لا بد بأننا قد انتهينا من إجراء الفحص.
و بعدها.. أخذ بسؤال أياً من يراه عمّا إذا كان هو الشخص الذي سيعلمه القراءة و الكتابة، حتى المرضى الذين كان يتم نقلهم على السرير بسرعة لخطورة حالتهم جرى بمحاذاتهم و أخذ بسؤالهم.. لكن، لم يعره أحدٌ أي اهتمام و كأنه كان غير مرئي.
أخذ يتجول في الأروقة إلى أن توقف أمام المصعد الذي جذب انتباهه ببابه الذي يغلق و هو مليء بالناس ثم يفتح و هو خالٍ أو يحمل أشخاصاً آخرين..
تملكه الفضول و أراد أن يعلم ما الذي يحدث في تلك الحجرة الصغيرة، فدخل بين ركاب المصعد و توجه معهم إلى مختلف الطوابق..
لكنه لم يخرج إلى أي طابق منها، بل اكتفى بالبقاء بداخله..
وحين أصبح المصعد خالياً تقريبا، جذب انتباهه أزرار مرقمة فقال باندفاع: أنا أعرف قراءة هذه الأرقام!
توجه نحوهم و أردف قائلا: هذا واحد، و هذا اثنان، و هذا ثلاثة..
و بينما هو يقرأ تلك الأرقام سمع ضحكة خفيفة مصدرها أحد ركاب المصعد، وحين التفت إليها وجدها ترتدي الأبيض من رأسها إلى قدميها..
لقد كانت ممرضة تعمل في ذاك المشفى، لكن لم تكن هي الوحيدة التي ضحكت، بل الراكبان الآخران الذين كانا في المصعد..
احمرت وجنتاه خجلا و ابتعد عن الأزرار..
و حين فُتح باب المصعد خرج منه بسرعة كي يبتعد عن أنظارهم، و بينما هو يسير في أحد الأجنحة في الطابق الخامس، رأى الممرضة السمينة التي كانت ترافقهم في رحلتهم تقف بجوار رجلين يرتديان رداءا أبيضا فتوجه نحوها بسعادة، وحين رأته همست بشي لمن كانا بجانبها فاتجها نحوه بخطىً متسارعةٍ و أمسكا به بشدة..
لم يفهم ما كان يجري حينها و حاول إفلات نفسه منهما لكنه لم يستطع، وجه نظراته نحو الممرضة ليراها تمسك بيده و ترفع كم قميصه ثم قامت بحقنه بإبرة جعلته يشعر بثقل في بدنه ، بدأ التشويش يطغى على رؤيته و سمعه، و لم يعد قادرا على حمل جسده، لكنه كان لا يزال واعيا بشكل جزيء.
قاموا بجره إلى مصعد عمال النظافة حيث لن يلاحظهم أحد، ثم نزلوا به إلى الطابق الأول حيث غرفة العمليات..
كان مصباحها الأحمر لا يزال مضيئا، و بالرغم من ذلك فتحوه و توجهوا للداخل معه، ثم قاموا بتغيير ثيابه إلى رداء العمليات الأبيض و وضعوه فوق سرير أبيض ذو عجلات.. و بعد أن قاموا بتغيير ثيابهم هم أيضا و ارتدائهم رداءا أخضر اللون، غطاءا للرأس و أقنعة للوجه، قاموا بدفعه إلى حيث كان الطبيبان يجريان عملية لشخص ما..
كان 201 ممددا على السرير غير قادر على الحركة، لكن وعيه كان لا يزال حاضرا..
كان رأسه ملتفتا نحو الشخص الذي كانت تجرى له تلك العملية.. و بالرغم من أن نظره كان مشوشا بعض الشيء، إلا أنه استطاع التعرف على هوية من كان الأطباء يمزقونه..
" إنه 219..! ما الذي يفعلونه به؟ أهذا هو الفحص الطبي؟ لقد ظننت أننا انتهينا منه.. ألهذا كانت الممرضة غاضبة علي قبل قليل؟ "
استمر بالتحديق بهم بينما كانت تلك التساؤلات تراوده، لقد رآهم و هم يستخرجون الأعضاء الداخلية الخاصة بـ 219، التوأم ذو الثانية عشرة من عمره..
رأى كمية الدماء التي كانت تخرج من جسده الصغير، و كانت أذناه تلتقطان أصوات التمزيق.. لكنه لم يكن يعلم معنىً للذي كان يجري..
و بعد دقائق معدودة، قال أحد الطبيبين: لقد انتهينا من هذا، فليأخذ أحدكم الأعضاء و ليحفظها جيدا، و لتقوموا بتجهيز المتبرع الأخير في الحال.
قام العاملون بتنظيف الأرضية و تعقيمها بسرعة، و قاموا باستبدال الأدوات بأخرى لا تزال في أكياسها المعقمة.. و بعدها، قام أحد الممرضين بدفع السرير الذي يتمدد عليه 201 إلى وسط الغرفة..
نظر إليه الطبيبان ثم قال أحدهما: أهذا هو الشخص المفقود؟
أجابته الممرضة: نعم، لقد قمنا بتخديره قبل قليل لكنه لا يزال واعيا بعض الشيء، أعتقد بأنه يحتاج لتخدير إضافي.
- لا وقت لذلك، فقد أضعنا الكثير من الوقت خلال فحص تلك الفتاة التي لم نستفد منها شيئا و كل ذلك بسبب الممرضين قليلي الخبرة أمثالك، كما أني بدأت أشعر بالتعب و أريد أن أنتهي من هذا العمل المتعب.
قالها بنبرة لا مبالية بينما كانت هي دهشةً بعض الشيء..
نظر إليها ثم أردف قائلا: ضعي له المخدر الوريدي، فهو لن يشعر بالألم، أليس كذلك؟!
أومأت برأسها بالإيجاب و فعلت ما أمرها به ثم تراجعت للخلف عدة خطوات إلى أن اقتربت من جدار الغرفة و أخذت تنظر إلى ذلك الطبيب بعينين ملِئتا رعباً، ثم قالت في نفسها "بدأت أشك في كونه إنساناً"..
صحيح بأنها تعتبر شريكة في ما يجري حيث كانت مسئولة عن وضع المنوم للأيتام في قطع الخبز و قنانيّ الحليب، لكنها لم تصل إلى ذلك المستوى من انعدام الإنسانية..
وجه الطبيبان مصباح العمليات إلى جذع 201 بعد أن قام أحدهم بوضع قناع الأكسجين على وجهه و فتح الرداء الذي كان يرتديه، بينما أمسك الآخر بقلم و بدأ برسم بضعة خطوط متقطعة على جسده..
رسم خطا على خاصرة 201 اليمنى، ثم على خاصرته اليسرى و قال: الكليتان.
بعدها رسم خطوطا متفرقة على منطقة البطن و قال: الطحال و الكبد.
ثم رسم ثلاثة خطوط على صدره و قال: الرئتين و القلب.
و انتهى برسم دوائر متقطعة حول عينيه ثم قال: هذا آخر ما سيتم استخراجه.
و مع كل خط رسمه ذلك الطبيب، كان 201 يتذكر منظر شيون و هو يشير إلى نفس المنطقة التي رُسم عليها..
قال في نفسه بينما كان الطبيبان يجهزان المشارط "أهذا ما حاول شيون إخباري بشأنه ذلك اليوم؟ هل كان يحاول تحذيري من إجراء الفحص؟"
لحظتها.. قام أحد الطبيبان بتقريب مشرط نحو ناظري 201 ثم قال له: لا تقلق فأنت لن تتذكر شيئا مما حصل هنا بعد انتهائنا، فـ الميتون لا ذاكرة لهم.
حاول جاهدا الحراك من مكانه لكن دون جدوى و كان حينها يفكر ملياً بالذي حصل لـ 219 قبل قليل و كيف استخرج الطبيبان قلبه..
"لا.. لابد بأنني أرى كابوسا، هذا ليس صحيحا.. هل، هل سيقتلونني؟"
و حين قام الطبيب بتقريب المشرط من أول خطوط القطع و التي تخص الكلية اليمنى، انقطعت الكهرباء فجأة و خيم الظلام على الغرفة..
شعر أحدهما بالهلع فقال له الآخر: انتظر، فسيعمل المولد الاحتياطي بعد بضع ثوانٍ.
تأفف منزعجا ثم أردف قائلا: هذا ما كان ينقصني، و كأننا لم نكن متأخرين عن جدولنا قبل حدوث ذلك.
مرت دقائق عدة، لكن المولد الإضافي لم يعمل حتى الآن، فأمر أحد الطبيبين الممرضة بالخروج و الاستعلام عن سبب ذلك..
و في اللحظة التي فتحت بها الباب، فوجئت بمنظر الناس الذين كانوا يركضون باتجاه واحد و بمنظر يثير الرهبة، و دخلت أصوات صرخاتهم إلى داخل غرفة العمليات..
"حريق.. حريق.. انجوا بحياتكم، أخرجوا المرضى.. هذا ليس تدريبا"
هذا ما استطاع جميعهم سماعه من تلك الضجة..
تجمدوا للحظات وكأنهم يحاولون استيعاب ما كان يجري في الخارج.. ثم صرخ أحد الطبيبين قائلا: الأعضاء.. انقلوا الأعضاء إلى خارج المشفى.
أسرع الممرض المتبقي في الغرفة إلى حيث يحتفظون بالأعضاء، بينما كانت الممرضة هي أول الهاربين من غرفة العمليات..
لم يتبقى في الغرفة الآن سوى 201 و الطبيبان اللذان ازدادا هلعا حين بدأ الدخان يتكاثف في الداخل..
قال أحدهما للآخر: اسمع، أنا سأقوم بإخراج المستندات و أنت أخرج هذا الفتى من هنا.
أومأ برأسه بالإيجاب ثم أسرع نحو السرير الذي يرقد 201 فوقه و قام بفصل أنبوب المخدر و قناع الأكسجين عنه ثم بدأ بدفعه للأمام لكنه كان ثقيلا جدا.. فاستوعب حينها بأن المكابح كانت موضوعة فقام بتعطيلها ثم دفع السرير باتجاه الباب حيث خرج الطبيب الآخر من الغرفة لتوه حاملا معه المستندات التي تخص التبرع و المبالغ المالية المحولة إلى حسابه المصرفي..
و بينما هو يفعل ذلك صدر صوت انفجار قوي اهتزت على أثره الأرضية قليلا، فحاول الطبيب الإسراع بالخروج من الغرفة غير آبه بالأسلاك التي كانت تملأ المكان و التي علق أحدها بـ أحدى أرجل السرير مما جعله ينقلب على الأرض هو و من كان يدفعه..
نهض الطبيب من على الأرض و حاول أن يجر 201 معه إلى الخارج، لكنه حين قام بإمساك ذراعه صدر صوت انفجارٍ آخر ذو صوتٍ عالٍ و قريبٍ جدا جعل الغرفة تهتز و تخرج الأتربة من زواياها.. و عندها، هرع الطبيب خارجها تاركاً ذلك الفتى ذو السادسة عشرة من عمره ممدا على بطنه و من فوقه يتجمع دخان أسود كثيف..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
"أشعر بحر شديد و أرغب بالنهوض لكنني لا أستطيع تحريك جسدي.. أرغب بالالتفاف برأسي كي أستطيع التنفس بسهولة فالأرضية تجعل الأمر صعبا علي.. ..... أكاد أختنق.. سوف أموت.. لكنني لا أريد أن أموت الآن.. أرغب بتعلم القراءة و الكتابة.. أرغب بلقاء شيون مرة أخرى.. أرغب بـ... أرغب بـ.."
بدأ 201 بذرف الدموع و البكاء حين استشعر قرب نهايته، و بدأ يفكر بالأشياء التي كان يحلم بفعلها.. و كلما مرت ثوانٍ من الوقت كلما ازدادت كثافة الدخان الذي
بالغرفة و ازداد معه السعال الذي أصابه بسبب الاختناق..
كان يسعل بشدة، و يبكي بشدة أكبر.. لكن صوته كان بالكاد مسموعا بسبب التخدير..
و في لحظة ما.. صدر صوت امرأة تقول بذعر: لقد سمعت صوت سعال صادر من تلك الغرفة.. أخرجوا هؤلاء المرضى من هنا أولا و أنا سألحق بكم بعد أن أتحقق من الأمر..
سمع صوت خطواتها المتسارعة و التي كانت تتجه نحوه، لم يشعر بها حين أمسكت بجسده و قامت بقلبه على ظهره لكنه استطاع رؤيتها بشكل جزئي، و بينما كان وعيه قد بدأ بالتلاشي تدريجيا كان آخر ما استطاع سماعه هو: لا تقلق، ستكون بخير.
تأكدت من أنه لا يزال يتنفس بشكل جيد ثم قامت بالإمساك بذراعه و وضعتها حول رقبتها، و حين همت بالنهوض رأت ورقة لتخطيط العملية التي كانت تجرى هنا، فالتقطتها ظنا منها بأنها ستكون ذات أهمية، ثم نهضت بكل ما أوتيت من قوة لتستطيع جر جسده معها..
لقد كانت ممرضة لم تسمح لها أخلاقياتها بترك أي روح تزهق وسط هذا الحريق الذي التهم معظم مبنى المشفى..
لقد كانت هي نفسها الممرضة التي ابتسمت حين رأته يقرأ أرقام أزرار المصعد كالطفل الصغير.. و حين رأته على هذه الشاكلة، كانت هي أيضا من ذرفت الدموع رأفة لحاله..
و بعد أن قرأت ما كان مكتوبا في الورقة دهشت من الواقع الذي تعيش فيه، و شعرت بأن عليها أن تخبأه في مكان ما، أن تنقذه من هذا المشفى.. فقررت في اللحظة التي خرجت بها و إياه أن تأخذه إلى حيث تقطن في شقة قريبة من موقع عملها، و تأكدت بألا يلاحظها أحد من الحشود الهلعة التي كانت تلتف حول المبنى و تنتظر إخماد النيران من قبل رجال الإطفاء.
في مساء هذا اليوم و بعد أن انتصف الليل..
نهض 201 مذعورا ليجد نفسه في غرفة مظلمة ينبعث نور ضئيل من بابها المغلق جزئيا..
أخذ يلمس أجزاء جسده التي بللها العرق ليتفحصها.. ثم سرعان ما التفت نحو الباب حين فُتح من قبل شخص ما..
قالت حين رأته جالسا على الفراش الذي كان على الأرض: أه.. أنت مستيقظ؟!
أدارت إضاءة الغرفة، و حين فعلت ذلك تراجع بجسده إلى زاوية الغرفة المقابلة للباب و قال بنبرة مرتجفة بينما كان يغطي أذنيه: أريد أن أعود إلى الملجأ.. لم أعد أرغب بتعلم شيء، أنا آسف لأنني طلبت الكثير.. لا.. لا أريد أن أبقى هنا، أريد أن أعود..
كانت تحاول تهدئته لكنه لم يكن يستمع لها، فاقتربت منه.. و بينما هي تفعل ذلك ازداد ارتعاش جسده و ازدادت حدة صوته..
جلست القرفصاء أمامه و أخذت تقول له: لا تخف، ستكون بخير.. لا تقلق لن أسمح لأحد بأن يؤذيك.
و كالمرة السابقة لم يستمع لما قالته..
كانت عيناه متسعتان يملؤهما الفزع.. و كانت شدة قبضتا يديه تزيد من ضغطها على أذنيه و رأسه و هو لا يزال يتمتم بالعودة إلى الميتم..
شعرت بالانزعاج لأنه لم يستجب لها، فقامت بالإمساك بكلتا يديه و أبعدتهما عن رأسه و قالت بصوتٍ عالٍ: اصمت و استمع إلي.
انتفض جسده و اخذ ينظر إلى وجهها الحزين برهبة، فقامت عندها بإفلات يديه و احتضنته بعطف قائلة له: ستكون الأمور بخير، ستكون بخير.
لحظتها.. انفجر 201 باكيا و قال لها بصوت مخنوق: لا أريد أن أبقى في هذا العالم، إنه مخيف.. أريد أن أعود إلى الملجأ، أريد أن أعود إلى السيدة مادلين.
- سأساعدك لتعود.. لكن عليك أن ترتاح قليلا فجسدك لا يزال مرهقا.
- و أصدقائي؟ أين هم أصدقائي؟ 202، 219...198، 210.
ازداد ارتعاش جسده بينما يكمل بصوت يرتجف: 219 كان ينزف الكثير من الدماء، لقد اخرجوا أشياء عديدة منه، كانوا يقطعونه.. لم أره يتحرك.. هل كان نائما؟ هل ما فعلوه مؤلم؟
زادت من شدة احتضانها له و بدأت دموعها تنهمر من عينيها ثم قالت له بعد أن استجمعت رباط جأشها: أصدقاؤك قد غادروا هذا العالم.
- هل عادوا إلى الملجأ؟
صمتت، ولم تستطع الإجابة على سؤاله، و اكتفت بأن أومأت برأسها بالنفي.
ثم همست في أذنه اليمنى: لقد ماتوا جميعا.
تجمد للحظات محاولا تذكر ما تعنيه هذه الكلمة؟ ثم سرعان ما صرخ باكيا و دموع الألم تنهمر من عينيه بحرارة..
"ما الذي سأخبره لـ 218 حين أعود، بل ما الذي سأخبره للجميع.."، هذا كل ما دار في ذهنه ذلك الوقت..
و بعد أن هدأ قليلا، أفلتته و نهضت، ثم مدت يدها نحوه لتساعده على النهوض.. و حين نهض من على الأرض كاد أن يفقد توازنه فأمسكت به ثم سارت معه خطواتٍ قليلة إلى الملاءة التي فرشت على الأرضية.. و بعد أن جلس عليها قالت له: انتظرني، سأعود في الحال.
خرجت من الغرفة ثم عادت بعد بضع ثوانٍ حاملة ملابس نظيفة بين يديها و قامت بتغيير ثيابه بعد أن مسحت له جسده الشاحب، و ما أن انتهت حتى أمرته بالتمدد إلى أن تعد له وجبة ليتناولها..
و بعد عدة دقائق، أحضرت له حساءً و قطعة خبز ليتناولهما.. وحين أمسك بالملعقة و هم بشرب رشفة صغيرة أعاد الملعقة إلى الصحن ثم بدأ بالبكاء بصمت..
سألته عن سبب بكائه فقال لها بأنه يريد أن يعود إلى الملجأ.
تنهدت بعمق ثم قالت له: حسنا أخبرني أين يقع ملجأ الأيتام الذي جئت منه؟
توقف عن البكاء و قال لها بنبرة منخفضة: لا أعلم.
- إذا، هل تعلم اسم الملجأ؟
أومأ برأسه بالنفي فقالت: هل لديك رقم الهاتف الخاص به؟
أومأ برأسه بالنفي مرة أخرى و بدأت الدموع تتجمع في عينيه..
صمتت قليلا ثم قالت له باندفاع: وجدتها.. قد أستطيع إعادتك إلى هناك إن سلكنا نفس الطريق الذي جئت به من الملجأ إلى المشـ..
و قبل أن تكمل جملتها، قاطعها 201 قائلا بعد أن عاد إلى البكاء مرة أخرى: لا فائدة، فقد كنت نائما معظم الطريق..
شدت على قبضة يدها و بدا على وجهها و كأنها قد استنتجت شيئا فظيعا ثم خاطبت نفسها قائلة "هكذا إذا.. لقد تم التخلي عنهم".
حاولت أن تعيد البهجة إليه ليعود كما رأته أول مرة فبدأت بالبحث عن طريقة تجعله ينسى الملجأ تدريجيا و يعرف المعنى الحقيقي لهذا العالم..
و بعد تقليب الأمر في رأسها جاءتها فكرة بسيطة لكنها قد تفي بالغرض، فقالت له بسعادة: لا يزال لدينا حل أخير.
سألها: ما هو؟ فقالت له: علينا أن نجمع المعلومات من الناس عن الملاجئ الموجودة هنا، قد يعلم أحدهم مكان الملجأ إن وصفت له شكله و من يعملون به.
قام بمسح دموعه ثم قال لها: حقا؟!
أجابته: أجل.
- أهذا يعني بأنني سأتمكن من العودة إلى الملجا؟
أومأت برأسها بالإيجاب ثم قالت له: عليك الآن أن تتناول طعامك و غدا سنجمع المعلومات.
- حسنا.
قالها، ثم بدأ بتناول طعامه بصمت.. و بعد أن انتهى حملت هي الأطباق خارجا و أطفأت النور لتتركه لينام.
خرجت من الغرفة و توجهت نحو المطبخ لتغسل الأطباق، و بينما هي تفعل ذلك سمعت صوت خطوات تأتيها من الخلف فانتفضت و التفتت بسرعة ثم قالت: أوه، انه أنت ديلان، لقد أفزعتني.
تنهدت بعمق ثم التفتت نحو المغسلة لتكمل غسيل الأطباق و أردفت قائلة: لمَ لا تزال هنا؟
- لم أستطع تركك لوحدك معه.
ابتسمت ثم قالت: لا داعي للقلق فهو يبدو جاهلا بأمور الحياة، و كل ما يرغب به هو العودة إلى ملجأ الأيتام.
- أنابيل..
قالها بصوت به بعض الحدة الممزوجة بالقلق فالتفتت نحوه و هي تمسح الماء عن يديها مستخدمة مئزر المطبخ الذي كانت ترتديه و قالت له: لا تقلق.. سأكون بخير.
و بعد أن قالت ذلك قامت بدفعه خارج المطبخ قائلة له: هيا اذهب إلى عملك فالقضية بانتظارك.
فتح فمه و كأنه كان يهم بقول شيء ما، لكن قاطعه صوت هاتفه حين بدأ بالرنين.. نظر إلى اسم المتصل ثم قال لها: حسنا.. أنا ذاهب الآن، حين تذهبين للنوم أقفلي باب الغرفة فقد لا أعود حتى ظهيرة الغد.
و بعد أن أنهى جملته خرج من الشقة و أجاب على الهاتف بانزعاج قائلا: أنا في الطريق إليكم.
أغلقت الباب خلفه ثم ذهبت لأخذ حمام دافئ لتسترخي بعد هذا اليوم الطويل و الشاق.. و بعد انتهائها، ذهبت للنوم و فعلت ما أمرها ديلان به.
نهاية الفصل الثاني..
مممممـ.. لا أستطيع التفكير بأية أسئلة ^^"
سأترك لكم المجال مفتوحا للتعليق..
لكني أرغب بشدة في معرفة انطباعاتكم عن القصة، آراءكم ،و انتقاداتكم =)
و ايضا لدي إضافة أخرى في الرد القادم ^_^ ..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
::توضيح::
المخدر الوريدي الذي استخدم على 201 هو ما يسمى بالتخدير "الواعي" أو "التَّركين" عن طريق الوريد: يتم استخدام مادة مخدرة خفيفة لتركين المريض وتخفيف الألم. يظل المريض صاحياً لكنه قد لا يتذكر العملية فيما بعد.
::إضافة::
قمت برسم 201 كما أتخيله أنا
من يريد أن يرى الرسم فليتفضل
و تذكروا بأنه أبيض البشرة، ذو عينان عسليتان و شعر عسلي فاتح.. =)
أتمنى لكم قراءة ممتعة..
و انتظروا الفصل الثالث بعد اسبوع إن شاء الله
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حالكم زوار روايتي الكراام؟
أحضرت لكم اليوم فصلا جديدا على أمل أن ينال اعجابكم..
الفصل الثالث..~
.
.
أغلقت أنابل الباب خلف ديلان ثم ذهبت لأخذ حمام دافئ لتسترخي بعد ذلك اليوم الطويل و الشاق..
و بعد انتهائها، أقفلت باب غرفتها من الداخل كما أوصاها ديلان و أخلدت إلى النوم.
وبعد عدة ساعات، استيقظت أنابيل على صوت المنبه الذي ضبطته لإيقاظها..
قامت بإطفائه ثم نظرت إلى الساعة لتراها تقترب من السابعة و النصف فنهضت مذعورة من السرير قائلة: يا إلهي.. لقد تأخرت عن العمل..
ثم تذكرت بأنها قد منحت إجازة مؤقتة هي و جميع من كان يعمل في المشفى الذي احترق البارحة و سيتم نقلهم إلى مستشفيات أخرى إلى أن يتم الانتهاء من أعمال الصيانة و الترميم.
أرادت أن تستأنف نومها فهي لا تزال تشعر بالإرهاق.. لكن، حين لامست خصلات شعرها الشقراء الوسادة الناعمة نهضت مذعورة مرة أخرى و قالت مخاطبة نفسها "لقد نسيت أمر الفتى.."
خرجت من غرفتها و ذهبت لتفقد 201 في الغرفة التي كان ينام بها لتجده يقف عند النافذة و ينظر خارجها..
طرقت الباب فالتفت إليها ثم قالت له: هل تشعر بتحسن؟
أومأ برأسه بالإيجاب ثم قال لها بعد ان ابتسم ابتسامة باهتة: الموتى يذهبون لمكان أفضل، أليس كذلك؟
أجابته بابتسامة مريحة: بلى، هو كذلك.
- هذا جيد.
انتبهت إلى عينيه العسليتين المتورمتين لكثرة البكاء لكنها حاولت ألا تثير آلامه مرة أخرى، فقالت له بنبرة هادئة: سأعد طعام الفطور، هل ترغب بشيء محدد.
أومأ برأسه بالنفي فضحكت برقة و قالت: حسنا، تعال واجلس معي في المطبخ.
توجهت نحو المطبخ فتبعها ثم أشارت إليه بالجلوس على أحد الكراسي عند طاولة الطعام المستديرة..
فتحت الثلاجة و همت باستخراج شيء لتعده للفطور لكنها توقفت و قالت مخاطبة نفسها "آه تذكرت.. لقد نفذ البيض و الحليب، يا إلهي أصبحت أنسى كثيرا"
أغلقت باب الثلاجة و التفتت إليه ثم ابتسمت و قالت: ما رأيك أن نتناول طعام الفطور بالخارج.
ارتعش جسده و وجه ناظريه نحو حوضه حيث كان يضع يديه و قال لها بارتباك: لا.. إن الخارج مخيف، أريد أن أبقى هنا إلى أن أعود إلى الملجأ.
- لماذا..؟ لماذا يخيفك هذا العالم؟
قالتها بينما كانت تنظر إليه بنظرات جادة..
فالتفت إليها و قال بعد أن بدأ صوته بالارتجاف: الأشخاص هنا مخيفون.
- أنا أعيش في العالم الذي تشير إليه، هل تجدني مخيفة؟
لم يستطع قول شيء لها، بل اكتفى بالإيماء برأسه بالنفي بشدة.
جلست على الكرسي المقابل له ثم وضعت كفيها أسفل ذقنها لتسند رأسها و قالت له بينما كانت تنظر إليه: اسمعني، في هذا العالم هناك نوعان من الأشخاص، هناك الجيدون و هناك السيئون.. ربما أنت قابلت الأشخاص السيئين فقط، لكن هذا لا يعني بأنك لن تقابل أشخاصا جيدين.
استمر بالنظر إليها بينما كانت هي تكمل حديثها قائلة: أنا أرى بأن عالمنا جميل، ليس لأنني لم أقابل أناساً سيئين بل قابلت الكثير، لكنني محاطة بالعديد من الأشخاص الجيدين و الطيبين الذين يجعلون عالمي جميلا.
صمتت قليلا ثم أردفت قائلة: أنا متأكدة بأنك ستقابل العديد من الأشخاص الذين سيلونون لك حياتك و يغيرون نظرتك تجاه هذا العالم.
و بعد انتهائها من قول ذلك أخذت تحدق به لبضع ثوانٍ بينما أشاح هو بناظريه إلى حوضه مرة أخرى، ثم قالت سائلة إياه: حسنا، ما قولك؟
بعد فترة من الزمن و في مكان آخر..
تجلس تلك المرأة التي تبدو في منتصف العشرينات من عمرها مع الفتى الذي يبلغ السادسة عشرة من عمره على طاولة لشخصين في مطعم عائلي متواضع..
كانت تمسك بقائمة الطعام و تخاطبه قائلة: هل قررت ما تريد تناوله؟
بينما كان هو يتفحص قائمة الطعام أيضا لكنه لم يستطع قراءة أي كلمة منه.. فقام بإغلاقه ثم قال لها: أنت اختاري لي.
- حسنا.
قامت بالإشارة إلى النادلة، و حين تقدمت إلى طاولتهم قالت لها: أريد طبقان من الفطور الخاص و..
التفتت نحوه ثم سألته: أيها تفضل؟ الحليب أم عصير البرتقال أم القهوة؟
بدأ بالتفكير في خياراتها الثلاث، ثم قال بعد ثوانٍ قليلة: ما هي القهوة؟
صدمت كلتاهما عند سماعهما لسؤاله، فقالت له أنابيل: إنها.. مممـ.. كيف أستطيع أن أصف مذاقها؟
كان 201 ينظر إليها منتظرا إجابة منها لكنها و عوضا عن وصف مذاقها اقترحت عليه بأن يجربها بنفسه.
و بعد عدة دقائق، أحضرت النادلة وجبات فطورهم و بدؤوا بتناول الطعام..
لكن الفتى لم يلمس كوب القهوة إلا حين أمسكت هي بكوبها و قامت بشرب رشفة منه، ففعل كما فعلت.. لكنه صُدم حين استشعر مرارتها و لم يستطع إخراجها من فمه أمامها فقام بابتلاعها ثم تجمد على وضعيته للحظات..
ضحكت أنابيل حين رأته و سألته ما إذا كانت القهوة قد أعجبته أم لا، لكنه لم يجب.
فقالت له: ربما سيعجبك طعمها إن شربتها مع بعض الحليب و السكر.. هل تريد أن أضيف لك القليل.
أومأ برأسه بالإيجاب، ففعلت ثم قالت له: تذوقها الآن.
كان التردد بادياً عليه لتجربتها مرة أخرى، لكنه قام بأخذ رشفة من القهوة بعد إلحاحها، و حينها.. اتسعت عيناه دهشة و قال بنبرة دهِشة: إنها لذيذة.
نظر إلى أنابيل بعينين تتلألآن و قال لها: هذا رائع، لقد تغير طعمها كثيرا.
ابتسمت و حدقت فيه لوهلة ثم قالت بعد أن تذكرت شيئا ما: ما رأيك بأن نذهب إلى السوق بعد انتهائنا.
قال لها باندفاع: السوق! إنه المكان الذي يشترون منه الأشياء الجديدة و الملابس أليس كذلك؟
- بلى!
قالتها بدهشة، فقال لها: كنت أرغب كثيرا في الذهاب إلى السوق لكن السيدة مادلين لم تسمح لي، كانت تقول بأنني يجب أن أصبح كبيرا أولا.
كان يبدوا مغتاظا بعض الشيء، لكن سرعان ما تحول ذلك إلى حزن بعد أن تذكر الملجأ و قال: هل سنجمع المعلومات بعد انتهائنا من السوق.
- أه، أجل، لكن عليك أن تنهي طعامك أولا.
- حسنا.
قالها بنبرة حزينة جعلتها تتنهد بعمق ثم سألته: كيف كانت حياتك في ملجأ الأيتام؟
اعترته الدهشة حين سمع سؤالها، فهي أول شخص من هذا العالم يسأله هذا السؤال.
أخذت تنظر إليه تنتظر إجابته لكنه لم يجبها، فقالت له: ألا تريد أن تخبرني عنه؟
- بلى.
قالها باندفاع و عيناه تتلألآن فرحا، فابتسمت حينها و قالت له: صِف لي أولا كيف يبدو الملجأ، هل هو كبير؟
201 بنفس النبرة: أجل، إنه كبير جدا و يتكون من طابق تحت الأرض و على الأرض و فوق الأرض.
أنابيل باستغراب: فوق الأرض؟! تعني طابقا علويا..
أومأ برأسه بالإيجاب فأردفت قائلة: إذا هو يتكون من 3 طوابق.
201: و هو واسع جدا.. نحن ننام في الطابق العلوي للملجأ، غرفة الفتيات في الجزء الأيمن، و غرفة الفتيان في الجزء الأيسر.
أنابيل: و الطابق الأرضي؟
201: في الطابق الأرضي توجد غرفة الطعام و المطبخ و غرفة الممرضة و غرفة السيدة مادلين، و هناك ممرات طويلة جدا تطل على ساحة رملية واسعة.
أنابيل: و ماذا يوجد تحت الأرض؟
201: لا أعلم، فالسيدة مادلين منعتنا من النزول إلى هناك.
التزمت الصمت قليلا ثم قالت: أهذا كل شيء؟ أين كنتم تتلقون تعليمكم؟ و أين تلعبون؟
201 ببعض الغيظ: لم تسمح لنا السيدة مادلين بتعلم شيء إلى أن نصبح كبارا، و لم يكن مسموحا لنا باللعب.
أنابيل باستغراب: ما الذي كنتم تفعلونه طوال اليوم إذا؟
201 بنبرة هادئة: كنا نستيقظ يوميا في الساعة السادسة صباحا، نغسل وجوهنا و نغير ملابسنا ثم نبدأ بإجراء بعض التمارين الرياضة ثم نبدأ بتناول طعام الفطور.. و بعد انتهائنا لا يسمحون لنا بمغادرة أماكننا فنبقى جالسين على مقاعدنا إلى أن يؤذن لنا، ثم يأمروننا بالخروج من قاعة الطعام لكن غير مسموح لنا بالخروج من مبنى الملجأ.
أنابيل: حتى إلى الساحة الرملية؟
أومأ برأسه بالإيجاب ثم قال بعد أن ابتسم بمرح: أحيانا كنا نخرج دون علم السيدة مادلين لكنها حين تعلم بذلك تقوم بتوبيخنا بشدة.
أنابيل: و ماذا تفعلون خلال تلك المدة؟
201: لا شيء، أحيانا كنا نلاحق بعضنا البعض في ممرات الملجأ الطويلة إلى أن يحين موعد الغداء، و في بعض الأحيان كنا نقوم بسرد الحكايات.
أنابيل: ما موضوع تلك الحكايات؟
201: بعضها يكون من مخيلتنا، و البعض الآخر عن أشخاص كانوا يتواجدون معنا لكنهم أصبحوا كبارا و خرجوا من الملجأ.
خاطبت نفسها قائلة بانزعاج "عدنا لموضوع الكبار مرة أخرى" ثم قالت له: و بعد وجبة الغداء ماذا كنتم تفعلون؟
201: كنا نجلس أيضا لبعض الوقت إلى أن يسمحون لنا بمغادرة قاعة الطعام، ثم نقوم ببعض التمارين مرة أخرى و يتركوننا إلى أن يحين موعد العشاء، و بعد العشاء نقوم بأعمال التنظيف الموكلة لنا و من ثم نغتسل و نذهب إلى النوم.
- إذا، فكل ما تفعلونه هو النوم و التمارين الرياضية و تناول وجبات الطعام الثلاثة و من ثم التنظيف.
قالتها بنبرة جادة فأومأ برأسه بالإيجاب.
بدأت تفكر بما سرده لها عن الملجأ ثم قالت له: هل الطعام الذي كنتم تتناولونه متنوع؟
201 بسعادة: نعم، كنا نتناول الحليب و الخبز يوميا والخضار و الفاكهة و الحساء أيضا، و كنا نتناول البيض و اللحوم و الأرز بين الحين و الآخر، و أطباقنا كانت تختلف من شخص لآخر و لكن الطهاة لا يسمحون لنا بمشاركة طعامنا مع بعضنا.
أنابيل في نفسها "إذا كانوا يتبعون حمية غذائية صارمة دون علمهم"
تنهدت ثم قالت: يبدو بأن السيدة مادلين كانت قاسية علـ..
و قبل أن تكمل جملتها، قاطعها 201 قائلا باهتياج: هذا غير صحيح، لقد كانت تعتني بنا جيدا و إن مرضنا أو أصبنا بأذى تصاب بالذعر و تحضر لنا الأطباء لمعالجتنا بسرعة.
أنابيل بنبرة جادة: و لماذا لم تسمح لكم بتلقي تعليمكم إذا، أو على الأقل تخصص كم بعض الأيام للخروج من الملجأ قليلا؟
201: أخبرتك بأنه يجب علينا أن نصبح كبارا أولا.
قالها بصوت عالٍ بعض الشيء، ثم صمت لبضع ثوانٍ و قال بنبرة هادئة بينما كان ينظر إلى كوب القهوة الذي بين يديه: في الحقيقة، لقد سمحت لي السيدة مادلين بتعلم القراءة و الكتابة بعد انتهائنا من إجراء الفحص، لكن..
بدأ الحزن يعود إليه مرة أخرى بعد أن تذكر ما حدث له البارحة، فقالت له أنابيل محاولة التخفيف عنه: أنا أعرف القراءة و الكتابة.
201 باندفاع: حقا؟!
أومأت برأسها بالإيجاب ثم قالت بعد أن ابتسمت برقة: هل تريد أن أعلمك؟
- هل يمكنك ذلك؟
قالها بسعادة فقالت له: أجل، و سأعلمك الكثير من الأشياء عن هذا العالم أيضا، لكن علينا أولا الانتهاء من جولتنا.
- حسنا.
قالها بسعادة ثم عاود تناول وجبة الفطور، بينما بدت على أنابيل علامات الاستياء و بدأت بمخاطبة نفسها "أي نوع من البشر هي تلك السيدة مادلين؟ وما خطب كذبة عالم الكبار؟؟ هه، تخاف عليهم لذا لا تسمح لهم باللعب؟ ما هذا؟"
أخذت تنظر إلى 201 بينما كان يأكل طعامه بسعادة ثم أكملت في نفسها "أرغب بتوضيح الأمر له لكني أخشى عليه، فهو يبدو متعلقا جدا بالملجأ و بها، (تنهدت ثم أردفت قائلة).. علي أن أجعله ينسى ذلك المكان، فهو يجب ألا يعود إليه أبداً"
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
بعد ساعة في محل لبيع ملابس رجالية..
- ما رأيك بهذا القميص؟
كانت أنابيل تمسك بقميص أبيض مبكر بخطوط زرقاء داكنة عريضة و رفيعة و خطوط فضية رفيعة و لامعه.
تفحصه 201 لوهلة ثم قال لها: مممـ لا أعلم.
- ماذا، ألم يعجبك؟
- بلى.
ناولته إياه ثم قالت له: اذهب إلى تلك الغرفة و جربه.
201 باستغراب: من، أنا؟
ابتسمت بعفوية ثم قالت: من غيرك؟ فهذه ملابس للرجال. أم أنك مرتاح بالملابس التي ترتديها؟
كان ما يرتديه عبارة عن بنطال جينز يبدو طويلا نسبيا و واسعا بعض الشيء، و بلوزة طويلة صفراء ذات أكمام خضراء طويلة، و كانت تبدو كبيرة عليه.
نظر إلى ما كان يرتديه ثم قال: هي كبيرة بعض الشيء لكن لا بأس بها.
قامت بدفعه إلى غرفة التبديل و أعطته بنطال جينز جديد و بلوزة بيضاء أيضا ثم أمرته بتجربتهم مع القميص.. و بعد انتهائه خرج فأخذت تنظر إليه بعينيها الزرقاوتين لبعض الوقت ثم قالت: هكذا أفضل بكثير.
و ما أن انتهيا من المتجر، حتى بدآ رحلتهما في أرجاء المدينة..
كانت أنابيل تحاول إرشاد 201 حول المرافق المتوفرة بها، و القوانين العامة التي يجب إتباعها في الشارع.. و بينما هي تفعل ذلك، كان هو يتأمل المدينة من حوله.. ينظر إلى الأشخاص الذين يسيرون في الشوارع..
فمنهم من يسير و حيدا، و منهم من يسير في أزواج، و آخرون يسيرون كمجموعات من ثلاثة أو أكثر..
رأى المتاجر المتنوعة و الباعة المتجولون أيضا.. و جذب انتباهه أحدهم حيث كان يبيع عددا من السلاسل فتوجه نحوه دون انتباه من أنابيل..
كان يحدق إلى ما يبيعه ذلك الرجل و الذي كانت ملابسه رثة بعض الشيء ثم قال له بينما كان يمعن النظر في إحدى السلاسل و التي كانت تحمل مفتاحا ذهبيا: إنها تشبه التي كان يرتديها شيون.
قال له البائع: هل تريدها؟
201: هل يمكنني الحصول عليها؟
البائع: نعم، فكل شيء هنا معروض للبيع.
و بعد أن قال ذلك، شعر 201 بالسعادة و قام بأخذ تلك السلسلة ثم هم بالرحيل، لكن البائع قام بسحبه من كم قميصه و أمسك بيده بشدة قائلا له: إلى أين أنت ذاهب؟ عليك أن تدفع ثمنها أولاً.
حاول الفتى أن يفلت منه لكنه لم يستطع فقال له البائع: أعدها إلي أو ادفع ثمنها.
- لا أريد أن أعيدها، أنت سمحت لي بأخذها.
قالها بعناد و كأنه طفل صغير، و حينها.. قام البائع بالصراخ بصوتٍ عالٍ: إنه لص، أيها الناس.. إنه لص يحاول السرقة من رجل فقير مثلي.
التفت الجميع نحو مصدر الصوت و بدؤوا بالاقتراب من المكان الذي يقفان به، و أثناء ذلك.. انتبهت أنابيل بأن 201 لم يعد موجودا خلفها، فبدا عليها القلق و بدأت
بالبحث عنه بدءا من الطريق الذي جاءت منه..
و بعد وقت قصير، سمعت صوت رجل يصرخ و رأت تجمع العديد من الناس حوله، توقفت قليلا لتلتقط أنفاسها.. وحين انتهت و همت بمتابعة البحث، سمعت صوت 201 يصرخ قائلا: دعني أذهب، أفلت يدي.
أسرعت نحوهم و اندفعت من بين الحشود لتتجه مباشرة نحو البائع و قامت بضرب يده بحقيبتها بشدة مما جعله يفلت ذراع 201..
قالت له وسط دهشة الجميع بعد أن اختبأ الفتى خلفها: ما الذي يجري هنا؟
أجابها البائع غاضبا: هذا السارق أخذ السلسلة و لم يدفع شيئا.
التفتت نحو 201 و قالت: أهذا صحيح؟
أشاح بناظريه نحو الأرض و أمسك السلسلة بين يديه بشدة ثم قال بارتباك: لكنه سمح لي بأخذها..
لحظتها، صرخ البائع مرة أخرى قائلا: قلت لك بأنها للبيع، و لم أعطِك إياها بالمجان.
تنهدت أنابيل ثم قالت للبائع: كم ثمنها؟
- جنيها و أحد عشر بنسا.
ناولته النقود ثم أمسكت بيد 201 و أسرعت بالابتعاد عن المكان..
قالت له بينما كانت تجره خلفها: اسمعني جيدا.. في هذا العالم، عليك أن تدفع ثمنا مقابل أي شيء ترغب به.. فلا يوجد شيء بالمجان.
- أدفع ماذا؟
توقفت ثم استدارت نحوه بعد أن أفلتت يده و قالت: هل رأيت الورقة و القطع النقدية التي أعطيتها للبائع قبل قليل؟
أومأ برأسه بالإيجاب فقالت: هذا ما يجب عليك دفعه.
قامت بفتح محفظتها و أخرجت بعض العملات الورقية منها ثم قالت له: هذه الأوراق هي عملة بلادنا و تسمى بالجنيهات.. و كل جنيه ينقسم إلى مئة بنس و التي هي هذه القطع النقدية..
نظر إليها ببعض الاستغراب ثم قال بعد أن لمعت عيناه: لماذا هي تحمل أرقاما مختلفة؟
حينها، قامت أنابيل بتعليمه كل شيء عن النقود و المعنى من أرقامها و كيف تستعمل و من أين تأتي..
و بعد شرح دام ربع ساعة تقريبا، قال 201 باندفاع: إذا، لكي أحصل على معلومات عن الملجأ علي أن أدفع مالا.. و لكن، كيف سأحصل على المال؟
أنابيل: عليك أن تجد عملا..
و بعد أن قالت ذلك رأت ملامح اليأس التي كانت تبدو عليه، فقالت له بعد أن أمسكت بيده مرة أخرى: فلنؤجل هذا الأمر لوقت آخر، ولنذهب إلى السوق المركزي فعلي أن أشتري بعض المقادير لأعد وجبة الغداء.
بعد فترة من الزمن..
أدار قفل الباب بمفتاحه ثم توجه إلى الداخل قائلا بصوتٍ عالٍ نسبيا: لقد عدت.
لكن أحدا لم يجبه.
شعر ذلك الرجل الطويل ذو الشعر الأسود ببعض القلق، و بدأ بتفقد مرافق الشقة مناديا باسمها لكن دون جدوى، فأخرج هاتفه و قام بالاتصال عليها..
سمع صوت هاتفها يرن، فاتجه نحو مصدر الصوت الذي كان يعلو تدريجيا كلما اقترب من باب الشقة..
و حين قام بفتحه، فوجئ بها تقف أمام الباب منهمكة بالبحث عن شيء ما بداخل حقيبتها.
سألها عن سبب عدم إجابتها للهاتف فقالت له بأنها كانت تحاول إخراجه من الحقيبة..
تنهد بعمق ثم قال: لقد قلقت عليك، ظننت بأن مكروها قد أصابك حين لم أجدك.
ابتسمت ثم قالت له: أخبرتك بأنه فتى مسكين، لا داعي للقلق ديلان.
ديلان: بالمناسبة، أين هو؟
و ما أن قال ذلك، حتى وصل 201 إلى حيث تقف أنابيل و كان يحمل بضعة أكياسٍ بين يديه.. لكنه حين رأى ديلان، أسرع نحو أنابيل و قام بالإمساك بطرف كمها بعد أن أفلت أحد الأكياس من يده.
بدا على ديلان الانزعاج الشديد مما فعله، و قام برفع حاجبه الأيسر للأعلى، بينما قالت أنابيل لـ 201: لم أعرفك به، إنه خاطبي و يدعى ديلان.
201 بتساؤل: ما هو الخاطب؟ هل هو نفس الأخ؟
ضحكت بشدة حين سمعت ذلك ثم قالت: لا.. لكنه كالعائلة.
نظرت إلى ديلان الذي كان مصدوما مما سمعه ثم قالت له و هي تتوجه إلى الداخل بينما كانت تحاول إخفاء ضحكتها: سأعد لك طبقك المفضل اليوم، تعال و ساعدني في المطبخ.
التفتت نحو 201 ثم أردفت قائلة: و أنت أيضا أيها الفتى، أم أنك تفضل البقاء في الخارج؟
قام بالتقاط الكيس الذي على الأرض ثم أسرع نحو الداخل قائلا باندفاع ممزوج بالسعادة: أ.. أنا قادم.
مرت ثلاثة أيام بعد تلك الحادثة قضاها الفتى اليتيم في تلك الشقة المتواضعة.. تعلم خلالها بعض الأشياء من أنابيل التي كان يلازمها أينما تذهب و كأنه طفل ملتصق بوالدته، و هذا الشيء أثار جنون ديلان الذي بدأ يغار على مخطوبته الشابة.. حيث كان يتناقش معها كلما أتيحت له الفرصة بشأن إرساله إلى أحد الملاجئ المتوفرة في المنطقة لكنها كانت تأبى ذلك..
قال لها بأن الفتى بلا هوية إثبات و لا يملك اسما حتى، و أخبرها بأن بقاءه معهم سيشكل خطرا عليه إن علم أحد من مركز الشرطة بأمره..
وبعد أن تم إبلاغها عن المكان الذي ستعمل به و متى ينبغي عليها البدء، بدأت أنابيل بالتفكير مليا بأمر 201 و إلى أين سترسله؟
تذكرت والدتها التي تعمل في خدمة إحدى العائلات المرموقة فقامت بالاتصال بها لكنها رفضت محادثتها في البداية، و بعد إصرار منها وافقت والدتها على مكالمتها فأخبرتها أنابيل كل شيء عنه عدى عن كونه لا يحمل هوية و رجتها بأن تجد له عملا في ذلك المنزل.
كان يبدو على والدتها التردد في البداية، لكنها وافقت و أخبرتها بأنها ستحدث رب عملها بالأمر أولا..
أغلقت أنابيل الهاتف و التفتت للخلف لتفاجأ بـ 201 يقف عند الباب حيث كان قد سمع المحادثة عرضاً..
فقال لها بنبرة حزينة ممزوجة بالدهشة: هل ستتخلين عني؟
.
.
نهاية الفصل الثالت..~
::الأسئلة:: <-- أخيرا استطعت التفكير ببعض الأسئلة :em_1f606:
من هو شيون؟
و هل سيكون له دور مهم في مجرى الأحداث؟
ما سر الملجأ و الفحص الطبي؟
و هل كان حريق المشفى حادثا عرضيا؟
لماذا لم تسمح السيدة مادلين للأيتام بتعلم القراءة و الكتابة، و اللعب و أشياء أخرى؟
و هل قامت بالتخلي عنهم حقا؟
ما توقعاتكم للعائلة التي سيعمل 201 لديها؟
و هل سيعود إلى الملجأ، أم أنه سيفضل البقاء في الخارج؟
لستم ملزمين بالإجابة عن الأسئلة، و إن كان لأحدكم أي سؤال يتعلق بالرواية فليتفضل بوضعه..
و بالمناسبة، الأسئلة تشمل الفصول الثلاثة جميعا =)
أما بالنسبة إلى الفصل القادم فموعده غير محدد و السبب هو انشغالي الشديد
لكنني سأحاول ألا أتأخر كثيرا في وضعه :em_1f605:
و لا تنسوا، آراءكم و انتقاداتكم تهمني.. حتى و إن كانت متعلقة بمحتوى الرواية ^^
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أحضرت لكم اليوم فصلا جديدا أنهيت كتابته للتو.. لذا آمل ألا يكون مليئا بالأخطاء :em_1f605:
الفصل الرابع..~
.
.
- هل ستتخلين عني؟
قالها الفتى بنبرة حزينة ممزوجة بالدهشة، فاندفعت أنابيل نحوه و قامت بالإمساك بكلتا يديه ثم قالت له بنبرة هادئة: اسمعني، سأستأنف عملي بعد يومين، و سأغيب عن المنزل يوميا لساعات طويلة.. ديلان أيضا لن يكون متواجدا بكثرة، لذا سأقوم بإرسالك إلى منزل لتعمل به.
صمتت قليلا و أخذت تنظر إليه حيث بدا عليه الانزعاج و الحزن مما سمعه فأردفت قائلة: ستتمكن هكذا من جمع بعض المال لتبحث عن الملجأ الذي جئت منه.
عند سماعه ذلك، تلاشى حزنه و بدأت السعادة تطغى عليه ثم قال لها: حقا..!
- أجل.
- و متى سأذهب للعمل عندهم؟
- سأصطحبك إليهم بالغد.
بدا عليه التوتر و قال لها بنبرة منخفضة: هل هم أناس جيدون؟
ابتسمت ثم قالت له: مممـ.. أذكر بأنهم كانوا كذلك.
أشاح بناظريه إلى الأسفل فقالت له: لا تقلق، فوالدتي تعمل عندهم، كما أنني أعرف بعض العاملين هناك و أعرف الآنسة الصغيرة التي تعيش في ذلك المنزل أيضا، إنها فتاة جيدة.
بدأت دموعه تتجمع في عينيه و قال لها: هل ستأتين لزيارتي هناك؟
- أجل.
- و هل ستستمرين بتعليمي؟
- أجل سأستمر بذلك.
201 باندفاع: و هل ستعلمينني القراءة و الكتابة؟
أومأت برأسها بالإيجاب ثم قالت له: بالتأكيد، أولم أعدك بذلك مسبقا؟
أخفض رأسه و قال بنبرة حزينة: لكن، جميع من وعدني بذلك اختفى فجأة، و أنا أخاف بأن تختفي أنتِ أيضا.
بدأت دموعه تنهمر من عينيه، فقامت بمسحها له و قالت: لا تقلق لن أختفي، و الآن كف عن البكاء.
في هذه اللحظة، رن هاتفها فأجابت عليه، وكان الشخص المتصل هو والدتها..
قالت لها بأن السيد قد وافق على تعيين عامل جديد، و غداً سيقررون العمل الذي سيقوم به حين يأتي إليهم..
و ما أن أنهت مكالمتها، حتى وصلتها رسالة من ديلان يخبرها فيها بأنه لن يستطيع العودة هذا المساء بسبب قضية طارئة..
التفتت نحو 201 بعد قراءتها للرسالة ثم قالت له: اليوم سنكون أنا و أنت لوحدنا مجدداً، لهذا.. ما رأيك بأن تساعدني في إعداد طعام العشاء؟
- حسناً.
قالها بنبرة هادئة ثم توجه معها إلى المطبخ بعد أن قام بغسل وجهه من الدموع..
ناولته أنابيل طبقا عميقا و قالت له بأن يضع فيه بضع حبات من البطاطس و البصل و الطماطم و البازلاء، بينما قامت هي بإخراج التوابل التي ستقوم باستخدامها في الطبخ.
أخرجت قدرا متوسط الحجم و عميقا و بدأت بغسل الخضراوات بعد أن أحضرهم لها، ثم بدأت بتقشيرهم و تقطيعهم إلى مكعبات متساوية.. بينما كان هو يقف و ينظر إلى السكين التي بين يديها..
بدا عليه الاضطراب، لكنه حاول إخفاءه حين قالت له بأن يحضر لها رغيف خبز من السلة التي على طاولة الطعام، و حين أحضره سألته بينما كانت لا تزال تقطع الخضراوات: هل تعرف كيف تستخدم السكين؟
التزم الصمت و لم يجبها، فتقدمت نحوه حاملة سكينا أخرى و أرادت أن تعلمه كيف يستخدمها لقطع الخبز دون تفتيته..
ازداد اضطرابه حين توقفت بجانبه، و ازدادت ضربات قلبه حين أمسكت بيده..
و عندما ناولته السكين و قامت بقطع جزء من رغيف الخبز معه، شعر بضيق في أنفاسه و دفع يدها بعيدا عنه بعد أن أفلت السكين من يده..
تراجع عدة خطوات إلى الخلف قائلا لها: لا، لا أريد.
بدأت ذكرياته عن ذلك اليوم تعود إليه.. منظر المشرط الذي كان يلمع بسبب انعكاس ضوء مصباح العمليات على حافته الحادة..
تذكر منظر التقطيع و الدماء، و العبارات المؤلمة التي قيلت له.. فبدأ بالصراخ.
هرعت إليه لتهدئته لكنه أخبرها بالابتعاد عنه و عدم الاقتراب..
أخبرته بأنها لن تؤذيه فقال لها بصوت مرتجف: أعلم ذلك، لكن الذكريات السيئة لا تتوقف عن الظهور في مخيلتي.. أحاول إيقافها لكني لا أستطيع.
استمرت بالوقوف أمامه بينما كان هو يغلق عينيه بشدة و يأخذ شهيقا سريعا و زفيرا طويلا، و بعد ثوانٍ قليلة تنهد بعمق ثم قام بفتح عينيه ببطء.
- هل تشعر بخير الآن؟
أومأ برأسه بالإيجاب، فقامت بسؤاله عن سبب اضطرابه فأجابها بأنه لا يعلم سبب ذلك، لكنه شعر بالخطر حين رأى السكين..
تنهدت ثم قالت: لا بأس.. اذهب و اجلس هناك إلى أن أنتهي من إعداد الطعام.
201 باندفاع: لكن أنا بخير الآن و أريد أن أساعدك.
أنابيل بإصرار: لا داعي لذلك، يمكنني إعداد الوجبة لوحدي.
عمَّ الصمت المكان لوهلة، فابتسم بعد أن أشاح بناظريه بعيدا و قال لها بنبرة بها بعض السخرية: أنا آسف لأنني أشكل مصدرا للإزعاج.
أنابيل بدهشة: لا تقل ذلك، فأنا لم أعتبرك أبدا مصدرا للإزعاج.
قالتها بحدة و صمتت لعدة ثوانٍ ثم أردفت: إن استمرت هذه الأفكار السلبية تتغلغل إلى عقلك فلن تستطيع عندها النجاة في هذا العالم.
نظر إليها باندهاش و قال لها: أنا لا أريد العيش فيه، أريد أن أعود إلى الملجأ.
- و كيف ستقوم بالبحث عنه؟
لم يستطع الإجابة عن سؤالها، فأردفت قائلة: هل تظن بأن البحث عن مكان لا تعلم عنه سوى اسم مديرته سيكون سهلا؟ هل اعتقدت حقا بأنك ستعود إليه قريبا؟
بدأت دموعه تنهمر من عينيه و أجاب باكيا: لا أعلم، لكنني أرغب بالعودة..
حين رأته يبكي قامت باحتضانه ثم قالت له: أنا آسفة، لم أكن أقصد قـ..
و قبل أن تكمل اعتذارها، قاطعها قائلا بصوت مقموت: أحيانا أفكر بالبقاء هنا لكنني خائف، أشعر بأنني مختلف عن الجميع و هذا ما يخيفني.
أفلتته ثم وضعت كفيها على كتفيه و قالت له: لن يجبرك أحد على فعل شيء لا ترغب به، إن أردت العودة إلى الملجأ فاعمل من أجل تحقيق ذلك، و إن أردت البقاء خارجا فاعمل لذلك أيضا.. و تذكر بأن الحياة أمامك لا تزال طويلة، و أنك لم تتعرف على هذا العالم سوى منذ أربعة أيام، و هذا غير كافٍ للحكم عليه، أليس كذلك؟
قام بمسح دموعه ثم قال: بلى.
أنابيل: و الآن، هل لك أن تملأ القدر بالماء من أجل طبخ الخضار؟
- حسنا.
قالها بسعادة ثم أخذ القدر و ملأه بالماء كما طلبت منه.
قامت أنابيل بإبعاد السكين عن مجال رؤيته طوال فترة إعدادهما لوجبة العشاء.. و بعد انتهائهما من تناولها، قاما بتنظيف المطبخ معا ثم أخذ كل منهما حماماً على التوالي.
كان 201 هو أول من استحم، و بعد انتهائه جلس أمام التلفاز و بدأ يقلب محطاته كما كان يرى كلا من انابيل و ديلان يفعلان..
بدأ بمحادثة نفسه بتعجب " إن التلفاز كالسحر تماما، كيف لهذه اللوحة السوداء أن تعرض العديد من المشاهد بمجرد الضغط عل رقم معين؟!"
استمر بتقليب المحطات التلفازية إلى أن وصل لقناة تعليمية تعرض مشاهد للحيوانات و طريقة عيشها، و كانت ما تعرضه وقتها هو حلقة عن الخيول..
تلألأت عيناه حين سمع اسم ذلك الكائن و قال بسعادة و اندفاع: إذا هكذا تبدو الخيول التي أخبرني عنها شيون! لم أتوقع بأن تكون بهذا الشكل أبدا!
كان يبدو مستمتعا جدا و هو يستمع إلى ذلك البرنامج و يشاهد كل تلك المعلومات التي كانت تعرض عنهم.. و بعد انتهاء البرنامج و عرض نشرة الأخبار، شعر بالملل حينها و نهض متوجها نحو غرفة أنابيل ليسألها عن الخيول، لكن باب غرفتها كان مفتوحا جزئيا.. و حين حاول دفعه رآها بداخل الغرفة بينما كانت قد انتهت لتوها من ارتداء ملابسها و بدأت بتسريح شعرها الأشقر الذي يصل إلى كتفيها..
أخذ يحدق إليها من خلف الباب إلى أن انتهت من ذلك و كان أكثر ما جذب ناظريه هو رقبتها البيضاء النحيلة..
حاول دفع الباب و التوجه نحوها، لكن فاجأه صوت ديلان حين قال له بنبرة بها بعض الشك: ما الذي تفعله أمام الغرفة أيها الفتى؟
شعر 201 بالارتباك و قال متسائلا: ما الشيء الذي كنت أريده؟ لقد نسيت.
رمقه ديلان بنظرات حادة و هم بقول شيء ما له، لكن قاطعته أنابيل حين فتحت باب الغرفة و قالت باندهاش: ديلان، ألم تخبرني مسبقا بأنك لن تأتِ؟
ابتسم ثم قال لها: لقد حُلّت القضية بشكل أسرع مما توقعت.
أنابيل: هل ترغب ببعض الطعام، أم أنك قد تناولت وجبة العشاء هناك؟
ديلان: نعم، فأنا أتضور جوعا.. ما الذي أعددته اليوم؟
أنابيل: الكاري التايلندي.. لكنني لم أضع توابل حارة لأن الفتى لم يستطع تناولها.
نظر ديلان إلى 201 ثم قال بعد أن أشاح بناظريه بعيدا: لا بأس، سأضع بعضا منها في طبقي.
ذهبت أنابيل إلى المطبخ لتسخن بعض الطعام لخاطبها، و بينما هي تفعل ذلك قالت بصوت عالٍ: آه صحيح، هل كنت تريد شيئا مني أيها الفتى؟
كان سؤالها موجها إلى 201 الذي كان لا يزال واقفا في مكانه أمام باب غرفتها، نظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى التاسعة و النصف مساءا ثم قال لها: لا.
صمت قليلا ثم أردف قائلا: أنا ذهب للنوم.
أنابيل: حسنا، تصبح على خير.
في صباح اليوم التالي..
كان كلا من ديلان و أنابيل يتناقشان بشأن موضوعٍ ما، بينما كان 201 يقوم بحزم الأشياء التي اشترتها له أنابيل ليأخذها معه..
ديلان بتساؤل: كيف سمح السيد إدوارديز بتوظيف هذا الفتى لديه؟
همست أنابيل بأذنه قائلة: لم أخبرهم بأنه بلا هوية.
صدم حين سمع ذلك و قال لها: لن تستطيعي إخفاء الأمر عنهم طويلا.
أنابيل: أعلم ذلك، سأقوم بمحادثة روزماري الصغيرة بالأمر، أعتقد بأنها ستساعدنا لاستخراج هوية له دون علم والدها.
- هممـ.. الآنسة روزماري إدوارديز، ستبلغ السابعة عشرة هذا العام أليس كذلك؟
- بلى.
ضحك ديلان ضحكة خفيفة فسألته أنابيل عن سببها، فقال لها: السبب هو أنها أصبحت شابة و أنت لا تزالين تشيرين إليها بـ الصغيرة.
ابتسمت ثم قالت: حسنا، هذا ما اعتدت عليه حين كنت أعيش في ذلك المنزل.
- بالمناسبة، متى ستخبرينه بالحقيقة؟
- لا أعلم.. أنا متأكدة بأن الحقيقة سـ تسبب له صدمة نفسية، لذا أعتقد بأنه من الأفضل أن أنتظـ..
في هذه اللحظة، رن هاتفها المحمول.. و حين أجابت عليه تبين بأنه سائق سيارة الأجرة التي ستقلهم..
أنهت المكالمة معه ثم نادت على 201 قائلة: هل انتهيت من حزم أغراضك؟
201: أجل.
تقدم نحوها فقالت له: هل أخذت الكتب المصورة التي أحضرتها لك أيضا؟
أومأ برأسه بالإيجاب.. فالتفتت نحو ديلان و قالت له: نحن ذاهبان الآن.
و بعد قولها ذلك، اقترب ديلان من 201 و قام باحتضانه مطبطبا على ظهره ثم قال له: إلى اللقاء أيها الفتى.
201 بدهشة: إلى اللقاء.
وما أن قال ذلك، حتى خرج بصحبة أنابيل من الشقة حاملا معه حقيبة ظهر ممتلئة و توجها نحو سيارة الأجرة التي كان سائقها ينتظر أمام بوابة المبنى..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
و بعد رحلة دامت ساعة من الزمن، وصلا إلى حيث أرادت أنابيل أن تصحبه..
خرجا من السيارة و توجها نحو بوابة حديدية كبيرة سوداء اللون ثم قامت بالاتصال على شخص ما..
و بعد انتهاء محادثتها، فُتحت البوابة و توجه كلاهما إلى الداخل..
كان 201 يسير خلفها و ينظر إلى حديقة الأزهار التي يمشيان بمحاذاتها، وحين توقفت وقف هو أيضا و أخذ ينظر إلى المنزل الكبير الذي أمامه و إلى الرجل العجوز الذي يرتدي بزة سوداء أنيقة، و الذي قال بسعادة حين رآهما: أنابيل، لم أركِ منذ سبع سنوات، كيف حالك؟
أنابيل: أنا بخير عمي جورج، و أنت كيف هي صحتك؟
جورج: أوه، أنا بأفضل حال..
نظر إلى الخاتم الذي تضعه في خنصر يدها اليمنى ثم قال: ألم تتقدم علاقتكما حتى الآن؟
أنابيل بابتسامة رقيقة: عما قريب عمي جورج، إلى أن تتحسن صحة والده.
ابتسم جورج بدوره ثم قال: على أي حال، أتمنى لكما حياة سعيدة مع بعضكما.
نظر إلى 201 ثم أردف قائلا: أهذا هو الفتى؟
أومأت برأسها بالإيجاب قائلة: أجل إنه هو، أين ستجعله يعمل؟
قام جورج بتفحص 201 بعينيه الخضراوتين ثم قال: أعتقد بأنه سيكون مناسبا لأعمال الإسطبل.
التفت نحو أنابيل ثم قال: سنتوجه إلى الباحة الخلفية الآن.
دخلوا إلى المنزل من البوابة الفرعية الخاصة بالعاملين هناك، ثم خرجوا إلى الباحة من بوابة خلفية تطل على حقل خيول واسع.
و بينما هم يسيرون نحو الإسطبل، سألت أنابيل جورج: أه صحيح، كيف حال الآنسة الصغيرة روزماري؟
جورج: إنها بأحسن حال، لكنها تزداد تمرداً على السيد.
ضحكت أنابيل ضحكة خفيفة ثم قالت: حقا! أريد أن ألقي التحية عليها بعد انتهائنا من هذا الأمر.
جورج: لا داعي للانتظار، فهي تمتطي أحد الخيول في الحقل الآن.
عند سماعه ذلك، قام 201 بالالتفات جهة الحقل بسرعة قائلا باندفاع و سعادة شديدين: خيول، أين؟
و حينها.. رأى فتاة ذات شعر بلون الكراميل تمتطي أحد الأحصنة و الذي كان يركض بسرعة و رشاقة في الحقل..
كان يتأمل خصلات شعرها الطويلة التي تتطاير خلفها في الهواء و كان يتتبعها بدهشة بعينيه العسليتين.
انتبهت تلك الفتاة لتواجدهم بجوار الحقل، فقامت بشد اللجام للخلف مما جعل الحصان يتباطأ بحركته إلى أن توقف بمحاذاة باب الحقل..
قامت بالنزول عن ظهره بخفة و ناولت اللجام لشخص كان يقف بجوار باب الحقل لكي يقوم بإعادة الحصان إلى الإسطبل ثم نزعت الخوذة عن رأسها بينما كانت تتوجه نحوهم..
وحين وصلت إليهم، قالت بنبرة متسائلة: أنابيل، أهذه أنت؟
- نعم، إنها أنا.
قامت الفتاة باحتضانها حين سمعت ذلك، ثم قالت لها: لم أركِ منذ زمن طويل، لقد اشتقت إليكِ كثيرا.
احتضنتها أنابيل هي الأخرى و قالت لها: و أنا أيضا.
قامت بإبعادها عنها ثم أمسكت بكلتا يديها و قالت: روزماري الصغيرة، انظري إليك لقد أصبحتِ فاتنة.
أشاحت روزماري بناظريها بعيدا ثم قالت: أعلم ذلك.
أعادت ناظريها نحو أنابيل ثم أردفت قائلة: بالمناسبة، ما الذي أحضرك إلى هنا؟
أنابيل: أريد أن أحدثك بموضوع مهم.
أخذت ترمقها بنظرات جادة فهمت روزماري المقصد منها، فقالت لها: تعالي إلى الداخل و لنتحدث هناك.
أنابيل: حسنا.
ثم التفتت نحو جورج ثم قالت له: هل يمكنك الاعتناء به ريثما ننتهي من حديثنا؟
جورج: و ما الغرض من تواجدي هنا إذا.
قامت روزماري بجر أنابيل معها إلى داخل منزلها الكبير الذي يبدو كالقصر، بينما بقي 201 و جورج لوحدهما في الباحة الخلفية..
التفت جورج نحوه ليجد علامات الارتباك و الخوف بادية عليه، فقال له: لا داعي للخوف أيها الفتى.
أخفض 201 ناظريه نحو الأرض فقال له جورج: ما اسمك؟
- 201.
قالها بصوت منخفض فقام جورج بسؤاله مرة أخرى عن اسمه، و حينها أجابه قائلا بنبرة باردة: ليس لدي اسم..
أثناء ذلك في غرفة مغلقة تطل على الباحة الخلفية..
قالت روزماري باندفاع بعد أن اتسعت عيناها دهشة: ليس لديه اسم؟! كيف كنت تنادينه إذا؟
أنابيل بهدوء: كنت أناديه بـ الفتى..
ضحكت روزماري بشدة حين سماعها لذلك و قالت لأنابيل: يا إلهي، لمَ لم تمنحيه اسما تنادينه به؟
أنابيل: لم أتمكن من فعل ذلك، فهو ليس ملكا لي، كما أنه لم يبدُ مهتما بهذا الأمر.
صمتت قليلا ثم أردفت قائلة: ما قولك فيمَ أخبرتك عنه؟
أسندت روزماري ظهرها إلى ظهر الكرسي الفخم الذي كانت تجلس عليه، و وضعت إحدى ساقيها على الأخرى ثم قالت بينما كانت تلعب بإحدى خصلات شعرها: سأكلم خالي غيلبيرت بالأمر حين يعود من سفره.
في هذه اللحظة، قام أحدهم بطرق الباب ثم توجه إلى الداخل بعد أن سمحت له روزماري بذلك..
كان ذلك الشخص هو أو بالأحرى هي سيدة تبدو في منتصف الأربعينات من عمرها ترتدي ملابس أنيقة و تصفف شعرها بطريقة مرتبة..
قامت تلك السيدة بعد أن توجهت إلى الداخل و رأت الطريقة التي تجلس بها روزماري بتوبيخها قائلة: آنستي روزماري، اعتدلي في جلوسك فهذه الوضعية لا تليق بفتاة تنتمي إلى عائلة إدوارديز.
اعتدلت في جلوسها ثم التفتت نحوها و قالت: لا أحد يراني هنا صوفي.
نهضت أنابيل من مكانها حين رأتها ثم قامت بتحيتها من بعيد: كيف حالك أمي؟
بادلتها التحية هي الأخرى قائلة: أنا بخير.
أخذت تتأملها من بعيد ثم قالت بنبرة باردة: يبدو بأن وزنك قد ازداد عن الشهر الماضي.
نظرت أنابيل إلى جسدها ثم قالت بدهشة: حقا؟
أجابتها صوفي بنبرة صارمة: عليك أن تنتبهي لوزنك كي يناسبك فستان زفافك حين يحين موعده.
شعرت أنابيل بالارتباك و لم تجب على ما قالته والدتها التي كانت تبدو منزعجة من شيء ما، فنهضت روزماري ثم قالت لها: صوفي، أ هكذا تستقبلين ابنتك التي لم تريها منذ عدة أشهر؟
أغمضت صوفي عينيها و قالت: إنها ساعات العمل، و السيد سولومون لا يحب التقصير.
روزماري بلا مبالاة: نعم نعم..
أمسكت بيد أنابيل ثم خرجت من الغرفة قائلة لها: تعالي أريد أن أريك فساتيني الجديدة.
و بعد أن ابتعدتا عن تلك الغرفة قالت أنابيل لـ روزماري بنبرة بها بعض السعادة: لم تتغيري أبدا روزماري الصغيرة.
توقفت روزماري ثم استدارت نحوها و قالت: لا أفهم سبب التزامها بتعليمات والدي الصارمة، حتى ابنتها لا تستطيع معاملتها بعفوية بسبب ذلك.
استشعرت أنابيل الحزن الذي كان مخفيا خلف قسمات وجهها الغاضبة فقالت لها بينما كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة هادئة: لا بأس، لم أعد تلك الفتاة الضعيفة التي تحزن على أتفه الأسباب بعد الآن، فأنا و بعد أن خضت مضمار العمل بدأت أفهم سبب تصرفاتها، لكي يحافظ شخص ما على عمله يجب عليه إتباع القوانين التي وضعها رؤساءه، فإيجاد عمل جيد في هذه الأيام أمر شبه مستحيل.
أردفت مخاطبة نفسها "أرجوا ألا تعلم بالسبب الحقيقي لتلك المعاملة"
لم ينل ما قالته أنابيل إعجاب روزماري، فأشاحت الأخيرة بناظريها بعيدا جهة نافذة تطل على الإسطبل لترى 201 واقفا بجانب جورج والذي كان يتحدث مع أحد العاملين هناك بشأن أمر ما.
قالت لـ أنابيل متسائلة: أ هذا الفتى الذي أخبرتني عنه؟
أنابيل ببعض الاستغراب: أجل، لقد كان واقفا بجانب جورج قبل قليل أ لم تريه؟
التفتت نحوها ثم قالت ضاحكة: لا، ربما لم أنتبه لوجوده بسبب نحافته.
أخفت أنابيل ضحكتها و قالت لها: أرجو ألا تقومي بإزعاجه كما كنت تفعلين معي.
روزماري ببراءة مصطنعة: من أنا؟
- روزماري.
قالتها أنابيل بنبرة منخفضة بينما كانت تنظر إليها بنظرات جادة فقالت لها روزماري بعد أن تنهدت بعمق: حسنا، أعدك بألا أزعجه.. لكنني سأمرح معه بين الفينة و الأخرى.
ابتسمت أنابيل و قالت: لا باس بالمرح، فهو بحاجة إليه كي يتقبل هذا المكان.
و بعد فترة قليلة من الزمن، حان موعد رحيل أنابيل و عودتها إلى شقتها..
و بالرغم من أن سماء ذلك اليوم الخريفي كانت صافية و جوه كان دافئا، إلا أن 201 كان يشعر ببرد قارص في صدره لسبب لم يعلمه.
قامت أنابيل بتوديعه و رأت بأنه كان يبدو على وشك البكاء فقالت له بعد أن ربتت على رأسه بهدوء: لا تحزن، سآتي لزيارتك قريبا.
ثم التفتت نحو روزماري التي كانت تقف بجانب جورج و قالت لها: روزماري الصغيرة، لا تنسي ما تناقشنا بشأنه اليوم.
روزماري بنبرة مرحة: حسنا.
توجهت أنابيل نحو بوابة سور المنزل الحديدية ثم لوحت لهم بيدها قائلة: إلى اللقاء، أراكم قريبا.
و ما أن غادرت سيارة الأجرة التي تقلها، حتى توجهت روزماري نحو 201 بخطوات بطيئة ثم قامت بالالتفاف حوله و أخذت ترمقه بنظرات غريبة و قالت له: إذا أنت لا تملك اسما.. يا له من أمر عجيب! لم أسمع قط بشخص لا اسم له.
توقفت أمامه ثم أمسكت بكلتا يديه و أردفت قائلة: سأختار لك اسماً..
.
.
"ميشيل، هذا ما سأدعوك به."
و ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة.
تفاجأ لما فعلته في بادئ الأمر، ثم سرعان ما احمرَّ وجهه خجلا و ارتباكا، و أشاح بناظريه نحو بقعة من الأزهار الزرقاء التي تقبع في وسط الحديقة، و حين فعل ذلك قامت بغلغلة أصابع يديها النحيلة بين خصلات شعره التي تكاد تصل إلى كتفيه ثم قالت له بينما هي تبعد يديها ببطء: ميشيل، إن شعرك جميل جدا و ناعم كالحرير، لقد أحببته.
لحظتها، أصدر جورج صوتا ليذكر روزماري بوجوده ثم قال لها بعد أن نظر إلى ساعة جيبه: آنستي روزماري، لقد حان موعد درس العزف الخاصة بك.
أسرعت نحو المنزل حين قال ذلك و لم يتبقَ في الخارج سوى 201 و جورج.
نظر جورج إليه ليرى وجهه محمرا بشدة فقال له: ميشيل.
لحظتها.. التفت 201 نحوه لا إراديا فقال له جورج مبتسما: يبدو أن الاسم الذي اختارته لك الآنسة الصغيرة قد أعجبك.
- إنها المرة الأولى التي يمنحني أحدهم بها اسما.
قالها بصوت مخنوق بينما كانت الدموع تنهمر من عينيه العسليتين، ثم سرعان ما جلس القرفصاء على الأرض و بدأ بالبكاء بصوت عالٍ.
دُهِش جورج حينها و شعر بالارتباك، فهو لم يملك أدنى فكرة عما يمكنه قوله في موقف كهذا.. لذا استمر بالوقوف بجانبه دون أن ينطق بحرف واحد.
.
.
نهاية الفصل الرابع..~
و أخيرا، أصبح الفتى المسكين يملك اسما.. " ميشيل "
و هذا ما سـ أدعوه أنا به أيضا بدءا من الفصل القادم..
:: الأسئلة ::
- ما هو برأيكم سر العلاقة المتوترة بين أنابيل و والدتها صوفي؟
- ما هي توقعاتكم للأيام القادمة التي سيقضيها ميشيل في خدمة عائلة إدوارديز؟
لا مزيد من الأسئلة.. :em_1f610:
سـ أتأخر في وضع الفصل القادم لذا أرجو المعذرة مقدماً..
و أتمنى أنكم استمتعتم في قراءة جميع الفصول حتى الآن و لم تجدوا إحداها ثقيلا و مملا..
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..~
أسعد الله أوقاتكم و جعلها جمعة مباركة على الجميع..
عدت إليكم بالفصل الخامس الذي اكتمل لتوه.. بدأت أعاني من جمود الأفكار :e408:
و الكسل أيضا.. :em_1f611:
حسنا.. لن أطيل عليكم، تفضلوا بالقراءة..
الفصل الخامس..~
.
.
في اسطبل واسع و كبير نسبيا يضم أربعة من الخيول الضخمة التي تختلف ألوانها بين البني ، البني الداكن، و الأسود.. و بجوار ركن مخصص لتخزين الأعلاف و الحشائش الجافة، كانت أنابيل تجلس على كرسي مرتدية بنطال برمودا سماوي اللون و معطفا طويلا بعض الشي بني ذو أزرار قمحية.. تستمع بإنصات إلى ما يحكيه لها الفتى الذي بدأ بمباشرة أول عمل يؤجر عليه منذ اسبوع تقريبا..
كان يحدثها بينما يقوم بتنظيف أحد الأحصنة السوداء بنبرة سعيدة نفضت ما كانت تشعر به من قلق عليه في الأيام التي تسبق قدومها اليوم، و ارتسمت على محياها ابتسامة رقيقة لسان حالها يقول "حمداً لله بأن وهبه قدرة للتكيف بسرعة مع محيطه"
~ ميشيل ~
" كنت أرى العديد من الأشخاص يتنقلون بين غرفة و أخرى، و هناك من كانوا يتراكضون في حيز المطبخ الواسع..
كنت أقف مع ذلك السيد العجوز في ممر ضيق يصل الزاوية الأمامية للجزء الأيمن الداخلي من المنزل بالزاوية المقابلة لها من نفس الجزء.. و كنت قد بدأت أصاب بالهلع حقا من ذاك المنظر الذي رأيتهم عليه.. شعرت بالرجل العجوز يلتفت إلي فالتفت أنا بدوري إليه، و رأيته يبتسم لي قائلا بعد أن تجعدت زوايا عينيه الخضراوتين: إنها ساعة الذروة في العمل..
- ساعة الذروة؟
قلتها متسائلا عن المقصد فأجابني إجابة شافية: إنه الوقت حيث يبدأ الاستعداد لتحضير وجبة الغداء للسيد و ابنته، و مع تراكم بعض الأعمال التي تأخر إنجازها بسبب تكاسل بعض العاملين يحدث ما هو أمامك الآن.. يبدؤون بالإسراع و يبدأ الهلع من أجل تقديم الوجبة في الموعد المخصص لها.. و تذكر، السيد إدوارديز رجل أعمال مشغول لذا فإنه يقدر أهمية الوقت و لا يحب التأخير أو التكاسل في أداء الواجب.
- و ما الذي يحدث لمن يفعل ذلك؟
- سيطرده السيد بكل تأكيد.
قالها بتقاسيم جادة بينما كان ينظر مباشرة في عينيّ.. فبلعت ريقي مرة و استمررت أحدق إليه بخوف من أن يتم طردي على الفور، فرأيته ينفجر ضحكاً فجأة، و قال لي بعد أن تنحنح و عاد لوضعية الهدوء مرة أخرى: لا تقلق.. فيوجد أشخاص هنا يتكاسلون لكن السيد لم يكشفهم بعد..
حين قال ذلك.. قام أحدهم بالطرق على مؤخرة رأسه كما يُطرق الباب، ثم قال له بنبرة منزعجة: من الذي تقصده بذلك؟ جورج العجوز..
كان شابا طويلاً جدا ذو بشرة حنطية و شعر أصهب يغطي رقبته من الخلف و أذنيه من الأمام..
أمسك جورج بيده التي طرقها على رأسه و قام بلويها للخلف قائلا بينما كان ذلك الشاب يتألم: من تقصد بالعجوز أيها الشاب الكسول؟
- آااخ، أنا آسف.. نسيت بأنك لا تزال شاباً جورج.
أفلت يده ثم قال بينما كان يقوم بضبط ياقة بزته السوداء: عليك أن تحذر يا مارك، فـ سن الخمسون يقع ضمن نطاق الشباب المتأخر.. إياك أن تنسى ذلك.
- أجل، أجل..
قالها ذلك الشاب، ثم التفت إليّ و بدأ يتفحصني بعينيه الزرقاوتين لبعض الوقت، ثم أعاد ناظريه إلى جورج مرة أخرى قائلا: هل هذا هو العامل الجديد؟
- أجل..
و ما أن أجابه بذلك، حتى قام الشاب بوضع يده الطويلة خلف عنقي و قام بجرّي معه إلى حيث ينهمك العمال بمهامهم، ثم صرخ بصوتٍ عالٍ ثقب أذني اليمنى التي كانت قريبة من فمه: أيها النـــــــــاس.. لقد وصل العامل الجديد..
توقف الجميع و التفتوا نحونا من فورهم موجهين أنظارهم إلي، و التي شعرت حينها بأنها ستخترقني فبدأت نبضات قلبي تتسارع خوفا مما قد يحدث.. لكنني فوجئت حين رحب الجميع بي بابتسامات مريحة بالرغم من أننا قد قاطعنا أعمالهم..
و تمنوا لي وقتا طيبا في خدمة هذه العائلة التي طمأنني بعضهم حين قالوا بأن السيد إدوارديز يعتبر من أفضل الأشخاص تعاملا مع العاملين في خدمة عائلته..
ارتاح قلبي حينها، و تباطأت نبضاته لتعود للهدوء مجددا، لكنها تسارعت بجنون حين رأيت طبقا طائراً يتوجه حيث أقف أنا و الشاب العملاق المدعو مارك..
و الذي أمسك بالطبق قبل أن يصطدم بمعدته و قال بانفعال: لِمَ أنتِ غاضبة؟
في هذه اللحظة، عاد الجميع لأعمالهم بسرعة عدا سيدة ذات طول متوسط و قوام ممتلئ، و قالت له بنبرة غاضبة: لمَ أنا غاضبة؟! لمَ أنا غاضبة؟!!
ازداد علوّ صوتها بينما تكمل قائلة: و تجرؤ على سؤالي بالرغم من أنك السبب وراء غضبي!! تهربت من العمل ثم عدت إلى هنا بكل وقاحة لتقدم لنا هذا الفتى..
التفتت إلي بعد قولها ذلك، فازداد ارتعابي حين رأيت الغضب المتجسد فيها.. لكنها حملت نفسها على الابتسام رغم ما كانت تشعر به وقالت: ما اسمك أيها الفتى؟
- مـ.. مـيـشـل..
- ميشيل.. هل لك أن تبتعد جهة اليسار قليلا.
أومأت لها بالإيجاب، و ابتعدت بضعة خطوات كما أمرتني..
و حين فعلت ذلك، رأيت العديد من أدوات المائدة تُقذف نحو مارك الذي بدوره قام بصدها بالطبق الذي أمسكه سابقا..
ضحك ساخراً في وجه تلك السيدة التي كانت تشتعل غضبا و انفعالا، فقامت بقذف قدر كبير نحوه فحاول ببلاهة صده بالطبق الخزفي الذي كسر إلى نصفين فور اصطدام القدر به..
نظر إلى الطبق بهلع ثم قام بإفلاته من بين يديه على الفور..
لم يبدُ مهتما بالألم الذي سببه وقوع القدر بعد اصطدامه على قدمه، و حاول الهروب من المطبخ ليقف فجأة أمام الباب حيث كانت تقف في وجهه سيدة نحيلة ذات ملامح جادة و شعر أشقر به بضع خصلات بيضاء..
سَمِعْتُ أصواتاً تتمتم و سَمِعْتُ ضحكاتٍ خفيفة أيضاً، فعلمت على الفور بأنه قد وقع في ورطة..
ظل واقفا في مكانه يراقبها و هي تخطو ببطء متجهة إلى الداخل فوطأت على أجزاء الطبق التي كانت على الأرضية و صدر صوت احتكاكها المزعج..
نَظَرَتْ إلى الأسفل حيث القطع المتناثرة، ثم رفعت ناظريها ووجهتهما إلى حيث يقف مارك، فابتسم ببلاهة ثم قال بارتباك بعد أن أشاح بناظريه بعيدا: تذكرت! لقد وكل إلي العجوز جورج مهمة الاعتناء بالفتى الجديد..
أسرع نحوي و عيون الجميع تلاحقه، ثم أمسك بيدي اليمنى و قال بينما هو يسحبني نحو باب المطبخ: هيا بنا، يجب أن نسرع.
قام بالجري بسرعة بالكاد استطعت مجاراته بها، حيث كان لا يزال ممسكا بيدي.. و خرجنا إلى الباحة الخلفية للمنزل.. ثم توقفنا ليلتقط كل منا أنفاسه بمحاذاة أكوام القش بجانب الإسطبل..
قال مارك بينما كان يلهث: يااه، تصبح صوفي مخيفة حين تغضب.
- من صوفي؟ السيدة التي رمت الأدوات عليك؟
- لا تلك بياتريس، صوفي هي المرأة الطويلة الشقراء..
- أه، التي هربت منها..!
- لم أهرب منها، هذا يسمى انسحابا استراتيجيا.
صمت قليلاً ثم سألني بنبرة مرحة عن العمل الذي سأقوم به فأخبرته بأنه سيكون في الإسطبل..
كانت خيبة الأمل واضحة على وجهه، و زفر مطولاً ثم قام بصفع ظهري بشدة كدت أقع على وجهي بسببها، و قال: على كل حال، مرحبا بك بيننا..
.
.
التزم ميشيل الصمت بعد أن قال تلك الجملة و كأنه اكتفى بهذا القدر من السرد ثم قال بنبرة هادئة بينما كانت وجنتيه محمرتين: شعرت حينها بإحساس غريب ذكرني بالأيام التي قضيتها مع الجميع في الملجأ.
أنابيل بهدوء: و ما هو ذلك الشعور؟
أعاد الحصان الأسود الذي انتهى من تنظيفه إلى محبسه ثم قال لها بينما كان يحكم إغلاق الباب: لا أعلم، و كأن شيئا ما كان يقبض على قلبي و قد تمت إزالته بسبب تلك الكلمات.
أنابيل: إذا، هو يشبه شعور الراحة..
ميشيل بسعادة: أجل، لكنه أعظم منها..
ابتسمت قائلة: يبدوا بأنك تقضي أوقاتاً ممتعة هنا.
أومأ برأسه بالإيجاب بينما هي تكمل قائلة: لكن احذر ألا يسمعك جورج تدعوه بالعجوز.
ابتسم ميشيل و قال بارتباك: حسنا.
كانت تنظر إليه بعينيها الزرقاوتين قائلة في سرها "كان قراراً صائبا أن أرسلته للعمل هنا، سيتمكن هكذا من نسيان الملجأ بشكل تدريجي"
قاطع تفكيرها سؤاله المفاجئ باندفاع فضوليّ: استراتيجي تعني مخطط له، أليس كذلك؟
- بلى.
صمتت قليلاً ثم أردفت قائلة: من علمك ذلك؟
ميشيل بعينين لامعتان: شيون.
- الفتى الذي كنت تلازمه في الملجأ.
أومأ برأسه بالإيجاب بسعادة، فقالت له: يبدو بأنه كان يعرف الكثير من الأشياء.
- بالتأكيد، و كان يعرف القراءة و الكتابة أيضا.
- حقا..!!
- أجل.
أخذت أنابيل تفكر بما قاله ميشيل للتو "شخص يعرف القراءة و الكتابة؟ هل يعقل بأن استنتاجي كان خاطئا!"
سألت ميشيل بنبرة توحي بالفضول: هل كانت السيدة مادلين على علم بذلك؟
أومأ بالرأسه بالنفي، ثم قال بنبرة هادئة: كان يوصيني دائما بعدم إخبارها لأنها قد تغضب و ترسله لعالم الكبار على الفور.. و هو لم يكن يرغب بمغادرة الملجأ في ذلك الوقت.
صمت قليلا ثم ابتسم مردفاً: كنت الوحيد الذي يراه حين يبدأ بالكتابة في ذلك الدفتر الأبـ..
توقف عن الحديث فجأة و كأنه قد تذكر شيئاً هاماً، ثم قال باندفاع: الدفتر.. أوصاني بأن آخذه معي حين أخرج من الملجأ.. يا إلهي كيف نسيت هذا الأمر المهم؟!
أنابيل ببعض الارتباك: و ما الذي كان يدونه في ذلك الدفتر؟
- كان يقول بأنها يومياته.. و أشياء مهمة عنه.
بدأت نبرة صوته تتغير إلى الحماس تدريجياً بينما هو يكمل قائلاً: قد أستطيع معرفة أين هو الآن من خلال الدفتر.. ربما كتب بعض الملاحظات عن الأمكنة التي سيذهب إليها حين يخرج من الملجأ.. أنا حقاً أرغب بلقائه.
بدأ الخوف و القلق يعودان إلى أنابيل مرة أخرى.. فها هي الآن ترى حماسه الشديد و رغبته الملحة لإيجاد شيون، الفتى الذي اختفى من الملجأ فجأة ،و أغلب الظن بأنه قد أُرسل ليتبرع بأعضائه مثلما أُرسل الآخرون..
و أدركت بأن إرادته للعودة إلى ذلك المكان قد ازدادت بقدر أكبر مما كانت عليه قبلا..
فتنهدت بعمق و نظرت إلى ساعة يدها ثم قالت بعد أن نهضت من مكانها: إنها الخامسة مساءاً، يجب علي أن أعود.
التفت إليها مقضبا حاجبيه قائلا بنبرة طفولية منزعجة: لماذا؟ لم يمضِ الكثير من الوقت مذ جئتِ.
- علي إعداد وجبة العشاء لديلان، فهو سيعود من عمله مبكرا اليوم.
قالتها بنبرة لطيفة تخفي انزعاجها، لكنه لم يرغب بمغادرتها الآن.. لذا حاول جعلها تقضي المزيد من الوقت بصحبته متحججا بالآنسة إدوارديز حيث قال باندفاع: و ماذا عن الآنسة روزماري؟ أ لم ترغبي بلقائها أيضا؟
ربتت بلطف على رأسه و قالت: بلى، لكنها مشغولة بالدروس الخاصة.. سآتي مبكرا الأسبوع القادم كي نقضي الكثير من الوقت معا.
بدا عليه الانزعاج الشديد فقالت له مبتسمة: و سأبدأ بتعليمك حروف الأبجدية أيضاً.
- حقاً..!
قالها بينما كانت عيناه تتلألآن لفرط سعادته فأومأت له بالإيجاب، ثم قامت بتوديعه و خرجت من الاسطبل متوجهة نحو باب المنزل الخلفي..
بدت مستاءة جدا مما آلت إليه الأمور، و بدأت بالتفكير ملياً في أمر دفتر اليوميات ذاك و ما قد يحويه..
"هو قد يحوي خزعبلات لا معنى لها، أو أحداثا مملة لفتى يعيش في ملجأ، لكن بالأخذ بعين الاعتبار معرفته للقراء و الكتابة، و حذره الشديد و الواضح حين تكون السيدة مادلين معنية بالأمر، فذاك الدفتر قد يحتوي أيضا على معلومات عن ماهية ذلك الملجأ.."
و بينما هي تفكر و تفكر، لمحت مدبرة المنزل صوفي تتناقش مع إحداهن حول موضوع ما، و التي كانت امرأة ذات شعرٍ أسودٍ قصيرٍ ترتدي فستانا أنيقا، فعلمت على الفور بأنها قد تكون واحدة من الأساتذة الخاصين بـ روزماري..
و حين مرت بجانبهم، قامت بتحيتهم بانحناء بسيط بينما لا تزال تكمل مسيرها نحو باب المنزل، و التقت عينيها بعينيّ والدتها التي اكتفت بأن رمقتها بنظرات باردة و أعادت ناظريها نحو من تحدثها.
توقفت أنابيل في مكانها للحظات و شعرت بانقباض في صدرها، فشدت قبضتا يدهيا على طرف معطفها بسبب جرحٍ نفسي ألم بها، ثم خرجت متوجهة إلى الحديقة الأمامية حيث تنتظرها سيارة أجرة عند بوابة السور الحديدية..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
مرت الأيام و الأسابيع، و اعتاد الفتى على الاسم الذي مُنح له و على العمل الذي وُكِّل إليه..
يستيقظ كل صباح في تمام الساعة الخامسة، يغسل وجهه ثم يتوجه نحو الإسطبل لإطعام الخيول و تمشيطها..
و عندما يحين موعد إفطار العاملين، يناديه أحدهم "ميشيل، تعال لتناول وجبة الفطور"
يشعر بالسعادة حين يسمع هذا الاسم عوضا عن الرقم الذي كان يحمله، فهو الآن يمتلك اسما كما كان شيون، الشخص الذي كان متعلقا به بشدة..
لم يعد خائفا من هذا العالم كما كان في السابق، لكنه لا يزال يرغب أحيانا بالعودة إلى الملجأ حتى و إن كان دافعه الأقوى هو استرجاع دفتر اليوميات.. لذا، كان يعمل بجد منتظرا اليوم الذي سيتم تسليم مرتبه فيه..
و ها هو اليوم المنتظر قد جاء أخيرا، و هو أيضا اليوم الذي سيقابل فيه السيد سولومون إدوارديز للمرة الأولى..
دخل جميع العاملين إلى منزل العائلة و توجهوا نحو قاعه واسعة تقع في وسط الطابق العلوي..
كانت أرضيتها رخامية و جدرانها مزينة بالعديد من اللوحات التي تحمل تواقيع لرسامين معروفين، تحوي العديد من المزهريات الخزفية و الكراسي الملكية الفخمة..
وقف الجميع بداخلها على شكل طابور متراصٍ بانتظام أمام باب يتوسط أحد جدرانها، و كان ذلك هو الباب المؤدي إلي غرفة أعمال السيد سولومون إدوارديز.
و بعد لحظات قليلة من الانتظار، فتح احدهم باب الغرفة و كانت مدبرة المنزل صوفي، ثم قالت لهم بعد أن صفقت بيديها مرتين: لقد حان الوقت.. التزموا بالنظام و لا تنسوا شكر السيد على كرمه.
- حسنا..
قالها الجميع بكل سعادة و بدؤوا بالدخول إلى الغرفة لاستلام مرتباتهم الواحد تلو الآخر.. و بينما هم يفعلون ذلك، كان العامل الجديد يقف مذهولا من روعة ما يراه في تلك القاعة التي يقف بها منتظراً مجيء دوره، حيث كان الأخير..
أثناء ذلك في قاعة أخرى يصدر منها صوت عزف جميل على آلة البيان، كانت روزماري تتلقى دروس العزف الخاصة بها من معلمها الصارم أحيانا، لكنه اليوم كان مندهشا جدا من الانسياب الجميل للأنغام التي كانت تطرقها بيديها النحيلتين..
كان عزفا من مقطوعة صعبة لكنه كان متقنا جدا.. مقطوعة تأخذ من يسمعها إلى عالم آخرٍ مليء بحفلات الرقص الفاخرة..
و بعد أن انتهت من العزف، صفق لها معلمها بحرارة قائلا لها: إنها المرة الأولى التي تعزفين بها بإتقان احترافي.
روزماري باندفاع: حقا؟!
أومأ برأسه بالإيجاب مرتين ثم قال: ما السر وراء ذلك؟
نهضت من مقعدها فانساب فستانها الأزرق الداكن الذي كانت ترتديه على الأرض لشدة طوله، و توجهت نحو خزانة بها العديد من النوتات الموسيقية ثم قامت بالبحث بينها و أخرجت إحداها قائلة: اليوم، أشعر برغبة في عزف هذا النوع من المقطوعات.
نظر معلمها ذو الشعر البني القصير و المموج إلى اسم المقطوعة ثم قال: أولا فالس الخاصة بـ بيتر تشايكوفسكي و الآن فوكاليز لـ سيرجي رخمانينوف..! ما الذي دهاك اليوم؟
- لا أعلم، لكن لدي رغبة جامحة في عزف هاتين المقطوعتين.
ابتسم و قال: هممممـ.. معزوفتان ذواتي طابع رومانسي في يوم واحد.
بدا عليها الارتباك و صمتت للحظات حين سمعت ما قاله ثم سألته بتلعثم بعد أن رأت النظرة الغريبة التي كان يناظرها بها: مـ..ما الذي تتتـ..ــلمح إليه؟!
اقترب منها و همس في أذنها قائلا: إنه الـ (حــب) ..
اعتراها الذهول، و احمر وجنتيها قليلا، فضحك بهستيرية ثم وضع يديه على كتفيها و أخذ يربت عليهما بشدة قائلا بنبرة فرحة: و أخيرا كبرت يا تلميذتي النجيبة، كنت قلقا عليك طوال العشرة سنين التي علمتك فيها..
قام بمسح دموع الفرح التي كانت تنهمر من عينيه و قال مردفا بإلحاح: أخبريني من يكون؟ هل هو مدعو إلى الـ ديبوتانت الخاص بك؟
بدا عليها الانزعاج الشديد، فقامت بقرص إحدى يديه التي كانت لا تزال على كتفها ثم قالت له بعد أن اتجهت نحو أحد آلات الكمان الموجودة في الغرفة: استنتاجٌ خاطئ، فلنكمل درسنا يا أستاذي العزيز، فلست أريد أن يضيع وقتي الثمين على نقاشات سخيفة.
خاطب نفسه ساخراً بينما كان يحاول تخفيف ألم القرصة التي على يده "يبدو بأنها لم تدرك مشاعرها بعد"
ثم توجه نحو البيانو الأسود الكبير الذي يتوسط القاعة المفروشة بسجادة حمراء قاتمة و التي تطل نوافذها الممتدة على طول الجدار على منظر خلاب للحديقة الأمامية المليئة بالأزهار الملونة..
جلس على كرسي إليه و استعد لمصاحبتها في عزف السيمفونية التي اختارتها.
بينما في غرفة أعمال السيد سولومون، كان الفتى الذي حمل الرقم 201 سابقا يقف أمامه بجسد منتصب من شدة ارتباكه..
نظر إليه السيد إدوارديز بتمعن ثم قال له: لا بد بأنك الفتى الجديد الذي يقوم بأعمال الإسطبل حاليا.
- أجل..
قالها بصوت حاد ثم سرعان ما انحنى بجسده للأمام قليلا للاعتذار عما بدر منه من سوء تصرف و قال بنبرة منخفضة: أجل.
لم يبدُ على السيد سولومون الانزعاج أبدا، و سأل الفتى عن اسمه فأجابه بنبرة بها بعض السعادة: مـ.. ميشيل.
- ميشيل، من أي مدينة جئت؟
حين سمع هذا السؤال، لم يعرف بمَ يجيب.. شعر بأنه قد وضع في موقف لا يحسد عليه، و لم يخرجه منه سوى مدبرة المنزل صوفي حين قالت: إنه قادم من الريف الفقير.
- هذا يفسر تصرفه قبل قليل.
قالها بينما كان يضع كلتا يديه المقبوضتين ببعضهما أمام فمه و أنفه، و ينظر إليه بنظرات فاحصة.. ثم قام بإخراج مغلف بني اللون من أحد أدراج مكتبه و سلمه إليه قائلا: ميشيل، تفضل و حافظ عليه فأنت لم ترَ مبلغا كهذا من قبل.
فتح الفتى المغلف الذي ناوله إياه السيد إدوارديز، و حين رأى الأوراق الملونة التي كانت بداخله تلألأت عيناه واحمرت وجنتاه فرحا.. فهو لم يفهم ما أشار إليه السيد سولومون قبل قليل، لكنه كان سعيدا بأول مرتب يحصل عليه.
و بينما كان سارحا بالنظر إلى المبلغ المتواضع الذي بين يديه، شعر و كأن شخصا ما كان يوجه إليه نظرات حادة.. وحين رفع ناظريه نحوه كانت تلك صوفي..
لحظتها.. بدا عليه و كأنه تذكر شيئا ما فقال: أه صحيح..
ثم قام بالانحناء للأمام مرة أخرى لشكر السيد على كرمه كما أمرت صوفي الجميع قبل دخولهم إليه.
و بعدما سمح له بالانصراف، خرج ميشيل من الغرفة و تبعته صوفي لإرشاده إلى خارج المنزل.. لكنه في اللحظة التي وطأ بها خارج القاعة سمع صوت لحن جميل ينبعث من مكان ما في نفس الطابق فبدأ يتتبعه بخطى بطيئة أخذت بالتسارع تدريجيا إلى أن وصل إلى الباب الخشبي الفخم الذي يصدر اللحن من خلفه..
لحقت به صوفي ناهرة إياه عن التجول في أرجاء المنزل كما يحلو له، و حاولت منعه من فتح الباب لكنه كان أسرع منها في فتحه باندفاع شديد دون طرقه حتى، و هذا ما سبب دهشة كبيرة لـ روزماري و معلمها الذين توقفا عن العزف في اللحظة التي دُفع الباب بها..
- من أين أتت تلك الأصوات الجميلة؟
هذا كان سؤاله الذي خرج من فمه بعفوية تامة بعد أن شهق شهقة عالية جعلت خصلات شعره تنتصب للحظات..
و حين سمعا سؤاله، لم يتمالك كل منهما نفسه و انفجر كليهما ضاحكين..
سألهما عن سبب ضحكهما بغيظ و حاول الدخول إلى القاعة حيث هما لكن صوفي أمسكت بقبة قميصه من الخلف و منعته عن ذلك قائلة: لا يسمح للعمال بالتجول في أرجاء المنزل عرضا، و خاصة من يعملون خارجه..
حاولت إعادته إلى الإسطبل حيث يعمل لكن فاجأتها روزماري حين قالت بنبرة مرحة: لا بأس صوفي، دعيه يجلس و يستمع إلى عزفنا.
بدا على صوفي الانزعاج مما قالته، و ذكرتها بأن والدها متواجد في المنزل حاليا.. فقالت لها روزماري بنبرة جادة بعد أن أعطتها ظهرها: لا تدعيه يعلم بالأمر إذا.
تركته مدبرة المنزل صوفي نزولا عند رغبة الآنسة إدوارديز، الوريثة الوحيدة لوالدها، ثم توجهت للأسفل بعد أن قالت لها: حسنا، لكن تذكري أن تتحملي عواقب عنادك آنسة روزماري.
تأوهت روزماري بغضب بعد أن انصرفت صوفي و تمتمت بانزعاج: لا أعلم ما خطبها لتقف في صف والدي دائما.
ثم التفتت نحو الباب لتجده لا يزال يقف أمامه فقالت له بعد أن ابتسمت: تفضل بالدخول ميشيل، و أغلق الباب خلفك.
شعر بسعادة غامرة حينها و فعل كما طلبت منه ثم وقف بمحاذاة جدار القاعة اللؤلئي المعتق بلون ذهبي براق و أخذ يستمع إلى سيمفونية رحمانينوف التي استأنفا عزفها.
و بعد انتهائهما، قال بينما كان ينظر إلى البيانو بعينين تتلألآن: ما اسم هذا الشيء؟
استغرب معلم العزف من سؤاله ثم قال: بـ.. بيانو.
ميشيل: أريد أن أفعل كما كنت تفعل.
قالها بحماس فنظر المعلم إلى روزماري التي كانت تنظر إليه مبتسمة ثم أعاد ناظريه نحوه و قال بعد أن قام من مقعده: تفضل.
جلس ميشيل على الكرسي ثم قام بوضع إصبعه السبابة على أحد مفاتيح الموسيقى فصدر صوت نغمة حادة..
تلألأت عيناه و احمرت وجنتاه ثم قام بطرق جميع المفاتيح تصاعديا و تنازليا على التوالي..
بعد ذلك اتخذ نفس الوضعية التي كان يعزف بها المعلم قبل قليل و بدأ بعزف نفس اللحن ولكن برتم بطيء مع بعض الأخطاء وسط دهشة عارمة من قبل روزماري و معلمها..
قالت متسائلة: كيف تعرف عزف هذه المقطوعة؟!
فأجابها بابتسامة عريضة بعد أن توقف عن العزف: كنت أحاول تقليد ما سمعته.
دهشت لما سمعته و قالت بينما كانت تقترب منه: هل تريد أن تجرب استخدام الآلة التي معي؟
- أجل..!
و بعد إجابته تلك، ناولته الكمان و القوس و أخبرته بأن يجرب تقليد المقطوعة التي كانت تعزفها..
و كما فعل قبل قليل، قام باتخاذ نفس الوضعية التي كانت تتخذها و وضع القوس فوق الأوتار ثم أغمض عينيه استعداداً للعزف، و في اللحظة التي حرك يده بها، صدر صوت مزعج يكاد يثقب الأذن لحدته، و حينها انفجرت روزماري ضاحكة و قالت بينما كانت تمسك ببطنها: كنت أعلم بأن هذا سيحصل.
شعر الفتى بغيظ شديد ثم قال بعد أن أخفض الكمان عن كتفه: لماذا تضحكين؟ هل أعطيتني آلة مختلفة عن التي كانت معك؟
قامت بمسح دموعها ثم قالت بعد أن أخذت الكمان منه: لا، لكن الكمان ليس كـ البيانو في طريقة العزف..
- الكمان؟! قالها متسائلا فقالت له روزماري: هذه الآلة تدعى بالكمان، و تصدر صوتا حين تمرر شريط القوس على هذه الأوتار الأربعة، لكن عليك أن تتعلم تقنيات تمريره لإصدار مختلف النغمات مع التغيير في شدة ضبط الأوتار كذلك.
بدا على ميشيل و كأن رأسه قد ازدحم بالعديد من المعلومات الجديدة ، فضحكت روزماري بخفة حين رأته ثم أشارت إلى الشريط المثبت على القوس و قالت بنبرة مرحة: هل تعلم ممّٓ صنع هذا الشريط؟
أومأ برأسه بالنفي فقالت له: من شعر الجياد.
ميشيل بدهشة: حقاً..!!
أومأت برأسها بالإيجاب قائلة "أجل" ثم نهضت و همت بقول شيء ما له، لكن قام أحدهم بطرق الباب و كانت صوفي، ثم توجهت للداخل قائلة بحدة: حان وقت درس الرقص الخاص بك آنستي روزماري.
التفتت نحو معلم العزف و أردفت بنبرة مغايرة: شكراً لك على عملك الجاد سيد كامبل، يمكنك الانصراف الآن.
طأطأ برأسه مرة واحدة ثم قام بحمل معطفه ذو اللون الأبيض العتيق و اعتمر قبعته ثم قال لـ روزماري بينما كان يخرج من القاعة: احذري أن تفعلي شيئا يغضب والدك.. إلى اللقاء في الدرس القادم.
و بعد ابتعاده نظرت صوفي إلى ميشيل بحدة ثم قالت له: أعتقد بأن أعمال الإسطبل تنتظرك لتنجزها.
شهق شهقة عالية قائلا: لقد نسيت أمر الإسطبل تماماً.
ثم أسرع متوجها نحو صوفي لكي تدله على طريق العودة إلى الباحة الخلفية لمنزل عائلة إدوارديز..
و بعد أن رحلا، ظلت روزماري واقفة في مكانها تفكر بما قاله لها معلم العزف ذو الثامنة و الثلاثين من عمره، ثم قبضت يدها اليمنى فوق صدرها و قالت بعد أن ابتسمت بسخرية: يُغضب والدي.. هه.
بعد ذلك بعدة ساعات..
يتمدد على سريره و ينظر إلى الأوراق النقدية التي يحملها بيده اليمنى عاليا بسعادة بينما كان يدندن السيمفونية التي سمعها اليوم..
كان صوته ينتشر في أرجاء الغرفة الواسعة المخصصة للشباب من العمال الذكور.
و كانت تلك الغرفة تحوي عشرة أسرة، خزانتان كبيرتان و ثمانية مناضد، منضدة بين كل سرير و سرير، حيث كانت الأسرة خمسة متجاورة و تقابلها خمسة أخرى..
كان سريره الخاص هو الذي بجوار باب الغرفة تماماً..
وضع الأوراق النقدية على صدره و قام بضمها قائلا بعد أن ابتسم ابتسامة عريضة: غدا سأريها لـ أنابيل حين تاتي..
في هذه اللحظة، صدر صوت يدل على الإرهاق من احد الشبان الذين ينامون في الغرفة و قال بنبرة تشير بأنه على وشك النوم: ميــــشيـــــل.. أيها المزعج، أطفئ المصباح و اخلد إلى النوم، وإلا أسكتك بطريقتي الخاصة.
رفع جذعه بسرعة و قال بارتباك: حسنا..
ثم سرعان ما أعاد النقود إلى المغلف و خبأه تحت وسادته ثم فعل ما أمره ذلك الشاب بفعله..
.
.
نهاية الفصل الخامس..~
لا أسئلة لهذا الفصل، يمكنكم التعقيب كما يحلو لكم.. :e108:
و أيضا، لدي إضافة في الرد القادم..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
عدت بفصل جديد..
لم أرغب بوضعه اليوم لكنني حزمت أمري أخيرا..
تفضلوه و أرجو لكم قراءة ممتعة..
الفصل السادس..~
.
.
في صباح يوم يعج بضجة الأواني في مطبخ منزل عائلة إدوارديز..
يقف ذلك الشاب الطويل أمام طاولة رخامية تتوسط مطبخا كبيرا يعج بالعمال و الطهاة الذين يسرعون الخطى ذهابا و إياباً، بينما كان هو يقوم بتقطيع قطعة كبيرة من اللحم المدخن إلى شرائح رقيقة بوساطة سكين كبيرة و حادة..
و مع كل شريحة يقطعها، كان يتثاءب بشدة و هذا ما أثار غضب إحدى الطاهيات و التي كانت تعد بعض الفاصولياء الحلوة على النار..
التفتت إليه و رمته بمغرفة حساء حديدية أصابت رأسه بقوة، و قالت له بنبرة غاضبة: مــااارك، أسرع بتقطيع اللحم أيها البطيء.
- آاااااااااااااخ، لمَ فعلتِ هذا؟
قالها بصوت عالٍ بينما كان يفرك الجهة الأمامية من رأسه، فرمت عليه ملعقة أخرى و صرخت ثانية: هذا لأن تثاؤبك المتكرر قد أثار أعصابي، ألا تكفيك سبع ساعاتٍ من النوم؟
- لم أستطع النوم بسبب إزعاج ميشيل الذي استمر إلى الساعة الثانية عشـ.
قاطعته حين رمت عليه ملعقة ثالثة و قالت بغضب: لا تلقي اللوم على غيرك.
لحظتها..
رمى السكين على الأرض بشدة و قال غاضبا بينما كان يخرج من المطبخ: لن أعمل في المطبخ بعد اليوم، سأخبر العجوز جورج بأن يجد لي عملا في مكان آخر.
لحقته راكضة بعد أن أمسكت مفردة العجين الخشبية فزاد من سرعته هربا منها.. و حين خرج إلى الباحة الخلفية تنهدت ثم عادت أدراجها إلى المطبخ لتكمل إعداد وجبة الفطور الخاصة بالسيد إدوارديز و ابنته..
و حالما دخلت إليه، قالت بحدة لأحد الفتيان الصغار و الذي كان يقوم بتلميع الفضيات وقتها: بيـــــتر، أنهِ ما تفعله بسرعة و أكمل تقطيع اللحم الذي تركه أخاك.
- حسنا أمي.
وضع الملعقة التي كانت بين يديه على صينية فضية بجوار الفضيات الأخرى التي انتهى من تلميعها، ثم توجه نحو الطاولة حيث توجد قطعة اللحم فوقها..
لكنه حين وقف عندها لم يستطع الوصول إليها، فقد كان ارتفاع الطاولة مساوٍ لطوله تماما..
عاد إلى حيث كان يقف قبل قليل ثم قام بحمل السلم القصير الذي كان يعتليه للوصول إلى الفضيات و وضعه عند الطاولة، ثم وقف عليه ليستطيع الوصول إلى قطعة اللحم و بدأ بتقطيعها مستخدما سكيناً أخرى نظيفة..
خلال ذلك، كانت الطاهية المسئولة عن إعداد الخبز تنظر إليه بتقاسيم وجهها المجعدة، و التي زادت ابتسامتها من حدة تجاعيده ثم قالت لوالدته: بياتريس، هدئي من روعك يا امرأة.. لا تصبي غضبك على هذا المسكين أيضا.
تنهدت بياتريس الأم الأرملة ذات الاثني و الأربعين من عمرها بعمق ثم قالت: أعلم ذلك، لكن برود مارك و لا مبالاته سيصيبانني بالجنون.
- لا بأس، لقد أصبح ابنك في العشرين من عمره ولا يزال يعمل في هذا المنزل، دعيه يفعل ما يريد.
رفعت بياتريس القدر عن النار ثم توجهت نحو طاولة الإعداد و بدأت بسكب الفاصولياء التي أعدتها في الأطباق البيضاء الصغيرة المخصصة لها، ثم قالت لابنها الأصغر بعد أن أخرجت مقلاة و وضعتها فوق النار: ناولني شرائح اللحم يا بيتر.
كان واضحا بأنها تجاهلت ما قالته لها الطاهية الأخرى لشدة غضبها، لكنها فضلت تفريغ ذلك الغضب في إعداد طعام الفطور و تجهيزه بسرعة.
أثناء ذلك في الباحة الخلفية..
كان مارك يقف مستندا على باب المحبس الخشبي الخاص بأحد الخيول في الإسطبل، و كان يشكو همه لـ ميشيل الذي كان يدندن سيمفونية رخمانينوف و يقوم بتمشيط ذلك الخيل وقتها..
قال له مارك بغيظ ممزوج ببعض الغضب: هيي، هل أنت معي؟
أجابه ميشيل دون أن يلتفت إليه: نعم، لقد سمعت كل شيء.
مارك بحنق: حدث كل ذلك بسببك.
قام برفع خصلات شعره الصهباء و أعادها للخلف ثم أردف قائلا: انظر إلى كل تلك التورمات..
التفت إليه ميشيل ثم انفجر ضاحكا حين رأى جبهته الملونة بكدمات متفرقة حمراء مزرقة و قال له: يا إلهي، يبدو بأن السيدة بياتريس كانت غاضبة بحق.
تنهد مارك بعمق ثم قال: هي لا تزال غاضبة منذ اليوم الذي علمت فيه بأنني قدمت طلبا للالتحاق بكلية الطيران.
ميشيل بعينان تتلألآن: هل ستصبح طيارا؟
أومأ برأسه بالنفي قائلاً: ليس بعد، أرغب بأن أصبح طياراً لكن قد لا يتم قبولي في تلك الكلية.
ميشيل: ماذا ستفعل إن لم يقبلوك؟
ابتسم و قال: سألتحق بقسم الطيران الحربي في الجيش.
صمت قليلا ثم أردف بينما كان يداعب الحصان بكفيه الكبيرين: حلمي هو أن أحلق في السماء، لا يهمني إن كنت طياراً مدنياً أم حربياً، المهم أن أصعد إلى تلك العوالم البعيدة.
عم الهدوء المكان للحظات، ثم التفت مارك إلى ميشيل سائلاً إياه: وأنت، ما هو حلمك؟
أجابه باندفاع: أن أتعلم القراءة و الكتابة.
ضحك مارك بشدة ثم قال: هذا ليس حلماً.
ميشيل بنبرة منخفضة: أن أعود إلى المكان الذي جئت منه.
استمر مارك بالضحك كالسابق فأخفض ميشيل ناظريه إلى يديه بعد أن شبك أصابعه ببعضها و قال بصوت يكاد يُسمع: أن ألتقي بشخص..
قاطعه مارك بعد أن ضرب كتفيه النحيلين بيديه بشدة و قال باندفاع: هل هذا هو كل ما تطمح إليه في الحياة؟
ميشيل بتساؤل: تطمح؟ ما معنى هذه الكلمة؟
وضع مارك يديه في جيبي بنطاله قمحي اللون و قال متهكما: يا إلهي، أنت ميئوس منك.
ثم أردف بينما كان يخرج من الإسطبل: أوليس اليوم هو موعد زيارة أنابيل لك؟ اسألها عن معنى تلك الكلمة حين تأتي.
بعد فترة من الزمن و في إحدى غرف منزل عائلة إدوارديز الفخم و الكبير، تجلس تلك الفتاة التي تعودت منذ صغرها على ارتداء الفساتين و التنانير فقط على كرسي بانتصاب تام أمام سيدة ذات شعر أسود قصير..
تجلس مستمعة بإنصات إلى ما تقوله تلك السيدة التي تتحرك ذهابا و إيابا أمامها قائلة بنبرة جادة: آنسة روزماري، يجب على الـ ديبوتانت اعتماد وضعية الجسد الملائمة لفتاة شابة، ابقي هكذا لنصف ساعة أخرى، و لا تنسي أن تتنفسي بهدوء تام و....
وبينما تلك الاستاذة تتحدث، انحنت روزماري بظهرها للأمام قليلا لإراحة العضلات الخلفية لجذعها فنهرتها عن ذلك قائلة بصوت عالٍ و حازم: ظهرك، آنسة روزماري..
انتصبت من فورها موجهة أنظارها للأمام، فسألتها تلك السيدة الأنيقة: و الآن، أخبريني ما يتوجب على الـ ديبوتانت فعله في يوم الحفلة؟
أجابتها بنبرة واثقة بينما كانت لا تزال على وضعيتها السابقة: على الـ ديبوتانت أن ترتدي فستان سهرة طويل أبيض اللون، بالإضافة إلى القفازات البيضاء و اللؤلؤ.. و عليها أن تتقن رقصة الفالز الخاصة التي تُعزف في الحفلة الراقصة، و أن تتعلّم آداب المائدة والتصرف اللائق في المجتمع و بلاغة الكلام، و اعتماد وضعية الجسد الملائمة لفتاة شابة، و أن تكون ملمّةً بالآداب و الفنون الجميلة.
- جيد.. و هل أتقنت الرقصة؟
- اقتربت من تحقيق ذلك.
- و الفستان؟ هل انتهى تصميمه؟
- ستأتي المصممة اليوم لتجربة قياسات القطعة الأساسية له، ثم ستبدا بتجهيز الفستان بأكمله بعد ذلك.
نظرت الأستاذة إلى الساعة ثم قالت بعد أن ابتسمت بمكر: مضى من الوقت دقيقتان لم تفقدي خلالهما السيطرة على انتصابك و أنتِ تتحدثين، لقد أحسنت.. و الآن ابقي منتصبة هكذا لـ ثمانٍ و عشرين دقيقة..
و ما أن قالت ذلك حتى خرجت من الغرفة حاملة حقيبة يدها المخملية ذات اللون الزمردي لتبقى الآنسة إدوارديز جالسة في مكانها بانتصاب تام، تنظر إلى الساعة التي كانت عقاربها تدق برتم شديد البطء..
أرادت أن تنهي هذا التدريب بنفسها قبل اكتمال النصف ساعة، فوقت هذا الدرس قد انتهى مذ خرجت تلك الامرأة من الغرفة.. لكنها فضلت الاحتمال أكثر و الاستمرار على تلك الوضعية لأجل حفلة الـ ديبوتانت التي ستكون بعد شهرين من الآن، و التي ستكون مليئة بالعديد من أفراد العائلات المرموقة الذين إن لم يجدوا عيباً في أحدهم فسيحاولون الصاق أي خلل به..
تفعل ذلك لأجل والدها و سمعته، و لأجلها أيضا.. فهي الوريثة الوحيدة للعائلة، لذا، لزام عليها أن تتصنع الكمال في تلك الليلة لترضي كبرياءهم الجشع..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
بعد مرور ساعة..
يقف أمام البوابة الأمامية منتظرا بلهفة مجيئها..
و حين رآها تخرج من سيارة الأجرة الرمادية التي تستقلها حاملة معها بعضا من الكتب التي تملك غلافا من الورق الصلب، أسرع بفتح البوابة لها، و استقبلها بسعادة عارمة و ابتسامة عريضة.. بينما بادلته هي الابتسام برقة..
قال لها باندفاع بعد أن أخرج المغلف البني الذي استلمه البارحة و وضعه بين يديها: انظري.
سألته باستغراب: ما هذا؟
فأجابها بسعادة: إنه مرتبي الأول، لقد استلمته البارحة.
بدأ يلمح إليها بفتحه ففعلت ذلك لتنظر بداخله بينما كان هو ينتظر قولها لشيء ما..
سألها بتردد: هل يكفي هذا المبلغ لجمع المعلومات؟
أومأت برأسها بالنفي بعد أن اصطنعت ملامح الأسى على وجهها، ثم قالت له بعد أن رأت الحزن يرتسم عليه: لكن.. أعتقد أن راتب شهرين أخريين سيفي بالغرض.
- هل أنت متأكدة؟
قالها باندفاع فـ أجابته: أجل.
و في هذه اللحظة.. خرج جورج إليهم و قال بعد أن ألقى التحية عليها: الآنسة روزماري ترغب بمحادثتك في موضوع مهم اليوم، اذهبي إلى الغرفة الزجاجية و انتظريها هناك.
نظرت أنابيل إلى ميشيل ثم قالت له: فلنكمل حديثنا في الداخل.
و بعد دخولهما.. كان هو يسرد لها عن المعزوفة التي سمعها البارحة و عن الكمان الذي حاول العزف عليه، ثم سألها عن معنى كلمة "تطمح" التي قيلت له في وقت سابق من اليوم..
- تطمح؟!
قالتها باستغراب ثم أردفت باندفاع: أنت تعني الطموح.
- الطموح؟ ما معنى هذه الكلمة.
ابتسمت برقة ثم قالت: الطموح هو نظرتك للمستقبل.. أي ما تريد أن تكون عليه بعد عدة سنوات.
- ما أريد أن أكون؟
قالها ثم صمت و بدأ التفكير ملياً..
سألته عما يريد فأجاب بعد ثوانٍ معدودة: لا أعلم.
- حسنا إذا، عليك أن تستغل فترة بقائك في هذا العالم بالتفكير بالأمر، فالشخص الذي بلا طموح هو كـ جثة متحركة.
- أنا لست جثة متحركة.
قالها باندفاع ممزوج بالقليل من الغيظ فابتسمت برقة و قالت له: نعم، أعلم ذلك.
و أثناء حديثهما هذا، كانت إحدى العاملات في خدمة عائلة إدوارديز قد أحضرت شاي زهرة الياسمين المفضل لدى الآنسة روزماري و بدأت بسكب القليل منه في احد أكواب الشاي الخزفية البيضاء و المزخرفة بنقوشٍ جميلة، ثم قدمته لـ أنابيل..
وجهت ناظريها نحو ميشيل الذي كان يجلس بجوار أنابيل و يتصفح أحد الكتب المصورة التي أحضرتها له محاولاً التعرف على الحرف الذي نقش في أحد صفحاته بطريقة طفولية مضحكة..
ابتسمت بعفوية بعد أن رأت حاله، لكنها سرعان ما أخفت ابتسامتها ثم قامت بسكب كوب آخر و وضعته أمامه..
سألتها أنابيل عن روزماري فأجابتها بأنها كانت برفقة مصممة الأزياء الخاصة بها في الأعلى لتفصيل فستانها الذي سترتديه في حفلة الـ ديبوتانت.
و حينها قالت أنابيل لـ ميشيل: سأذهب لتفقدها، و حين أعود يجب عليك أن تخبرني ما اسم هذا الحرف، فقد أخذت وقتا طويلا للتعرف عليه.
ابتسم ابتسامة عريضة تخفي ارتباكه قائلاً: حسنا.
ثم أعاد ناظريه إلى الكتاب بينما خرجت هي من الغرفة و ابتعدت عنها متوجهة نحو الدرج المؤدي للأعلى، فالتقت خلال ذلك بوالدتها صوفي التي خاطبتها فور رؤيتها بنبرة جافيه: أنابيل، أرغب بمحادثتك بأمر ما؟
توقفت أنابيل و استدارت لتواجه والدتها قائلة: تفضلي أمي.
- ليس هنا، فلنذهب إلى غرفتي، لا أرغب أن تستمع الآنسة روزماري إلى محادثتنا عرضاً.
بينما في الطابق العلوي، و عندما بدأت الشمس بالانحدار في السماء الزرقاء آخذة بالاحمرار تدريجيا لتلون الغيوم المتناثرة بألوان زاهية من الأرجواني و الأصفر الكهرماني، كانت تلك الفتاة التي ستبلغ السابعة عشرة من عمرها في شهر ديسمبر القادم تسير بخطى متزنة خارجة من إحدى الغرف متوجهة إلى غرفتها و قد بدا عليها التعب و الإرهاق الشديدين.. و حينما دخلت إليها، ارتمت على سريرها ذو الطراز الملكي الفخم و المفروش بفراش ناعم و مريح..
ارتمت عليه متأففة و منزعجة بسبب ازدحام جدول مسؤولياتها و دروسها الخاصة يومياً، و التي بسببها هي غير قادرة على أن تحظى و لو بوقت قليل من الفراغ..
متأففة، لأنها أُجبرت على فعالية الـ ديبوتانت و التي من المؤكد بأن أحداً من الحاضرين إليها سيكون زوجها المستقبلي.. و هذا ما يزيد من سخطها على تلك الفعالية، فزواج المصالح و العلاقات يقع ضمن نطاق الأشياء التي تكرهها بشدة..
أغمضت عينيها آخذة شهيقا عميقا تبعه زفيرٌ مطول و من ثم دقائق من السكون الذي برز به صوت تكتكة عقارب الساعة بوضوح تام..
بدأت بالاسترخاء و ارتسمت على شفتيها ابتسامة تدل على الراحة بعد تعب طويل، لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها تلك و تقضب حاجبيها بسبب الإزعاج الذي أصدره أحدهم حين بدأ بالطرق على باب غرفتها..
- ماذا هناك؟
قالتها بنبرة منفعلة لتجيبها فتاة بقليل من الارتباك: آنسة روزماري، الآنسة انابيل كانت تبحث عنكِ منذ مدة.
رفعت جذعها بسرعة و كأنها لم تكن تلك الفتاة المنهكة قبل قليل و أمرت الخادمة بالانصراف، ثم اتجهت نحو خزانتها مخاطبة نفسها "آه، كم اشتقت إلى مثل تلك الأوقات التي كنت اقضيها معها سابقاً، فالرسائل و الاتصالات الهاتفية التي كنا نتبادلها بين الفينة و الأخرى زادت رغبتي في العودة إلى الوقت الذي كانت تعيش فيه بيننا أكثر و أكثر"
و بينما هي سارحة في الماضي و تقلب الفساتين التي تملكها الواحد تلو الآخر بدا و كأنها تذكرت شيئا مهما جعلها تترك فساتينها المعلقة و تخرج صندوقا أنيقا كبير الحجم كان موضوعا في الرف العلوي لخزانتها الواسعة..
حملته و وضعته على السرير، ثم قامت بفتحه و قالت أثناء تمعنها لمحتواه: أريد أن أريها البزة التي أرسها لي خالي غيلبيرت مع هذه الرسالة التي تخص أمر ميشيل، بالتأكيد هي ستسر بذلك كثيرا..
أخذت تنظر إلى تلك البزة بداخل الصندوق، و التي تتكون من بنطال ضيق لم تعتد على ارتداء مثله، كنزة قطنية بيضاء عتيقة، و معطفا فضفاضا قصيرا ذو لونٍ كلون الكرز الأحمر محاكا من خيوط قطنية و حريرية..
تنظر إليها مترددة في ارتدائها، فهي ترغب بذلك، لكنها تشعر بالغرابة من ارتدائها شيء كهذا.. و بعد عدة دقائق من مصارعة نفسها استطاعت أن تحزم أمرها، فارتدت البزة و رفعت شعرها الطويل للأعلى مصففة إياه بطريقة مرتبة ملمومة على بعضها..
وقفت أمام المرآة، و بدأت بتأمل شكلها الذي استنكرته.. فاستدارت للخلف عائدة إلى خزانتها لتخرج فستانا ترتديه لكنها توقفت و نظرت نحو المرآة مرة أخرى..
استمرت على تلك الحال لدقيقتين ترى انعكاس صورتها من مختلف الزوايا، و كانت لا تتزال مترددة من مظهرها.. ثم أخذت نفسا عميقا زفرته مطولا و قالت بعد أن قبضت كلتا يديها بعزم: حسنا، ليس الأمر و كأني سأخرج إلى الشارع بهذا اللباس.. فأنا سأريه لأنابيل لا أكثر.
و بعد قولها ذلك، وضعت الرسالة في الجيب الداخلي لمعطفها ثم خرجت من غرفتها بعد أن وضعت أقراطا لؤلئية صغيرة على أذنيها و ألقت نظرة أخيرة على مظهر انعكاسها في المرآة..
أثناء ذلك في الغرفة الزجاجية..
كان يجلس منضبطا في مكانه، يرفع عينيه تارة لينظر إليها ثم يخفضهما تارة أخرى.. و كأنه يرغب بسؤالها عن أمر ما لكنه يشعر بالخوف و الارتباك..
بينما كانت هي تعلم بما يدور في ذهنه حالياً، لكنها كانت تتفادى النظر إليه..
و بعد دقائق قليلة من الصمت.. استجمع شجاعته و سألها: هل تعرفين هذا الحرف؟
وجهت ناظريها إليه بسرعة و حاولت ألا تبتسم و تتصنع الجمود، ثم قالت له بعد أن ابتعدت عن طاولة الشاي و اقتربت منه لتنظر في الكتاب: نعم، إنه حرف g.
- هل أنت متأكدة؟
- أجل.
- إذا هل تعرفين القراءة و الكتابة؟
- أجل.
شعر بسعادة عارمة جعلت وجنتيه تحمرّان حين سمع إجابتها، ثم قال لها باندفاع: هذا رااائع.
أخذت الفتاة العاملة ذات الستة عشر عاماً تنظر إليه بعينيها البنيتين، لم تستطع حينها إخفاء ابتسامتها كما طُلب منها على الدوام، و لم تستطع منع وجنتيها عن التورد بسبب المشاعر التي انتابتها لحظتها "يا إلهي، لا أستطيع التصديق بأننا في نفس العمر تقريباً، فهو كالطفل تماما".. هذا ما دار في ذهنها وقتها، و لم يعكر تلك اللحظة سوى صوتٌ قائل بحدة: كاترين، ما الذي تفعله قدمك على السجادة الحريرية؟
نظرت كاترين نحو قدمها ثم أبعدتها بسرعة عن السجادة قائله بارتباك: أنا آسفة آنسة روزماري، لم أنتبه لخطواتي.
- لا بأس، عليك أن تنتبهي في المرة القادمة، فحذاؤك قد يترك أثراً عليها و ربما يفسدها.
طأطأت العاملة برأسها معبرة عن أسفها الشديد، ثم أسرعت لتقف بجوار طاولة الشاي مرة أخرى، و همت لتسكب بعضاً من الشاي الذي قامت بتحضيره مرة أخرى قبل قليل للآنسة إدوارديز التي كانت تتقدم نحو أحد الكراسي لتجلس عليه.. لكنها توقفت في المنتصف و قالت باستغراب: أين هي أنابيل؟
بينما في غرفة أخرى في سرداب منزل العائلة..
تجلس صوفي على سريرها مخاطبة ابنتها التي تجلس على كرسي مقابل لها بنبرة باردة: أصبحتِ تترددين على هذا المنزل كثيرا في الآونة الأخيرة.
أنابيل بنبرة جادة: لم آتي إلى هنا للسبب الذي يدور في ذهنك، فكل ما أفعله هو لأجل ذلك الفتى المسكين.
صوفي بحدة: فتى مسكين؟! صحيح أنه يبدو ساذجا، لكني متأكدة بأنه سـ يسبب العديد من المشكلات في هذا المنزل، و هو بالفعل قد بدأ بذلك.. كما أنني ألاحظ الكثير من التراخي في معاملته و الاهتمام من قبل الآنسة روزماري.
بدأت ترمق ابنتها بنظرات منزعجة بينما تكمل قائلة: وافقت على عرض الأمر للسيد إدوارديز لأتخلص من إلحاحك، و كنت واثقة بأنه سيرفض الأمر.. لكنه وافق على تعيينه فور علمه بأنك أنت من طلب ذلك.
تغيرت نظراتها إلى الحدة، ثم أردفت بنبرة ملؤها الشك: هل هناك استمرارية للعلاقة التي كانت بينكما سابقا؟
نهضت أنابيل من الكرسي الذي كانت تجلس عليه و قالت بنبرة منفعلة بها بعض التهكم: موعد زفافي من ديلان بعد أسبوع، و أنت لا تزالين مصرة على فتح هذا الموضوع كلما رأيتني؟!
صمتت قليلا ثم أردفت بحدة: صحيح بأني أحببته بشدة سابقا..
نهضت صوفي و قامت بصفع ابنتها بقوة بعد سماعها لهذا الاعتراف، بينما تكمل هي ما تقوله بعد أن استجمعت رباطة جأشها حيث كانت تبدو على وشك البكاء: سأخبرك بما تحبين سماعه أمي، لقد تخليت عن حلم سندريلا منذ زمن طويل، و أنا الآن راضية عما اختاره الله لي..
بدأت بالابتعاد عن والدتها متجهة نحو باب الغرفة بينما تكمل قائلة: السيد سولومون..
قاطعتها صوفي بحدة: السيد إدوارديز.
- السيد إدوارديز.. كان حلما و انتهى، أما ديلان، فهو واقعي الجميل الذي أعيشه الآن بسعادة.
صمتت لوهلة ثم قالت بنبرة تحتبس البكاء بعد أن أمسكت مقبض الباب: هل ترغبين بقول شيء آخر لي؟
لم تجِب صوفي على سؤالها، فقامت بفتح الباب و خرجت مسرعة بينما كانت تمنع دموعها من الانهمار.. و حين توقفت بمحاذاة الدرج، أخذت نفسا عميقا ثم توجهت للأعلى بوجه غير الذي أظهرته قبل قليل..
صعدت إلى الأعلى باحثة عن روزماري دون أن تعلم بأنها قد توجهت للأسفل قبل دقائق قليلة.. فتوقفت أمام باب غرفتها ثم نادت عليها لكنها لم تجب، و حين طرقت الباب و فتحته رأت إحدى العاملات تقوم بترتيب الغرفة، فقامت بسؤالها عنها لتخبرها بأن الآنسة روزماري قد توجهت إلى الغرفة الزجاجية قبل قليل..
أغلقت الباب ثم عادت أدراجها نحو الدرج العريض الذي تضيق مساحته كلما اقترب من نهايته السفلى.. وحين همت بالنزول للأسفل رأت السيد سولومون الذي كان قد وصل إلى منتصف الدرج متوجهاً للأعلى وقتها..
التقت عينيها بعينيه لوهلة، لكن سرعان ما أشاحت بناظريها بعيداً و قامت بالانحناء قليلا لتحيته ثم أسرعت بالنزول و تخطته دون أن تلتفت إليه..
- أنابيل..
قالها بنبرة هادئة محملة بشغف مدفون جعلها تطأطئ برأسها للأسفل و تقول بحزم: أرجوك سيد إدوارديز، لا تنادني بهذه الطريقة فهي تشعرني بعدم الراحة..
لحظتها.. ساد صمتُ المكان، فالتفتت إليه بعد بضع ثوانٍ و قالت: لقد تركت هذا المكان و فضلت السكن في مهجع الكلية لأبتعد عنك، كي لا أرى نظراتك هذه لي.. فما كان بيننا ماضٍ رحل و لن يعود..
كان صوتها يختنق شيئا فشيئا حين أخبرته بذلك، لكن سرعان ما هدأت نبرتها حين ذكرته بموعد زفافها القريب جدا، بينما كانت معالم اليأس قد بانت على قسمات وجهه الوسيم رغم وصوله لسن الحادية و الأربعين..
أراد السيد سولومون قول شيء ما لها لكنها لم تفسح له المجال حيث قالت بعد أن أعادت ناظريها للأمام: عليك أن تتخلى عني و تبحث عن فتاة أخرى تناسب معاييركم.
و بعد قولها هذا، نزلت بسرعة لتبتعد عنه متجهة إلى الغرفة الزجاجية للبحث عن روزماري.. بينما كانت الأخيرة تقف في الأسفل بمحاذاة الدرج متفاجئة من المحادثة التي سمعتها لتوها، و لم يدر في ذهنها حينها سوى هذا التساؤل الوحيد..
"ما المعنى من ذلك يا أبي؟"
.
.
نهاية الفصل السادس..~
- تم الكشف عن سبب الجفاء الذي تبديه صوفي تجاه ابنتها أنابيل
فهل يستحق الأمر تلك المعاملة حقا؟
- و كيف ستتصرف روزماري بعد سماعها لتلك المحادثة؟
- بدأ ميشيل بالتفكير ملياً بما يرغب بفعله، فهل سيتمكن من معرفة ذلك؟
و إن فعل، فـ ماذا قد يكون طموحه يا ترى؟
::سؤال لا علاقة له بالرواية::
هل أعتمد هذا التنسيق للفقرات أم أعود للتنسيق السابق؟
أيهما أفضل برأيكم للقراءة؟
و هل حجم الخط مناسب؟
:موسوس:
و في الختام..
انتظروني في الفصل القادم الذي أتمنى أن أتمكن من إنهائه قريبا.. ::مغتاظ::
في أمان الله..~