Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
الفصل العاشر..~
.
.
أمام مشفى يقع في ضاحيةٍ بعيدة نسبياً عن منزل عائلة إدوارديز..
انحنت صوفي بجسدها الرشيق لتصل إلى نافذة سيارة الأجرة التي خرجت منها للتو، و التي قام السائق بفتحها حين قامت بالطرق عليها..
.
- ما الأمر سيدتي؟
.
قالها بكل احترام لتجيبه بنبرة مترددة: لقد غيرت رأيي، سأعطيك أجرتك الآن.
- لا تريدين مني انتظارك إذا.
- أجل..
و بعد هذه المحادثة، ناولته النقود ثم التفتت لتواجه بوابة المشفى الرئيسية بمشاعر متأرجحة..
أخذت نفسا عميقا زفرته مطولا، ثم خطت أولى خطواتها متوجهة إلى الداخل بعزم..
بدأت بشق طريقها نحو وحدة العناية المركزة متبعة الإرشادات التي منحها كبير الخدم جورج لها، و حين و صلت إلى حيث يفترض أن يكون ديلان، إلى السرير الرابع، فوجئت بشخص آخر يرقد عليه..
أصيبت بالهلع داخلياً، و أسرعت الخطى نحو أقرب ممرض لتسأله عما حصل للمريض السابق، فأجابها أحدهم بعد اطلاعه على عدد من الأوراق بأنه قد نُقل إلى الغرفة السادسة في الجناح الثاني..
أحست بالراحة نوعا ما.. فنقله يدل على استقرار حالته الصحية، لكنها لا تزال قلقة..
خرجت من وحدة العناية المركزة بهدوء، ثم قامت بسؤال أحد العاملين في المشفى ليدلها إلى حيث تم نقل خاطب ابنتها..
و حين وصلت إلى الغرفة المنشودة، وقفت أمام بابها لبعض الوقت و قلبها ينبض باضطراب مترددة في الدخول إليها، لكنها حافظت على تعابير وجهها الجادة رغم ذلك..
أخذت نفسا عميقا زفرته بشفاه مضمومة ثم قامت بطرق الباب أخيراً..
لم يجب أحدهم على ذاك الطرق، فقامت بإدارة مقبض الباب و فتحته ببطء نسبي لترى ابنتها تجلس على كرسي بلاستيكيّ أبيض موضوع بجوار سرير المشفى الذي يرقد فوقه ديلان..
تجلس عليه برأس مائل جهة كتفها الأيسر المرتفع عن الأيمن بقليل، تواجه السرير بمقدمة جسدها و ظهرها مقابل للباب..
تقدمت صوفي ثلاث خطواتٍ هادئة نحوها منادية عليها بهمس، لكن الأخيرة لم تجبها.. فاقتربت منها و توقفت أمامها لتراها نائمة على مقعدها..
لحظتها، بدا و كأن ابتسامة راحة قد ارتسمت على شفتيها اللتين كانت تحافظ على جمودهما لوقت طويل..
بعد فترة من الزمن..
فتحت عينيها ببطئ نسبي بعد عدد من الرمشات المتلاحقة بسبب إرهاقها، و حركت يديها لتجد وشاحاً صوفياً أخضر اللون يغطي جسدها.. فانتفضت من فورها و رفعت ناظريها عن الأرض لترى ظهراً مألوفاً لسيدة تقف أمام السرير الذي يرقد عليه خاطبها، سيدة شقراء تراقب جهاز الملاحظة الطبي المتصل بجسده، و الذي كان يشير إلى انتظام نبضات قلبه، اعتدال رتم تنفسه، وصول مستوى الأكسجين في دمه إلى المدى الطبيعي، و ثبوت درجة حرارته عند 37,2 درجة مئوية..
أخذت تنظر إليها لبعض الوقت و كأنها ترى طيفاً، و بدأت تفكر في ما ستفعله إن كانت تلك هي الشخص الحقيقي و ليس مجرد صورة من مخيلتها، فالتفتت صوفي على حين غرة موجهة أنظارها إليها لتفاجأ هي الأخرى بأمر استيقاظها..
مضت ثوانٍ من الصمت و التقاء نظرات العيون، تلاها محاولات عدة من قبل الوالدة الجامدة لتقول ما جاءت من أجله اليوم.. و كان ارتجاج يديها المطبوقتين على بعضهما واضحا لمرأى ابنتها، التي كانت لا تزال تحاول استيعاب ما تراه أمامها..
تحركت أنابيل و كسرت ذاك السكون القاتل بصوت الكرسي الذي اندفع للخلف قليلا حين نهضت عنه، ثم قامت بالاقتراب من والدتها التي تقف بلا حراك وقتها..
و حين لم تعد تفصل بينهما سوى سنتيميترات قليلة، رمت الفتاة المتألمة بجسدها في أحضان والدتها آخذة بالبكاء بحرقة، فأفلتت الأخيرة يديها أخيرا و أخذت تمسح بإحداهما على رأس ابنتها برفق، قائلة لها بصوت دافئ: آسفة على تأخري يا ابنتي، سامحيني..
بينما في شمال البلاد، و بعد رحلة استغرقت ساعتين بالقطار و نصف الساعة بسيارة للأجرة.. وصل كل من جورج، ميشيل، كاترين و خمسة من الخدم آخرين إلى وجهتهم أخيراً..
و طوال ذاك الوقت، كان الفتى اليتيم مستمرا بالنظر إلى الورقة التي رمتها أنابيل في وجهه، أو بالأحرى كان يتأمل الأرقام التي كُتبت عليها بنظرات ساخطة..
كانت مشاعر غريبة تملؤه تجاه الملجأ، مشاعر مختلطة أربكته و زرعت التردد في قلبه.. و رغم ذلك، كان لا يزال عازما على العودة..
دافعه الأول هو استعادة دفتر اليوميات الخاص بـ شيون، و الثاني هو رغبته في التحقق من صحة الحقيقة المبهمة التي علمها عن ماهية المكان الذي جاء منه..
تنهد بعمق ليصفي ذهنه لبعض الوقت، و بدأ بالنظر إلى المكان الجديد الذي سيبدأ العمل فيه..
ڤيلا كبيرة ذات طابقين، مختلفة بعض الشيء عما اعتاد عليه.. فلا توجد حلبة للخيول و لا إسطبل، بل مستودع متوسط المساحة يقع بجوار الفيلا من الجهة الشرقية.. و حديقة أمامية واسعة، لكنها مليئة بنباتات مجردة من الأوراق.. فهذه البقعة تعتبر مصيفاً لعائلة إدوارديز تزار في أشهر يونيو، يوليو، و أغسطس، إلا أنهم اضطروا للانتقال إليها في هذا الوقت من السنة بسبب قربها من القلعة الأثرية التي ستقام بها حفلة الـ ديبوتانت..
و بينما كان الجميع يدخل إلى الفيلا تباعا، توقف ميشيل فجأة في مكانه دهِشاً، ثم قال متسائلا باندفاع: ما هذا الصوت؟!
التفت جورج إليه حيث كان يسير أمامه، و سأله عن مقصده ليجيبه بنبرة مماثلة لسابقتها لكنها أكثر حماسا: هذا الصوت.. هذا الصوت..!
صمت جورج لوهلة محاولا تركيز سمعه علَّه يميز الصوت الذي يقصده، فلم يكن هناك سوى صوت ثرثرة العاملين الهامسة، صوت الرياح التي كانت معتدلة السرعة، و أخيراً صوت تضارب أمواج مياه البحر على صخور الجرف الذي بنيت الفيلا فوقه..
.
"هل يعقل بأنه يقصد صوت الأمواج..؟!"
.
قالها جورج متسائلا بينه و بين نفسه.. بينما لم يعد بمقدور الفتى الفضولي انتظار الإجابة أكثر فأسرع الخطى خارج نطاق أسوار الفيلا متبعاً الصوت الذي قاده إلى خلفها.. و الذي استمر بالعلوِّ تدريجيا كلما اقترب هو من حافة الجرف..
و حين وصل إلى هناك، وقف مذهولاً متعجباً، و ربما فَرحا أيضاً..
يصرخ و عيناه تتلألآن: واااه..! ما هذه الكمية الكبيرة من المياه..؟! لا أستطيع رؤية نهايةٍ لهذه البركة، هل ما وراءها هو نهاية العالم، أم بدايته..؟!
قاطع تساؤلاته هذه جورج حين ناداه من بعيد بينما كان يجري إليه: ميشيل.. ابتعد عن الجرف فالمكان خطر هنا..
ثم أسرَّ في نفسه "لقد كبرت على الجري هكذا"
أسرع ميشيل نحوه باندفاع، و سأله بعد أن أشار بيده نحو البحر: سيد جورج أخبرني، ما الذي يقع خلف هذه البركة الكبيرة؟
التفت جورج إلى حيث يشير و حاول كبت ضحكته المتهكمة الدهِشة، ثم قال بعد أن تنحنح قليلاً: أولا، هذا يسمى بحراً و ليس بركة.
قاطعه قائلا بعينين متلألئتين و خصلات شعره الناعمة منتصبة لشدة اندفاعه: البحر..؟! البحر ذي المياه المالحة، و الذي يستخرج منه الملح و السمك.. الذي يسبح فيه الناس و تبحر عليه القوارب و السفن.. هذا هو البحر؟!
أومأ جورج برأسه إيجاباً ثم قال: حسنا، فلنعد للإجابة على سؤالك..
أشار نحو الأفق البعيد خلف البحر و أردف: ما يكمن خلف هذا البحر هو أراضٍ لقاراتٍ أخرى..
.
- و هل هناك عوالم أخرى غير هذا العالم؟
.
قالها ميشيل متسائلاً كالأطفال فأجابه جورج بعد أن تنهد متمتما: من أين أنت أيها الفتى؟! العصر الحجري؟
لم يفهم سؤاله لكنه شعر بالخجل بسبب جهله، فضرب كبير الخدم كتفيه بشدة لنفض ذاك التعبير عن وجهه، ثم قال له بنبرة مرحة بينما كان يعيده إلى الڤيلا: اسمع، هناك سبع قاراتٍ في عالمنا، بلادنا تقع في أطراف قارة أوروبا، و الجهة التي أشرت إليها هي حيث تقع أمريكا الشمالية، و هناك أيضا قارة أمريكا الجنوبية، آسيا، أفريقيا، أستراليا، و أنتاركتيكا.
امتلأ رأس الفتى بالكثير من المعلومات، و دارت برأسه العديد من التساؤلات المتعطشة لإجابات وافية، و حين هم بسؤالها جورج استشعر الأخير ذلك و قام بضرب رأسه بطرف كفه بخفة، ثم قال له بنبرة بها بعض الجدية: ميشيل، هل جئت هنا لتعمل أم تلهوا هنا و هناك؟
وضع الفتى يديه على رأسه ثم قال ببعض الغيظ: لأعمل..
جورج متنهدا: إذا اجعل جلَّ تركيزك على أداء عملك، و دع تساؤلاتك تلك حتى وقت آخر.
أومأ الفتى برأسه إيجاباً و علامات الانزعاج مرتسمة على وجهه الذي أبقاه منخفضا كي لا ينتبه كبير الخدم جورج إليه.. فهو يحاول جاهداً نسيان حقيقة الملجأ، و نسيان أنابيل كذلك، لكنه لا ينفك يفكر بهما.. و كلما وجد شيئا لربما قد يشغله عنهما، نهره أحدهم عن السرحان به و أمره بالتركيز على عمله فقط..
و مع حلول المساء، و انتهاء أعمال التنظيف و نفض الغبار التي أهلكت الخدم السبعة و كبيرهم الذي ساعدهم ببعض الأعمال كذلك، وصل السيد إدوارديز و ابنته إلى الڤيلا بعد انتهاء الأخيرة من رحلة تسوقها لشراء اكسسوارٍ لؤلئي فريد من نوعه قام والدها مسبقاً بالاتفاق مع تاجر مشهور للاحتفاظ به لها..
دخلت إلى الڤيلا بخطوات متزنة خلف والدها، و من بعدهما توقف السائق الخاص بعائلة إدوارديز بمحاذاة إطار الباب حاملاً علبة اسطوانية طول قطرها 30 سنتيمتراً، و ارتفاعها 40 سنتيمتراً..
و فور وقوفه هناك، ناولها إلى كاترين التي اندفعت نحوه لحملها و إيصالها إلى حيث غرفة الآنسة روزماري في الأعلى، و حين انتهت العاملة اليافعة من إيصالها و همت بالخروج من الغرفة بعد أن سألت الآنسة إدوارديز عما إذا كانت تحتاج لخدمة ما، قالت الأخيرة بينما كانت تُخرج فستاناً نيليّ اللون ذو أكمام طويلة من خزانتها التي قامت العاملات مسبقاً بتفريغ أمتعتها بداخلها: أجل، أخبري ميشيل أن يأتي إلى قاعة المكتبة بعد العشاء..
انحنت لها مبدية طاعتها لذاك الأمر على الرغم من الانزعاج الذي شعرت به بداخلها، ثم خرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها برفق..
انتهت وجبة العشاء الخاصة بأفراد عائلة إدوارديز، و بذلك حان وقت استدعاء ميشيل إلى قاعة المكتبة كما أمرت الآنسة روزماري..
كان يسير خلف كاترين التي رافقته لإرشاده إلى حيث القاعة أولاً، و لتراقبه كما أمرتها السيدة أوفيليا ثانياً..
يسير مطأطئاً برأسه للأسفل على غير عادته.. تكسو وجهه تعابير جامدة و كأنه يفكر ملياً بشيء ما بعيد عن هذا المكان..
قاطع شرود ذهنه صوت طرقها الرقيق على شيء ما، فرفع ناظريه ليجده باب كبير بني محروق اللون ذو دفتين، مثبت عليه مقبضين ذهبيين لامعين..
نظر إليه مستغرباً، و كأنه نسي المكان الذي كان متوجها إليه، أو بالأحرى لم يستمع لما قالته كاترين حين قامت باصطحابه، بل تبعها لا إرادياً أثناء شروده العميق..
فتحت العاملة ذات الستة عشر عاماً الباب بعدما سمحت لها الآنسة إدوارديز بالدخول، ثم توجهت للداخل هي و الفتى الذي خلفها إلى مكتب فخم كبير مشابه للباب بلونه، وُضعت عليه بعض الكتب مختلفة الألوان و الأحجام..
توجها نحوه حيث كانت تجلس إليه الآنسة روزماري و من خلفها مكتبة مليئة بالكتب تمتد على طول جدران القاعة الأربعة..
رفعت الأخيرة ناظريها إليهما، ثم قالت بعد أن أغلقت الكتاب الذي كان بين يديها: شكراً لك كاترين، يمكنك الانصراف الآن.
.
.
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
.
.
انصرفت تاركة ذينك الإثنين وحدهما هناك، لكنها لم تنصرف فعليا.. بل ظلت واقفة خارج القاعة ملصقة صيوان أذنها اليمنى على بابها السميك، محاولة الاستماع إلى ما سيدور بينهما في تلك القاعة المغلقة..
سمعت سؤال روزماري له عن سبب عبوسه، لكن لا إجابة منه..
ثم سمعت تنهيدة عميقة أطلقتها الآنسة إدوارديز، تلاها صوت خطوتين قصيرتين تبعهما صوت انسحاب زمامٍ ما بينما تقول الآنسة روزماري لـ ميشيل: انظر..
لحظتها، أسرت كاترين بعد أن احمر وجهها و تراقصت عيناها في الأرجاء "ينظر إلى ماذا؟ ذاك الصوت، كان صوت زمام ملابس يتم فتحه، أ ليس كذلك؟! أم كان لشيء آخر هناك..؟!"
قاطع اضطرابها صوت ميشيل حين قال بنبرة مندفعة مليئة بالسعادة: إنه ستراديفاريوس..!
خاطبت كاترين نفسها باستغراب "ستراديفاريوس..؟! ما هذا الشيء؟"
بينما لا تزال تستمع إلى المحادثة التي تدور بين الآنسة إدوارديز و ميشيل، و التي كانت تجري بأريحية تامة..
ميشيل: هل أحضرته معك، أم تملكين أكثر من واحد؟
روزماري بضحكة خفيفة: لا، أحضرته معي و سأمنحه لك..
ميشيل مندهشاً: لـــيي.. أنــا..؟!
روزماري: أجل، فقد وعدتك بتعليمك العزف عليه سابقا، لذا سأعطيه لك.
ميشيل بصوت خافت: و لكن.. كم يبلغ ثمنه؟
ضحكت روزماري بطريقة أثارت استغراب العاملة التي كانت تتنصت خلف باب القاعة، فتلك هي المرة الأولى التي تستمع بها إلى ضحكة ذات وتيرة عالية تصدر من الآنسة إدوارديز، و التي لا ينبغي أن تصدر منها ضحكة كتلك كونها من الطبقة النبيلة في المجتمع..
تكمل روزماري محادثتها مع ميشيل بعد أن هدأت أخيرا: ميشيل، سأمنحك هذا الكمان كـ هدية، و الهدية بلا مقابل..
ميشيل باندفاع: حقا..!
انخفضت وتيرة صوته ليردف قائلا: لا يمكنني أخذ المزيد بلا مقابل، فتعليمك لي العزف أكثر من كافٍ، أشـ..
قاطعته روزماري بحدة: ميشيل، بصفتك تعمل في خدمة عائلتي، أنا آمرك أن تقبل الهدية التي منحتك إياها، و فعل خلاف ذلك غير مقبول البتة..
التزم الفتى الصمت لنصف دقيقة تقريبا، ثم قام بمنحها الموافقة على قبول هديتها له أخيرا..
كان ذلك ما تستمع إليه كاترين من خلف الباب دون أن ترى ما كان يجري بالداخل..
فقد كان ذينك الإثنين يقفان مقابلين لبعضهما، تمسك روزماري بكمان ستراديفاريوس الذي أخرجته من حافظته الحمراء سابقا بيدها اليسرى، و تمد يدها الأخرى نحو ميشيل قائلة له: أعطني يدك.
نظر إلى عينيها اللتين أشعره لمعانهما بالطمأنينة، ثم فرد ذراعه اليمنى نحوها ببطء..
أمسكت كف يده، و نظرت إلى تجعداته و أصابعه بعد أن قامت بفردها، ثم قالت له: نعم، يدك يد عازف بلا شك.. ستتعلم العزف بسهولة.
تلألأت عيناه و قال بسعادة: حقا..!
فأجابته بابتسامة عذبة: أجل..
ثم اقتربت منه أكثر لتصبح بمحاذاة ذراعه اليسرى، و التصقت بشقه الأيسر جزئيا حين كانت تضع الكمان على كتفه و يده لتعلمه الكيفية الصحيحة التي يُحمل بها استعدادا للعزف..
ثم ناولته القوس بيده اليمنى، و أمسكت بكلتا يديه و بدأت بتحريكهما مصدرة مختلف النغمات على تلك الأوتار الأربعة..
و أثناء ذلك، كان ميشيل يشعر بشيء غريب يحدث في جسده..
فـ حرارته بدأت تعلو تدريجيا.. و نبضات قلبه بدأت بالتسارع..
مشاعر لم يألفها بدأت تنساب بداخله اليوم و في هذه اللحظات للمرة الأولى..
و بسبب ذلك شعر بالخوف، فـ قام بالابتعاد عن روزماري متخذا عدة خطوات مندفعة للأمام.. خطوات أجبرتها على إفلات يديه و جعلتها تنظر إليه باستغراب حين استدار ليواجهها..
سألته عن الخطب فقال لها مشيحا بناظريه بعيدا عنها نحو الأرض: لا أعلم.. أشعر و كأني مريض..
صمت قليلا ثم أردف باندفاع مرتبك: يجب أن أغادر القاعة قبل أن تنتقل العدوى إليك.
و ما أن قال ذلك، حتى أسرع بالخروج من هناك تاركاً الآنسة إدوارديز واقفة في مكانها متمتمة ببعض الانزعاج بينما تقبض إحدى يديها فوق منتصف صدرها: شعور كالمرض..! أ هذا ما أعاني منه أيضا؟!
بينما خارج القاعة و أمام أحد الأبواب في الطابق العلوي..
كان يقف بوجهه المحمر بشدة مستندا إلى ذاك الباب، يلتقط أنفاسه بسبب جريه و ارتفاع درجة حرارة جسده الذي أثار استغرابه..
يسأل نفسه باضطراب "ما كان ذاك..؟!"
و يغمض عينيه لتظهر في مخيلته تلك اللحظة التي جمعته بالآنسة إدوارديز قبل قليل، فيفتحهما عنوة ليمنع نفسه من الاضطراب أكثر..
رفع رأسه عاليا و انتصب في وقوفه، ثم أخذ شهيقا عميقا زفره مطولا.. و بدأ بالالتفات يمنة و يسرة محاولا استنتاج طريق العودة إلى الأسفل..
و حين هم بالاتجاه يساراً، نادته كاترين التي تبعته لا إراديا حين رأته يخرج من قاعة المكتبة مسرعا، و قالت له بعد أن توقفت لالتقاط أنفاسها هي الأخرى: ميشيل، لا يجوز الركض في ممرات المنزل، سيوبخك السيد جورج إن رآك..
أخذت تنظر إلى ميشيل لبعض الوقت و مشاعر متأرجحة تظهر في عينيها المهتزتين.. فقاطعها حين قام بسؤالها عن سبب احمرار وجهها لتجيبه بتلعثم: إإ.. إنه بسبب جريي خلفك.
.
- و لماذا كنت تتبعينني؟
.
قالها الفتى بنبرة متسائلة فـ أجابته بارتباك: لأدلك على طريق العودة بالطبع، فأنت لا تعلم أين تقع غرفة العاملين، أليس كذلك؟
ميشيل ببعض الدهشة: أه صحيح، نسيت بأننا انتقلنا إلى منزل آخر..
ضحكت ضحكة خفيفة حين رأت ردة فعله تلك، ثم التفتت و قالت له بعد أن عقدت أصابع يديها خلف ظهرها: تعال، سنذهب للأسفل الآن.
و بهذا.. انتهى أول يوم أخيراً، و على مثيله مضى أول أسبوع لهم في تلك الڤيلا..
في كل ليلة، كانت الآنسة إدوارديز تبذل قصارى جهدها لتعليم ميشيل أساسيات العزف على الكمان رغم ازدحام جدول مسؤولياتها اليومي، و اضطرت لتقليص عدد ساعات نومها لأجل ذاك الغرض أيضا..
أما هو، فقد كانت تلك الدروس تشغله عن التفكير بالملجأ و أنابيل، لذا.. كان يستمتع في كل لحظة يقضيها بتعلم العزف على الكمان بصحبة روزماري، كما أنه استغل تلك الساعات بسؤالها عن أشياء أخرى يجهلها عن هذا العالم كذلك..
و بينما ذينك الإثنين يستمتعان بوقتهما معا دون قيود و ضوابط، كانت كاترين تكتب في كل يوم رسالة تقريرية إلى مدبرة المنزل الجديدة، السيدة أوفيليا..
تذكر فيها ما يجري يوميا بين ميشيل و روزماري من دروس و محادثات..
لم تكن رسائلها مفصلة بالكامل، فقد فضلت العاملة ذات الستة عشر عاماً التغاضي عن بعض الأشياء التي كانت تحدث بينهما و عدم ذكرها للسيدة أوفيليا..
لم تكن بفعلتها تلك تحاول الحفاظ على سمعة الآنسة إدوارديز، بل ما كان يحركها هو مشاعر أقوى تحملها تجاه الفتى ميشيل..
و ها قد جاء اليوم الذي وصلت فيه المدبرة الجديدة إلى الڤيلا أخيراً..
كان الوقت صباحاً، لكن تراكم الغيوم الداكنة في السماء حجب ضوء الشمس و جعل الظلام مخيماً على الأجواء خارجاً..
و كذلك كان حضور السيدة أوفيليا، فقد كانت كـ غمامة سوداء عكرت صفاء الأجواء داخل الڤيلا الخاصة بعائلة إدوارديز..
تملي أوامرها و تعاليمها الصارمة على هذا و ذاك، و تدقق في ما يرتديه العاملون كذلك..
تراقب الجميع من خلف عدستي نظارتها الطبية المستطيلة بعينيها السوداوتين الحادتين، و تقف كالناقوس الحاد فوق رؤوسهم أثناء أدائهم لمهامهم..
و كانت كلما رأت ميشيل، تزيد من مهامه أو تجعله يعيد ما قام بإنهائه مسبقاً لغرض إنهاكه فلا يبقى لديه و لو مقدار ضئيل من القوة ليلتقي بـ روزماري في المساء.. لكنه كان و بكل حماس يتحامل على نفسه و يذهب للقاء الآنسة إدوارديز في كل ليلة..
و لا تزال كاترين تتبعه و من ثم تخبر السيدة أوفيليا بما جرى في صباح اليوم التالي..
مضى أسبوعين أخريين، ولا تزال الحال كما هي هناك.. إلى أن جاءت اللحظة التي قررت بها السيدة أوفيليا أن تقوم هي باستطلاع ما يجري بين ميشيل و الآنسة روزماري بنفسها..
فسارت في إحدى الليالي العاصفة نحو قاعة المكتبة حين أعلمتها كاترين بأمر تواجدهما هناك، و توقفت أمام الباب الذي كان مفتوحاً جزئياً آخذة بمشاهدة و استماع ما كان يدور في الداخل..
و هناك..
كانت روزماري تجلس إلى ذاك المكتب الفخم قريباً من زاويته اليمنى، و كان الفتى ميشيل يجلس بمحاذاة تلك الزاوية بالقرب منها..
تشير هي بإصبعها السبابة نحو إحدى الأراضي على مجسم الكرة الأرضية المصغر الموضوع أمامهما و تقول: و هنا تقع بلادنا.. في قارة أوروبا.
نظر إليها بعينين مغتاظتين و استوقف حديثها حين قال بانزعاج الأطفال: بلادنا، بلادنا.. تكررت هذه الكلمة كثيراً.. لكن أحداً لم يخبرني ما اسم بلادنا..
رفعت كلا حاجبيها دهشة، ثم قالت له بنبرة تبدي استغرابها: ألا تعرف اسم بلادنا؟ الأرض التي عشت عليها؟!
أخفض ناظريه عنها و قال باستياء مغتاظاً: لا..
فأجابته بنبرة مليئة بمشاعر الافتخار: بريطانيا العظمى، أو بأصح التعبير إنجلترا..
.
- العظمى..!!
.
قالها بعينين متلألئتين و بنبرة صوت فضولية لمعرفة سر تلك التسمية، فقالت له بنبرة هادئة بعد أن أسندت ظهرها إلى ظهر الكرسي الجلدي الذي تجلس عليه: بريطانيا العظمى.. مصطلح يجمع ثلاثة دول، انجلترا، سكوتلندا، و ويلز.. كانت قد احتلت في الماضي العديد من الدول و جعلتهم توابع لها، فكان يقال بأن الشمس لا تغرب عن أراضيها لوصول نفوذها إلى مشارق الأرض و مغاربها.. و سميت بالعظمى كذلك لأنها لم تخضع لأي احتلال، و لا تزال العديد من البلدان تابعة لنظام حكمها و ملكتها إليزابيث الثانية..
كان ينظر إليها بوجنتين متوهجتين مذهولاً متعجباً لقدر المعلومات التي تعرفها أولاً، و لما علمه عن الأرض التي هو (ربما) ينتمي إليها ثانياً..
أما هي، فقد رفعت جذعها باندفاع و نهضت على عجل بعد أن رأت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة و النصف، و قالت بينما هي تبتعد عن الطاولة متخذة مساراً مستديراً من خلفه: الوقت يداهمنا، فلنبدأ بدروس العزف الآن..
أمسكت بكلتا يديه حين توقفت أمامه و قامت بسحبه ليقف على رجليه..
و أثناء ذلك، كانت السيدة أوفيليا تراقب ما يجري و نار الغضب تستعر بداخلها..
تسر لنفسها بصوت حاد "ما هذه التصرفات؟! كيف لآنسة تنتمي إلى عائلة نبيلة أن تلمس رجلاً بيدين عاريتين؟ و خاصة عاملاً لديها؟!"
التفتت مبعدة أنظارها عنهما، و أخذت عدة خطوات بطيئة هادئة منسحبة عما كانت تفعله لأنها لم تستطع احتمال البقاء صامتة تجاه ما تراه هناك..
تخاطب نفسها بينما هي تتجه إلى غرفتها في الطابق السفلي "كنت أعلم بأن شيئا ما يدور بينهما، حتى و إن حاولت كاترين إخفاء الأمر فأنا قد شككت به مسبقا.."
تنهدت ثم أردفت "لا يستطيع المرء سوى الاعتماد على نفسه إن أراد شيئا ما.. و هذا ما سأفعله بالتأكيد"
في صباح اليوم التالي الذي كان مشرقاً على عكس اليومين اللذين سبقاه..
كان الفتى اليتيم الذي وُكلت إليه مهمة تنظيف و ترتيب المستودع المجاور للـ ڤيلا منغمسا في عمله الذي يؤديه بكل سعادة و نشاط..
يقوم بمسح و إعادة ترتيب زجاجيات النبيذ المعتقة بحرص، فهو قد تم تنبيهه مسبقاً على القَدْر المالي الذي تبلغه كل زجاجة منها..
سمع صوت خطواتٍ بطيئة تتجه نحوه فرفع ناظريه إلى مصدرها ليرى جورج يقف ناظراً إليه بطريقة غريبة.. فنهض ميشيل من مكانه بعد أن وضع الزجاجة على الأرض و سأل جورج عما يريد، ليجيبه الأخير: اتبعني إلى الداخل، فالسيدة أوفيليا ترغب بمحادثتك.
كانت نبرة صوته جادة جداً، و هذا ما جعل الفتى غير مطمئن للأمر، لكنه مجبر على اتباع الأوامر أيا كانت..
تبعه إلى حيث أراد.. إلى غرفة مدبرة المنزل التي ما إن توجه ميشيل داخلها، حتى أمرت جورج بالانصراف فوراً موجهة أنظارها الحادة إلى الفتى الذي ازداد ارتباكه أكثر..
و فور خروج جورج، نهضت هي من مكانها فوق الأريكة المخملية الرمادية، و توجهت نحو إحدى المناضد لديها لترتب الأزهار الموضوعة في مزهرية عليها و تقول بينما هي تفعل ذلك: أيها الفتى.. أنا على علم بما يدور بينك و بين الآنسة روزماري.. و أخبرك بأنه من الأفضل ألا يعلم السيد إدوارديز بذلك..
انتفض الفتى في مكانه، لتكمل هي قائلة بعد أن التفتت لتنظر إليه بعينين مخيفتين: ستتوقف لقاءاتكما المسائية من اليوم، و ستبيت في المستودع ليلاً..
و حين لم تجد منه جرأة على النظر إليها، مالت زاوية فمها اليسرى للأعلى لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيها قليلا ثم أردفت: التزم بما أمرتك به، و لا تطأ المنزل بقدميك هاتين إلا إن طلبت أنا ذلك.. و أنا أعدك بأن أعتبر ما كان يحصل بينكما شيئاً لم يكن..
كان يقف مطأطئاً برأسه و مخفضاً بناظريه نحو الأرض، تبدو معالم الدهشة الممزوجة بالحنق و الغضب بادية عليه، و يشد على قبضتي يديه بقوة أدت إلى ارتجاجهما قليلا..
لم يفهم سبب الخوف الذي شعر به حين سمع اسم السيد إدوارديز، و لم يملك خياراً آخر سوى الانصياع لها..
فأومأ برأسه إيجابا و هو لا يزال محافظا على وضعيته السابقة، ثم خرج حين سمحت له بذلك، و توجه نحو غرفة العاملين ليحزم أمتعته بصمت و برود استعدادا لـ نقلها إلى المستودع الخارجي للفيلا الخاصة بـ عائلة إدوارديز..
.
.
نهاية الفصل العاشر..~
- استقرت حالة ديلان أخيرا، لكن لا يزال احتمال اصابته بالشلل قائما..
- هدأت الأمور أخيرا بين صوفي و ابنتها أنابيل، لكن ماذا عن الأخيرة و كل من روزماري و ميشيل؟
- لا يزال ميشيل عازما على العودة إلى الملجأ، فهل سيتمكن من تحقيق ذلك أصبح هدفه مجرد حلم صعب المنال؟
- هل ستدرك الآنسة إدوارديز ماهية تلك المشاعر التي تحركها، و هل سيدرك عامل الإسطبل حقيقة تلك المشاعر كذلك؟
- و كيف ستكون الأوضاع بينه و بين روزماري بعد أن قامت السيدة أوفيليا بمنعه من الدخول إلى الفيلا؟
انتظروني في الفصل القادم..
و الذي سيكون نقطة نهاية و بداية :لقافة:
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
كيف حال الجميع هنا..؟!
عدت أخيرا، و بعد تأخير دام شهرا تقريبا، حاملة معي الفصل الجديد..
استعدوا للقراءة التي أرجو أن تستمتعو بها.. :ضحكة:
الفصل الحادي عشر..~
.
.
"أيها الفتى.. أنا على علم بما يدور بينك و بين الآنسة روزماري.. و أخبرك بأنه من الأفضل ألا يعلم السيد إدوارديز بذلك.."
.
"ستتوقف لقاءاتكما المسائية من اليوم، و ستبيت في المستودع ليلاً.."
.
"التزم بما أمرتك به، و لا تطأ المنزل بقدميك هاتين إلا إن طلبت أنا ذلك.. و أنا أعدك بأن أعتبر ما كان يحصل بينكما شيئاً لم يكن.."
كانت تلك الكلمات التي قالتها له مدبرة المنزل أوفيليا هو كل ما يدور في ذهنه أثناء سيره البطيء نحو المستودع الخارجي، الذي ما إن دخل إليه حتى أفلت بحقيبة أمتعته الظهرية لترتطم على الأرضية الخشبية التي لا تزال محافظة على متانتها رغم قدمها..
يقف بجسد مثقل الكاهل، متقوس الظهر للأمام و مطأطئ الرأس نحو الأسفل..
يحادث نفسة بنبرة مليئة بالحنق و الاستغراب "لِمَ بدأت كل تلك الأحداث بالظهور؟ لِمَ بدأ الجميع يعاملني بتلك الطريقة؟"
تجمعت دموعٌ ساخنة في محجر عينيه، و جلس القرفصاء على الأرض بينما تتوالى ذكريات الملجأ في ذهنه تباعاً..
يذكر كيف كان محاطا بالعديد من الأشخاص الذين يحبونه و يتطلعون إليه.. تتعالى ضحكاتهم الطفولية كلما تحادثوا معه، و يطلقون العنان لمخيلاتهم حين يروون قصصا ملفقة عن العالم الخارجي الذي لم يكن، و بكل تأكيد، كما تخيله هذا الفتى الحالم..
يتذكر كيف كان يعيش حياة خالية من الهموم.. يعيش في كنف ذكريات الماضي الجميلة التي يتشاركها مع شيون، و تحت حماية السيدة مادلين التي لا يذكر بأنها قد عاملتهم في يوم من الأيام كما الطريقة التي يُعامل بها الآن..
بدأت دموعه بالانهمار و أخفى رأسه بين ذراعيه اللتين أطبقهما عليه بشدة، ثم قال بصوت باكٍ مقموت: أريد أن أعود إلى الملجأ..
استمر على حاله تلك لبعض الوقت، ثم نهض متثاقلا من على الأرض، ماسحا دموعه بأكمامه الطويلة و رافعا برأسه للأعلى نحو السقف..
تنفس الصعداء بعد كل ذاك البكاء ليملأ رئتيه ببعض الهواء فتتوسعان مانحتان إياه بعضا من الراحة، ثم استأنف عمله في تنظيف المستودع واضعا بعين الاعتبار المبلغ المالي الذي ينبغي عليه جمعه ليبدأ البحث عن ملجأ السيدة مادلين..
و أثناء ذلك..
قامت مدبرة المنزل الصارمة بتحذير جورج من السماح لـ ميشيل بالدخول إلى الفيلا إلا بإذنها، و كذلك أمرته هو و كاترين أن يبلغاها فور رؤيتهما لأي سلوك غير مقبول منه لتتخذ هي الإجراءات اللازمة نحوه..
أما بقية العاملين، فقد فضلت السيدة أوفيليا عدم ذكر السبب الفعلي لتلك المعاملة لهم كي لا يصل الأمر إلى السيد إدوارديز و تتفاقم المشكلة أكثر..
و خلال هذا اليوم، لم تلحظ روزماري أبدا أي تصرف مريب من قبل كاترين، جورج، أو أوفيليا..
و حين حل المساء أخيراً، و حان الوقت الخاص بكل من روزماري و ميشيل، لم يأتِ الأخير إلى قاعة المكتبة رغم انتظار الآنسة إدوارديز حضوره لأكثر من ثلث ساعة..
شعرت ببعض الانزعاج الممزوج بالقلق، و خرجت من القاعة ثم قامت بالنداء على إحدى العاملات لغرض سؤالها عن ميشيل..
لحظتها..
ظهرت لها أوفيليا من العدم و كأنها كانت تنتظر خروجها من هناك، و قالت لها بنبرة صوتها الجافة: آنسة إدوارديز..
فزع قلب روزماري لوهلة، ثم وضعت يدها على صدرها متنهدة حين التفتت لتراها، و قالت ببعض الراحة: آه.. المدبرة الجديدة، لقد أفزعتني.
اقتربت منها قليلا ثم أردفت آمرة: هل لك أن تنادي على كاترين؟
.
- إن كنت تريدينها لأجل إحضار ذاك العامل إلى هنا، فسأخبرك بأني قد منعته من الدخول إلى الفيلا..
.
قالتها أوفيليا بكل برود و بعينين مغمضتين لترد عليها روزماري بانفعال بعد أن نفضت دهشتها: من سمح لك بفعل ذلك؟
أوفيليا بحدة: لا أحتاج لإذن من أحدهم كي أحافظ على سمعة هذه العائلة، فهذا من ضمن أولوياتي كـ مدبرة لمنزل إدوارديز.
روزماري بانفعال: آمرك بأن تحضري ميشيل إلى هنا.. و عليك بـ ألا تتدخلي في ما أفعله..
.
- أنا أتلقى الأوامر من السيد سولومون إدوارديز فقط..
.
قالتها بنبرة واثقة ثم أردفت بعد أن أعطت الآنسة روزماري ظهرها و بدأت بالسير مبتعدة: احذري آنستي، فلن أتردد أبدا عن إخبار السيد إدوارديز بما رأيته يدور بينكما في قاعة المكتبة..
توقفت بعد قولها هذا مردفة بنفس النبرة: أه، بالمناسبة.. ستتكاثف دروس إعدادك لحفل الـ ديبوتانت، لذا احرصي على نيل قسط كافٍ من الراحة آنستي.
ثم تابعت سيرها بعد أن أنهت قول كلماتها تلك التي كانت كفيلة بجعل الآنسة إدوارديز تقف في مكانها محملة بقدر كبير من السخط و الغضب تجاهها.. و بالرغم من الرهبة التي دبت في قلبها حين ذُكر اسم والدها.. إلا أنها أرادت أن تتحدى تلك المدبرة الجديدة بالتمرد على تهديداتها و أوامرها الجريئة لها..
.
و كيف ستفعل فتاة نبيلة ذلك؟
.
هذا ما تجلت إجابته في تمام الساعة الرابعة فجر اليوم التالي..
في تلك الساعة المبكرة من الصباح، استيقظ ميشيل الذي كان ينام وسط إضاءة خافتة على كومة من القش في أرضية المستودع على صوت ضرباتٍ متلاحقة مصدرها زجاج النافذة التي كان ينام قريبا منها..
أصيب بالهلع، و نظر إلى الساعة التي بقربه ليسر بداخله برهبة بعد معرفته للوقت: من يكون الطارق؟ هل هو سارق.. أو ربما قاتل.. أو..
بلع ريقه ليردف بتلعثم: شششـ.. شبح..
بدأ قلبه يقرع طبول الخوف حين ازدادت شدة و سرعة الضربات، و كاد قلبه أن يتوقف فزعا لولا أن سمع صوتا مألوفا يهمس مناديا باسمه..
- ميشيل.. ميشيل، استيقظ.. ميشيل..
هدأ قليلا و نهض ببطء متوجها نحو النافذة ليراها، فتجمد في مكانه بينما كان يستمر بالتحديق إليها من خلف الزجاج لفرط دهشته..
بينما قالت هي ببعض الغيظ: لم تقف هكذا؟ أدخلني بسرعة قبل أن يكشف أحدهم أمري.
أسرع نحو الباب و قام بفتحه لها، لتدخل هي ثم تضع حافظة كمان حمراء اللون كانت تحملها بيديها على الأرض ببطئ.. و حين رفعت رأسها و جذعها لتنظر إليه، فوجئت بدموعٍ تنساب على وجنتيه.. فـ سألته بنبرة قلقة مندفعة: لِمَ تبكي؟!
ليستغرب هو سؤالها هذا، ثم وضع يده اليمنى على وجنته فلامست دموعه الدافئة، و حينها أصيب هو كذلك بالدهشة و خاطب نفسه مستغرباً "هذا غريب..! ما الذي يحصل لي..؟ ربما دخل شيء ما في عينيَّ..!"
أعادت سؤالها له و لكن بقلق أكبر ليجيبها بعدم معرفته للسبب.. فاقتربت منه أكثر و سألته بنفس النبرة السابقة: هل فعلت مدبرة المنزل الجديدة شيئا لك؟ ضربتك..؟ أو ربما آذ..
قاطعها بأن أومأ برأسه نافيا، ثم قال لها بوتيرة منخفضة بعد أن نجح في إيقاف انهمار دموعه: لماذا جئت إلى هنا؟
تقضب حاجباها و انتفخت وجنتيها غيظا لتجيبه بعد أن أشاحت برأسها بعيدا: أهذا ما تقوله لي بعد إذ كنت قلقة عليك؟
ابتسم حين رأى قسمات وجهها المغتاظة العابسة، و ضحك ضحكة خفيفة لتلتفت هي إليه و تشاركه الضحك كذلك..
و بعد توقفهما، ابتسمت بأريحية ناظرة إليه، و قالت له بنبرة هادئة: لا تلقِ بالا لما قالته تلك العجوز..
.
- ولكن.. ماذا إن أخبرت السيد إدوارديز بالأمر؟
.
قالها ميشيل بنبرة خائفة و هو يقبض كلا يديه بشدة.. فأجابته روزماري بنبرة دافئة مليئة بالعزم: لا تقلق، فـ لن أسمح لأحد بأذيتك..
سالت دموعه على وجنتيه مرة أخرى إثر سماعه لردها، فسألته مرة أخرى بصوتها القلق المغتاظ قليلاً: ماذا الآن؟
ليجيبها و ابتسامة محتارة تظهر على شفتيه: كلماتك.. أشعر بأنها أعادت إلي شيئا فقدته مؤخرا..
ابتسمت مشيحة بناظريها نحو سقف المستودع الخشبي، ثم قالت بنبرة مرحة بينما هي تنظر إلى المصباح ذو الإضاءة الصفراء الخافتة: أنت حقا شخص غريب.. تبكي لأسباب غريبة.
أخفضت ناظريها إليه لترى علامات الغيظ بادية على وجهه المبلل بالدموع، مقضبا كلا حاجبيه و عابسا بشفاهه بطريقة مضحكة.. فأردفت بنبرة واثقة: أنت رجل، عليك أن تكون أكثر صلابة.
رد عليها بغيظ بعد أن قام بمسح كلا عينيه: و هل جميع الرجال هكذا؟
أجابته من فورها: أجل، هم أقوياء لا يبكون بسرعة.. و هذا ما يجعلهم مختلفين عن النساء.
.
- لماذا..؟!
.
قالها الفتى بنبرة تبدي استغرابا كبيرا مقرونا باهتمام شديد، فأجابته الآنسة إدوارديز بعد أن فكرت بالإجابة لـ ثوانٍ معدودة: هذا ما هو متعارف عليه قي مجتمعاتنا.. و هذا ما عهدناه من أجدادنا.. فهم دائما يقولون "يجب على الرجل أن يكون صلبا و عيب عليه أن يبكي.. أما المرأة فهي رقيقة و البكاء يدل على رهف مشاعرها.."
أعاد الفتى نفس سؤاله السابق: لماذا..؟!
لتتلعثم هي في إجابتها.. و بدأت تتساءل بداخلها "هذا صحيح..؟! من وضع هذا المفهوم لنا..؟! و من الذي اتخذ قرار أن يكون هو الصواب و ما خالفه خاطئ و معيب..؟!"
أخذت تفكر بذلك ملياً ملتزمة الصمت.. و بدأت بمقارنة تلك القاعدة الزائفة بحالها الآن، و ما بدأ ينمو بينها و بين الفتى الذي تفصلها عنه عدد من الطبقات و المسميات الاجتماعية..
طرأ على بالها أمر ما، فالتفتت إليه و أخذت تتأمله لثوانٍ معدودة، ثم أمسكت بكلا كفيه باندفاع قائلة: اسمع.. ما رأيك بأن تأتي إلى الـ ديبوتانت؟
ميشيل بدهشة: الـ ديبوتانت..!! لا، لا أستطيع.
سألته باستغراب عن السبب ليجيبها مشيحا بناظريه بعيدا: سمعت العاملات يقلن بأننا الخدم لا يُسمح لنا بحضور مثل تلك الحفلات..
ابتسمت برقة و قالت بنبرة بها بعض المكر: و من قال بأنك ستحضر الحفل بصفتك خادما؟
أخذ ينظر إليها و علامات التساؤل تملؤ قسمات وجهه الذي تلون باحمرار طفيف، لتردف هي بينما لا تزال محافظة على ابتسامتها: دع الأمر لي.. سأريك عالما براقا يبهج قلبك بالتأكيد.. هل أنت موافق على الذهاب..؟
أومأ لها بالإيجاب بعد فترة قصيرة من التفكير العميق، و حينها.. أفلتت يديه ثم أعادت إمساك إحداهما بطريقة مغايرة مخللة أصابع يديها بين أصابع يديه.. و وضعت يدها الأخرى على كتفه المقابل لها ليصبحا متخذين وضعية رقص الصالونات العريقة..
لم يعرف هو المغزى من تلك الأفعال التي قامت بها الفتاة التي أصبح جسدها قريباً من جسده بشدة.. فقال لها وسط ارتباكه و دهشته الكبيرين: ما الذي تفعلينه؟
لتجيبه و ابتسامة مرحة ترتسم على شفتيها: سنترك دروس عزف الكمان لبعض الوقت، و لنبدأ بالرقص..
.
- الرقص..!
.
فور تعجبه ذاك، باشرت روزماري الرقص بحركاتٍ دائرية تجر معها جسد العامل المتصلب لشدة ارتباكه..
يطلب منها التوقف عما تفعله فترد عليه بنفيٍ مصحوبٍ بضحكات سعادةٍ عالية.. و كأنها بالفعل تستمتع بوقتها على النقيض مما يشعر به ميشيل حالياً..
وطأ قدمها العديد من المرات.. و كاد أن يسقط بنفس القدر كذلك، لكنها لم تتوقف عن الدوران..
و بعد مضي دقيقة واحدة لم يستطع الاحتمال أكثر و بدأ يشعر بالدوار فأفلتته الآنسة إدوارديز بعد إلحاحٍ منه، ليترنح عدة خطوات للخلف و اليسار، ثم يسقط للخلف بكامل ثقله على مؤخرته ..
كان متألماً قليلاً و مغتاظا.. بينما كانت هي لا تزال مستمرة بالضحك ممسكة ببطنها و تقول بينما هي تحنى جسدها للأمام قليلاً و تستند على خزانة قريبة منها هناك: يا إلهي.. لا أستطيع الاحتمال أكثر..
تختلس نظرة إليه فتزداد شدة ضحكها التي كانت تحاول جاهدة الحفاظ على انخفاض وتيرتها..
ليشعر هو بالانزعاج، فنهض نافضاً لباسه من الخلف و قال ببعض الغضب: لِمَ فعلتِ ذلك؟
لم تستطع إجابته فازداد غيظه منها، لكنه لم يستطع إلا أن ارتسمت ابتسامة على شفتيه هو الآخر ليبدأ بالضحك على غرارها مثبتاً النظرية القائلة بأن الضحك معدٍ..
و بعد ذلك بوقت قصير، خرجت الآنسة إدوارديز من المستودع لتعود إلى غرفتها في الڤيلا بعد أن قامت بترك الكمان عند ميشيل و قالت له بضع كلماتٍ جعلته يفكر بسعادة بها متناسياً ما حدث آنفاً من قبل السيدة أوفيليا..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
و حين بزغت شمس الصباح، و التف العاملون جميعا حول مائدة الإفطار، كان الجميع يتناول طعامه بصمت مقبع، و ينظرون إلى ميشيل بخفاء بينما هو يبدي سعادة طفيفة على ملامح وجهه، فيشيحون بأنظارهم عنه..
كان الفضول يتآكلهم لرغبتهم بمعرفة سبب ما قامت به مدبرة المنزل الجديدة تجاهه، لكن بعد رؤيتهم لحاله تلك، اعتقدوا بأنها فعلت ذلك بلا دافع محدد بسبب شخصيتها الصارمة جداً، فـ منذ اليوم الذي جاءت للعمل به لدى عائلة إدوارديز، أبدت عداوة تجاه الفتى الذي كان يعامل معاملة خاصة وقتها..
و في هذا اليوم أيضاً تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، وصل ضيف يبدو بأن حضوره قد عكر مزاج السيد سولومون قليلاً، إذ لم يحدد موعداً مسبقاً لهذه الزيارة المفاجئة..
كان يبدو في نهاية الثلاثينات من عمره، أشقر الشعر شديد الطول، و ذو بنية عريضة متناسقة.. يجلس على كرسي مجاور للمكتب الذي يجلس إليه السيد إدوارديز المنغمس في عمله.. و كان مستمراً بالتحديق إليه بعينيه الخضراوتين كما عيني روزماري..
قال ذاك الضيف بابتسامة عريضة بعد وهلة من الصمت: أرى بأنك لا تزال تنغمس بين تلك الأوراق، أشك بأنك تنام عليهم عوضاً عن سريرك المريح.
رفع السيد سولومون عينيه موجهاً إليه نظرات منزعجة، ثم تنهد بعمق و قال بعد أن ترك القلم من بين يديه و اعتدل في جلوسه لمواجهته: ما الذي جاء بك إلى هنا غيلبيرت؟
غيلبيرت بدهشة: ماذا؟! ألا يحق لي زيارة والد ابنة أختي المتوفاة؟
أمال السيد إدوارديز رأسه إلى اليسار و أسنده بإحدى يديه، ثم قال بنبرة منزعجة: صدقاً.. ما الذي دفعك لمقابلة شخص تكرهه؟
تغيرت ملامح وجه السيد غيلبيرت إلى الحدة ليقول بنبرة جادة: سمعت بأنك أحضرت عامل إسطبل معك إلى هنا، أرغب باستعارته بما أنك لا تحتاجه.. فمن كان يعمل لدي آذى رسغه و لا يستطيع إتمام معظم المهام الموكلة إليه..
السيد سولومون ببرود بينما هو يتمعن إحدى الأوراق التي بين يديه: لم يكن عليك شرح السبب..
نهض غيلبيرت من مقعده قائلا: سأعتبر هذا موافقة منك.. حسنا إذا، سأرسل أحدهم بعد أيام قليلة لاصطحابه.
توجه نحو الباب و أردف بينما هو يخرج من الغرفة: إلى اللقاء ثانية، سولومون إدوارديز..
بينما كان الأخير ينظر جهة الباب بعينين حادتين منزعجتين لبضع ثوانٍ، ثم أعاد ناظريه نحو جبال الأوراق التي تعتلي مكتبه متنهدا بعمق، و استأنف ما كان يفعله قبل دقائق قليلة..
بعد عدة أيام في المساء.. و بينما كان ميشيل يتوجه نحو باب العاملين ليخرج من الڤيلا بعد سماح السيدة أوفيليا له بأخذ حمام و الاغتسال، نادته الأخيرة إذ لمحت مروره من أمام غرفة العاملين، فالتفت نحو مصدر صوتها ليراها تقف بجوار شخص يرتدي بزة كما التي يرتديها كبير الخدم، لكنه يراه للمرة الأولى..
كانت السيدة أوفيليا تتمعن هي و ذاك الرجل ميشيل الذي كان واقفا و شعره العسلي المبلل بعض الشيء منسدل على أحد كتفيه.. و بعد ثوانٍ معدودة، التفتت نحو الرجل الغريب قائلة: هذا هو، هل تراه موافقاً لمعاييركم؟
التفت الرجل إليها و أومأ لها إيجاباً، ثم قال بعد أن ابتسم بمكر: أجل، هو مناسب جداً.
نظرت أوفيليا إلى ميشيل مجددا و قالت آمرة: احزم ما تحتاجه من أمتعة و اذهب برفقة كبير الخدم ويليام، فستعمل مؤقتاً في مكان آخر.
.
"هه... لماذا..؟!"
.
هذا ما تبادر إلى ذهنه وقتها، و لم يعد يستمع لما كانت تقوله المدبرة الجديدة إلى كبير الخدم الغريب ذاك..
كان يراها حين رمقته بنظرات حادة، و حين التفتت معطية ظهرها إليه و ابتعدت عن المكان.. و استمر بالمحافظة على الوضعية التي كان يقف بها بينما يوجه أنظاره المتسائلة الدهِشة إلى فراغ بعيد، سارحاً بما قالته قبل قليل.. إلى أن أعاده ويليام إلى الواقع حين وضع يده على كتفه الأيسر قائلاً له بابتسامة مريحة: هلم بنا، أيها الفتى.
ذهبا إلى المسودع، و قام ميشيل بحمل حقيبته الظهرية المعبأة بالقليل من الثياب بينما يوجه أنظاره جهة الكمان الذي سلمته إياه روزماري، و التي لم تأتِ لزيارته هنا سوى في تلك المرة..
أشاح بناظريه بعيداً عنه نحو الأرضية لوهلة، ثم التفت إلى الباب الذي كان يقف بجواره كبير الخدم ويليام و توجه نحوه ليخرج من المستودع بعد أن قام بإطفاء مصابيح إنارته الخافته..
و حينها.. أخذ بالسير محافظا على هدوئه خلف ذاك الرجل إلى أن وصلا إلى سيارة سوداء اللون تشبه الطراز الذي تستخدمه عائلة إدوارديز في تنقلاتها..
و من فوره، قام ويليام بفتح باب السيارة له طالباً منه الدخول، فاستغرب ميشيل هذا الفعل..
كانت الظلمة تخيم على المكان بداخل السيارة، فالوقت مساء و زجاج نوافذها معتمة لأقصى درجة لها، و هذا ما جعل الفتى يشعر بالقلق، لكنه توجه إلى الداخل على أية حال..
و في اللحظة التي انطلقت بها السيارة، قال له شخص كان يجلس بجواره حجبت معانيه ظلمة المكان: إذاً، أنت هو ميشيل.
فالتفت إليه ببعض الرهبة إذ لم يكن منتبها لتواجده هنا، وسأله ببعض الخوف: من أنت..؟!
بعد مرور شهر كامل..
يجلس مستنداً على ظهر سرير المشفى الأبيض ناظرا إلى يده التي أمسكت بها مطولا..
يبتسم ابتسامة منكسرة بينما لا تزال هي تردد تلك العبارة و عينيها تفيضان دموعاً ساخنة: حمدا لله، حمدا لله..
رفع يده الأخرى بتثاقل و وضعها على قمة رأسها ثم بدأ بالمسح على شعرها الأشقر متوسط الطول وقال بنبرة صوت خافتة: أنابيل..
فرفعت ناظريها نحوه، و حينها.. قام بمسح دموعها بيده التي كانت ترجف بسبب الضعف الذي ألّم بعضلاتها، فهو لم يعد يقوى على حمل ذراعه التي باتت ثقيلة بعض الشيء، إلا أنه أراد أن يواسيها بنفسه..
أمسكت بتلك اليد بشدة، و ضمتها مع يده الأخرى بين يديها لتعاود حمد الله على استفاقته من غيبوبته..
طُرق باب الغرفة بعد وقت قصير، و دخل عدد من الأطباء إلى الغرفة ليلتفوا حول سرير المشفى الذي يجلس متمددا عليه و أخذوا يتشاورون بشأن حالته مستخدمين مصطلحات طبية علمية بعد إلقائهم التحية عليه و سؤاله عما يشعر به حاليا..
استطاعت أنابيل فهم كل ما قالوه بسبب عملها كـ ممرضة، فالتفتت نحوهم حين سمعت نتائج فحص الرنين المغناطيسي الذي تم إجراؤه لـ خاطبها فور استفاقته البارحة، و سألتهم باندفاع يبدي اهتماماً: هل أنتم متأكدون من صحة التشخيص؟
ليلتفت إليها الجميع بدورهم، ثم قال لها أحدهم و الذي يبدو أقدمهم في المهنة: سنتأكد من ذلك الأن..
و ما أن قال ذلك، حتى تقدم نحو ديلان و قام برفع الغطاء الأبيض عن ساقيه اللتين بدتا نحيلتين بعض الشيء، ثم قال: اثني ساقيك إلى صدرك.. جيد، و الآن افردهما.. اثني ركبتيك.. افردهما الآن.. قم بتحريك ساقيك للخارج و من ثم ضمهما للداخل.. جيد جدا، حرك مشط قدميك للأعلى و الأسفل و الداخل و الخارج.. و أصابع قدميك قم بتحريكها إن استطعت.. ممتاز.
.
كانت تلك بعض التعليمات لفحص ما إذا كانت الحركة في مفاصل ساقي ديلان لا تزال سليمة إثر ذلك الحادث المروري الفظيع الذي تعرض له، و لحسن حظه، و بالرغم من أنه كان يبذل مجهودا كبيرا لتحريك ساقيه‘ إلا أنه استطاع أداء جميع الحركات التي طلبها الطبيب منه، فقال له الأخير: جيد، لم تفقد حركة عضلات ساقيك و منتصف جذعك حيث مستوى الإصابة.. صحيح بأنك تشعر بأن جسدك ثقيل و هذا بسبب رقودك لمدة شهرين تقريبا بلا حركة إرادية.. لكنك ستتماثل للشفاء بعدما تخضع لبرنامج تأهيلي يناسب حالتك.. و لكن..
تغيرت ملامح وجهه للجدية التامة بينما ينظر إلى وجه ديلان الهزيل قليلا، و أردف: أعتقد بأنك قد لاحظت عدم شعورك بهما، فـ أولا و آخرا، هاتان هما ساقاك..
انقلبت حال الرجل المصاب من الهدوء المصطنع إلى الأسى، و أشاح بناظريه نحو الأسفل بعيدا عن الجميع لتلتفت أنابيل من فورها نحوه و تسأله بنبرة تبدي قلقا ممزوجا بانزعاج طفيف: لمَ لَم تخبرني بأنك فقدت الإحساس بكلا ساقيك؟
لم يحرك ساكنا فاكتفت بالنظر إليه و دموعها تتجمع في مقلتيها معيدة سؤالها عليه: لماذا..؟
فأجابها بابتسامة متألمة بعد أن أحكم إغلاق قبضتيه على غطاء المشفى الأبيض: لم أرغب بإضافة المزيد مما تقلقين بشأنه..
عم السكون المكان بعد هذه الإجابة، و انسحب بعدها الأطباء جميعا بعد أن قام أحدهم بتدوين بعض الملاحظات في الملف الطبي الذي يخص ديلان..
و فور خروجهم، نهضت هي من مكانها لتقف بجواره، فقال دونما مقدمات: أيمكنكِ احتمال عدم الشعور بشيء متصل بجسدك رغم رؤيتك له..؟ ظننت حين استيقظت بأني قد فقدت ساقي، بأني سأقضي بقية عمري على كرسي مدولب.. لكن حين رأيتهما، و تعجبت لكوني قادرا على تحريكهما، ازداد ألمي لأني لا أعرف كيف سأتمكن من السير و أنا لا أعلم أين أو كيف تكونا إلا إن استمررت بالنظر إليهما..
صمت قليلا و تنفس بعمق محاولا ردع عبراته، ثم أردف بنبرة متألمة: ربما من الأفضل أن..
و قبل أن يتم حديثه، مدت أنابيل ذراعيها نحوه لتحتويه بين أحضانها قائلة بنبرة تكافح البكاء: في الصحة و المرض، ديلان.. سنتلوا عهودنا عما قريب كما حلمنا أنا و أنت..
.
- و لكن..
.
قالها بصوت خافت باكٍ لتقاطعه من فورها و دموع دافئة تنساب على وجنتيها: سأكون إحساسك الذي يرشدك في المسير.. سأبقى معك كما بقيت أنت معي..
في مكان آخر..
تجري الاستعدادات على أتمها في تلك الڤيلا.. فها هم العاملات و العاملون يقومون بتوضيب حقائب الآنسة إدوارديز في السيارة التي ستقلها إلى القلعة الأثرية، حيث ستستأنف عملية إعداد فتيات الديبوتانت بها قبل بدء الأمسية..
و ها هي الفتاة روزماري تسير متوجهة نحو السيارة و من خلفها عاملتها الشخصية.. فاستوقفها نداء مندفع باسمها لتلتفت إلى مصدره قائلة: ما الأمر جورج..؟!
ليجيبها جورج باحترام: آنسة روزماري، هناك اتصال لك.
روزماري باستغراب: من المتصل؟
جورج: رفض المتصل البوح بهويته آنستي، لكنه أصر على محادثتك.
بدأت تفكر ملياً بالأمر، ثم قررت العودة إلى الڤيلا لمعرفة من يكون ذاك الشخص.. ظنت بأنه خالها غيلبيرت، لكن ما الذي يدفعه للتستر على هويته..؟ حتى و إن فعل ذلك فصوته مألوف بالنسبة لـ جورج، أي لا يمكن أن يشكك في هويته..
و ظنت بأنه قد يكون ميشيل. لكنها استبعدت هذا الأمر كلياً..
كان الفضول يتآكلها، و لم تتردد في الامساك بسماعة الهاتف و التحدث من خلاله معرفة عن شخصها، و من ثم متساءلة عن هوية المتصل..
لم يجبها أحد فأعادت سؤالها، و حينها.. قال الطرف الآخر بصوته الناعم المرهق: كيف حالك روزماري الصغيرة..؟
اعترتها الدهشة، و أرادت أن تجيبها لكن الكلمات أبت أن تخرج منها، فالتزمت الصمت ليسود الأجواء سكون غير مريح على الهاتف، فقالت أنابيل بنبرة تتصنع الهدوء: استفاق ديلان البارحة من غيبوبته، هو بخير و سيتمكن من السير بعد خضوعه لبرنامج تأهيلي..
بدأ صوتها يتغير و شهقاتها تبان على مسمع الآنسة إدوارديز أكثر فأكثر،
حركت الفتاة فمها محاولة محادثة من اعتبرتها دوماً شقيقتها الكبرى، و قبل أن تنطق قالت الأخيرة: أعلم بأنك لا تزالين متضايقة مما بدر مني في المشفى، و ربما لا ترغبين بالتحدث إلي، أنا آسفة حقاً..
تنفست الصعداء و أردفت: تذكرت بأن حفل الـ ديبوتانت سيقام الليلة، رغبت دوما بأن أراك في هذا اليوم، لكن قدر الله و ما شاء فعل.. أعلم بأنك ستكونين الأجمل بينهن..
تلتزم روزماري الصمت بملامح وجه تدل على حزنٍ و أسى، بينما تكمل أنابيل حديثها بعد وهلة من الصمت: بالمناسبة، كان جميلاً عليك ما ارتديته في ذاك اليوم.. و أرغب بقول شيء أخير.. يوم ميلاد سعيد آنسة روزماري..
سالت دموع الفتاة التي أتمت السابعة عشرة من عمرها اليوم، و نطقت أخيرا تقول بصوتها المحتقن: أنابيل.. تعالي لزيارتنا مجدداً أنت و ديلان حين تتحسن صحته..
أجابتها بالقبول بينما كان صوت بكائها مسموعا بوضوح، و انتهت تلك المكالمة الي أسعدت قلب كلتيهما بمصالحة بالرغم من أنهما ما كانتا متخاصمتين.. بل كان الظن هو من رسخ تلك الفكرة في ذهن كل منهما..
بعد فترة من الزمن، في سيارة ليموزين سوداء مظلله النوافذ، كان يجلس مسنداً برأسه إلى الزجاج ينظر خارجا إلى الشارع، و يفكر بما حدث خلال الشهر المنصرم..
كان شيئا فاجأه حين أخبره السيد غيلبيرت بالحقيقة التي تكمن خلف استعارتهم له.. و عن رغبة روزماري بحضوره حفل الـ ديبوتانت..
فتلقى منذ صباح اليوم التالي تدريبات و دروساً خاصة لتهيئته في فترة قصيرة و إعداده لحضور الحفل..
فتعلم التصرف بلباقة، و الآداب العامة في الحديث و السكوت.. تعلم رقصة الفالس الكلاسيكية بشق الأنفس، و لم يتح له الوقت بتعلم رقصة أخرى، لكن تلك بالتأكيد ستفي بالغرض..
لم يعاملوه على أنه خادم، أو شخص ذو مستوى اجتماعي منحط.. بل كفرد من عائلة نبيلة ارستقراطية، ينام على سرير واسع ناعم، في غرفة كبيرة أثاثها فخم و رائحتها عطره.. كما تم تفصيل بزة رسمية سوداء اللون خصيصاً لأجله ليرتديها في الحفل الذي ما ان يقترب من نهايته حتى يعود هو إلى الفيلا الخاصة بعائلة إدوارديز، لأن السيد غيلبيرت سيغادر هذه المدينة في الصباح الباكر..
استمر يفكر بكل تلك الأشياء إلى أن أعاده للوقع التوقف المفاجئ للسيارة التي تقله و السيد غيلبيرت أمام مدخل القلعة الأثرية فبدأ قلب الفتى بنتفض رعبا و ارتباكاً، و فكر بالعزوف عن هذا الأمر و العودة إلى حيث الڤيلا الخاصة بعائلة إدوارديز ليقاطع تفكيره قول السيد غيلبيرت له: خذ.
نظر ميشيل إلى يده التي كانت تحمل قناع عينين أبيض مزخرف بنقوش أنيقة من أسلاك ذهبية رقيقة، و سأله باستغراب: ما هذا الشيء؟
فأجابه: قناع للعينين.. عليك أن تخفي هويتك كي لا يتعرف عليك سولومون.
بلع الفتى ريقه بصعوبة ثم قال ببعض القلق: و هل يكفي هذا القناع لإخفاء هويتي؟!
السيد غيلبيرت بنبرة جادة واثقة مشيحا بناظريه خارج النافذة: بل هو أكثر من كافٍ.
و بعد تلك الإجابة، قام ميشيل بارتداء القناع على عينيه بحذر كي لا يفسد شعره الذي كان مصففا بأناقة للخلف، و فور انتهائه قال له السيد غيلبيرت بصوت هادى: هل أنت مستعد؟
أومأ الفتى إيجاباً، فأشار السيد غيلبيرت إلى السائق بفتح الباب، و الذي بدوره قام بفعل ذلك على عجل ليخرج ذينك الإثنين من السيارة أخيرا، و يتوجهان إلى داخل القلعة الأثرية بخطوات متزنة ثابتة، يرشدهما أحد الحراس هناك..
و فور ولوجهما إلى قاعة الاحتفال، عميٓت عينا الفتى لوهلة بسبب وميض الثريات الكرستالية التي تملأ المكان، و تلألئ الاكسسوارات البراقة التي ترتديها السيدات من الحضور..
قام بإغلاق عينيه جزئيا و من ثم رمش ثلاث رمشات متلاحقة..
كان مرعوباً قليلاً، فهو الوحيد من بين الحضور من يرتدي قناعاً يحجب عينيه و أنفه، لكن و لحسن حظه كان الجميع مشغولا بالنظر إلى درج القاعة الفخم الطويل الذي كانت فتيات الـ ديبوتانت تصطففن على جنبيه في الأعلى الواحدة بجوار الأخرى..
و لحسن حظه كذلك، ظهر العديد من رجال الضيافة يحملون أطباقا ذهبية كبيرة عاليها أقنعة كما الذي يرتديه، و بدأوا بالتنقل بين الحشود لتوزيعها علهم.. فالتفت نحو السيد غيلبيرت الواقف بمحاذاته ليرفع الأخير إبهام يده اليمنى معلنا عن شارة مفادها أن الأمور بخير الآن.. ثم التفت للأمام و توجه منتصف القاعة ليقف أمام تلك العتبات الحمراء مصفقا بكلتا يديه..
نظر إليه الجميع بصمت ليبتسم ابتسامة متسعة آسرة و يقول: أيها السيدات و السادة المحترمون، ألم تملوا من مثل هذه الحفلات التقليدية..؟! هيا.. فلنضفي قليلا من الحماس..
تناول أحد الأقنعة بالقرب منه ليردف بعد ارتدائه له: ضعوا أقنعتكم و لتخفوا هوياتكم، لنخوض لعبة في التخمين قبيل انتهاء الحفلة..
لم يعترض أحدهم على تلك الفكرة، بل رحبوا بها و وافقوا عليها بسعادة و ربما فضول.. فهم يرغبون بتجربة جميع أنواع المتعة أيا كانت، و بدى لهم اقتراح السيد غيلبيرت كذلك.. فتناول كل واحد منهم قناعا ليرتديه، و أعادوا أنظارهم نحو الدرج حين بدأت الأوركسترا المصغرة تعزف سيمفونية ما..
لحظتها.. اكتست عتبات السلالم المفروشة بسجادة حمراء قرمزية بلون ناصع البياض، حيث كانت فتيات الـ ديبوتانت قد بدأن لتوهن بالنزول تباعاً عليه بفساتينهن الأنيقة..
كانت لوحة أخاذة ساحرة، امتزج بها اللون اللؤلئي الأبيض باللون القرمزي القاني..
ينظر الجميع باتجاههن بذهول تام، ذكوراً و إناث..
و كذلك كان الفتى العامل، الذي تنكر اليوم بهيئة أحد النبلاء الأرستقراطيين..
أخذ يبحث بين تلك الفتيات عن وجهه يألفه، و ها هي ذي تقف خلف الجميع آخر الصف الطويل، الذي عدده إحدى عشرة فتاة..
نسي إجفال عينيه للحظات من فرط ذهوله.. فقد بدت الآنسة إدوارديز مختلفة بعض الشيء عما اعتاد عليه سابقا، ربما لأنها وضعت القليل من مساحيق التجميل لتبرز معانيها أكثر، لكن ليس بصورة مفرطة..
رآها حين بدأ الجميع بالثناء عليها و تهنئتها، و من ثم حين بدأت الرقص مع والدها كما يتوجب على الديبوتانت أن تفعل في أول ظهور لها..
أخذ يتأمل كل شيء بها.. شعرها البني المصفف بطريقة آسرة، فستانها الأبيض اللؤلئي الضيق من الأعلى و الفضفاض من الأسفل، و عقد جميل من اللؤلؤ يلتف حول رقبتها النحيلة الظاهرة بوضوح..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
و بعد وقت قصير، قاطع شروده أحد خدم الضيافة حين قال مقربا نحوه طبقا يحوي بضع كؤوس للعصير: سيدي، هل ترغب بالقليل؟
التفت إليه مستغربا، ثم تذكر بأن أحداً من الحضور لا يعلم بكونه خادما، فـ مد يده إلى أحد الكؤوس آخذا إياه، ثم التفت بناظريه حيث كانت تقف روزماري ليجدها تنظر إليه بعينين لامعتين و تتجه مقتربة نحوه..
شعر بنبض قلبه يتلاحق تباعاً مع كل خطوة تخطوها باتجاهه.. و التفت بلا شعور يمنة و يسرى بارتباك، ثم أعاد ناظريه إليها ليجد ابتسامة عذبة مرتسمة على شفتيها الزهريتين تزيدها جاذبية، فابتسم بدوره و هم بالاقتراب منها هو الآخر ليمنعه عن ذلك شخص سبقه إليها..
شخص حين رأته منحته ابتسامة مغايرة لما كانت تظهرها..
رآه ميشيل و هو يمسك بيدها برقة و من ثم يقبل راحتها.. و رآه عندما حادثها بأمر ما لتومئ برأسها إيجابا لتذهب من بعدها برفقته إلى وسط القاعة حيث يحتشد بعض الحضور أزواجاً.. و من ثم ابتدأ عزف سيمفونية جميلة أجبرتهم على الرقص..
فتوقف في مكانه ناظرا إليهم، و إلى ما يحيط به..
تلك الجدران الذهبية، و الستائر الحريرية.. الأرضية كذلك و المزهريات الخزفية..
أخذ يتأمل الحشود.. تصرفاتهم و ما يرتدون.. و ما يتفاخرون به كذلك..
أولئك العازفين على آلات الكمان، الكونتر باص، و التشيلو.. و آلات أخرى هي الفلوت و الأكورديون..
أسرّ ميشيل في نفسه "كم هو جميل هذا العالم البراق، لكن.. لا أظن بأني سأتأقلم معه.. لا، بل هو غير مناسب لي.."
ثم بدأ بالتراجع بضع خطوات مبتعداً عن جو الصخب و الحشود الراقصة ليرتطم بعد مدة قصيرة بشيء ما خلفه، فالتفت من فوره ليجده سور من الجص أبيض عتيق اللون يحيط بشرفة نصف دائرية واسعة.. و كانت مطلة على الحديقة الخلفية المشبعة باللون الأخضر لأشجار عامرة تصمد تجاه برد الشتاء..
أخذ يتأملها بعينيه السارحتين.. أشجار مصفوفة بجوار بعضها و مقلمة لتمنح شكلا ساحراً لمتاهة متوسطة الصعوبة، يتوسطها تمثال يجسد فتاة بجناحين أحدهما مكسور، منحوتة على قاعدة دائرية كبيرة تبدو كحوض مليء بمياه راكدة تطفوا فوقها بعض أزهار الزنبق المائي..
استمر لبعض الوقت يتأملها بصمت، فـ أتاه صوت ناعم يقول: هل تسمح لي بهذه الرقصة، أيها السيد النبيل؟
التفت نحوها دَهِشاً ليجدها روزماري، ثم أومأ لها برأسه إيجاباً بعد أن حدق بها بعينيه المتلألئتين لوقت قصير.. و حينها، ضحكت برقة قائلة: من المفترض أن تقوم أنت بدعوتي للرقص، ليس أن توافق بتعابير وجهك تلك.
شعر بالارتباك قليلا، و قال بتلعثم: أوه صحيح..
ثم قام بثني ذراعه اليسرى خلف ظهره و اليمنى جعلها مفرودة بثنية طفيفة نحوها، منحنياً بجسده للأمام قليلاً، و قائلا بنبرة صوت ثابتة و أسلوب مهذب: هل تسمحين لي بهذه الرقصة، آنستي الجميلة؟
وضعت يدها اليسرى بيده اليمنى و أجابته بالإيجاب المصحوب بابتسامة متوردة، ثم ضمت يدها اليمنى بيده اليسرى بعد أن قام برفعها إلى مستوى نظرها، و بدآ الرقص الكلاسيكي على أنغام سيمفونية الفالس الثاني لـ ديمتري شوستاكوفيتش..
يرقصان بحركات دورانية و استدارات رشيقة في تلك الشرفة الواسعة بعيداً عن الجميع، و لا يزال الفتى غير متقن للرقص بعد، لكنه كان يحاول مجاراتها بكل طاقته و نجح في تقليص عدد المرات التي وطئ بها قدمها إلى الصفر..
و خلال ذلك، كانت هي تنظر إلى عينيه اللتين حجبهما ذاك القناع جزئياً، ثم ضحكت بخفة و قالت له بسعادة: حمداً لله، تبدو معنوياتك مرتفعة..
أومأ لها بالإيجاب حين أصدر صوتا طفيفا يدل على صحة ذلك، فأردفت: يبدو بأن طولك قد ازداد قليلا خلال الشهر المنصرم، و أنا التي ظننت أنك بليد النمو..
احمرت وجنتيه ليقول لها بغيظ طفولي: انتظري قليلا، و سأصبح طويلا كـ السيد غيلبيرت..
ابتسمت قائلة بمرح: أجل، أجل..
ثم أردفت بملامح ترتقب إجابة سريعة: إذا، ما رأيك؟
- في ماذا؟
- في ما تراه هنا.
صمت قليلاً يفكر بالإجابة مشيحا بمقلتيه بعيداً للأعلى، ثم قال بعد أن أخفض ناظريه بحياء: جمـ..
و قبل أن يتم رده، استوقفهما السيد غيلبيرت حين وضع يده على كتف ميشيل و قال له بنبرة منخفضة: هل تسمح لي بسرقة هذه الرقصة منك، أيها الشاب المحترم؟
نظر إليه كليهما لوهلة، ثم ابتعدا عن بعضهما مترين تقريباً.. فضحك ذلك الرجل الأشقر بوتيرة عالية، و قال بعد أن أمسك بيد ميشيل مصافحاً إياه: أخشى بأن وقتك هنا قد انتهى سندريلا..
.
- سندريلا..؟!
.
قالها الفتى متسائلا مستغربا، بينما كانت روزماري تحاول إمساك نفسها عن الضحك كي لا تتلف قناع الرزانة اللبق الذي ترتديه أمام ضيوف حفل الـ ديبوتانت الموقرين..
فقام السيد غيلبيرت بضرب عضد الفتى بطريقة أصدرت صوتا عالياً بعض الشيء لكنها لم تكن ضربة مؤلمة، ثم قال له بصوت منخفض بينما هو يشير إلى باب القاعة العريض: ويليام بانتظارك بجوار القاعة، اذهب إليه.
ميشيل: حسنا..
قالها، ثم استمر بالنظر إلى روزماري وكأنه ينوي قول شيء ما لها، فأخبره السيد غيلبيرت بالإسراع بالخروج من هنا قبل أن يبدأ الاحتفال بيوم ميلاد روزماري، حيث سيقوم الجميع بإزالة الأقنعة عن أعينهم، فما كان منه إلا أن انصاع لهذا الأمر و توجه بخطوات متزنة إلى حيث ينتظره كبير الخدم ويليام، متخذاً مساراً محاذياً للجدار بعيداً عن اكتظاظ الحشود..
و بعد تأكد السيد غيلبيرت من خروجه أخيراً، استدار نحو روزماري قائلا بنبرة هادئة: صعب للغاية، هذا الأمر..
أخفضت ناظريها و رأسها قليلاً، و اكتسى الحزن عينيها فبدأتا تلمعان ألماً، ثم قالت بصوت خافت: أجل..
بعد فترة من الزمن في مكان آخر..
يقف أمام ذلك البناء الصغير حاملا حقيبته الظهرية خلفه و مرتديا لباسه العادي..
لم تزعجه معاملة السيدة أوفيليا له حين أمرته فور عودته بالنوم في المستودع مجددا.. هو لم يكن يرتقب معاملة أخرى، لكنه كان يأمل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها..
أطلق تنهيدة عميقة ثم توجه إلى الداخل و قام بإشعال المصابيح فاحترق أحدها على الفور ليزيد أجواء المستودع خفوتا..
لم يبالي بذلك، بل ما يشغله هو برودة المكان، فأسرع نحو المدفأة لتشغيلها و من ثم جمع أكواما من القش إلى مكان قريب منها ليرتمي عليها بجسده المرهق..
فقد كان اليوم حافلا بالعديد من الأشياء التي نبهته إلى أمر كان قد غفل عنه.. و هو الفارق بينه و بين العالم الذي تنتمي الفتاة روزماري إليه..
أبعد تلك الفكرة من رأسه مؤقتا و استسلم للنوم و سط الدفء الذي بدأ ينتشر في المستودع تاركا الأضواء الباهتة التي تكاسل عن إطفائها مشتعلة..
و في اليوم التالي، سمحت المدبرة الجديدة، و بعد إلحاح من جورج، لـ ميشيل بالدخول إلى الفيلا ليساعد في عملية التوضيب استعدادا للعودة إلى المنزل الرئيسي لعائلة إدوارديز.. فـ حاول الفتى انتهاز هذه الفرصة لمقابلة روزماري، ليخبرها بما أراد قوله البارحة في الحفل، لكنه لم يتمكن من ذلك..
و حين حل المساء، و بدأ الجميع استعداداتهم للنوم، اتخذ ميشيل وضعية القرفصاء في المستودع على كومة القش القريبة من المدفأة، موجها أنظاره تارة نحو حافظة كمان ستراديفاريوس، و تارة أخرى نحو النافذة و كأنه ينتظر قدومها..
و حين ضُرب زجاجها مرتين متتاليتين، نهض لأخذ نظرة خاطفة من خلالها، ليمتلئ قلبه بالسعادة و يهرع لفتح الباب لها..
توجهت إلى الداخل قائلة: هل كنت تنتظرني؟
فأجابها سعيدا بوجنتين محمرتين: أجل..
- حقا..! و ما الذي جعلك متأكدا من مجيئي إلى هنا؟
أشاح بناظريه جهة اليسار قائلا بهدوء: لم أكن واثقا، بل كنت أتمنى قدومك.
ابتسمت، و قامت بخلع معطفها البني الطويل لتبقى بفستان نومها الحريري قائلة: حسنا إذا..
ثم أمسكت بيده اليسرى و أردفت بنبرة هادئة بينما كانت مقلتاها تحدقان بعينيه: فلنكمل ما كنا نفعله أثناء الـ ديبوتانت.
احمرت وجنتيه و أومأ بالإيجاب قائلا: حسنا.
ثم استأنفا الرقصة التي قاطعهم السيد غيلبيرت أثناءها بصمت..
و بعد وقت قصير، تغيرت وتيرة الرقص فجأة لتصبح أكثر سرعة، فبدى الأمر و كأن روزماري تجر ميشيل المضطرب خلفها هنا و هناك.. و تستدير ملقية بظهرها إليه ثم تعتدل في وقفتها و تأخذ مسارات دائرية حوله..
و حين لم تجد منه تجاوبا لما تفعل، أدركت عدم معرفته للخطوات، فـ قالت له بينما هي مستمرة بالدوران: ألم يعلمك خالي أداء هذه الرقصة؟
أجابها بالنفي، فتوقفت و هي تنظر إلى عينيه اللتين كان يشيحهما بعيدا عنها، فتراءت لها ذكرى مزعجة من الأمسية الماضية.. حين انحنى لها أحد الشبان من الضيوف بعد أن قام بنزع قناعه عن عينيه، ممسكا بيدها اليمنى و منخفضا بجسده على الأرض راكعا على ركبة واحدة، و كان بفعلته تلك يعلن اختيارها كـ عروس له..
و بما أن والدها كان يقف بجوارها، التفتت إليه بنظراتها المرتبكة المترددة، ليومئ برأسه أن امنحيه ردا لائقا..
فأعادت ناظريها نحوه، و أخبرته برغبتها بمهلة للتفكير بالأمر.. لينهض موافقا على شرطها، و من ثم دعاها لمرافقته في الرقصة الختامية للحفل..
عادت إلى الواقع نافضة ذلك الأمر الذي أنهك تفكيرها طوال اليوم، و اقتربت من ميشيل لتلتصق به محيطة بذراعيها خلف عنقه..
سألها باستغراب و تلعثم: ما الذي تفعلينه..؟!
لتجيبه بنبرة منخفضة هادئة: فلنؤدي رقصة أخرى..
و حين بدأت بالتحرك معه، قال لها بوجهه المحمر بشدة: أنت تتصرفين بغرابة اليوم.
- حقا.. أعتقد أنها مخيلتك.
و أثناء ذلك خارج المستودع، كانت كاترين تقف مذهولة مما تراه من النافذة..
فهي قررت اليوم المجيء إلى ميشيل للتخفيف عنه، و لم تكن لديها أدنى فكرة عما كان يجري هنا.. فشعرت بانقباض في صدرها حين رأت ما رأته، و تلاعبت بها العديد من الأفكار لتهرع إلى الفيلا متوجهة نحو غرفة المدبرة الجديدة و هي محملة بغيرة شديدة و كيد عظيم.. ثم بدأت بطرق الباب بقليل من الشدة منادية بصوت منخفض: سيدة أوفيليا.. سيدة أوفيليا..
لتجيبها أوفيليا بانزعاج: من هناك..؟!
- إنها أنا، كاترين سيدتي.
نهضت مدبرة المنزل من سريرها و ارتدت معطف نومها الأخضر الطويل، ثم توجهت نحو الباب و فتحته لتجد العاملة اليافعة تقف و أمارات الارتباك تتجلى بكامل جسدها..
قالت لها أوفيليا ببعض الحدة بعد أن نظرت إلى الساعة: ما الأمر الذي دعاك لإزعاجي في هذا الوقت المتأخر؟
فـ بلعت كاترين ريقها ثم استجمعت كامل شجاعتها و قالت بنبرة عالية مغمضة عينيها بشدة: إنه.. إنها الآنسة روزماري..
أثناء ذلك في المستودع..
كانت تتمايل بجسدها يمينا و يسارا ببطء انسيابي، بينما هو لا يزال غير متمكنا من مجاراتها، و كاد أن يسقط عليها لكنها تراجعت للخلف عدة خطوات محاولة منع ذلك، فنجحت.. ثم قالت له بعد أن ضحكت بخفة: يا إلهي، أنت مرتبك جداً.
أخذت تحدق إليه للحظات معدودة و هي لا تزال تحيط ذراعيها حول رقبته، ثم فاجأَته بأن أسقطت نفسها على مساحة من القش خلفها ساحبة جسده معها..
كان ما فعلته غريباً جداً و دون مقدمات، و هذا ما جعل ميشيل عاجزا عن التفكير لوهلة..
حاول النهوض لكنها كانت تطبق عليه بإحكام، و كأن عقلها قد غاب لتسيطر عليها رغباتها الجامحة.. و كذلك الفتى الذي يصغرها ببضعة أشهر، و الذي شعر و كأنه سيفقد السيطرة على مشاعر غريبة اعترته و لم يفهمها، لكنه موقن بأنه لا يجب أن ينجرف خلفها..
لم يعلم إلى أين يتوجه بعينيه، فأخذ يقلب ناظريه بين شفتيها الزهريتين، عنقها النحيل حنطي اللون، و عظام الترقوة التي كانت ظاهرة بوضوح بسبب انزلاق فستان نومها الحريري كهرماني اللون للجهة اليسرى..
شعر بنبض غريب في قلبه، نبض يزداد قوة و كأنه يوشك على الانفجار.. و شعر بحرقة في حلقه فبلع ريقه بينما كانت عيناه لا تزالان تتراقصان في جميع الاتجاهات..
.
- ما الذي يدور في ذهنك الآن؟
.
سألته بصوت خافت مثير، ثم قالت له حين أشاح بناظريه بعيداً عنها: لا تبعد عينيك عني.
أعاد ناظريه إليها ليرى عينيها الخضراوتين تنظران إليه بطريقة غريبة لم يألفها، و شعر بأنهما كانتا تجذبانه نحوها، فبلع ريقه ثانية و بدأ بالاقتراب منها مخفضا برأسه نحوها حيث كان هو يعلوها..
و في اللحظة التي أغلقت بها عينيها مستعدة لما هو آتٍ، فُتح باب المستودع بركلة قوية جعلتهما ينتفضان و يتوقفان عما كانا على وشك فعله، و انقطعت تلك اللحظة الهائمة التي جمعتهما حين سمعا صوتاً ينادي بغضبٍ عارم:
.
" روزمااريــــــــــــــــــــــي.."
.
فـ تجمد جسديهما ذعراً فور تعرفهما على صاحب تلك الصرخة المدوية..
إنه السيد سولومون إدوارديز، والدها و رب عمله.
.
.
نهاية الفصل الحادي عشر..~
كان فصلا طويلا، أوليس كذلك؟ :موسوس:
لا أسئلة لهذا الفصل، أترك لكم التعقيب..
انتظروا، فلدي إضافة في الرد القادم..