Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حال الجميع في هذا الشهر الكريم؟
أرجو الله أن تكونوا بـ أفضل حال =)
جئت اليوم بصحبة الفصل الجديد من هذه الرواية المتعبة..
الذي أشعر بأنه مليء بالأخطاء هنا و هناك..
على أي حال، أرجوا أن تستمتعوا بالقراءة..
الفصل الرابع عشر..~
.
.
مضى اسبوعين تقريباً على اليوم الذي طُرد فيه ميشيل من منزل عائلة إدوارديز..
و مضت كذلك نفس المدة منذ إيواء السيد جوزيف و زوجته له.. و ها قد عاد عزم الفتى من جديد لإيجاد الملجأ، لاسترجاع دفتر يوميات شيون الغامض، الذي لربما قد يجد بداخله بعض التوضيحات عن التغيرات الغريبة التي بدأت تطرأ عليه، عن ظمئه المزعج الذي لا يروى مهما شرب من الماء.. و عن تلك الرؤيا من الملجأ، التي لا يذكر حدوثها قبلا..
و كذلك ثار فضوله حين استشعاره لقصة تخفيها زوايا منزل السيد جوزيف، قصة تشمل عدة أطراف يتوق لمعرفتها، لكنه فضل السكوت و عدم السؤال لمعرفته بمقدار الألم الذي قد تسببه ذكريات الماضي..
و ها هو ذا يقف أمام النافذة في تلك الغرفة العلوية مستندا إلى حافتها الخارجية يتأمل السماء التي حجبت المنازل المجاورة جزءا كبيرا منها بعمق.. كانت ذات زرقة جذابة تتخللها غيوم متفرقة في صباح أطربته أغاريد الطيور المطوقة بقضبان حديدية في أقفاص عند بعض البشر..
أغمض عينيه آخذا نفساً عميقا كتمه لبضع ثوانٍ، ثم أطلقه خارج رئتيه ببعض القوة.. و بعد ثانيتين سمع صوت السيدة لورين تنادي عليه من الخارج فأخفض ناظريه ليراها تلوح له من الأسفل حيث كانت متوجهة نحو الزقاق الجانبي بعد عودتها من رحلة تسوق سريعة قامت بها..
كانت تبتسم له بدفء فبادلها الابتسام بسعادة، ثم هم بإغلاق النافذة بعد أن دخلت هي إلى المنزل عبر الباب الجانبي لكن أوقفه عن ذلك استماعه للحن غريب، لحن لم تستسغه أذناه، و كأن أحدهم قد قام بتشويه بعض العلامات الموسيقية و من ثم قذفها عشوائيا في السلم الموسيقي فوق قطعة من الورق لتشكيل ضوضاء ملفتة..
.
- ما هذا اللحن؟!
.
تساءل بصوتٍ عالٍ مندفع، ثم أسرع إلى الأسفل تاركا النافذة مفتوحة في الغرفة، و توجه نحو الباب مارّاً بالسيدة لورين التي كانت تضع كيساً يحوي دقيقاً أبيض على منضدة الإعداد في المطبخ..
سألته عن سبب هذا الإندفاع ليجيبها بينما هو يقف بمحاذاة الباب: أسمع صوتا غريبا و أرغب بمعرفة مصدره..
تساءلت باستغراب: صوت غريب؟!
ثم شهقت بعلوٍّ حين استطاعت تمييز اللحن الذي يقصده ميشيل، و أسرعت بالنداء على زوجها بإلحاح مضْطَّرب: جوزيف، جوزيف.. لقد عادوا مجدداً.
قدِم من غرفة المعيشة على عجل متسائلاً: من تقصدين..؟!
ثم بدا و كأنه استوعب هوية من أشارت إليهم زوجته فقال بنبرة تخفي نوعا غامضا من الحنق: صحيح، فقد مضت عشر سنوات بالفعل.
أشاح بناظريه بعيداً عنها لينتبه لوقوف ميشيل بجوار باب المنزل الجانبي المؤدي خارجاً فأردف ببعض الحدة: إلى أين؟
استشعر الفتى مشاعر السيد جوزيف تلك فقام بالتراجع عما أراد فعله و دخل مغلقاً الباب ثم قال بنبرة منخفضة: لا مكان.
تنهد السيد جوزيف بعمق ليحاول تهدئة الغضب الذي اعتراه حين استمع لذلك اللحن، ثم توجه نحو حانته صافقاً الباب خلفه بشدة جعلت كلا من ميشيل و السيدة لورين ينتفضان في مكانيهما..
و بعد وهلة من الصمت قالت تلك السيدة التي بدت حزينة بعض الشيء لـ الفتى الذي كان منزعجا يقف ناظراً إلى الأرضية الخشبية الداكنة: أعتذر نيابة عن زوجي عما بدر منه، لكن أرجو ألا تقترب من ذلك السيرك الجوال آدڤينا.
.
"سيرك جوال..!!"
.
أثارت تلك الجملة فضوله فأظهر الانصياع التام لما قالته السيدة لورين، لكنه أخفى نيته في الذهاب لاستكشاف ماهية الشيء الذي يدعى سيركاً ببراعة..
و بعد ثوان قليلة دُق جرس الباب بإلحاح لتقوم السيدة لورين بفتحه بعد سؤالها عن هوية الشخص الذي يصدر ضجة منذ الصباح، فرأت ذلك الطفل الذي يبدو في السابعة من عمره يقف مبتسما أمام الباب لتبتسم هي بعفوية تجاهه، ثم قالت له بعد أن انخفضت إلى مستواه: هل يريد جدك مساعدة من آدفينا مرة أخرى؟
أومأ الطفل برأسه إيجابا، ثم قام باخلاس النظر إلى داخل المنزل حيث كان ميشيل يقف خلف السيدة لورين التي نهضت و التفتت إليه لتخبره بأمر الحاجة إليه مجددا..
و حين التقت عينا الطفل بعيني ميشيل، ابتسم الأخير و قام بالتلويح للأول الذي اتسعت ابتسامته لتظهر أسنانه التي يفتقد لأحد قواطعها العلوية..
أعادت السيدة لورين أنظارها نحو الطفل الصغير ثم قالت: هل تناولت وجبة فطورك لليوم؟
أجابها من فوره: أجل.
ثم أردف باندفاع: لكني لم أتناول الكعك المحلى بعد.
ابتسمت ثم قالت: ما رأيك بأن تتناوله معنا، فـ آدفينا لم يفطر بعد..
شعر الطفل بسعادة عارمة و توجه إلى الداخل بسرعة، تقوده قدماه القصيرتان حيث طاولة الطعام التي وضعت في مطبخ منزل السيد جوزيف، ثم جلس على أحد الكراسي إليها و بدأ بترديد كلمات تصف مدى حبه للكعك المحلى الذي تعده السيدة لورين، و مدى روعة طعمه الذي يتشوق لتذوقه مجددا..
أما ميشيل، فقد ابتسم حين رأى أفعاله تلك، لكن ابتسامته سرعان ما انقلبت لتظهر تعبيرا حزينا أسرع بإخفائه، فقد ذكرته تصرفاته تلك بالأطفال الصغار الذين كانوا يلازمونه في الملجأ، و كذك بالطفل الذي كان معهم في تلك الرحلة المشؤومة أيضا..
و بعيداً عن ذلك المنزل..
حيث كانت تلك الفرقة تسير في شارع المارة الإسمنتي.. و حيث أولئك الأشخاص الأربعة الذين يستعرضون فوق عربة كبيرة ملونة بمزيج غريب من الألوان البرتقالي، البنفسجي، و الأخضر ذوي الدرجات الفاقعة.. و ثلاثة آخرون يسيرون بأوجههم المبرجة و ملابسهم المبهرجة الغريبة محاولين جذب انتباه أكبر عدد ممكن من الجمهور..
بدأ المارة بـ إخلاء الشوارع حين رؤيتهم، و أوصدت أبواب و نوافذ جميع المنازل خشية من تسرب ذلك اللحن الذي اعتُبر مشؤوماً بسبب حادثة وقعت منذ عشر سنوات هنا.. في هذه الأنحاء..
لكن أولئك الأشخاص لم يأبهوا بما كان يجري، فـ بالتأكيد سيأتي شخص واحد على الأقل لحضور عرضهم الذي سيبدؤونه مساء هذا اليوم..
بعد فترة من الزمن..
و في حانة السيد جوزيف التي بدأت باستقبال زبائنها منذ خمس عشرة دقيقة تقريبا، كان الجميع ثائرين يتناقشون في موضوع السيرك الجوال الذي عاد للظهور في مدينتهم مجددا، يقول أحدهم بسخط: كيف يجرؤون على المجيء هنا؟
بينما آخر يضحك ساخرا: لن يحضر أحد من هذه الأنحاء عرضهم.. فليعملوا على غسل عقول الأشباح كما فعلو بـ آرون..
صمت حين قال ذلك ثم نظر إلى السيد جوزيف ببعض الارتباك ليجده عاقد حاجبيه ينظر إليه ببعض الحدة، فأشاح بناظريه عنه ليتلفت بهما في أرجاء الحانة.. و بعد استيعابه لأمر ما، قال متسائلا: بالمناسبة، أين الفتى المتشرد؟
صاح أحد الرجال من بعده: صحيح جوزيف، أين آدفينا؟ أ لن يعمل معك اليوم؟
فـ أجابهم من فوره بنبرة تبدي اللا مبالاة: لا أعلم، ربما أرهقه بالفور بالعمل.. فهو لم يخرج من غرفته منذ عودته في الظهيرة..
أما بعيداً عن تلك الحانة، كان ميشيل يسير بخطى متحفظة حذرة في أرجاء المدينة باحثا عن ذلك السيرك الجوال، و قلق بأن يصادف أحدا من رواد حانة السيد جوزيف فيفشي أمر خروجه أو أن يضل طريق العودة، و بما أنه لا يعرف كيف يكون السيرك، فقد استمر بسؤال من يصادفهم أثناء تجواله لكن أحداً لم يجبه، و كان أغلبهم يرمقه بنظرات حادة و من ثم يشيح بناظريه عنه مبدياَ انزعاجاَ شديدا..
و بعد بحث استمر ساعة من الزمن، استطاعت أذناه التقاط ذات اللحن الذي استمع إليه صباحاً، و استدل على مكان السيرك بعد أن أشار إلى موقعه رجل عجوز كان يقف خارج منزله يتأمل المارة، و يبدو بأنه قد أشفق على حال الفتى بعد صد الجميع عنه..
أسرع ميشيل بالتوجه إلى حيث أشار الرجل، و كانت تلك الألحان تعلو تدريجيا و تزداد صخبا كلما اقترب من بقعة أرض محاطة بالعديد من الأشجار المتشابكة الجرداء، و ها هو قد رآها أخيرا.. تلك الخيمة الكبيرة ذات الألوان الغريبة كألوان العربة التي كانت تتجول في أرجاء المدينة آنفاً..
خيمة مقامة وسط ساحة شاسعة خالية لم يكن متواجدا بها سوى شخص يرتدي زياَ تنكريا لـ دب ظريف أرجواني اللون يقف أمام المدخل المؤدي إلى داخل الخيمة..
ازداد تلهف ميشل لمعرفة ما تحويه تلك الخيمه، لكنه كان خائفا مما قد يفعله ذلك الشخص إن رآه، و خصوصا بعد أن رآى ردات الفعل المرتابة من قبل سكان هذه الأنحاء، لذا فضل انتظار أقرب فرصة تمكنه من التسلل دون أن يلحظه أحد..
و ها قد جاءت فرصته حين توجه الشخص الذي يرتدي زي الدب إلى الداخل، فـ ابتلع ميشيل ريقه حينها و قام باتخاذ خطوات قصيرة سريعة بعض الشيء لكن حذرة باتجاه ذلك المدخل الذي ما أن وصل إليه، حتى بدأ باختلاس النظر إلى داخله..
رآى ذلك الشخص الذي كان واقفاً في الخارج قبل قليل و هو يتجادل مع شاب يرتدي قبعة سوداء طويله.. ثم التفت بناظريه يمينا ليقع بصره على فتى يبدو في الثانية عشرة من عمره يعتلي كرة زرقاء كبيرة و يقذف عدداً من القناني في الهواء مقلباً إياها بيديه، و انتبه كذلك لتسلل شاب آخر من خلف الفتى يرتدي زياً رسمياً مخططا و قبعة ذات طول متوسط، يحمل فتاة صغيرة الحجم تبدو كدمية خشبية و يحاول فعل شيء ما بينما كان يبتسم بمكر، و كذلك فتاة تسير عالياً على أحد الحبال حاملة مظلة غريبة بيدها اليمنى، فـ أسر لنفسه بذهول "أ هذا هو السيرك الجوال؟!"
أغمض عينيه لبضع ثوان و فتحهما ليُفزعه الدب الأرجواني الذي ظهر فجأة أمامه مقرباً وجهه إليه، فزع ميشيل و استدار محاولاً الهرب لكن ذلك الشخص أمسك بيده بشدة ثم صرخ عالياً: لقد وصل أول الجماهير..
و قام بجره على الفور إلى الداخل حيث المقاعد المصفوفة على شكل دائرة شبه مكتملة تحيط منتصف الخيمة.. لم يتمكن ميشيل من المقاومة بسبب الخوف الذي تملكه، و بدا عليه ارتباك شديد حين أُجبر على الجلوس فوق أحد الكراسي ليتجمع أمامه خمسة من الأشخاص مرحبين بقدومه لرؤية عرضهم..
.
- يجب أن أغادر..
.
قالها ميشيل بنبرة مرتبكة مرتابة بينما هو يهم بالنهوض من مكانه، فقام الشخص الذي يرتدي زي الدب بإجباره على الجلوس مجدداً مربتاً على كتفيه بخفة و قائلاً بنبرة صوتٍ مرحة: لا داعي للقلق..
رد عليه بينما هو يقاومه للنهوض مجدداً: و لكن..
ليقاطعه الجميع برجائهم له أن يشاهد عرضهم.
فـ التزم ميشيل مقعده إذعاناً لهم، و بدت على جميعهم سعادة غامرة ثم أسرعوا بإخلاء وسط الخيمة حيث ستقام عروضهم و قاموا بإطفاء جميع الأنوار لتسود الظلمة المكان.. و سكنت تلك الضوضاء ليصدر صوت هامس يتساءل: هل أنت جاد؟
فيجيب آخر بهمس: أجل، فمن المفترض أن نبدأ منذ زمن..
تنهد الشخص الأول قائلا: أعلم، لكن..
قاطع تهامسهما شخص آخر تدل نبرة صوته على أنه يكبرهما سنا: توقفا، فضيفنا لا يزال ينتظر في الظلام..
شعر ميشيل بشيء من الريبة و تساءل في نفسه "ما الذي يجري؟"
و حينها، بدأ عزف لحن السيرك المتعارف عليه، من ثم أُضيء أحد المصابيح الذي كان موجها نحو الشاب الذي يرتدي زي الدب الارجواني، و الذي كان يقف وسط الخيمة مرحباً بالحضور الذي لم يكن سوى ميشيل..
يقول بينما هو يلوح بيديه في الأرجاء: أهلاً و مرحباً بكم سيداتي و سادتي.. أو بالأحرى علي الترحيب بك أنت أيها الشاب و بـ شجاعتك التي قادتك إلى هنا..
صمت قليلا ثم أردف: اليوم سنبدأ عروضنا في هذه المدينة مع الفتى الموهوب أُوين.. هل أنت مستعد..؟
قرب مكبر الصوت نحو ميشيل ينتظر إجابة منه لكن بلا جدوى، فقد كان الفتى مطبقا شفتيه بإحكام و ينظر إليه بنظرات مرتابة..
تلعثم الشاب قائلا بارتباك بعد أعاد توجيه مكبر الصوت إلى حيث فمه خلف ذلك القناع الكبير: لا أشعر بشيء من الحماس هنا، حسنا.. سنبدأ العرض على أية حال.
أُطفئ ذلك النور ليبدأ بعده عد تنازلي من الرقم ثلاثة إلى واحد، و من ثم أُضيئت ثلاثة أنوار ذات ألوان مختلفة من الأحمر، الأصفر و الأزرق، و بدأت بالدوران في الأرجاء بشكل عشوائي لافتة نظر ميشيل إليها، ثم استقرت جميعها على الأرضية لتحيط بالفتى الصغير الذي كان يعتلي الكرة سابقا..
كان يقف في مكانه مرتدياً بنطالاً مخططاً منفوخا و قصيرا يصل إلى ركبتيه، جذعه مكشوف و يده اليسرى مرفوعة للأعلى، مغمض كلا عينيه و مخفض برأسه الذي رسمت عليه بضع أشكال هندسية و فنية نحو الأسفل قليلا..
بدأ فتى السيرك بالعد بصوت منخفض يكاد يكون مسموعا بينما كان يضرب بحذائه ذو المقدمة الطويلة و الملتفة على الأرضية الرملية.. و ما أن وصل إلى الرقم أربعة حتى رفع رأسه للأعلى فاتحاً عينيه، و من ثم بدأ بعمل مزيج من الحركات البهلوانية و التشقلب بالهواء، و كأنه يؤدي عرضا تدرب لأجله سنين عديدة..
و بينما هو يستعرض بجسده الصغير في وسط الخيمه التي أنيرت بإضاءة خافتة، و بعد أن اعتلى كرته الكبيرة و بدأ بدحرجتها في الأرجاء، و أيضا بعد أن قام أحدهم بقذف بعض القناني الخشبية إليه ليقوم بتقليبها هو ببراعة في الهواء، كان ميشيل يجلس مذهولا مما يراه، سعيداً بعض الشيء بسبب المهارة التي أبداها ذلك الفتى الصغير، و استمر كذلك بتتبع تلك الأضواء الثلاثة التي كانت تلاحق فتى السيرك حيثما ذهب..
لم يكن هناك وقت للتفكير بالماضي، أو القلق من مخالفته لأوامر الزوجين، فقد أسر ذلك العرض عقله.. و خصوصا حين ظهر الشاب ذو البزة المخططة هو و دميته من خلف الفتى دون علمه، و حين بدأت تلك الدمية تتحرك تلقائيا لتفزع الفتى و تجعله يوشك على إسقاط القناني التي بين يديه على الأرض..
لم ينتبه ميشيل للخيوط التي كانت تصل العديد ما أجزاء الدمية بأداتين خشبيتين يحملهما ذلك الشاب بيديه، و لم يعتقد أبداً بأن تلك الأداتان هما المسؤولتان عن تحريك الدمية، بل اعتقد بأن في الأمر سحرا ما، أو شيئا مشابها لذلك..
ألعاب الخفة التي مارسها ذلك الشاب أمامه، و خدعة البطاقة التي تحمل نفس الرقم الذي حفظه في رأسه..
كذلك تلك الفتاة الرشيقة، التي بدأت بالسير و الاستعراض قفزا على الحبال العالية، بمظلتها غريبة الشكل تلك، و بفستانها الأبيض و شعرها الأشقر المنفوخ..
تسارع نبض قلبه و شعر بالفزع حين رآها تنزلق من فوق الحبل وظن بأنها ستلاقي حتفها، لكنها فاجأته بأن كان سقوطها أشبه بالهبوط البطيء على الأرض، حيث كان ذلك جزءاً من عرضها..
و مع هبوطها، انتهى عرضها الليلة ليتقدم شخص آخر وسط الخيمة، إنه ذاك الشاب ذو القبعة السوداء الطويلة.. و مع ظهوره و صمته الغريب الذي استمر عددا من الثواني، ساد الخيمة جو مريب زاد من حدته ابتسامته الماكرة و وضعه يده بداخل معطفه و كأنه يرغب بالوصول إلى شيء يخبؤه هناك.. و بينما هو يحرك يده ببطء مخرجا إياه، صاح رجل بصوت عالٍ قادم من مدخل الخيمة: آدڤينا..! ما الذي تفعله هنا؟!
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
تابع..
انتفض الفتى حين استمع إلى ذاك الصوت المألوف الذي ينادي عليه، و التفت نحو مصدره ليجدهما رجلين يقفان بجوار بعضهما، حجبت الظلمة النسبية عند مدخل الخيمة معانيهما.. فنهض من مكانه ببعض الارتباك، ومع نهوضه أُضيئت جميع الأنوار و تجمع أعضاء السيرك ليقفوا في وسط الخيمة بجوار ذلك الشاب ذو القبعة السوداء الطويلة الذي بدا أكثرهم انزعاجا..
صاح أحد الرجلين الذين تبين بأنهما زبونان من حانة السيد جوزيف: ابتعد عنهم بسرعة.
ليتبعه الآخر قائلا بحدة: هياا، ما الذي تنتظره؟
لحظتها، أسرع ميشيل بالتوجه نحوهما ليختبئ خلفهما، فقال أحدهما: لن نسمح لكم بتكرار ما حدث قبل عشر سنوات.
ثم قال الآخر بحده: يُفضّل أن تقتلعوا خيمتكم هذه و تخرجوا من مدينتنا، فلا أحد يرغب بالاقتراب منكم و من عروضكم المشؤومه.
قال الأول: أجل، هذا الفتى استثناء لأنه لا يعرف عنكم شيئا، لكنه بالتأكيد لن يأتي إلى هنا مرة أخرى.
التفت نحو ميشيل مردفا: أليس كذلك؟
لم يحرك ميشيل ساكنا، و لم يعد الرجلين بأي شيء، فضحك شاب السيرك الذي قوطِع عرضه قبل قليل ساخراً ثم قال: لستم مجبرين لحضور عروضنا، و لن تجبرونا على الخروج من هنا، فنحن لد..
قاطعه رجل ذو شعر أشقر مموج و قصير، يملك بنية جسد ضخمة بعض الشيء و كان قد قٓدِم من مدخل الخيمة الخلفي متوجها نحو الرجلين: نحن لدينا جدول زمني محدد لإحياء عروضنا في مختلف المدن، و لن نخرج من هنا حتى تنقضي مدة مكوثنا..
وصل إلى حيث يقفان و ميشيل الذي كان خلفها، ثم أردف فارِداً بذراعه اليمنى نحوهما: لن يضرنا إن لم يحضر أحدكم عرضنا، لكن بما أن الفتى شاهد بعضا منه فيتوجب عليه الدفع..
كان ذينك الرجلين اللذين اعتادا على ارتياد حانة السيد جوزيف و المكوث بها لساعات يعلمان بأن ميشيل لا يملك حتى قرشاً واحداً، فقاما بالدفع له و هما يشتعلان غيظا و غضبا، ثم التفتا بجسديهما و خرجا بصحبة ميشيل من الخيمة، فصاح ذلك الرجل بنبرة مستفزة مرحه: إلى اللقاء..
رد عليه أحد الرجلين صارخا بحنق: لا أرجو أن نلتقي مرة أخرى..
تجاهله رجل السيرك و قال بنفس النبرة: أيها الفتى، يمكنك القدوم لمشاهدة عروضنا متى ما أردت، فسنبقى هنا ثلاثة أيام أُخر.
لحظتها، قال الرجلين لـ ميشيل دون أن يعيرا ذلك الرجل أي اهتمام: إياك أن تعود إليهم مجددا.
صمت كليهما، ثم أردف أحدهما ببعض الهدوء: اسمع، سنسامحك لأنك لا تعلم ما فعله هذا السيرك قبل عشر سنوات..
كان ميشيل صامتاً ينظر نحو الأمام بوجه جامد و كأنه يفكر بعمق بشيء ما، فناداه أحد الرجلين: آدڤينا..
ليقاطعه بصوت هادئ جاد: سيدي، ما الذي فعله هذا السيرك قبل عشر سنوات؟
بدا على كلا الرجلين الارتباك و التردد، فأردف ميشيل باندفاع: كنت مرتابا منهم في بداية الأمر، لكني لم أجدهم مخيفين كما ظننت من موقف الجميع تجاههم، و قد أسعدني العرض الذي رأيته الليلة.. آه صحيح..
استبقهما للأمام قليلا ثم توقف و قام بشكرهما لدفعهما أجرة العرض الذي شاهده، فتنهد أحدهما و وضع يده على رأس ميشيل و قال بينما هو يربت عليه بخفة: آدڤينا، لا تثق بالناس من الوهلة الأولى، فجميعنا ظننا مثل ما ظننت في بادئ الأمر، لكنهم أقدموا على فعلتهم الشنعاء تلك بلا تردد، و لم يبدوا أي ندم لما حدث لـ آرون، ابن جوزيف و السيدة لورين، بسببهم..
أخذ بالنظر إليهما بعينيه المحتارتين، فهو يرغب بشدة معرفة ما حدث، و خصوصاً بعدما تبين بأن آرون هو ابن السيد جوزيف.. و استشعر الرجلان رغبته الملحة تلك، فقال أحدهما له بعد أن منحه الآخر إشارة بالإيجاب: استمع أيها الفتى، سنخبرك بما حدث قبل عشر سنوات في الغد فقد تأخر الوقت كثيرا اليوم، لكن عليك أن تعدنا أولا بألا تقترب من ذلك السيرك مرة أخرى..
كان الفتى مترددا، فهو يريد ما عرضه ذلك الرجل بشدة، و يريد كذلك رؤية المزيد من عروض تلك الفرقة أيضا، فالتزم الصمت لبضع ثوانٍ يفكر فيها ملياً بالأمر، ثم أخبر الرجلين بموافقته على ما عرضاه عليه..
- أولا.. فلنقم بالتغطية على ما فعلته أيها الفتى.. سأخبر جوزيف بأني اصطحبتك لمساعدتي في ترتيب متجري، فهو في حالة فوضى منذ أن غادر مساعدي..
ضحك الرجل الآخر بهستيرية ثم قال: هيربرت، تقصد منذ أن تركك هاربا..
تنحنح حرجا ثم رد عليه: لا يهم هذا الآن بالفور، سأقوم بالتغطية اليوم و أنت تخبره تلك الحكاية في الغد..
التفت السيد بالفور نحو ميشيل ثم قال: حسنا إذا، تقرر الأمر.. سأفكر بطريقة ما لأجل الاختلاء بك و إخبارك بتلك الحادثة..
السيد هيربرت: انتبه آدفينا، لا تجعل جوزيف يشك بالأمر و إلا سيثور غضبه علينا.
ميشيل: حسنا..
في مساء اليوم التالي حين كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة، و بعد خلوِّ حانة السيد جوزيف من الزبائن تماماً عدا رجل واحد، نهض ذلك الأخير متظاهرا بالثمل حيث كانت تلك هي خطته التي أتى بها، و خرج بصحبة ميشيل من الحانة بخطوات بطيئة مترنحة بعد أن طلب منه إيصاله إلى منزله كي لا يفقد وعيه على قارعة الطريق..
.
- آدڤينا.. كن حذراً ألا تضل طريق العودة.
.
صاح السيد جوزيف بهذه الكلمات له، فرد عليه ميشيل الذي كان يبتعد عن الحانة: حسناً..
ثم صاح السيد بالفور المتظاهر ملوحا بيده اليمنى من بعيد: لا تقلق جوزيف، فمنزلي يبعد عن منزلك مسير عشرة دقائق.. كما أن الفتى يعرف الطريق منه و إليه جيدا.
ابتعدا عن الحانة و وصلا إلى منزل بالفور، و حينها عرض الأخير على ميشيل الدخول لأجل إخباره بـ قصة الشاب آرون و ما فعله السيرك الجوال..
و حين دخولهما المنزل، أومأ الرجل له بأن يداري خطواته كي لا يحدث ضجة ما، ثم همس له: الأطفال نيام، كن حذراً كي لا يستيقظوا و يزعجوا جدتهم..
أومأ ميشيل برأسه بالإيجاب ثم سار بخفة خلفه إلى أن وصلا إلى غرفة المعيشة، جلس السيد بالفور ثم أخبر ميشيل بالجلوس على مقربة منه..
و بعد أن أضاء مصباحا خافتاً كان على المنضدة ليتمكن من رؤية الفتى، بدأ الرجل أخيراً بسرد تلك الحكاية بنبرة صوت هادئة: اسمع أيها الفتى، كان لدى جوزيف و السيدة لورين ابناً يدعى آرون، كان شاباً رائعا جدا و خلوقاً، يحب جميع أهل المدينة كما كان الجميع يحبونه كذلك، و كان والداه فخورين به..
كان قوي البنية و ذو تفكير بعيد المدى، ينظر للمستقبل قبل الحاضر، و يحسن التفكير و تحليل الأمور بعقلانية..
كان ذو قلب مرهف رحيم، لا أستطيع عد المرات التي رأيته بها يعتني بالحيوانات المصابة من قطط أو طيور، و يداوي جراحها..
في الحقيقة، لقد كان مقرراً أن يعمل في الحانة بعد تخرجه من المدرسة الثانوية و أن يرثها بعد زواجه، لكن ذلك الوقت لم يحِنْ أبداً..
.
قاطعه ميشيل متسالا: ما الذي حدث له، و ما علاقة السيرك الجوال بالأمر؟ أرجوك أخبرني..
.
ثنهد السيد بالفور بعمق ثم أجاب: هذا السيرك كان يزور مدينتنا مرة في السنة يمكث فيها أربعة أيام و يغادر في اليوم الخامس.. كانو مرحب بهم جميعا، و كنا نتشوق لحضور عروضهم حيث كان بعضها غريبا جداً، و كان معهم شاب يقدم عروضا في التنويم المغناطيسي.. و هو من كان سببا فيما حدث لـ آرون قبل عشر سنوات..
.
قاطعه ميشيل ثانية بتساؤل فضولي: ما هو التنويم المغناطيسي؟!
فأجابه بعد تفكير مطول: هو حالة، ما إن يدخلها عقلك حتى يصبح قابلا للتأثر بأي فكرة يغرسها أحد آخر في ذهنك..
ميشيل: كأن يحاول أحدهم إقناعك بشيء ما؟
السيد بالفور: أجل، الأمر شبيه بذلك، لكنه أكثر فاعلية..
أخذ نفسا عميقا زفره مطولا ثم أردف: فلنكمل حكاية آرون قبل أن ينقضي وقت طويل و يبدأ السيد جوزيف بالشك في أمرنا..
.
أومأ ميشيل بالإيجاب فأكمل الرجل حكايته: بدأ كل شيء في صباح اليوم الثاني للعروض التي تقدمها فرقة السيرك الجوال، كان آرون وقتها يتصرف ببعض الغرابة، و كان شارد الذهن أغلب الوقت و كأن شيئا ما يشغل تفكيره..
و حين بدأت حانة جوزيف باستقبال الزبائن في الساعة الخامسة مساءًا كنت أول الواردين، و لم أرَ آرون كعادته هناك فأخبرني جوزيف بعد أن سألته عنه أنه ذهب لحضور عرض السيرك..
أذكر جيدا في مساء ذلك اليوم بأن الساعة المعلقة على أحد جدران الحانة الداخلية كانت متوقفة عند الساعة الثانية و تسع و خمسون دقيقة، حتى أنني نبهت جوزيف حول أمرها حيث لم يكن منتبها لها.. و حين هم لضبطها فُتح باب الحانة الداخلي و دخل آرون فـ وكل جوزيف أمر الساعة إليه..
كنت أراقبه بينما اعتلى كرسيا ليصل إلى الساعة، و من ثم أدارها ليجد بطاريتها قد تزحزحت من مكانها مجددا فأعاد إدخالها، و حين أدارها ثانية و قام بالسؤال عن الوقت ليعيد ضبط الساعة التي كان عقرب ثوانيها يتحرك لتقترب من الثالثة، أجابه أحدنا بأنها التاسعة و ثلاثة و عشرين دقيقة، فأعاد آرون أنظاره إليها، لحظتها، بدا و كأنه قد توقف عن الحركة لوهلة، ثم أسقط الساعة من بين يديه لترتطم بالأرض، و أمسك برأسه بشدة آخذا بالصراخ بشكل مفاجئ..
ذُعر الجميع مما حدث، و نهض أغلبنا من مقعده خوفاً عليه، بينما أسرع جوزيف نحو ابنه يسأله عما يشعر به و عن سبب صراخه..
كان آرون مستمراً بقول كلمة "لا".. و حين تجمعنا حوله و حاول بيتر فحصه لمعرفة ما به هدأ أخيراً، ثم قال بنبرة صوت غريبة لم نألفها منه أبداً "ابتعدوا عني، أيها العجائز المزعجون"
صعقنا مما سمعناه، و كان جوزيف أكثرنا دهشة و استغرابا، و ظننا كذلك بأن آرون كان يمزح معنا مزاحا ثقيلا بالرغم من أن ذلك لم يكن من طباعه أبداً، لكنه نهض و ثار بهستيرية غاضباً ثم قال لـ بيتر "لا يوجد ما يستدعي الفحص، فأنا لم أكن يوما أفضل حالا من الآن.."
انخفض و امسك بالساعة التي كسر زجاجها، ثم وجهها نحو جوزيف قائلا "لقد تحطمت ساعتك الصدئة يا والدي، و كذلك سيحل بكؤوس شرابك الغالية"
و ما أن قال ذلك حتى قذف بالساعة نحو طاولة المشرب حيث الأرفف المليئة بالكؤوس الكريستالية التي جمعها جوزيف و اشتراها بأفضل جودة في السوق لأجل أن يقدمها لابنه..
تحطم معظمها وسط ذهولنا التام، و انطلق أرون بين الطاولات آخذا بدفعها و قلبها على الأرض بكل ما يعتليها، بينما هو يصرخ غاضبا بحدة "بكم اشتريت تلك الكؤوس؟ و بكم اشتريت جميع هذه الطاولات؟ ألم تستطع دفع ذلك المال لأجل تعليمي الجامعي عوضا عن هذه الحانة البائسة؟"
صمت السيد بالفور قليلا و تنهد بعمق ثم قال بعد أن تغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر عمقا و حزنا: لا زلت أذكر كيف كان جوزيف مذهولا مما كان يحدث، متجمدا في مكانه على الأرض بينما هو يشاهد ابنه الذي تحول إلى شخص آخر، و لا زلت أذكر كذلك مقاومة آرون العنيفة التي شعرت بها بينما كنا نحاول إيقافه جميعا، فقد تلقى بعضنا بعض اللكمات و الركلات منه..
أخذ شهيقا عميقا زفره مطولا ثم أردف: بعد تلك الحاثة بيومين، فوجئنا بخبر دخول آرون في غيبوبة، و أن خلايا عقله الحيوية قد توقفت عن العمل فجأة..
أخبرنا الأطباء بأنه ربما كان يعاني من إجهاد ذهني أو عاطفي عنيف أدى إلى تعطيل وعيه بشكل تام..
كانت أوقاتا عصيبة تلك التي رأينا بها جوزيف و زوجته و هما في أشد حالات الحزن، يجلسان بجوار ابنهما في المشفى و يدعوان الله بكل أسى أن يستفيق مجددا..
و لأجلهما.. توجه جميعنا نحو ذلك السيرك الذي كان أحد أعضائه هو آخر من تحدث إلى آرون قبل تغيره تلك الليلة، و بعد صراع و نقاش حاد طويل علمنا بأنه خضع للتنويم المغناطيسي، أخبرناهم بما حصل لـ آرون و بأن يحضر ذلك الشاب الذي مارس التنويم المغناطيسي عليه لكنه رفض الحضور، و أخبرنا بأنه لم يفعل شيئا أدى إلى دخوله الغيبوبة، و أن ثوران آرون و انهياره كان نتاجا لتكدس العديد من مشاعر الغضب و السخط لسنوات عديدة..
بالتأكيد لم نصدق ما قاله، فنحن أعلم بـ آرون منه، و وصلت تلك القضية إلى المحكمة العليا التي لم تفعل إلا أن قامت بمنع ذلك السيرك الجوال من دخول مدينتنا لمدة عشر سنوات، و كذلك تم منع ذلك الشاب من ممارسة التنويم المغناطيسي على العامة من الشعب..
التزم الصمت بينما كانت عيناه تظهران معالم الحزن و الحسرة.. فأشاح ميشيل بعينيه بعيداً و لم يعرف كيف يتجاوب مع القصة التي سمعها و ما يشعر به الرجل الكبير في السن الجالس أمامه، فـ قال بهدوء بعد بضع ثوانٍ من الصمت: سيدي، هل يعني ذلك بأن آرون قد مات؟
أومأ السيد بالفور برأسه بالإيجاب ببطء، فأردف ميشيل متسائلا: إن كان آرون هو ابن السيد جوزيف، إذا لِمَ ينزعج السيد بيتر كلما تم ذكر اسمه؟
تنهد الرجل بعمق ثم قال: آه، أنت فضولي جدا أيها الفتى..
صمت قليلاً ثم أردف بينما هو ينظر للأعلى: تلك حكاية أخرى، سأرويها لك في الغد.. عليك العودة إلى منزل جوزيف الآن..
و في صباح اليوم التالي..
دُق جرس باب منزل السيد جوزيف لتفتحه السيدة لورين بعد تفقدها لهوية الشخص الذي يزورهم في هذا الوقت المبكر من الصباح، ثم قالت بعد تبادلهما تحية الصباح: هيربرت! ما الذي جاء بك هنا في الساعة السادسة؟! هل تريد جوزيف بأمر ما؟
أجابها بأن أومأ برأسه نافيا ثم قال لها بصوت منخفض: لا، بل جئت لاستعارة الفتى آدڤينا، فكما تعلمين متجري يحتاج للتنظيف، و الزبائن يهددون بهجر متجري إن لم أقم بالتخلص من الأشياء المتكدسة هنا و هناك..
السيدة لورين باستغراب: ألم تستعره قبل يومين لأجل هذا الغرض؟!
السيد هيربرت بارتباك: بلى، لكننا لم ننتهي بعد.
- حسنا، تفضل بالدخول و انتظر قليلا..
- لا بأس، سأذهب للمتجر المجاور لشراء غرض ما و أعود، فلينتظرني خارجاً لن أتأخر..
.
- حسنا..
.
أجابته بذلك ثم ودعته و أغلقت الباب متوجهة نحو الأعلى حيث الغرفة التي يرقد ميشيل فيها، و بعد عشرون دقيقة انتهى الفتى من ارتداء ثياب سميكة لتدفئة جسده من البرد القارص خارجا، و كذلك تناول وجبة فطوره ثم خرج لانتظار عودة السيد هيربرت من المتجر لاصطحابه..
كان يقف بمحاذاة حانة السيد جوزيف سارحا في الحكاية التي سمعها البارحة، و يتساءل داخليا عن علاقة الطبيب بيتر بها بعد أن وضع خياله العديد من السيناريوهات الممكنة..
و بينما هو شارد الذهن، أعاده إلى الواقع صوتُ بدا مألوفا يصرخ صاحبه بدهشة، فـ التفت ميشيل نحوه ليجده شاباً أشقر الشعر، أبيض البشرة لم يره من قبل، فقال له الشاب باندفاع بعد أن أشار إليه: إنه أنت..!
ليتساءل ميشيل بصوت منخفض مرتبك: هه..! و من أنت؟!
.
.
نهاية الفصل الرابع عشر..~
ما الحقيقة خلف ما حدث لآرون؟
و ما علاقة السيد بيتر بالأمر؟
ما أمر ذلك السيرك الجوال يا ترى؟
و من يكون ذلك الشاب ذو الشعر الأشقر؟
عقلي مزدحم حاليا، لكن أرغب بمعرفة انطباعكم عن هذا الفصل..
أردت التطرق لحكاية آرون كـ مشهد و ليس أن يروي شخص ما ما حدث له، لكنه كان ليستغرق الكثير من الوقت
أشعر كذلك بأني توقفت في موضع غير مناسب، لكن توجب علي التوقف و إلا كنتم ستشهدون على كارثة كتابية خلف تلك السطور :ميت:
أريد توضيح أمر بشأن التنويم المغناطيسي أو الإيحائي.. لكن الوقت لا يسعني إلا لأضع لكم رابطين
من أراد أن يتصفحهما و يتعرف على التنويم المغناطيسي فيمكنه من هنــــــا أو هنــــــا ..
هذا ما لدي للآن..
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حال الجميع؟
لم أتأخر كثيرا هذه المره، صحيح؟ :غياب:
لا أحب الإطالة، لكن حقا أرغب برأيكم في أسلوب الكتابة..
أشعر بأن اسلوبي بدأ يأخذ مجرى آخر..
تفضلوا الفصل الجديد و لا تنسوا إطلاعي على نقدكم.. =)
الفصل الخامس عشر..~
.
.
كان ميشيل يقف بمحاذاة حانة السيد جوزيف ينتظر قدوم السيد هيربرت لاصطحابه، سارحا في الحكاية التي سمعها من السيد بالفور البارحة، و يتساءل داخليا عن علاقة الطبيب بيتر بها بعد أن وضع خياله العديد من السيناريوهات الممكنة..
و بينما هو شارد الذهن، أعاده إلى الواقع صوتُ بدا مألوفا يصرخ صاحبه بدهشة، فـ التفت ميشيل نحوه ليجده شاباً أشقر الشعر، أبيض البشرة لم يره من قبل، فقال له الشاب باندفاع بعد أن أشار إليه: إنه أنت..!
ليتساءل ميشيل بصوت منخفض مرتبك: هه..! و من أنت؟!
فأجابه ذلك الشاب الذي انتشرت بعض آثار النمش على وجنتيه البيضاوتين، و يحمل حقيبة مليئة بأوراق ملفوفة: إنه أنا.. ألم تعرفني؟
التزم ميشيل الصمت و بدا مرتاباً بشدة، فابتسم الشاب و قال ساخرا من موقفه: آه صحيح، فأنت لم ترَ وجهي..
و من ثم تناول إحدى الأوراق من حقيبته و قام بفردها ليظهر ما بها لـ ميشيل..
كانت ورقة إعلان عن عروض السيرك التي تقام حالياً، و كانت تحوي صورة لأعضاء السيرك بالإضافة إلى الدب الأرجواني الظريف، و الذي كان الشاب وقتها يشير إليه بإصبعه السبابة قائلاً باندفاع: هذا، هذا..
و هنا، قال ميشيل باندفاع: آااه ذلك الشخص.. كان أنت!
أومأ الشاب برأسه بالإيجاب ثم قال: اليوم هو الأخير لعروضنا، ما رأيك بأن تأتي لحضوره؟
التزم ميشيل الصمت لوهلة من الزمن، ثم قال بنبرة منخفضة: لا أستطيع..
.
- هه.. بالتأكيد أخبروك بتلك القصة القديمة.. تبا لهم، لم نحظ بأي عائد مالي بسببهم.
.
قال ذلك بنبرة حانقة، ثم أردف ببعض الجدية: ما كان اسمك؟ آدڤينا صحيح؟
أومأ ميشيل برأسه إيجابا ببطء فأردف ذلك الشاب ثانية بنفس النبرة: تعال إلى خيمة السيرك اليوم بعد منتصف الليل إن أردت أن تعرف الحقيقة الكاملة لتلك الحادثة..
اتسعت عينا ميشيل و نظر إلى ذلك الشاب الذي ما لبث أن قال تلك الكلمات، حتى صفعه على ظهره ببعض الشدة قائلا: بالمناسبة، أنا أدعى كلايتون..
ثم بدأ بالابتعاد صائحا: فكر ملياً بالأمر، و الآن إلى اللقاء..
و كما قال كلايتون، فقد كان عقل ميشيل كمحرك تدور مسنناته بلا توقف ليحاول حل تلك الأحجية و ترتيب قطعها بشكل صحيح، و شعر بأن رأسه سينفجر بسبب تدفق كل تلك التحليلات و التساؤلات الواحدة تلو الأخرى، إلى أن أوقف ذلك الأمر السيد هيربرت حين صاح مقتربا منه: صباح الخير أيها الفتى، هل انتظرت مطولا؟
أومأ ميشيل برأسه نافيا فأردف ذلك الرجل الذي يبدو في منتصف الأربعينات من عمره: حسنا، فلنذهب إلى متجري الآن..
و بعد مسير استمر دقائق قليلة وصلا إلى المتجر المنشود، الذي ما أن قام السيد هيربرت بفتح قفله و التوجه داخله بصحبة ميشيل، حتى اندهش الأخير من مقدار الفوضى التي تعمه..
صناديق مبعثرة هنا و هناك، غبار يغطي الأرضية و المناضد، و ثلاث منافض مملوءة ببقايا السجائر التي عمت رائحتها المكان، هذا بالإضافة إلى رائحة أخرى كريهة مجهولة المصدر، يرجح أن تكون قادمة من أكوام القمامة التي تجمعت بداخل سلة المهملات المجاورة للمنضدة و حولها لتكاد تغمرها..
أطبق الفتى كلا كفيه على فمه و أنفه في محاولة لمنع تلك الرائحة من التسلل إلى مجرى تنفسه، ثم سرعان ما أخفضهما بعد أن قام بحبس أنفاسه و اصطنع التصرف بشكل طبيعي كي لا ينزعج السيد هيربرت من تصرفه، و عندما رأى الأخير ما فعله ميشيل، ضحك بهستيرية ثم قال: اخرج و التقط أنفاسك أيها الفتى، فأنا أعلم بأن الرائحة هنا لا تطاق..
أسرع ميشيل نحو الخارج و استمر بأخذ أنفاس متتابعة سريعة بدأت بالتباطؤ تدريجيا ليعود رتمها طبيعيا، و عندها، التفت لمواجهة المتجر مرة أخرى فخرج إليه السيد هيربرت و ناوله كمّاماً قماشيا للفم و الأنف و قفازين بلاستيكيين أبيضين، ثم قال: قم بارتدائهما و اتبعني إلى الداخل، فينتظرنا الكثير من العمل..
بدأت أعمال التنظيف بعد دقائق قليلة..
كان الفتى متعجبا من الأشياء التي تملؤ المتجر.. فتارة يرى كتباً و تارة مجلات.. ألعاب و دمى مرمية على الأرفف بشكل عشوائي تكسوها طبقات من الغبار..
و بعد فترة من الزمن، توقف السيد هيربرت للحظات عن العمل و بدأ بمراقبة ميشيل الذي كان يعمل بجد، و ينظف الأشياء بدقة و حرص، فقال بنبرة تبدي الفضول: أيها الفتى..
التفت إليه ميشيل ليكمل بتعجب: من أين جئت؟!
استغرب ميشيل سؤاله هذا، و شعر ببعض الاضطراب في قلبه، فقد سُئل عن هذا الأمر سابقا حين التقى بالسيد سولومون للمرة الأولى..
و حين رأى السيد هيربرت تغير ملامح وجه الفتى إلى الأرتباك، قال له بعد أن نهض من على الأرض حيث كان يقوم بفرز محتوى أحد الصناديق: يبدو بأن سؤالي قد أربكك..
قام بفرك رأسه من الخلف ثم تابع بنبرة هادئة: اسمع.. أنت تنظف و ترتب الأشياء بشكل ممتاز، و بالمثل هو ما تقوم به أثناء خدمتنا في حانة جوزيف.. لذا لا تبدو لي من المشرّدين أبداً..
أخفض ميشيل ناظريه نحو الأرضية التي وضع عليها مجموعة من الكتب، و أبعد يديه عن الرف المثبت بالحائط الذي كان يقوم بتنظيفه بخرقة مبللة، ثم التزم الصمت محافظا على جمود ملامحه، ليجبره السيد هيربرت على رفع أنظاره حين قال بوتيرة عالية بها بعض المرح: حسناً، هذا لا يهم.. لست مجبرا على إخباري، فالجميع هنا يراك فتى جيداً، و هذا يكفي.
أحكم الفتى قبضته على تلك الخرقة التي يحملها بيده اليمنى، و فتح فمه في محاولة لقول شيء ما لكن قاطعه عن ذلك شخص قال متعجبا بينما هو يقف عند باب المتجر الذي كان مفتوحا لأجل تهوئة المكان آنذاك: هيربرت! منذ متى كان طلاء الجدار مشمشيا؟! و أنا الذي ظننته زرنيخيا..!
ضحك السيد هيربرت بشدة ثم اقترب من ميشيل و وضع يده على كتفه قائلا بعد أن وجه أنظاره نحو ذلك الرجل: الفضل يعود لـ آدڤينا يا بالفور، هذا الفتى جيد جداً.. أرغب حقا باستعارته يوميا لمساعدتي.
التفت نحو ميشيل و أردف: ما رأيك بأن تترك جوزيف و تعمل لدي عوضا عن ذلك؟
نظر إليه ميشيل بدهشة، و تلعثم في إجابته ليعود ذلك الرجل المرح للضحك مجددا مربتاً على كتف ميشيل، ثم قال: أنا أمزح لا تأخذ الأمر بجدية.. فحالي كحال جوزيف و الجميع هنا، لن أستطيع تحمل تكلفة الدفع بالمال لعامل ما..
ابتعد عن ميشيل متوجها نحو السيد بالفور مقترحا عليه بأن يساعده هو الآخر في عملية التنظيف، فأجابه ذلك الرجل الذي يبدو في أواسط الخمسين من عمره بالرفض.. أما ميشيل، فقد كان يفكر بجدية بما أخبره به السيد هيربرت لتوه، و برغبته الملحة في جمع المال لأجل بدء البحث عن الملجأ..
و بعد أن انقضى نصف العمل، و اقترب وقت الظهيرة، جلس السيد هيربرت و ميشيل لأخذ قسط من الراحة، و اغتنم السيد بالفور، الذي لم يجد بداً من مساعدة جاره في التنظيف، هذا الوقت لأجل سرد الحكاية المتعلقة بالطبيب بيتر، الحكاية التي كانت هي الغرض الأساسي لذهاب ميشيل مع السيد هيربرت اليوم..
حمل ذلك الرجل الذي تجعدت زوايا عينيه و وجنتيه القريبة من فمه فنجان الشاي الأحمر بالنعناع الذي اعتاد احتساءه في مثل هذا الوقت يومياً، و الذي كان موضوعاً مثله أمام كلٍ من السيد هيربرت و ميشيل..
حمل السيد بالفور الفنجان و ارتشف منه قليلاً ثم أعاد وضعه على منضدة البائع حيث كان ثلاثتهم يجلسون إليها، و قال بنبرة هادئة عميقة: من أين لي أن أبدأ لأسرد لكم حكاية ذلك الرجل..
تنهد بعمق و أردف: كنا لا نزال في ريعان شبابنا، حين قرر بيتر ترك هذه المدينة لأجل دراسة الطب في جامعة بعيدة.. و ما جعله عازما على ذلك هو ابنه الوحيد، الذي وُلد بعيب خلقي في قلبه.. و بمساعدة مادية من الجميع، استطاع تحمل تكاليف دراسته التي استمرت طيلة سبع سنوات، و من ثم فترة تدريبه و عمله لأجل اكتساب الخبرة الكافية في الطب البشري، و كذلك أبحاثه عن حالة ابنه و حول الحلول الطبية الممكنة.. و بعد اثني عشرة سنة، عاد بيتر إلينا و علامات الخيبة ترسم ملامح وجهه..
و بالرغم من أننا جهزنا له حفلا لأجل الترحيب بعودته و بالمسمى الذي بات يحمله، إلا أنه لم يبد سعيدا أبداً، و لم تستطع ابتسامته الزائفة التي علت شفتيه آنذاك أن تخدعنا..
و بعد إلحاح منا لمعرفة ما يضيق به، أفصح لنا عن السبب الذي أدهشنا جميعاً..
..عودة إلى الماضي..
ضرب ذلك الرجل، الذي امتزج لون الشيب بشعره البني، بيده بشدة على الطاولة الخشبية التي يجلس إليها، ثم قال بنبرة حادة: أين إنسانيتنا؟ إلى أين وصل حال الطب في هذه البلاد؟ لا بل في العالم أجمع..!
- ماذا هناك يا بيتر، ما الذي شهدته خلال الاثني عشرة سنة التي فارقتنا أثناءها؟
أغمض عينيه ليقول بحنق: انهم يقتلون البشر لأجل التجارة بأعضائهم..
دُهش الجميع ممن كانوا في حانة السيد جوزيف حين استمعوا لما أخبرهم به ذلك الطبيب، فقال له أحدهم: ما المعنى مما تقوله يا بيتر؟
السيد بيتر: المستشفى الذي عملت فيه، يقوم بشراء الأيتام من ملجأ ما، و من ثم تستخرج جميع أعضائهم الحيوية لأجل عمليات الزرع.. ليس لأي شخص، بل لمن يملك نفوذا أو مكانة عالية في المجتمع..
صمت الجميع، و أخذوا ينظرون إلى السيد بيتر الذي كان يبدو في أشد حالات الانفعال، و الذي ضم أصابع يديه ببعضها و أردف: لقد علمت بذلك مصادفة حيث كانت معرفة هذا الأمر مقتصرة على عدد قليل من الأطباء و الممرضين الذين تجمعهم مصالح مشتركة، و حين واجهت مدير المشفى بالأمر لم يبد أي اهتمام، و أخبرني باستهزاء بأنه على علم بحالة ابني الصحية، و كذلك عرض علي قلباً لأجله..
قاطعه أحدهم: ما الذي فعلته حينها؟
أجاب ذلك الطبيب الذي أبى التخلي عن إنسانيته بحدة: رفضت الأمر، فلن أسمح بقتل شخص ما لأجل إنقاذ ابني، حتى و إن كان يتيما.. بالتأكيد توجد حلول أخرى، و بالتأكيد سأجد من يتبرع له بقلبٍ عن إرادة طيبة..
ساد صمت المكان لوهلة، ثم تابع السيد بيتر حديثه بعد أن تنهد بعمق: على إثر ذلك تم طردي من المشفى، و تم تلفيق التهم ضدي لأجل منعي من العمل في أي مشفى آخر في البلاد.. خسرت جميع الأموال التي جمعتها لأجل رد ديوني لكم.. و لم يتبقَ لي سوى رخصة ممارسة الطب..
.
.
عودة إلى الحاضر الذي يكمل فيه السيد بالفور حكاية الطبيب بيتر قائلا: استغرقنا بعض الوقت لأجل تناسي تلك الحكاية، و كذلك قمنا بجمع المال ثانية لأجل أن يتمكن بيتر من بناء نفسه من جديد، و قام هو و زوجته ببيع بعض مقتنياتهما و من ثم قدم طلباً للعمل في المشفى الصغير القريب من مدينتنا، الذي و لحسن الحظ كان يعمل به أحد الأطباء ممن كانوا زملاء لـ بيتر خلال فترة دراسته، و شهد ببراعته و حسن أخلاقه..
و مع تقدم الأيام و الشهور، كانت حالة ابنه تسوء شيئا فشيئا.. و ما من متبرع حتى ذلك الوقت..
و في فترة ما، لم يستطع قلب ابنه تحمل عبء جسده الذي كان لا يزال في طور النمو، فانهار و أدخل إلى المشفى الذي يعمل فيه والده..
المشفى الذي كان يرقد فيها آرون ابن جوزيف، الذي كان قد مضى على دخوله الغيبوبة نصف سنة تقريباً..
و بين الأمل الضئيل في استيقاظ آرون، و تدهور حالة ابن بيتر الصحية التي أوصلته إلى اعتلال عضلة قلبه، و كذلك عدم وجود متبرع مناسب.. تخبط جميعنا بسبب تلك المصائب..
كان بيتر محطماً جداً لا ينال جسده الراحة، يبحث و يبحث بالرغم من معرفته المسبقة بأن لا وجود لمتبرع في ذلك الوقت..
و ما زاد الطين بلة هو لوم زوجته له، و قولها بأنه لا ضير من التضحية بشخص ما لأجل إنقاذ ابنها..
لاحظ السيد بالفور تغير ملامح وجه ميشيل، الذي كانت عينيه متسعتين و كأن شيئا ما قد أفزعهما، و كان يشد على قبضتي يديه الموضوعتين على فخذيه و ينظر إليهما و إلى ارتعاشهما.. فتوقف عن سرد الحكاية و سأله ببعض القلق: مابك أيها الفتى؟
لم يجبه، و كيف عساه يجيب بعد استماعه لتلك الأنباء عن ملجإ يرسل الأيتام إلى مشفى لأجل قتلهم و أخذ أعضائهم..
و بدأت كلمات أنابيل التي قالتها له قبل شهرين و نصف بالتردد على مسامعه.. و بدأت أصداؤها تملؤ عقله..
.
"إن كنت تريد الموت فعد إلى الملجأ الذي باعكم جميعا لأجل المال."
.
"هذا غير ممكن.."
ظل يردد ذلك في ذهنه في محاولة لتكذيب تلك الحقيقة كما فعل سابقا، لكن جزءا منه أبى ذلك.. و أراد السؤال عن هوية ذلك الملجأ، أو عن ذلك المشفى.. لكن ارتعاش جسده الذي امتد إلى شفتيه جعله عاجز عن النطق لبعض الوقت..
نهض ذينك الرجلين و وضع السيد هيربرت يده على ظهر ميشيل ثم قال ببعض القلق: آدڤينا..!
فالتفت إليه الفتى من فوره ملتزماً الصمت ليردف بنفس النبرة: سنكتفي بهذا القدر اليوم، يبدو بأني قد أرهقتك معي..
رفع أنظاره نحو السيد بالفور و تابع: فلنصطحبه إلى بيـ..
قاطعه ميشيل بصوت خافت بعد أن نهض عن الكرسي: لا بأس أنا بخير..
أمسك أحدهما برسغه ليجبره على الذهاب إلى حيث يسكن ذلك الطبيب المتقاعد، فقام الفتى بمقاومته و إفلات يده من قبضته كرد فعل دفاعي لا واعي، و حين أدرك فعلته اعتذر إليهما عن التصرف الذي بدر منه، أما هما، فقد كانا ينظران إلى ميشيل بنظرات مرتابة و بدت عليهما علامات الارتباك، ثم أسرّا سوياً في خلدهما "هل يعيد الماضي نفسه؟ إنه تأثير ذلك السيرك!."
أسرع السيد هيربرت بحمله رغما عنه، بينما وكل أمر إقفال متجره إلى السيد بالفور الذي تبعهما بعد قيامه بذلك، و توجها إلى الطبيب بيتر لأجل فحص عامل الحانة آدڤينا، الذي بدأ يتصرف بغرابة من منظور هذين الرجلين..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
تابع..
أما بعيداً بعض الشيء عنهما، و في المنزل الذي يبدو مهجورا إلى حد ما، كان ذلك الرجل متمدداً على الأريكة الجلدية سوداء اللون، مرتدياً بنطالا أسودا و قميصا فوقهما معطف نحاسي عتيق اللون.. تحجب ملامح وجهه المتعرق قبعة بذات لون المعطف..
و رغم استمرار رنين هاتف منزله المزعج، و صوت اهتزاز هاتفه المحمول الصادر من حقيبته الموضوعة بجوار الأريكة على الأرض، إلا أنه لم يحرك حتى إصبعاً واحداً.. و كأن وعيه قد غاب عن هذه الأرجاء، و هو كذلك بالفعل..
فهو الآن يجول في الماضي البعيد.. في دهاليز مشفى ما، يجري إلى حيث غرفة يعمها صمت قاتل يزيد من حدته أصوات طنين الأجهزة الطبية..
و حال وصوله إليها، توقف ناظراً إلى الرجل الذي يقف بداخلها بجوار سرير يتمدد عليه شاب غائب عن الوعي..
بدأ بالتقاط أنفاسه المتلاحقة، ثم صاح بصوته المبحوح: هل جننت يا جوزيف؟
التفت إليه السيد جوزيف فرأى دموع ذلك الطبيب التي امتزجت بالعرق المتصبب من وجهه، تقدم نحوه و أمسك بكلا كفيه مطبقا عليهما بيديه المرتجفتين، ثم قال له بصوت مكبوت حزين: بيتر، لا.. لا أمل من استفاقة آرون، يمكنك إجراء العملية دون ندم..
اتسعت عينا السيد بيتر، و عجز لسانه عن الحديث و الرد..
فها هو قد وجد متبرعا أخيراً، لكنه شخص قريب منه، يعلم بمدى الحزن الذي يعتصر قلبه رغم تظاهره بتخطي أمر ما حدث لابنه الوحيد..
قال له بانفعال: بل يوجد أمل ضئيل، لا تضحي به.
.
- إن كانت التضحية بالأمل الضئيل لاستيقاظ ابني كفيلا بـ إنقاذ حياة شخص آخر، و الأهم أن يكون ابن صديقي و أخي، فسأفعل ذلك.
.
قالها السيد جوزيف بينما كان يحاول كبح دموعه التي وجدت منفذا تسلكه على وجنتيه، و أردف حينها: كان صعباً على كلينا اتخاذ هذا القرار بيتر، باشر في إجراءات العملية الآن قبل فوات الأوان.. و قم بإنقاذ ابنك..
ازداد انهمار دموع السيد بيتر بسبب حزن و ألم مخلوط بسعادة و أمل.. و قال للسيد جوزيف بعد أن قام باحتضانه و الضرب على ظهره بقبضة يده اليمنى مرتين: لن أنسى لك هذا الصنيع ما حييت.. شكراً لك.
و بعد ساعات من الاختبارات التي تكللت بتوافق قلب المتبرع و جسد المتلقي، انتهت الإجراءات الورقية الخاصة بعملية نقل و زراعة القلب لابن السيد بيتر، و ذلك بعد أن قام السيد جوزيف بتوقيع إقرار يفيد بموافقته على التبرع بقلب ابنه آرون إلى الطبيب بيتر بلا مقابل..
تم تجهيز كليهما لإجراء العملية، و تم إضاءة نور المصباح الأحمر الذي يدل على بدء العمل في غرفة العمليات الآن..
فريق طبي من النخبة هم من كانوا في الداخل، و معهم الطبيب بيتر الذي كانت كفاءته مساوية لهم..
ست ساعات من العمل الجاد الحذر، و ست ساعات كذلك من انتظار زوجة السيد بيتر و السيد جوزيف في الخارج، بالإضافة إلى عدد من أهل المدينة الذين كانوا يتناوبون في الجيئة و الذهاب.. و بعد مضي عدة دقائق أخرى، انطفأ ذلك المصباح الأحمر أخيرا ليخرج الفريق الطبي من تلك الغرفة بأوجه كظيمة تعكرت ملامحها.. فنهض السيد جوزيف و زوجة السيد بيتر فور رؤيتهما لذلك، و أخذا بتتبع الأوجه الواحد تلوٓ الآخر فلم يلمحا وجود السيد بيتر..
و حينها، حاولت زوجته الدخول إلى غرفة العمليات بسبب اضطرابها و قلقها، فزِعة مما قد تشير إليه موجة الكآبة التي خرجت من هناك.. فـ أمسك بها السيد جوزيف في محاولة لمنعها، و حاول تهدئتها بعد قوله بضع كلمات و تذكيره لها بأن تذكر الله و تدعوه أن تكون الأمور قد آلت إلى الخير..
و بعد ثوانٍ قليلة، خرج ذلك الطبيب من تلك الغرفة بثوب العمليات الملطخ بالدماء، الذي كان لزاماً عليه أن يخلعه قبل خروجه، لكنه لم يفعل ذلك بسبب اعتلال تفكيره وقتها..
خرج مسدلاً بكلا ذراعيه للأسفل بجوار جسده، ناظراً بعينيه المتسعتين الدهشتين إلى قدميه اللتين تخطوان للأمام بترنح..
رفع أنظاره إليهما حين استمع اليها تناديه باسمه بصوتها الفزِع، و حين التقت عينيه بعينيها المتورمتين، و من ثم بعيني السيد جوزيف القلقتين، انهار على ركبتيه لتفيض دموع ساخنة من محجر عينيه، ثم صاح بعدة كلمات مصحوبة بلكمه للأرض بكلتا يديه بشدة، لكن تداخل صوت ضرب مزعج على باب منزله حجب تلك الكلمات، و أعاده إلى الواقع ليقوم بإمساك قبعته النحاسية عتيقة اللون و يقوم بقذفها على الأرض منزعجا من تلك الضوضاء القادمة من الخارج، ثم نهض بتثاقل و سأل بحدة بعد أن وصل إلى باب منزله الرئيسي: من هناك؟
فـ أجابه أحدهم بهلع: افتح الباب يا بيتر، الأمر طارئ.
زفر مطولا و قام بفتح الباب ببطء ليدخل السيد هيربرت الذي يحمل ميشيل على كتفه و تبعه السيد بالفور، بينما كان الطبيب المتقاعد يتتبعهم بعينيه ببعض الحيرة..
و بعد أن تم إنزال ميشيل و أمره بأن يجلس على الأريكة دون حركة، قال السيد بالفور لـ السيد بيتر بنبرة معنفة: ما الغرض من امتلاكك لهاتف محمول و خط أرضي يا بيتر إن لم تقم بالإجابة على أحدهما؟!
تجاهل تعنيفه له، و أغلق باب منزله ثم اقترب منهم قائلا بنبرة تكللها الإرهاق: ما الأمر الطارئ الذي أثرتما كل تلك الضجة لأجله؟
السيد هيربرت ببعض الانفعال: إنه آدفينا، لقد حضر عرض السيرك قبل البارحة، و ..
قوطع حديثه حين أسرع ذلك الطبيب نحو ميشيل و أخذ يتفحصه بعينيه المتسعتين، فهو على علم مسبق بتتمة تلك الجملة، التي ستشير إلى ظهور تصرفات غريبة لم يعهدها أحد من هذا الفتى الذي أقام بينهم أسبوعين كاملين..
بدأ أولا بجس نبضه و من ثم فحص سريع لمقلة العين، تلاه بعض الأسئلة عما إن كان يشعر بشيء غريب في جسده، أو ألم في رأسه، لكن الفتى نفى ذلك جميعا..
سأله كذلك عن ما رآه في ذلك السيرك و عن ماهية العروض التي شاهدها، و كذلك بضع أسئلة أخرى لفحص الذاكرة..
و بعد كل تلك الفحوصات السريعة التي أشارت إلى تمام عافية ميشيل، تنهد السيد بيتر بعمق ثم قال: لم أجد شيئا غير اعتيادي في حالته، لكن للاحتياط، لا تدعوه لوحده خلال اليومين القادمين..
أومأ كلاهما بالإيجاب ليسود صمت مقلق المكان، و ازدادت موجة القلق حين طُرِح سؤال ميشيل الذي جاء من العدم: سيدي، أين يقع المشفى الذي كنت تعمل به قبل عودتك إلى هنا؟
بدت على السيد بيتر علامات الاندهاش الذي سرعان ما تحول الى انزعاج شديد مصحوب بنظرات الغضب التي رمق بها كلا من السيد هيربرت و بالفور..
ألح ميشيل عليه بالسؤال ثانية، فقال له بنبرة انفعالية: ما الغرض من سؤالك؟
لم يجبه ميشيل و التزم الصمت، فـ زفر الطبيب المتقاعد مطولا ثم أجاب بنبرة جافة: لا فائدة ترجى من معرفة مكانه، فهو قد احترق قبل عدة أشهر، و توقف العمل به..
أثارت تلك الكلمات رهبة ميشيل و يقينه بما ذكرته أنابيل سابقا، فقال باندفاع مضطرب بعد أن نهض لمواجهة السيد بيتر و كأنه يحاول محاصرته للإجابة: إذا الملجأ.. هل تعرف أين يقع ذلك الملجأ؟ أو اسمه.. أي معلومة عنه..
قاطعه السيد بالفور حين سأله باستغراب ممزوج بالقلق: ما الذي دهاك فجأة أيها الفتى؟
بينما أسر السيد هيربرت في نفسه "هل يعقل بأن له علاقة مع ذلك المشفى، أو ربما الملجأ.."
أما الطبيب بيتر، فقد التزم الصمت، و استمر أولئك الرجال الثلاثة بالنظر إلى ميشيل الذي أخفض ناظريه نحو الأرض في محاولة لتفادي النظر إليهم، و حينها.. قام السيد بيتر بدفع ميشيل قليلا و الابتعاد عنه متوجها نحو باب منزله، ثم قال بصوته الجاف بعد أن قام بفتحه: أعتقد بأن الاستشارة الطبية التي جئتم لأجلها قد انتهت..
و كما أوحى إليهم، خرج ثلاتهم من منزله بهدوء و صمت، بينما عاد هو ليستلقي على أريكته مجددا و يغمض عينيه في محاولة لينعم بقسط من النوم الهانئ، الذي فارقه منذ عشر سنوات حين بدأت الكوابيس المتعلقة بفشل تلك العملية الزراعية تطارده في غفوته و يقظته..
بعد فترة من الزمن في منزل السيد جوزيف..
كان السكون يعم أجواء هذا المساء الذي تغيب فيه عامل الحانة آدفينا عن العمل مجددا.. و التزم التمدد فوق السرير الذي كان يخص الشاب المتوفى آرون، متلحفا بغطائه بإحكام، و مستديرا بوجهه و جسده نحو الجدار و النافذة المجاورين له..
معطيا ظهره إلى صينية كانت موضوعة على المنضدة التي تجاور السرير من الجهة اليمنى، تحوي طبق حساء بارد و رغيف خبز تيبست أطرافه..
لم يكن الفتى نائماً وقتها، بل كانت ملامح وجهه تدل على مدى جدية الأمر الذي يفكر فيه حاليا..
و أثناء هذا الصمت الذي يعم هذه الغرفة المضاءة، صدر صوت خفيف لاصطدام شيء ما بالقرب من النافذة، فرفع الفتى جذعه في محاولة لاستطلاع ما يجري عبر النظر من خلالها، حيث كانت ستارتها مفتوحة آنذاك..
لم يتمكن من رؤية شيء من مكانه فنهض من السرير و اقترب إليها ليجد رأسا ظاهرا من زجاج جزئها السفلي.. رأس لشخص ذو شعر أشعث كثيف، يحجب النصف العلوى من وجهه..
تراجع ميشيل خطوتين للخلف بعد أن أرهبه هذا المنظر، و حينها، بدأ ذلك الشخص المريب برفع رأسه عاليا و الوقوف بانتصاب على ساقيه النحيلتين، حيث كان يتخذ وضعية القرفصاء على المظلة المصممة من حجر القرميد التي تعلو العتبات المؤدية إلى الباب الجانبي لمنزل السيد جوزيف، و التي تقع كذلك أسفل نافذة الغرفة التي يتواجد بها الفتى حاليا..
انتصب في وقوفه ليصبح منتصف جذعه بائنا من خلال النافذة الآن، ليتعرف الفتى من فوره على صاحبة هذا الرأس.. إنها تلك الفتاة، التي سقته ذلك السائل الغريب، التي ظن بأنها من صنع أحلامه..
انتصبت، ليظهر بكل وضوح الرقم الذي يعلو الجهة اليسرى من قميصها القطني المهترئ و المحروق في بعض المواضع..
ثم وضعت كلتا يديها الهزيلتين المتسختين على زجاج النافذة، و كأنها ترغب بالدخول و الاقتراب من الفتى ميشيل، الذي كان متجمدا في مكانه لفرط دهشته حين قراءته لذلك الرقم..
رفع هو الآخر يده اليمنى و بدأ بأخذ خطوات بطيئة تجاه النافذة قائلا بنبرة اختلطت بالعديد من المشاعر المتدرجة من الرهبة، الخوف، الدهشة، و السعادة: 202..! أنتِ على قيد الحياة..؟!
ألصفت الفتاة رأسها بزجاج النافذة بينما كان هو لا يزال يقترب نحوها، و في اللحظة التي هم فيها بفتح النافذة، طُرِق باب الغرفة و تم فتحه على الفور ليلتفت ميشيل نحوه بارتباك، فرأى السيدة لورين التي سألته باستغراب عن سبب وقوفه أمام النافذة..
أعاد أنظاره إلى ذاك الزجاج فلم يجد الفتاة التي كانت هناك، فنظر إلى السيدة لورين و قال بعد أن رسم ابتسامة زائفة على شفتيه: أردت تهوئة الغرفة قليلا..
أدارت بأنظارها نحو طبق الحساء الذي أعدته في وقت سابق لأجله فوجدته كما هو، فتنهدت بعمق، ثم قامت بحمل الصينية التي تحويه و رغيف الخبز، و قالت بهدوء: عليك أن تهتم بصحتك جيدا آدفينا، عد إلى السرير و سأذهب لأسكب لك طبق حساء آخر..
توقفت بمحاذات الباب قبل خروجها و التفتت إليه لتردف بنبرة جادة: عليك أن تتناول ما في الطبق كاملا هذه المرة..
أومأ لها إيجابا فخرجت و توجهت إلى مطبخها، ثم أوقدت النار أسفل قدر الحساء لأجل تسخينه و بدأت بتحريكه بالمغرفة التي تمسكها بيدها اليمنى المرتعشة، و التي كان ارتعاشها يزداد شيئا فشيئا إلى أن أفلتت المغرفة و قامت بوضع يدها الأخرى عليها في محاولة لإيقاف ذلك الارتعاش المزعج، و بعد ثوانٍ قليلة أتاها زوجها من حانته و سألها عن أحوال ميشيل، لتخبره بأمر إضرابه عن الطعام..
و من خلال نبرة صوتها و الوضعية التي كانت تقف بها، استشعر السيد جوزيف مدى قلقها، فاقترب نحوها و أمسك بكلا كفيها ثم قال بصوت هادئ: أ لستِ واثقة من إمكانيات بيتر الطبية؟
- بلى..
- إذا، لا داعي للقلق، فالفتى في صحة جيدة.. ربما هو منشغل بالتفكير في المكان الذي جاء منه..
أشاحت بعينيها القلقتين نحو الأرضية الخشبية مذعنة لما أخبرها به زوجها، الذي أخفى عنها أمر حضور ميشيل لعرض السيرك قبل يومين كما أخبره السيد هيربرت و بالفور حين أعاداه إلى هذا المنزل..
بعد فترة من الزمن..
تظاهر الفتى ميشيل بالنوم بعد أن تأكد من إنهاء طبق الحساء هذه المرة، و نجح في خداع الزوجين الذين استمرا بتفقده بين الفينة و الأخرى لأجل الاطمئنان عليه..
و حين هدأت المدينة و سكنت معظم المنازل بمن فيها منزل السيد جوزيف، نهض الفتى من السرير و تسلل بهدوء إلى الأسفل متفقدا أرجاء المكان الذي كان مظلما، ثم توجه إلى غرفة المعيشة و نظر إلى الساعة المعلقة هناك في محاولة لمعرفة الوقت الآن..
و بعد بذل بعض الجهد لأجل تمييز عقارب الساعة وسط تلك الظلمة، استطاع رؤيتهما يشيران إلى الواحدة و النصف، فأسر بقلق "أخبرني بالمجيء بعد منتصف الليل، هل سأجدهم إن ذهبت الآن يا ترى؟"
نفض ذلك التساؤل عن ذهنه و أردف داخليا بعزم "لا.. سأذهب، و إن لم أجدهم فسأعود"، ثم توجه نحو باب المنزل الجانبي فلم يجد المفتاح الذي كان معلقا عليه دوما.. و بعد محاولة فتحه وجده مقفلا، فأدرك بأن حرص الزوجين على إبقائه بعيدا عن ذلك السيرك قد ازداد، و أن جميع الأبواب لا بد و أن تكون مقفلة كذلك..
شعر ببعض الخيبة و عاد إلى الأعلى متوجها إلى غرفة آرون مغلقا بابها بهدوء، ثم وقف وسطها و أخذ بالنظر إلى النافذة بينما هو يفكر بطريقة للخروج من هنا..
فتذكر أمر الفتاة التي كانت تقف خارجا قبل ساعات قليلة، و استنتج أمر تمكنه من الخروج من النافذة بعد أن قام بفحص المحيط الخارجي الذي تطل عليه..
و قبل خروجه، قام بإخراج بعض الثياب من الخزانة و وضعها على السرير أسفل الغطاء في محاولة لصنع تمويه لشخص نائم.. ثم خرج من النافذة ليقف على مظلة القرميد الحمراء و أغلق النافذة من الخارج، و من ثم انبطح على معدته و بدأ بإنزال الجزء السفلي من جسده ليقف على الحاجز الخشبي للدرج الجانبي أولا، و من ثم قفز للخلف ليقف على الأرضية التي انتشرت عليها بعض الثلوج الآخذة بالذوبان..
رفع أنظاره إلى نافذة تلك الغرفة في الأعلى، و من ثم أخفضهما لينظر إلى باب منزل السيد جوزيف الجانبي..
كانت ملامح وجهه تدل على قلقه من اكتشاف الزوجين أمره، لكنه عزم على التوجه إلى حيث نصب ذلك السيرك الجوال خيمته، و بدأ السير بحذر في تلك الطرقات الخالية من المارة..
و بعد مسير طويل، و صل أخيرا إلى تلك الساحة المحاطة بالأشجار الجرداء فلم يجد خيمة السيرك هناك، لحظتها اعترته خيبة أمل ممزوجة ببعض الغضب و الحنق، و شد على قبضتي يديه بقوة بعد أن حبس أنفاسه و عض على شفتيه ببعض الشدة..
أرخى قبضتيه بعد وقت قصير و أخذ شهيقا عميقا تبعه زفير مطول، ثم استدار و خطى عائدا أدراجه إلى المنزل الذي يقيم به حاليا، فأستوقفه أحدهم حين أمسك بذراعه بشدة قائلا له بينما هو يلهث: ياااه أيها الفتى، أنت متأخر جدا..
لقد كان ذلك الشاب الأشقر من السيرك المدعو كلايتون، الذي اعتاد ارتداء زي الدب الأرجواني في جميع العروض..
شعر ميشيل ببعض الراحة حين رآه، و كذلك حين اصطحبه إلى العربة الملونة الكبيرة الخاصة بأعضاء السيرك، و التي كانت مركونة في الجهة الأخرى من ساحة الأشجار الجرداء..
و بعد دخوله إليها، استقبله اثنين من أعضاء السيرك ببعض الانزعاج بسبب تأخره، بينما كان الخمسة الآخرون يغطون في نوم عميق على أسرتهم ذات الطابقين المتواجدة في الجزء الذي دخل ميشيل إليه بصحبة الشاب كلايتون..
بدأ ميشيل بأخذ نظرة خاطفة لتفقد المكان، فجذب انتباهه شاب ذو شعر أسود قصير و مموج حين نهض من مقعده قائلا بعد أن قام بضبط نظارته الطبية: إذا.. جئت لمعرفة الحقيقة حول الحادثة التي حصلت قبل عشر سنوات..
لحظتها، أومأ ميشيل برأسه نافية ليُذهل أولئك الثلاثة الذين كانوا في انتظاره لأجل ذلك الموضوع، ثم قال باندفاع و حزم: بل جئت لأعرف إن كان من الممكن استعادة الذكريات المنسية بوساطة التنويم المغناطيسي..!
.
.
نهاية الفصل الخامس عشر..~
أترك لكم حرية التعقيب..
بالرغم من رغبتي الشديدة في وضع بعض الأسئلة:تعجب:
دمتم بود
في أمان الله..~
human: قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حال الجميع..؟ أتمنى أن تكونوا بخير..
قبل أن أضع الفصل الجديد، سأخبركم بأني قد غيرت من تنسيق طريقة الكتابة قليلا،
وقمت بفصل الحوارات عنما يرويه الراوي لأجل قراءة أفضل..
و هذا ما أشارت إليه سول العزيزة، لكني لم أستوعب كيف أفعل ذلك سوى مؤخرا :لقافة:
تفضلوا بقراءة الفصل، و لا ننسوا التعقيب..
الفصل السادس عشر..~
.
.
- "إذا.. جئت لمعرفة الحقيقة حول الحادثة التي حصلت قبل عشر سنوات.."
أومأ ميشيل برأسه نافياً ليُذهلَ شبان السيرك الثلاثة الذين كانوا في انتظاره لأجل هذا الموضوع، ثم قال باندفاع و حزم:
- "بل جئت لأعرف إن كان من الممكن استعادة الذكريات المنسية بوساطة التنويم المغناطيسي..!"
مرت ثوانٍ قليلة من السكون، ثم تنهد الشاب ذو الشعر الأسود بعمق، و قال بصوت حاد منخفض الوتيرة بعد أن قام بفرد يده اليمنى المقبوضة أمام وجه ميشيل و رفع سبابته تجاهه:
- "أولا، هو يدعى بالتنويم الإيحائي، و ليس المغناطيسي.."
ثم رفع إصبعه الوسطى مردفا:
- "ثانيا، أجل يمكن ذلك.."
بعد ذلك فرد خنصره و استطرد ببعض الحدة:
- "ثالثا.."
ثم التفت نحو زميله كلايتون و أمسك بياقة كنزته المخططة بالأسود و البنفسجي الفاتح، و اهتاج في وجهه غاضبا لكن محافظا على انخفاض وتيرة صوته:
- "هل تمزح معي كلايتون..؟! جعلتنا ننتظر حتى هذه الساعة المتأخرة لأجل هذا..!"
أعاد أنظاره نحو ميشيل المندهش المرتبك، و أكمل بنفس النبرة بعد أن احتدت زوايا عينيه:
- "إن كنت مهتما بالتنويم الإيحائي، فما كان عليك المغادرة في تلك الليلة و تفويت هذه الجزئية من العـ.."
قاطعه ميشيل صائحا ببعض الغضب:
- "كنت خائفا.. لم أعرف ما علي فعله، كيف تتوقع مني التصرف حينها..؟!"
لحظتها، استفاق أحد النيام مفزوعاً بسبب صراخ ميشيل العالي، و قال برهبة بينما هو يتلفت برأسه و عينيه المغلقتين يمينا و شمالاً:
- "ما الأمر فرانك؟ ما الذي يجري..؟!"
أجابه فرانك بصوت متملل:
- "لا شيء أُوِين، عد إلى النوم."
أعاد الفتى الصغير، ذو الإثني عشرة سنة، رأسه إلى الوسادة بهدوء، ثم رفعه بشكل مفاجئ للأعلى بعد أن قام بفتح كلا عينيه باتساع مذهول، و أراد التعقيب على الطريقة التي ناداه بها زميله حيث أنه اعتاد على اختصاره للأسماء و مناداته بـ "أُو"، ليسكته ميشيل حين بدأ بالحديث بصوت هادئ منخفض الوتيرة، ممتزج بحزن عميق:
- "شخص عزيز علي، أرغب بتذكر الوقت الذي قضيته معه.. أرغب بتذكر كيف كان صوته، و ملامحه.."
قبض كفيه بشدة و أكمل:
- "اءتمنني على دفتر يومياته، فيه كان شيون يكتب كل ما يحصل معه، يكتب بداخله أحلامه، لكنني نسيت أين هو..! لا أذكر أين كان يخبؤه بعيدا عن أنظارها.."
وجدت دموعه منفذا لتهرب من محجر عينيه، و وسط دهشة شبان السيرك الثلاثة و الفتى الصغير الذي يجلس على سريره العلوي من بكائه و حديثه المليء بالغموض، كان هو يكمل بعد أن أجبره جسده المرتجف على الجلوس فوق الأرض:
- "أريد أن أذكر ما حصل بعد ندائها لنا ذاك المساء، و كيف وصلنا إلى ذلك المشفى.. أريد أن أعرف ما حصل لـ 202 حين كانت ممددة بجسدها البارد فوق ذلك السرير، و ما كان يجري بداخل غرفة العمليات.."
صمت لالتقاط أنفاسه ثم تابع:
- "أكاد أُجن..! أريد.. أريد أن أعرف من أنا.. هل أنا إنسان طبيعي، أم لا..؟ أشعر بأني مختلف عن الجميع هنا.. لا بل في كل مكان أقمت به.."
و بينما هو يقذف بكل ما تكدس في نفسه خلال فترة خروجه من الملجأ إلى شبان السيرك، كانت هي تقف على غصن إحدى الأشجار العالية الجرداء التي تجاور العربة، تقف بوجهها المحجوب و لباسها المهترئ، ممسكة بياقة شخص ما من الخلف، شخص فاقد للوعي، يبدو كمتشرد اعتاد النوم على الطرقات مما جعل ثيابه في تلك الدرجة من الإتساخ..
بان شعاع أحمر من خلف خصلات شعرها حين قفزت لتهبط على مسافة بعيدة بعض الشيء.. ثم التفتت للخلف بوجهها نحو المكان الذي يصدر منه صوت ميشيل، و بدت و كأنها تنظر إلى ذلك الباب المغلق جزئيا الذي ينبعث منه ضوء أصفر خافت..
و بعد وهلة بدأت باشتمام رائحة ما، فحركت رأسها ببطء في مختلف الاتجاهات لتحاول معرفة مصدرها، و حين انتبهت لتشكل ظل شخص ما على الضوء الساقط على الأرض بجوار العربة، أسرعت بالابتعاد عن المكان بسرعة لا يمكن أن تكون لـ بشر..
فكيف لـ بشر أن يجري بسرعة مساوية لسرعة الرياح..؟!!
أو أن يقفز تلك القفزة العالية، و يحمل في نفس الوقت شخصا يفوقه حجما بيد واحدة..؟!
بل كيف لـ بشر أن تضيء عينيه بتلك الطريقة المخيفة..؟!
.
.
أما داخل العربة..
استغرب أعضاء السيرك من الطريقة المريبة التي أطل بها أحد رفاقهم من الباب خارجاً، فسأله فرانك:
- "ما الخطب، لويس؟!"
ليجيبه ذلك الشاب ذو البشرة الحنطية ببعض الرهبة:
- "اعتقدت بأني رأيت شيئا هبط على الأرض هناك قبل وهلة.."
ابتسم بارتباك و نفض الشك الذي اعتراه ليردف:
- "يبدو بأني كنت أتخيل.."
تنهد الشاب فرانك ذو الشعر الأسود ثم قال بعد أن أعاد ناظريه نحو ميشيل الذي كان لا يزال جالسا يبكي على الأرض:
- "ما الذي سنفعله الآن؟"
التفت إليه كلايتون و لويس الذين كانا يقفان بجانبه، و قالا له بعينين تظهران شفقة ممزوجة ببعض الرجاء:
- "فرانك.."
- "تبا لكما.." قالها بتقاسيم وجهه المنزعج، ثم مد يده نحو الفتى الذي كان يذرف دموعا يجهل دوافعها، و أردف:
- "يا للإزعاج، بالرغم من أني لست جيدا كـ معلمي، لكني سأبذل ما بوسعي.."
رفع الفتى اليائس أنظاره إليه، و مد بيده نحوه ليضعها في يده، ليقوم ذلك الشاب بمساعدته على النهوض، ثم قال:
- "كلاي، أحضر له كرسيا.. لا بل تلك الأريكة، فهي أفضل للاسترخاء.."
كان يشير إلى أريكة زرقاء داكنة لشخصين، ثم التفت نحو الشاب لويس و من بعده البقية من أعضاء السيرك الذين قوطع نومهم بسبب الضجة التي أحدثها ميشيل قبل قليل، و أردف:
- "تعلمون ما يجب عليكم فعله.."
أومأ جميعهم بالإيجاب، و من ثم التزموا الصمت أثناء مراقبتهم لما كان يجري بين الشاب فرانك و الفتى ميشيل.. حيث كان الأول يطرح أسئلة متعلقة بماضي الأخير، و يلزمه بالإجابة متحججا بأن معرفة تلك الأمور ستساعده في إنجاح عملية التنويم الإيحائي و استحضار الذكريات التي يرغب ميشيل بتذكرها..
و كذلك جعله يصف بدقة جميع الأماكن التي تواجد فيها، التفاصيل الهندسية للأبنية، لون طلاء الجدران، الفصول السنوية و طبيعة الجو في كل ذكرى يرغب باستحضارها، و هكذا، قام ميشيل بمنحه ما يرغب، ورسم له صورة تقريبية في ذهنه عن الملجأ، و عمن كانوا بداخله، أما المشفى، فلم يستطع الفتى تذكر شيء مما رآه هناك سوى منظر أصحابه النيام، المصعد، و مقتطفات ملونة باللون الأحمر بداخل غرفة العمليات التي سيق إليها..
و وسط هدوء الجميع و انبهارهم، صَفَقَ فرانك الدفتر الذي كان يدون به بعض الملاحظات بقوة، ثم قال:
- "حسنا، أعتقد بأن هذه المعلومات تكفي."
التفت إلى لويس و استطرد:
- "أغلق الباب لُو، فالدفء سيساعد على استرخائه."
و بعد تهييئهم أجواء العربة بالسكينة و الهدوء، بدأت جلسة التنويم الإيحائي أخيرا، حيث بدأ فرانك بنطق بضع كلمات بصوته العميق.. كلمات كانت أوامر قالها للفتى ميشيل بكل هدوء ليبعث في نفسه الراحة، محاولا بذلك جعل نبض قلبه ينخفض تدريجيا:
- " أسند ظهرك إلى الأريكة، أغلق عينيك، أسدل يديك بجوار جذعك و تنفس بهدوء..
شهيق عميق من أنفك، يملأ رئتيك و يجعل منطقة البطن لديك تنتفخ، قم بحبسه أربعة ثوانٍ و من ثم أطلقه من فمك مطولا بهدوء..
جيد..
تنفس مجددا، و تذكر بأن سماعك لصوتي لن يزيدك إلا استرخاءا.."
و بعد أن كرر ميشيل تلك التعليمات خمسة مرات متتالية، قال فرانك:
- "هذا التنفس يشعرك براحة في الجسد، يشعرك بالخدر و الخمول..
اجعل جل تركيزك في صوتي، و فكر بأصابع قدميك..
ارخها، و اشعر بالرخاء و الخمول بها..
و الآن، اجعل ذلك الرخاء يتحرك للأعلى، ليصل إلى يديك.."
قوطع هدوء المكان بصوت صرير الكرسي الخشبي المتخلخل، الذي رغم محاولة كلايتون للجلوس عليه بكل حذر، إلا أنه أصدر ضجة جعلت فرانك يرمقه بنظرة توحي بالقتل، فابتسم الشاب ذو الشعر الأشقر بارتباك و أومأ بالأسف، فاستدار فرانك برأسه نحو ميشيل ليستأنف ما كان يفعله بعد أن عادت الأجواء الساكنة:
- "ابق معي، و تذكر بأن أي صوت آخر تسمعه سيزيد من استرخائك أكثر..
.
الآن يديك مسترخيتان، و أنت تشعر بسائل يجري بهما..
هذا السائل يزيدك استرخاءا.."
صمت قليلا ثم أكمل:
- "اصعد إلى الأعلى قليلا و اترك يديك، ارخهما، و اشعر بأنفاسك..
اسمع صوتي، و اجعله يزيد من استرخائك، أكثر، و أكثر..
.
فكر برأسك و خصلات شعرك.. و اجعلهما يزيدان من استرخائك..
.
ممتاز.."
أغمض الشاب ذو الشعر الأسود عينيه آخذا نفسا عميقا و أطلقه بكل هدوء، ثم فتح عينيه و بدأ بتأمل ميشيل الذي بدا نائما بعمق وسط الهدوء الذي غلف أجواء هذه العربة الطويلة..
قام بفتح دفتر ملاحظاته الأسود على إحدى الصفحات التي كان يدون بها سابقا، و اختار نقطة معينة من ماضي ميشيل لم تكن بالبعيدة جداً ولا القريبة، و خاطب نفسه ببعض التردد:
- "أعتقد بأن هذا المدى الزمني جيد كبداية لتنشيط عقله الباطن."، ثم قال جهرا بنبرة منخفضة دافئة:
- "201، أريدك أن تتذكر شيئا حصل لك قبل أربعة أشهر تقريبا.. في ذلك الملجأ الذي قضيت فيه ست عشرة سنة من عمرك..
تسير على ذلك البلاط الأبيض، و من ثم على الأرضية الخشبية الداكنة..
بصحبة عدد من أصحابك هناك..
تتجهون جميعا إلى غرفة مديرة الملجأ..
طرق أحدكم الباب الخشبي الداكن فقامت بفتحه لكم..
السيدة مادلين، ذات البشرة البيضاء الشاحبة و الشعر شديد السواد..
هل تذكر ما كانت ترتديه حينها؟
هل تذكر تسريحة شعرها آنذاك؟
.
.
إن استطعت استحضار الذكرى فأشر بسبابتك اليمنى للأعلى..
و إن لم تستطع، فأبقها منخفضة.."
كان ذلك ما يدور في العالم المحيط بـ ميشيل.. أما داخل عقله، فقد كان يعيش تلك اللحظة مجددا..
تلك الليلة شديدة الظلمة، تلك الأجواء الساكنة..
صوت صرير الباب حين فُتح، و دخول خمستهم تباعا إلى غرفتها..
كانت تسرح شعرها للأعلى كعادتها، و ترتدي لباسها المعتاد، المكون من تنورة رمادية طويلة و قميص أبيض طويل الأكمام..
و بعد إغلاقها للباب، عمت الظلمة المكان بشكل مفاجئ، و لم يكن يُرى سوى تلكما البؤرتان الحمراوان المشعتان، اللتين أثارتا رعشة في قلب الفتى و من معه..
امتزجت أصوات رفاقه الذين بدؤوا بالتساؤل عما يحدث، و بدأت نداءات الاستغاثة المضطربة بالسيدة مادلين تعلو في وتيرتها..
و ها هو يشعر بتسارع نبضه، و بالفزع الذي تملكه حين بدأت تلكما البؤرتان بالتحرك راسمة خطوطا حمراء متغيرة المسارات، و من ثم يدين أحكمتا إمساك ذراعيه من الأعلى بقوة شديدة..
ليقطع كل تلك الأحداث و الضوضاء وخز في الجهة اليسرى من رقبته و من ثم سواد قاتم، تلاه بعشرة أجزاء من الثانية طنين مزعج في طبلة أذنه اليمنى و رأسه..
بدا منزعجا و متألما بنظر أعضاء فرقة السيرك، لكنه، و بسبب خضوعه للتنويم الإيحائي، كان عاجزا عن تحريك جسده أو فتح عينيه..
- "أيقظه فرانك، أيقظه.."، صاح لويس بهذا الأمر لـ فرانك، فهرع الأخير بالقول بينما هو يحاول الحفاظ على هدوئه:
- "سأعد تنازليا من الرقم ثلاثة حتى واحد، و حين أنتهي ستقوم بفتح عينيك.."
و بعد انتهاء العد التنازلي، فتح ميشيل عينيه باندفاع حيث كانت علامات الرهبة و الخوف بادية على تقاسيم وجهه، فسأله شاب السيرك الذي أخضعه للتنويم الإيحائي عما حدث أثناء استحضار تلك الذكرى، ليجيبه ميشيل بإلحاح مضطرب بعد أن أمسك بكلا عضديه بشدة:
- "مرة أخرى.. أرغب في تكرار المحاولة مرة أخرى.."
يتبع..
human: قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
تابع..
تزامنا مع هذه الأحداث على الأطراف الشمالية الشرقية لإنجلترا، و وسط أحد الوديان الجرداء في مقاطعة نورثمبرلاند الشاسعة، كانت هي تقف أمام ذلك البناء الأشبه بالـ المنشأة التي يحيط بها سور حجري عالٍ أبيض اللون لا يزال صامدا رغم قدم مظهره..
تقف و هي لا تزال ممسكة بذلك الرجل الذي التقطته من مدينة بعيدة بعض الشيء.. و تنظر إلى السور الذي لم تجد منفذا منه يمكنها من الوصول إلى المبنى الذي يقع خلفه..
رفعت رأسها للأعلى و بدت و كأنها تشتم راحة شيء ما، ثم أخذت عدة خطوات حول السور لتقف في مكانها بعد ثوانٍ قليلة و تقفز من فوق ذلك الجدار العالي، تاركة صيدها الذي ارتشفت من دمائه الدافئة قبل قليل خارجا..
توجهت إلى البناء ذي الطابقين الذي يقع خلف السور متخذة قفزات طويلة ذات ارتفاع شاهق إلى أن استطاعت الوصول إلى نافذة ذات قضبان فولاذية تخص إحدى الغرف في الطابق العلوي..
تعلقت الفتاة بتلك القضبان واضعة قدميها على الحائط الحجري أسفل النافذة، و بدت و كأنها تجلس على ذلك الجدار في وضعية القرفصاء، لكن بطريقة مائلة..
تمسكت بالقضبان بقوة و أخذت باستنشاقها، ثم مدت يدها اليمنى بين القضبان لتصل إلى النافذة التي كانت مغلقة بإحكام آنذاك..
أبعدت يدها و عادت لاشتمام محيط النافذة بدقة أكبر، لتتوقف عند الزاوية العلوية اليمنى من النافذة حيث كانت الرائحة متركزة في الأحجار التي تحيط بالنافذة من تلك الجهة..
أعادت إمساك القضبان بيدها اليمنى، و أفلتت اليسرى لتصل إلى تلك الأحجار و من ثم تقوم بخلخلة أصابع يدها بداخل شق ضيق و عميق في محاولة لانتزاع مصدر الرائحة المخبأ هناك..
و حين لم تتمكن من الامساك به، أخرجت أصابعها و قامت بانتزاع أحد الأحجار بقوة رامية إياه بعيدا، و من بعده انتزعت حجرا أخر ليظهر للعيان أخيرا جزء كبير من مصدر الرائحة التي تتبعتها من حيث كانت تقف بجوار عربة فرقة السيرك إلى هذه المنشأة..
كان دفترا ذو غلاف أبيض سميك، ترى الخدوش و اللطخات التي رسمهتا السنون عليه بوضوح، لكنه، و رغم كل ما حل به، لا يزال محافظا على أناقته..
وضعت يدها اليسرى عليه برفق و حركت شفتيها لتنطق بلا وعي باسم صاحبه:
- "شيون"..
ثم حركت يدها لتمسك به من الأسفل لنيتها في انتشاله من مكانه، إلا أن صوتا نادى على اسمها من الأسفل جعلها تتوقف عما كادت تفعله، و تلتفت إلى مصدره برأسها اللذي لا تزال ملامحه مخفية خلف خصلات شعرها..
و حين رأت صاحبة النداء، هبطت إلى الأسفل بطواعية و وقفت بانتصاب أمامها، لتقول لها تلك السيدة التي أخفت هيأتها ظلمة الليلة التي حجبت الغيوم قمرها آذاك:
- "202، أ لم آمرك بالتوقف عن اللعب خارجا..؟"
صمتت قليلا ثم أردفت بحدة و انزعاج بينما كانت عيناها تشعان بلون أحمر مخيف:
- "أزيلي مصدر هذه الرائحة الكريهة من هنا، و توقفي عن جلب المزيد من حثالة الشارع إلي.. فلا رغبة لي ببيادق من هذا النوع."
و بعد أن قالت ذلك، استدارت بجسدها لينقشع الغيم، و يتسلل ضوء القمر إلى الأرض كاشفا عن شعرها الأسود شديد الطول، و اللباس البنفسجي الضيق الذي يلتصق بجسدها و يكشف عن بعض الأجزاء من وركيها و فخذيها، و كذلك وشاحها القصير أسود اللون الذي كان يغطي كتفيها و جزءا كبيرا من ظهرها الذي كانت 202 تقف ناظرة إليه، ثم بدأت تلك السيدة الغامضة بأخذ خطوات بطيئة واثقة مرتدية حذاءها الأسود ذو الكعب الرفيع و الطويل، و توجهت إلى داخل المنشأة التي تبدو كـ ملجأ الأيتام الخاص بالسيدة مادلين..
.
.
عودة إلى حيث يتواجد ميشيل في مدينة أخرى..
إلى تلك العربة التي انبعثت منها صرخاته الحانقة، و لهثاته المتعبة..
كان متعرقا بشدة، و كأنه خاض سباقا طويلا.. و هو بالفعل كذلك..
فقد كانت رحلة شاقة تلك التي اتخذها نحو الماضي، و يبدو بأنها لم تؤت ثمارها حيث كان الغضب و اليأس يحركانه ليمسك بكم فرانك الأيسر و يطلب منه إعادة التنويم الإيحائي للمرة الحادية عشر..
- "أرجوك.. يجب أن أعرف كل شيء.."، قالها بصوته المتعب و وجهه المبلل بالعرق المختلط بالدموع.. فأتاه رد فرانك بالرفض ليزيد الفتى من إلحاحه الذي أثار شفقة جميع أعضاء فرقة السيرك، شفقة شديدة جعلت أحدهم يقوم بضربه على مؤخرة رأسه ليفقده الوعي، واضعا بذلك حدا للضرر الذي قد يسببه لعقله..
- "لويس..!"، صاح رفاقه باسمه بدهشة، ليخبرهم بنبرة جادة بعد أن قام بحمل ميشيل على كتفه و توجه نحو باب العربة:
- "أنا ذاهب لإعادته من حيث جاء، عليكم بنيل قسط من الراحة قبل مغادرتنا"
وبعد خروجه من هناك، نظر جميع أعضاء السيرك إلى بعضهم بتساؤل و حيرة، ثم قال لهم فرانك بعد أن رمى بجسده المرهق على الأريكة و تنهد بعمق:
- "سمعتم ما قاله لُو، هيا عودوا إلى النوم."
عاد جميعهم للإستلقاء على أسرتهم دون أي اعتراض، بينما أغمض فرانك عينيه و تمتم بانزعاج بعد أن وضع ذراعه اليمنى فوق جبينه:
- "ما خطب هذه المدينة؟! جميع من نقابلهم هنا مضطربون عقليا..!"
و فور قوله هذا، عاد بمخيلته إلى الحادثة التي وقعت هنا قبل عشر سنوات، عاد إلى الفتى آرون، الذي دخل إلى خيمة السيرك بينما كان أعضاؤها يستعدون لتقديم عرضهم الأخير، و قام برجاء رجل ذو شعر بني داكن ينسدل على كتفيه بأن يخضعه للتنويم الإيحائي، كان يمسك بكلا كتفيه بشدة و يلح عليه بالطلب تماما كما فعل ميشيل قبل وقت مضى..
ابتسم فرانك وسط استحضاره لتلك الذكرى، ثم قال متهكما بصوت منخفض:
- "شاب يقوم بتفريغ غضبه و حنقه على الطيور و القطط..! و الآن هذا الشخص ذو الماضي الغريب..! مجانين"
صمت قليلا ثم رفع جذعه باندفاع قائلا بصوت مسموع:
- "مهلا..!"
لينهض الجميع مجددا و ينظرون إليه باستغراب متسائلين عن الخطب، فأجابهم هو بسؤال آخر:
- "هل يعرف لُو أين يعيش الفتى؟!"
صمت جميعهم، و استمروا بتبادل نظرات التساؤل فيما بينهم، بينما كان زميلهم لويس قد و صل إلى منزل السيد جوزيف حالياً، و تحديدا إلى الغرفة العلوية التي هرب ميشيل من خلالها سابقا..
وضع ميشيل فوق السرير برفق و قام بتغطيته جيدا، ثم قام بلمس جبين الفتى بباطن كفه الأيسر و قال بينما كان ضوء أبيض خافت ينبعث من يده:
- "من الأفضل لك أن تنسى بعض الأمور، على أن تتذكرها عندما يحين الوقت المناسب.."
اعتدل في وقوفه بعد وقت قصير، و أخذ ينظر إليه بعينيه اللتين اشتعلتا بلون أحمر مرعب، ثم أردف بنبرة تبدي انزعاجا من نوع ما:
- "تنبعث منك رائحتها الفاسدة.."
صمت و رفع بأنظاره إلى النافذة التي دخل من خلالها سابقا، ثم تابع مخاطبته لنفسه بحماس غريب بعد أن اقترب منها و قفز خارج الغرفة ليعتلي سقف المنزل المجاور لمنزل السيد جوزيف:
- "ما اللذي تخططين له، لين الغاضبة؟"
ثم بدأ بالقفز بسرعة و خفة على البيوت الواحد تلو الآخر مطلقا ضحكة متلهفة و ماكرة، وتيرتها عالية بشكل مريب.. و قال بينما هو يهبط في وضعية الركوع وسط أحد الأزقة البعيدة:
- "أخيرا، ستأتين بشيء ينسينا الملل الذي يتآكلنا منذ عقود.. يا مصاصة الدماء البنفسجية"
و بعد قوله هذا، اعتدل في وقوفه و التفت بجسده نحو اليمين ليخرج من الزقاق فرأى رجلين كبيرين في السن ينظران إليه برهبة، أحدهما يبدو عليه السكر، و الآخر لاذ بالفرار بعد أن أفزعته عيني لويس المشعتين..
و عندها، جز على أسنانه بانزعاج، و قال بتملل بينما هو يقترب من الرجل الثمل:
- "ما الذي تفعله خارجا في هذا الوقت المتأخر، جدي؟"
و حين وصل إليه، وضع يده على جبين الرجل وسط بلادة الأخير، و قام بإطلاق نفس الوميض السابق من كفه ليخر العجوز على الأرض فاقدا للوعي.. ثم التفت بانظاره نحو الرجل الآخر الذي لاذ بالفرار، و تمتم متأففا:
- "ربما بالغت في إرخاء دفاعي قليلا، سيكلفني هذا جهدا كبيرا.. فـ مدينة كاملة أمر كثير على مصاص دماء ذو دخل محدود، مثلي"
و ما أن قال ذلك، حتى ضرب الأرض بخفة بقدمه اليمنى مرتين متتاليتين، لتضيء هالتان دائريتان أخذتا بالتوسع لتشملا المدينة كاملة، و بعد خمسة ثوانٍ عاد الظلام مجددا، فاستدار لويس الذي بدا عليه الإجهاد البسيط، و بدأ بالسير بشكل طبيعي متجها إلى حيث تتواجد عربة طاقم السيرك..
بعد ساعات قليلة..
و حين بزغت شمس الفجر، و بدأ نهار اليوم التالي، لم يكن هناك أثر لفرقة السيرك الجوال، سواءا وسط تلك الساحة الرملية، أو في ذاكرة أحد من أفراد هذه المدينة..
و من ضمنهم ميشيل.. الذي استيقظ من نومه بذهن صاف، لتكون جميع تلك التغيرات و الأحداث المريبة التي حدثت له بشكل متوالٍ سريع ما هي إلا كابوس استفاق منه لينساه على الفور..
.
.
نهاية الفصل السادس عشر..
حين بدأت الأمور تتضح لميشيل، عادت لتمحى مجددا..؟
فمن يكون لويس؟ و هل جميع طاقم السيرك مثله؟
لين الغاضبة، أو مصاصة الدماء البنفسجية.. من تكون؟
و ما الذي تخطط لفعله؟
وجدت 202 الدفتر الخاص بـ يوميات شيون، و لكن..
ما سيكون مصيره يا ترى؟
هل هذا التنسيق بين الفقرات جيد؟ :لقافة:
لم أكن أرغب بوضع خطوات التنويم الإيحائي،
لكنني وجدتني أضعها في النهاية..
بالمناسبة،
اتبعت نفس الخطوات التي شاهدتها في محاضرة ما على الـ youtube
أي هي ليست من رأسي، :لقافة:
هذا ما لدي للآن..
دمتم بود،
في أمان الله~
human: قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
عدت إليكم بوقت قياسي، أليس كذلك؟!
حسنا.. السبب في هذا هو انتهائي منذ زمن بعيد من كتابة نصف هذا الفصل،
لكن توجب علي التعديل بسبب اخلاف بعض الأحداث التي حدثت في السابق
و للتكفير عن تأخري الماضي و قصر الفصل السابق.. (و احتجاج احداهن كذلك:لحية:).. قررت وضعه الآن..
في هذا الفصل، سنعود إلى أجواء الهدوء،،
بعيدا عن تلك الكائنات التي ظهرت في الفصول السابقة..
على أن يعاودوا ظهورهم في هذه الرواية متى ما أرادوا ذلك..:موسوس:
أتمنى لكم قراءة ممتعة..
الفصل السابع عشر..~
.
.
في منزل عائلة إدوارديز..
دخلت إلى غرفتها مغلقة بابها بإحكام، و ارتمت فوق سريرها بفستانها الأزرق الطويل الفضفاض، غير آبهة بمشد الخصر الذي يضيق على سعة رئتيها..
توسدت سريرها الواسع، و تناثر شعرها البني المموج على غطائها الناعم ليخفي تقاسيم وجهها الحزين..
هي لم تنسى ما حصل ذاك المساء.. ما فعلته في المخزن مع العامل الساذج..
لم تنسَ تصرفها الأناني وقتها، و كيف بأنها لم تفكر بالعواقب..
لم تنسَ جمودها ذاك، و نقضها للوعد الذي قطعته لـ ميشيل بأن تبعد عنه الأذى..
و كل تلك الأشياء حدثت بسبب أمر واحد فقط.. و هو سذاجة تفكيرها كذلك..
بدأت تذرف الدموع كعادتها التي استمرت عليها طيلة الأسابيع الماضية، تبكي بصمت كي لا يستمع أحدهم لنحيبها.. و تردد بخفوت "حدث كل ذلك بسببي"
و بعد مضي دقائق عديدة.. توقفت عن البكاء و نهضت لتمسح دموعها بمنديلها الأبيض، ثم بدأت بالنظر إلى كف يدها الأيمن.. إلى الخاتم المرصع بحجر كبير بعض الشيء من الألماس الأزرق النادر، و الذي كان موضوعا في اصبعها البنصر..
تقضب حاجبيها لوهلة، و من ثم قامت بإخفاء كل تلك المشاعر المتضاربة داخلها بارتدائها قناع الجمود و العظمة، و خرجت من غرفتها بخطوات ثابتة متجهة إلى حيث تقع غرفة أعمال والدها في نفس هذا الطابق..
رأتها مدبرة المنزل أوفيليا فلحقت بها مسرعة بينما هي تحادثها بنبرة جافة:
- "آنسة روزماري عودي إلى غرفتك، فالسيد إدوارديز لم يسمح لك بالخروج دون حاجة لذلك."
تجاهلت الآنسة إدوارديز ذلك الصوت الذي تبغضه، و استمرت بتقدمها للأمام إلى أن أوقفها عن ذلك إمساك السيدة أوفيليا لذراعها اليسرى.
و حينها، قامت روزماري بصفع يدها و إبعادها عنها بقوة، ثم قالت بعد أن وجهت إليها نظرات حادة تماثل حدة صوتها:
- "راقبي أفعالك أوفيليا، و تذكري بأني أنا الآنسة إدوارديز، سيدة هذا المنزل من بعد والدي."
كانت كلماتها تلك كفيلة بجعل أوفيليا، و بكل ما تحمله من كبرياء، تطبق شفتيها و تقف في مكانها لتشاهد ظهر الفتاة، التي ستحمل عاتق هذه العائلة في أحد الأيام، تبتعد عنها بخطوات واثقة متجهة نحو غرفة أعمال والدها.. التي حين وصلت إليها، طرقت على بابها مرتين بهدوء، ثم توجهت إلى الداخل بعد أن أذن السيد إدوارديز للطارق المجهول بالدخول..
لم يحمل نفسه عناء رفع عينيه عن كومة الأوراق التي بين يديه، و اكتفى بالاستمرار بالقراءة المتمعنة لكل تلك السطور، إلى أن قاطعه عن ذلك نداؤها له بصوتها الذي كان يفضل عدم سماعه:
-"أبي.."، قالتها، ثم صمتت لعدد من الثواني تنتظر منه أن يرفع رأسه تجاهها، لكنه تجاهل ذلك النداء و استمر بما كان يفعله من تقليبٍ لتلك الصفحات التي ملأ صوت حفيفها الغرفة، و امتزج بصوت تكتكة عقارب الساعة ليزيد من حدة القهر الذي يتملك روزماري، الفتاة التي استجمعت جل شجاعتها لأجل هذه اللحظة..
- "أرجوك انظر إلي.. أبي."
و رغم هذا الرجاء الذي خرج من بين شفتيها النادمتين، لم يحرك والدها ساكنا.. فأشاحت بناظريها بعيدا نحو يسارها، و أمسكت بعضد ذراعها اليسرى لتقول بنبرة مرتجفة:
- " ما حدث تلك الليلة في المستودع، كنت أنا السبب به.. ليس ميشيل.."
أخفضت بصرها نحو الأرض و ازداد الألم الذي يظهره بريق عينيها الخضراوين، لتردف بعد أن أبى السيد سولومون ملاحظة وجودها:
- " أنا من توجب عليك إبراحها ضربا و ليس هو."
و بعد أن خيم الصمت لثوانٍ أخرى، تنهد والدها بانزعاج و قال بعد أن قام بترتيب الأوراق التي انتهى من تفحصها و وضعها جانبا:
- "هل تمردت على أوامري لأجل إخباري بأمر أعرفه..؟"
تملكها الذهول، و اتسعت عينيها اللتين وجهتهما تجاهه، لترى تقاسيم وجهه المتملل و عينيه الباردتين تنظران إليها ببعض الاستهزاء، فتمتمت بصوت علا تدريجيا:
- "إذا لماذا..؟! لماذا فعلت كل ذلك له؟!"
- "و تسألين عن السبب..؟! لولا ضربي له، لكنت قد قتلتك تلك الليلة.. روزماري"، كان هذا جوابه لسؤالها..الجواب الذي قاله بنبرة غاضبة و صوت حاد جعل جسدها ينتفض رهبة، فـ صرخت بأعلى صوتها المتألم:
- "ليتك قتلتني إذا.."
اتسعت عيناه لاستغرابه من تصرفات ابنته التي تغيرت عليه منذ تلك الليلة، و وسط ذهوله الممزوج بحنقه المتصاعد، كانت هي تقذف باعترافاتها بنبرة مكبوتة الواحدة تلو الأخرى:
- "أنا من أردت اصطحابه معي، و أنا من أجبره على ملازمتي في كل ليلة من الشهر الماضي.. كنت أشعر بشيء غريب بداخلي حين أكون معه.. شعور دافئ جميل، لكنه يقبض على قلبي بشدة.."
رفعت أنظارها إلى والدها لتردف بحدة: "أحببته يا أبي.."
لحظتها، نهض السيد سولومون من مقعده بانفعال و أسرع ليصفعها بقوة جعلت رأسها يلتف جهة اليسار، و قبل أن ينطق بحرف واحد، قالت هي بصوتها المتماسك بعد أن التفتت لتنظر إلى يد والدها:
- "لكني أدرك مكانتي جيدا.. و أعلم ما يمثله اسم عائلة إدوارديز في انجلترا.."
مدت يدها تجاه الخاتم الذي يضعه والدها في اصبعه، الخاتم الذي يمثل رمز العائلة العريق، ثم أردفت بعد أن هدأت نبرتها قليلا:
- "لا أعلم ما الذي كنت أفكر فيه وقتها، أجل كنت ساذجة، و لا أزال كذلك.. لكني سأتغير"
أبعدت يدها و تراجعت خطوة واحدة للخلف لتكمل:
- "فالشخص الناجح هو من يتعلم من تجاربه في الحياة، و هذه كانت تجربة علمتني شيئا ما.."
رفعت أنظارها لتنظر في عيني أبيها البنيتين، و قالت بصوت جاد:
- "علمتني الفارق بين عالمنا، و عالم من هم دوننا.."
و بعد أن قالت ذلك، ابتعد عنها ليعاود الجلوس إلى مكتبه الفخم، أما هي، فقد استمرت بالوقوف ساكنة في مكانها إلى أن جاء سؤال السيد إدوارديز لها بنبرة جادة هادئة أثناء استئنافه لما كان يفعله سابقا:
- "كيف حال ابن باريون؟"
- "ماكسميليان..!"، ذكرت اسمه ثم صمتت لوهلة، لتعاود الإجابة بصوت عميق:
- "إنه بخير.."
- "حين أنتهي من أعمالي سأتفرغ للجلوس و الحديث معه مجددا."
صمت قليلا ثم رفع أنظاره إليها ليراها تقف بثبات تنظر إلى كفيها المقبوضين ببعضهما أمام معدتها، و هي لا تزال محافظة على قناع الجمود بالرغم من احمرار وجنتها اليمنى اثر الصفعة التي تلقتها قبل قليل.. فقال لها بنبرة هادئة:
- "روزماري.."
رفعت أنظارها إليه ليردف:
- "انتهت فترة عقابك، يمكنك الانصراف الآن."
قامت بالانحناء له برقة، ثم خرجت لتعود إلى غرفتها بثبات كما خرجت منها، و في اللحظة التي أغلقت بابها بها، انهارت جاثية على الأرض تبكي واقعها المرير، و استمرت بالنحيب لدقائق عديدة إلى أن قاطعها صوت طرق على الباب، و من ثم نداء إحدى الخادمات لها باحترام:
- "آنسة روزماري، السيد جورج يرغب باستشارتك في أمر ما."
- "هل هو شأن مهم؟"، سألتها بصوتها الذي حملته على الصمود، لتجيبها تلك العاملة: "يقول بأنه متعلق بحادثة منتصف ليلة الحفلة الراقصة."
استغرقت روزماري ثانيتين لتستوعب ما يلمح جورج إليه، فأسرعت بالنهوض و مسحت دموعها لتبعد الحزن عن قسمات وجهها، ثم خرجت من غرفتها متوجهة إلى حديقة الأزهار الأمامية حيث سيقابلها كبير الخدم جورج..
تقدمت نحو إحدى أزهار الأقحوان التي لا تزال صامدة رغم قساوة فصل الشتاء، و أمسكت ببتلاتها البيضاء لتداعبها بلطف بينما كانت خطواته الثابتة تتقدم نحوها شيئا فشيئا.. و في اللحظة التي بلغها فيها، انحنى لها باحترام و همس بصوت خافت:
- "آنسة روزماري، لقد عثرنا عليه."
اتسعت عيناها حين سماعها لذلك، فسارعت بالسؤال بإلحاح:
- "كيف حاله؟ أين يعيش الآن؟ هل يبدو سعيدا أم لا؟ أخبرني جورج.. هل.. هل.."
قاطعها بأن أجابها بنبرة دافئة:
- "الرسالة تقول أنه بخير، هو يعمل حاليا في حانة صغيرة، و يعيش مع صاحب الحانة و زوجته في منزلهما.. و بالرغم من أنه لا يزال هزيلا، إلا أن مبعوث السيد غيلبيرت أكد بأن الفتى يبدو سعيدا.."
ابتسمت بانكسار، و من ثم قامت بحجب شفتيها خلف كفيها مكررة حمدها لله، فقال لها جورج بنبرة جادة بعد ثوانٍ قليلة:
- "السيد غيلبيرت يتساءل في هامش رسالته ما إذا كنت ترغبين باستعادة سندريلا التائهة، أو أن يقوم هو بالاحتفاظ بها لأجلك."
أخذت شهيقا عميقا تلاه زفير هادئ مطول، ثم رفعت أنظارها المبللة إلى كبير خدم عائلة إدوارديز لتخبره بردها الذي قالته بحزم:
- "أخبره بأنه قد آن الأوان لها كي تترك منزل زوجة أبيها و تغادر."
و فور منحه هذا الرد، التفتت لتعود إلى المنزل بروية و هدوء، كانت تتمنى في هذه الأثناء لو أن باستطاعتها الجري بأقصى سرعة لديها لتصل إلى غرفتها و تبكي هناك، لكن، و لأجل عدم لفت انتباه برج المراقبة المتيقظ في الداخل، تحاملت على نفسها و تصنعت الجمود الذي بدأ يلازمها بكثرة في الآونة الأخيرة..
يتبع..
human: قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنسانا.
تابع..
في مدينة أخرى..
يجلس القرفصاء على العتبتين اللتين أمام باب الحانة سارحا في خياله بعيدا، يفكر بأمر ما.. أمر يشعر بأنه يفتقد إليه.. و يخالجه شعور بأنه قد نسي شيئا مهما..
هو لا يزال يذكر رغبته في جمع المال الذي سيتمكن بوساطته من إيجاد الملجأ الذي جاء منه.. لكن رغبته بدت مترددة لسبب يجهله، لم تكن بالقوة التي كانت عليها حين كان بصحبة أنابيل، و ليست كما كانت حين عمل لدى عائلة إدوارديز..
فـ هو الآن يخالجه شعور بالرهبة من العودة، و بالمثل، تعتريه رغبة ملحة للعودة.. لأجل شيء ما، شيء قد نسيه كذلك..
عاد إلى الواقع و أسند رأسه بين ذراعيه آخذا في النظر إلى المارة أمامه، متنهدا للوضع الذي هو عالق فيه حاليا، فانتبه لوجود شخص ضخم غريب المظهر يرتدي معطفا أسود طويلا و قبعة سوداء طويلة أيضا..
كان ذلك الشخص يقف في منتصف الطريق على بعد عشرين مترا من حيث يجلس هو أمام الحانه، و بالرغم من النظارات الشمسية ذات العدسات الدائرية التي كان الرجل يرتديها، إلا أنه كان واضحا بأن أنظاره كانت موجهة نحوه..
شعر ميشيل بالارتباك و الخوف حينها، و نهض من مكانه متوجها نحو الحانة دون أن يلتفت إلى ذلك الشخص الذي كان لا يزال واقفا في مكانه، فرجل يخفي هويته جيدا بكل تلك الملابس التي يرتديها لا بد و أن يكون شخصا مريبا..
دخل إلى الحانة التي ستبدأ خدمة زبائنها بعد ساعتين من الآن، و أغلق الباب خلفه على عجل ثم أسند ظهره إليه واضعا يده اليسرى فوق قلبه و تنهد بعمق..
نظر إليه السيد جوزيف الذي كان يُلمع الكؤوس الكريستالية خلف منضدة المشرب و سأله عن سبب ارتباكه فأجابه بأمر الرجل ذو المظهر الغريب.
و حينها، ضحك صاحب الحانة بوتيرة عالية ثم قال:
- "سترى الكثير منهم في هذه الأنحاء أيها الفتى.. عليك أن تعتاد على ذلك."
التفت إليه ميشيل برهبة و خاطب نفسه بينما كان قلبه يقرع طبول الخوف:
- "الكثير..!"
.
.
بعد فترة من الزمن، و في تمام الساعة الخامسة مساءاً..
رن الجرس المثبت بحافة الباب الخشبي الداكن معلنا عن قدوم أول الزبائن لهذا اليوم ليقف الفتى مذهولا مذعورا حين رآه..
- "إنه هو، الرجل ذو المعطف الاسود الطويل.."، قالها ميشيل هامسا للسيد جوزيف فقال له الأخير:
- "لا بأس اذهب إليه، فهو زبون عندنا و تجب علينا خدمته."
لم يحرك الفتى ساكنا حين رأى الرجل يلتفت برأسه و كأنه يبحث عن شيء ما، و بدا و كأنه قد وجد ضالته حين رأى ميشيل يقف بجوار منضدة المشرب..
- "اذهب، أخبرتك مسبقا بأنك سترى العديد منهم هنا."، قالها السيد جوزيف هامسا فاستجمع الفتى شجاعته محاولا إخفاء ارتباكه، ثم توجه نحو الرجل و دله على طاولة ليجلس عليها بعد أن سأله عن نوعها إن كانت لشخص واحد أم عدة أشخاص.. ثم حاول أخذ معطفه لتعليقه عند الباب حيث يوجد معلاق للمعاطف و القبعات لكن الرجل أبى خلعه..
فقال له الفتى بلباقة:
- "سيدي، الجو دافئ في الداخل و لا تحتاج لارتداء معطفك و وشاحك."
رفع الرجل يده مشيرا بأنه مرتاح هكذا، و لم يقم بطلب أي شيء طوال فترة جلوسه في الحانة، و التي امتدت لـ ساعة كاملة لم يبعد خلالها ناظريه عن آدفينا..
و أثناء جلوسه على طاولته وحيدا، كان الزبائن الآخرون مرتابين من مظهره، و كيف أنه لم يخلع حتى نظارته الشمسية و قبعته الطويلة..
و بعد عدة شكاوٍ منهم للسيد جوزيف، توجه الأخير نحو الرجل المشبوه و أخبره بأنه يجب عليه أن يطلب شيئا ما إن كان يرغب بالجلوس في الحانة، و إن لم يرغب بذلك فسيتوجب عليه المغادرة فورا.
رفع الرجل ناظريه إليه، ثم قال بصوته الذي كان يقمعه الوشاح الملتف حول رقبته و يحجب أنفه و فمه:
- "كأس من الماء لو سمحت."
- "الماء هنا مجاني، عليك بطلب آخر."
- "إذا، أرغب بكوب من القهوة التركية الداكنة."
عاد السيد جوزيف أدراجه نحو منضدة المشرب لإعداد القهوة له، ثم أمر ميشيل بتقديمها إليه مع كأس من الماء..
و في اللحظة التي وضع فيها الفتى الكوب و الكأس على طاولة ذلك الرجل، أمسك الأخير بذراع ميشيل اليمنى رافعا كم قميصه الأبيض للأعلى ثم بدأ بتفحص مفصل رسغه و كوعه بحركات عشوائية من الثني و الفرد.. و تلى ذلك تفحص سريع لعضلات زنده و عضده و انتهى بفحص أصابع يديه النحيلة..
قام الفتى بتخليص ذراعه من بين يدي ذلك الشخص برهبة، و تراجع عدة خطوات للخلف بينما كان الجميع يراقب ما حدث بصمت لشدة دهشتهم..
نهض الرجل من مكانه بعد ذلك مباشرة و غادر الحانة بعد أن وضع نقود القهوة التي لم يشرب منها رشفة على الطاولة..
- "آدفينا، هل تعرف ذلك الرجل؟"
سؤال سأله أحد الزبائن فأجابه الفتى بالنفي.. ثم قال زبون آخر مازحا:
- "يبدو بانه أراد تفحص مفاصلك الهزيلة لا أكثر."
ضحك الجميع بمن فيهم السيد جوزيف، بينما كان ميشيل مغتاظا جدا مما سمعه للتو و صرخ بانفعال طفولي:
- "أنا لست هزيلاً."
انتهى هذا اليوم أخيرا، و حل مساء اليوم الذي يليه ليكون أول زبون هو نفسه الرجل المشبوه من الأمس، و الذي كان يخفي جسده بشكل محكم أيضا..
جلس على الطاولة نفسها، و طلب كما الأمس.. و حين أحضر ميشيل القهوة إليه، قام بوضعها على الطاولة و أبعد يده بسرعة كي لا يمسك بها ذلك الرجل كما فعل البارحة.. ثم تراجع للخلف ثلاثة خطوات و قال بنبرة ثابتة:
- "هل ترغب بشيء آخر سيدي؟"
أومأ الرجل برأسه بالنفي، ثم أشار إليه بتقريب وجهه نحوه و كأنه يرغب بهمس شيئ ما له..
تردد الفتى لوهلة، لكنه مُجبر على تنفيذ طلبات الزبائن كي لا يسبب المشاكل للسيد جوزيف، فقام بفعل ما يريده منه، و حينها أمسك الرجل بذقنه و أخذ ينظر إليه بتمعن يتفحص قسمات وجهه مع إدارته يمنة و يسرة، ثم بدأ التحديق في عينيه و كأنه يكاد يخترقهما..
- "عفوا سيدي، هل هناك خطب ما في وجهي؟"
سأله ميشيل بنبرة بها بعض الارتباك، فقام ذلك الرجل بتمرير مقدمة إبهامه على الأثر الخافت الذي تركه جرح السيد بيتر في الزاوية القريبة من عين ميشيل اليمنى ثم قال:
- "هذا الجرح، ما سببه؟"
و قبل أن يجيب الفتى بشيء، أمسك السيد جوزيف بيد الرجل و أبعدها عن وجه آدفينا قائلا بحدة:
- "هذا الجرح بسبب طيش الشباب، إن أردت خدمة أخرى فأنا سأتكفل بتلبيتها لك."
أفلت الرجل يده من قبضة السيد جوزيف المحكمة قائلا بنبرة مستفزة:
- "شكرا لك، لقد اكتفيت لليوم."
ثم نهض واضعا النقود بجانب كوب القهوة المملوء و خرج من الحانة..
و عندها، زفر السيد جوزيف مطولا لانزعاجه الشديد ثم قال:
- "يا له من رجل.. إن عاد مرة أخرى فسأتكفل أنا بخدمته، حسنا."
شعر الفتى بالطمأنينة قليلا، لكن ذلك لم يدم مطولا إذ بدأ الزبائن مجددا بالتمتمة فيما بينهم قائلين بنبرة مريبة:
- "ما خطب ذلك الرجل؟!"
- "هل يعقل بأنه من أولئك الأشخاص..؟ تعلمون ما أقصده."
- "تبا لهم، لقد بدأوا بالاندساس بيننا كالسم القاتل."
- "ستحل علينا اللعنة لا محالة بسببهم."
- "يا رب رحمتك، فقد أنزلت عقابك بقوم مثلهم من قبل."
- "هذا يكفـــــــي!!"، قالها السيد جوزيف بانفعال غاضب بعد أن رأى الرهبة التي كانت تبدو على ميشيل، فصمت الجميع ثم قاموا بتغيير مجرى المحادثة إلى موضوع آخر..
- "ما الذي كانوا يعنونه باللعنة؟ هل ذلك الرجل خطير جدا؟!"، كان هذا سؤاله الموجه للسيد جوزيف، فقال له الأخير متأففا:
- "لا تستمع لما يقوله أغلب الناس، فهم يحبون تصعيد الأمور دائما."
وضع يده على رأس ميشيل و قام بفرك شعره القصير بلطف مردفا بنبرة هادئة:
- "لا تقلق، فنحن موجودون هنا على الدوام."
كان هذا ما قاله السيد جوزيف بلسانه، لكن ما أراد قوله حقا و لم يستطع بسبب شخصيته المتناقضة، هو بأنه سيقوم بحمايته من أي خطر يعترضه.
مرت عدة أيام استمر ذلك الرجل خلالها بالقدوم إلى الحانة و التحديق بـ ميشيل خلال عمله، و كان يقوم بلمس جزء من جسده و تفحصه كلما سنحت له الفرصة بذلك، حيث واظب السيد جوزيف على خدمته كما قال سابقا.. لكن الكيل قد طفح الآن، و لم يعد صاحب الحانة قادرا على احتمال تصرفات ذلك الرجل الغريب و السكوت عن أفعاله المثيرة للريبة، فقام بالصراخ عليه بعد أن أكمل أسبوعه الأول كزبون عندهم متجاهلا الضوابط و الأخلاقيات التي أقسم على اتباعها حين افتتح حانته منذ أكثر من خمس عشرة سنة..
صرخ عليه بالتوقف عن تلك الأفعال و إلا لن يسمح له بالدخول إلى هنا مرة أخرى، فسأله الرجل ببلاهة:
- "لماذا؟ فأنا لم أفعل شيئا مشينا له."
و حينها، ضرب السيد جوزيف على سطح الطاولة التي يجلس ذلك الرجل إليها بقوة و قال غاضبا:
- "توقف عن لمس جسد الفتى بتلك الطريقة المستفزة المريبة."
صمت الرجل لوهلة ثم ضحك بهستيرية و قال بعد أن هدأ قليلا:
- "استرخي يا رجل، فـ أنا لست شخصا مريبا."
تمتم جميع من في الحانة عند سماعهم لذلك قائلين:
- "مظهرك لا يوافقك الرأي أبدا"
لحظتها.. نهض الرجل من مكانه متوجها نحو ميشيل بخطى متزنة بطيئة قائلا:
- "صدقا، أنا لست بشخص مشبوه.. أنا مجرد رجل يدير عملا ما، و قد وقعت عيناي على هذا الفتى، لذا كنت أدرس ما إذا كان ملائما لنوع العمل الذي أديره."
سأله السيد جوزيف بحدة و ريبة:
- "و ما نوع ذلك العمل؟"
توقف الرجل أمام الفتى تاركا مسافة متر واحد لتفصله عنه، ثم أَمَرَهُ متجاهلا السؤال الذي وُجّه إليه قبل لحظات:
- "اخلع قميصك."
دُهش الجميع حين سمعوا قوله، و حاولوا التهجم عليه ليخرجوه من الحانة بالقوة، لكن السيد جوزيف منعهم عن فعل ذلك و قال له بينما كان ينظر إليه بنظرات حادة:
- "و ماذا بعد ذلك؟"
- "أعدك بأنني سأخرج من هنا و لن آتي إلى هذا المكان ثانية.. لكن اسمح لي بفحص جذعه فقط."
- "حسنا، لكن إياك أن تفعل شيئا مريبا، فجميعنا نترصد لك."، قالها السيد جوزيف وسط دهشة الجميع، ليرد عليه ذلك الرجل قائلا:
- "لن أفعل، أقسم لك."
و بعد هذا القسم، أومأ السيد جوزيف لـ ميشيل بالاستجابة لما يريد ذلك الشخص، فخلع الفتى قميصه ببطء شديد بسبب قلقه.. ثم أزاله كاشفا عن جذعه الذي بدأ الرجل يتفحصه بعينيه من الأمام و الخلف متخذا مسارات دائرية حوله..
سأله عن سبب الكدمة التي على معدته من الجهة اليمنى، و التي كان أثرها بنيّا باهتا آخذا بالزوال، فأجابه بتلعثم بأنها كانت نتيجة لشجار مع شخص ما..
- "أه، جيد.. إذا هي ستزول دون أن تترك أثرا."
بعد قوله ذلك، توقف خلفه ثم وضع كف يده اليمنى على خط خاصرته من الخلف و بدأ بقياس محيط خصره بالأشبار.. و من ثم قام بقياس عرض كتفه، و محيط وركه و صدره..
و بينما هو يفعل ذلك، كان الجميع يراقبه بعيون متيقظة و أجساد متأهبة للهجوم..
أما ميشيل، فقد كان ينتفض في مكانه مع كل حركة يقوم بفعلها ذلك الرجل على جسده..
كفّ الرجل يديه عنه، ثم توقف أمامه و أخرج دفتر ملاحظات صغير و قلما و بدأ بتدوين القياسات التي حصل عليها و أضافها إلى جميع المعلومات الخاصة به، و التي كان قد جمعها خلال الأيام الماضية التي زار الحانة بها..
أغلق دفتره و أعاده إلى الجيب الداخلي لمعطفه، ثم قال مخاطبا الفتى بنبرة جادة:
- "هل ترغب بالحصول على الكثير من المال؟"
.
.
نهاية الفصل السابع عشر..~
.
.
- روزماري عادت للظهور مجددا، و تبدو العلاقة بينها و والدها متوترة..
فهل ستعود المياه لمجاريها يا ترى؟
- هل قطعت الخيوط التي تصل ميشيل بـ عائلة إدوارديز نهائيا،
أم أن الأيام القادمة ستجمعه بهم؟
- يبدو بأن الفتى نسي تماما أمر السيرك، 202، دفتر شيون، و الأهم
نسي أمر ما اكتشفه عن حقيقة ملجأ السيدة مادلين..
فـ هل سيتمكن من تذكر أحد تلك الأمور قبل فوات الأوان؟
أم أن ما فعله مصاص الدماء لويس بذاكرته أمر لا يمكن عكسه؟
- ذلك الرجل المريب، لمَ يرتدي كل تلك الثياب التي تحجب هويته؟
و ما الذي لفت انتباهه تجاه ميشيل يا ترى؟
-ما نوع العمل الذي يديره؟
و الأهم، ما سيكون رد ميشيل على سؤاله الأخير؟
.
.
احم..
إلى هنا أكون قد أرحت ضميري..
و أستحق بجدارة دخول فترة للنقاهة :قاطع:
ترقبوا الفصل القادم، لكن لا تتوقعوا قدومه بسرعة كهذا الفصل..
و لا تنسوا التعقيب كذلك.. :لقافة:
دمتم بود،
في أمان الله..~