Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
عدت لكم بالفصل السابع الذي انتهى بشق الأنفس.. ('=
تفضلوه..
الفصل السابع..~
.
.
"ما المعنى من ذلك يا أبي؟"
هذا ما دار في ذهنها خلال تلك اللحظات التي كانت ترى بها والدها، الرجل الرزين و الصارم، يُظهر تعابير الوحدة و الانكسار بعد سماعه للكلمات التي قالتها أنابيل قبل انصرافها..
أرادت أن تسأله مباشرة لكنها لم تستطع مواجهته و هو على تلك الحالة، ففضلت البقاء ساكنة في مكانها إلى أن يدخل هو إلى غرفته التي كان متوجها إليها..
و بدأت باسترجاع ذكرياتها إلى اليوم الذي جاءت فيه أنابيل للعيش مع والدتها في منزل عائلة إدوارديز.. إلى إحدى عشرة سنة مضت..
كانت فتاة مرحة، مليئة بالحيوية و ذكية أيضا.. استطاعت بعفويتها و مصداقيتها أن تحظى بإعجاب السيدة إدوارديز، والدة روزماري، فكانت تأتمنها على جميع ممتلكاتها الشخصية..
و لأن الأخيرة كانت تعاني من مرض عضال أنهكها، فقد فضلت أن تقوم أنابيل بالاعتناء بـ ابنتها الوحيدة روزماري دون البقية ممن عمل لديهم..
فكانت الفتاتان تلعبان معا، تجلسان معا، تتناولان طعامهما معا، و حين يحين موعد النوم، كانت أنابيل لا تبرح جانبها إلا عندما تتأكد بأن الآنسة الصغيرة قد غطت في نوم عميق..
بينما كانت السيدة إدوارديز تلازم السرير و لا ترى ابنتها إلى قليلا من الوقت.. و بالرغم من ذلك، لم تنسَ روزماري أبدا مقدار الحب الذي استشعرته من حضن والدتها المرتخي، و كيف كانت ابتسامتها الواهنة مليئة بالحنان..
أما السيد سولومون، والدها الذي اعتادت رؤية الجمود في تقاسيم وجهه آنذاك، لم يكن متواجدا بكثرة بسبب انشغاله بأعمال العائلة، لكنه بدأ بقضاء المزيد من الوقت مع ابنته بعد أن توفيت والدتها بعدة أشهر..
تعود روزماري إلى الواقع مخاطبة نفسها..
" بالتفكير في الأمر، أجد بأنه قد تغير فجأة.. كنت أراه يبتسم على غير عادته، و خصوصا حين يتجاذب أطراف الحديث مع أنابيل، يحادثها بنبرة صوتٍ لم أسمعها قبلا..! كيف لم ألحظ ذلك حتى الآن؟ كيف غاب عن ذهني تفسير نظراتهما لبعضهما من ذاك المنظور؟! كيف لم تساورني الشكوك من قبل حين كان يعود من سفرات أعماله محملا بالعديد من الهدايا لي و لها أيضا؟ و حين كانت وجنتاها تحمران و نظراتها ترتبك كلما رأته؟! "
استمرت بالنظر إلى الأعلى بينما تردف في نفسها:
" منذ متى يا أبي؟ أ يعقل بأنك كنت معجبا بها من قبل أن تموت والدتي..؟ أ يعقل بأنها غادرت هذا المنزل قبل سبع سنوات بسبب ذلك..؟
لا.. لابد بأن هناك سببا آخر لرحيلها، سبب يدعو والدتها لمعاملتها بجفاء..
ربما هي من أغوت والدي في البداية.. و لم تخرج بإرادتها بل قامت صوفي بطردها من منزلنا.. ثم أعلنت خبر خطبتها لتثير غيرة والدي..
ربما هي تكذب و ذلك الشخص ليس خاطبا لها..
هل يعقل بأني قد خدعت بها؟!
لا..
هذا مستحيل، فهي ليست كـ شخص لعوب، و طيبتها لا يمكن أن تكون تمثيلا.. أم أنها كذلك؟؟ "
.
.
اختلجت تلك الأفكار في ذهنها..
لم تستطع إنكارها و لم تستطع اليقين بها أيضا..
فقد اختل المنطق لديها.. و لم تعد قادرة على التفكير بعقلانية..
طغى عليها الغضب و الانزعاج، فأسرعت بالتوجه نحو الغرفة الزجاجية، التي يفترض أن تكون أنابيل قد عادت إليها، و هي محملة بغيرة الابنة التي تأبى أن تشاركها أخرى بوالدها..
فتحت باب الغرفة باندفاع ثم توجهت نحو الداخل بخطوات متسارعة موجهة أنظارها نحو أنابيل التي وقفت فور رؤيتها..
و قبل أن تنطق الأخيرة بشيئ قالت لها روزماري بنبرة جادة بعد أن توقفت أمامها مباشرة: أرغب بمحادثتك بأمر ما.
ثم التفتت نحو كل من كاترين و ميشيل و أردفت: اخرجا من الغرفة حالا.
أومأت كاترين برأسها إيجابا و خرجت من الغرفة، بينما أبدى ميشيل اعتراضه على ما أمرته الآنسة إدوارديز بفعله..
كانت تقف مغلقة كلتا قبضتيها بشدة مما جعل أنابيل تستشعر مدى جدية الموقف فقالت بحدة لـ ميشيل الذي كان عناده مزعجا وقتها: ميشيل، اخرج من الغرفة قليلا.
تأفف منزعجا و خرج من الغرفة مقضبا حاجبيه، و بعد خروجه.. نظرت أنابيل إلى روزماري بنظرات قلقة و قالت لها: ما الأمر روزماري، هل..
قاطعها صوت رنين هاتفها المحمول، فـ أوحت لها روزماري بأن تتفقد هوية المتصل..
و بعد أن نظرت إليه، قالت: إنه رقم غريب.. انتظري قليلا.
أجابت أنابيل على هاتفها، و أثناء ذلك كانت الآنسة إدوارديز تنظر إليها بنظرات تترصدها منتظرة انتهاء مكالمتها..
أغمضت عينيها و أخذت نفسا عميقا لترتب أفكارها بينما هي تنتظر فسمعت صوت ارتطام شيء ما بالأرض..
لحظتها.. فتحت عينيها لترى أنابيل ترتجف بشدة ثم سرعان ما جثت على ركبتيها لتجلس بجانب الهاتف المحمول الذي أسقطته من يدها للتو..
و قبل أن تنطق روزماري بأية كلمة، بدأت دموع أنابيل بالانحدار على وجنتيها المتوردتين قائلة بنبرة متقطعة: لا بد بأن هذه دعابة.
ثم وضعت كفيها على فمها و أردفت: هذا مستحيل.. ديلان.
"ما الأمر؟ ما الذي يجري هنا؟؟"
هذا ما دار في ذهن روزماري وقتها..
بعث جو الغرفة شعوراً غريبا بداخلها.. شعورا يشبه القلق، الفزع، و الخوف.. لكنه لم يكن كـ أي منهم..
اختلط غضبها العارم بتلك المشاعر، و فضلت أن تستفسر عن سبب بكاء أنابيل متجاهلة ما أرادت فعله في ذاك الوقت..
فاقتربت منها واضعة يدها اليمنى على كتفها الأيسر المرتعش بشدة، ثم سألتها بصوت يفضح قلقها الشديد: ما الخطب أنابيل؟ هل حدث شيء سيء لـ ديلان؟
لم تجبها، و استمرت بالبكاء مغلقة فاهها بيدها و دموعها مستمرة بالانهمار على وجنتيها و بللت الفستان المنقوش بالورود الذي كانت ترتديه..
وجهت روزماري ناظريها نحو الهاتف الذي لا تزال مكالمته الواردة مفتوحة، فالتقطته، و قامت بسؤال الشخص المتصل عما يجري بعد أن استوضحت هويته بادئاً..
سألها عن صلة قرابتها بـ أنابيل قبل أن يخبرها بأي شيء فقالت له من تكون..
و عندها.. أخبرها بشيء كان كالصاعقة التي شلت تفكيرها للحظات، فاستجمعت شتات أفكارها و قالت سائلة إياه: في أي مشفى هو الآن؟
و ما أن أخبرها بمكانه، حتى نادت على كاترين بصوتٍ عالٍ، و حين دخلت الأخيرة إلى الغرفة أمرتها باندفاع: اندهي على جورج بسرعة..
كاترين بارتباك: حسنا.
و أسرعت خارج الغرفة..
بينما أطل ميشيل برأسه للداخل بسبب فضوله، و تجمد عند الباب بعد رؤيته لأنابيل التي تبكي بمرارة..
أراد معرفة سبب بكائها لكنه لم يستطع تحريك شفتيه للسؤال عن ذلك، فاستنتج بأن الأمر متعلق بخاطبها الذي اسمرت بالمناداة على اسمه مراراً أثناء نحيبها..
و لم يعرف ما الذي يتوجب عليه فعله لحظتها، لكنه أراد أن يقوم باحتضانها كما فعلت معه قبلا..
و لسبب ما، لم يستطع تحريك قدميه أيضا ليتقدم خطوة واحدة نحوها..
بعد فترة من الزمن، و في مكان يعج بأصوات طنين أجهزة المراقبة الطبية..
يسأل جورج بنبرة قلقة: أرجو المعذرة، لديكم مريض اسمه ديلان بروكس، في أي سرير هو؟
أمعن الممرض النظر إلى لوحة بيضاء معلقة على الجدار خلفه كتب عليها أسماء المرضى المتواجدين حالياً في العناية المركزة، ثم قال: آسف سيدي، فالزيارة ممنوعة لهذا المريض؟
جورج: أرجوك، دعنا نطمئن عليه.
- آسف لا أستطيع، فهذه تعليمات الطبيب.
كان الممرض ذو برودة أعصاب قاتلة.. و هذا ما أثار غضب روزماري التي كانت تقف خلف جورج و بجوار أنابيل ممسكة بكلتا يديها، تحاول جاهدة منع نفسها من الثوران في وجهه، بينما كان جورج يتجادل معه بشأن إدخالهم إليه..
.
- ليس الأمر بيدي، عليك أن تتفهم بأن المسؤولية ستقع كاملة علي إن سمحت لكم بالدخول.
.
هذا ما وصلت إليه المفاوضات بين الممرض و جورج الذي كاد أن يستسلم من المحاولة لولا أن تدخلت أنابيل قائلة بصوت مبحوح و عينين متورمتين لشدة البكاء: أرجوك دعني أطمئن عليه، فأنا مخطوبته.
نظر إليها الممرض لوهلة، ثم تنهد و حاول قول شيئ ما لولا أن قاطعه أحد الأطباء الذي توقف بجانبه و قال بنبرة خافتة: هل لكم أن تخفضوا أصواتكم.
صمت الجميع و أخذوا يحدقون إليه بينما كان هو يسأل الممرض عن المريض الذي يتجادلون بشأنه..
الممرض: غرفة العزل الرابعة.
- أرجوك أيها الطبيب دعنا نره.
قالتها روزماري بإصرار فتنهد الطبيب ثم قال: سـ أسمح لكم بذلك، و لكن..
صمت قليلاً ثم أردف: سمعت إحداكن تقول بأنها مخطوبته..
و قبل أن يُتم جملته، أشارَ كلا من جورج و روزماري نحو أنابيل، فنظر إليها مردفا: أريد أن أخبرك على انفراد بأمر يخص حالته..
- أريدهما بجانبي..
قالتها أنابيل بنبرة تكاد تُسمع، و كأنها ترغب منهما مساندتها لمواجهة أسوأ سيناريو محتمل، فقام بوضع يده على كتفها الأيسر ثم قال لها بنبرة منخفضة بعد أن أخذ نفسا عميقا: حسنا.. هناك احتمال بنسبة 50% أن يكون مصابا بشلل كلي يبدأ من منتصف جذعه..
.
"شلل كلي..؟!"
.
كان هذا الخبر المشؤوم الذي ألقي على مسامعهم كفيلا بجعلهم معقودي الألسن، غير قادرين على التجاوب معه، و فور استيعابها لما قاله الطبيب، فقدت أنابيل وعيها و تم إسعافها بسرعة..
فهي، و بالرغم من صلابتها التي أظهرتها دوما، لم تعد قادرة على تحمل المزيد مما تكشفه الأيام لها..
بينما في منزل عائلة إدوارديز، كان يبدو على الفتى ميشيل الخوف الشديد على أنابيل، فهذه هي المرة الأولى التي يراها تبكي، بل هي المرة الأولى التي يرى بها شخصا بالغا يذرف الدموع بتلك الحرقة..
كان الوقت الآن قريبا من السادسة و النصف مساءاً، و كان الجميع يقوم بإعداد و تجهيز وجبة العشاء للسيد سولومون و ابنته التي أجبرها جورج على العودة إلى المنزل رغما عنها و أمرها بعدم إخبار والدها بالأمر..
وبينما العمال منهمكون في العمل بالمطبخ للتجهيز و التغطية على أحدهم، و الذي كان متغيبا عن العمل بحجة القلق على عامل آخر، كان مارك يجلس بجوار ميشيل بمحاذاة الإسطبل يحدثه بمرح محاولاً التخفيف عنه، فقال له الأخير: يمكنك التوقف عن ذلك فـ أنا لست حزيناً.. أنا خائف.
- و ممَ تخاف؟
أجابه ميشيل بنبرة هادئة بينما كان ينظر إلى سماء الليل المرصعة بالنجوم، و التي انتشرت بينها سحب متفرقة: أخاف أن تشعر أنابيل بالألم الذي شعرت أنا به.. ألم فراق من اعتبرتهم كالعائلة..
صمت قليلا ثم أردف بنبرة ذات برود يقشعر له البدن: في الحقيقة، جزء مني يتمنى موته.. لكي تبقى أنابيل بجانبي دوما.
نظر إليه مارك برهبة بعد أن رأى النظرة الباردة التي كانت ظاهرة في عينيه العسليتين، ثم أمسك بكتفيه قائلا باندفاع: عليك ألا تفكر بتلك الطريقة ميشيل.
و حينها، ابتسم الفتى بعد أن نفض الملامح الغريبة التي كانت على وجهه و قال بهدوء ناضج: لا تقلق، فأنا أعلم بأن هذا الامر خاطئ، لذا فأنا لن أستمع لما تتمناه نفسي الجاحدة..
صحيح بأنه كان يجهل الكثير و الكثير عن الواقع الذي كان مخفياً عنه و عن الجميع ممن كانوا في ذلك الملجأ، و صحيح بأنه يملك سذاجة الأطفال و عفويتهم التي لم يفسدها رغد الحياة و رفاق السوء، إلا أن الفترة التي قضاها في هذا العالم و بصحبة من هم بمثل معدن أنابيل قد صقلته ليملك قلبا يجعله يتحمل الكثير، و عقلاً متفتحاً و رزينا.. و هذا ما تعلمه أيضا من شيون، الشخص المجهول الذي قضى ميشيل معظم وقته معه قبل أن يختفي من الملجأ..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
بعد فترة من الزمن، و على مائدة طعام العاملات في خدمة عائلة إدوارديز..
كان الجميع يتناولن طعام عشائهن المتأخر بصمت بينما تراقبن مدبرة المنزل صوفي، و التي كانت تحافظ على هدوئها المعتاد و كأن شيئا لم يحدث في وقت سابق من اليوم..
تشرب حساءها باعتدال مستخدمة ملعقة فضية و تقربها من فمها دون أن ينحني ظهرها للأمام و كأنها إحدى سيدات المجتمع الراقي..
شعرت بعيون فضولية تراقبها، فقامت بإعادة الملعقة إلى الطبق بهدوء و قالت بنبرة جافة: قلن ما عندكن.. لا يردنكن إلا لسانكن..
و بالرغم من قولها ذلك، إلا أنها كانت ترمقهن بنظرات حادة، لسان حالها يقول " إياكن أن تفتح إحداكن للموضوع سيرة "..
أعادت جميعهن أنظارهن إلى أطباقهن بعد تلقيهن لتلك الرسالة.. و لم تتجرأ أن تنظر إليها إحداهن طوال فترة العشاء..
و بعد انتهائهن، قمن بشكر الله على الوجبة التي تناولنها، ثم نهضن و بدأن بمساعدة بعضهن في تنظيف طاولة الطعام الخشبية المخصصة لهن، و توجهت بعضهن إلى حيث كان الذكور من العاملين يتناولون طعامهم لمساعدتهم في التنظيف أيضا، فهم يرغبون أن يمر الوقت بسرعة لينقضي آخر أسبوع عمل لهم هنا، حيث سيتم منح أغلبهم مرتب شهرين مقدماً مصحوبا بإجازة مدتها شهرين أيضاً.. عدا عددٍ قليل منهم و الذين سيختارهم السيد سولومون و ابنته لمرافقتهم إلى إحدى ڤللهم في شمال البلاد بعد خمسة أيام للمساعدة في إعداد الفتاة روزماري لحضورها الأول لـ حفل الـ ديبوتانت المقام على شرفها..
و بينما الجميع منهمك بأعمال التنظيف، نهضت صوفي من مقعدها قائلة: أنهوا أعمال المطبخ بسرعة و أخلدوا إلى النوم.
ثم توجهت نحو غرفتها التي تقع في ممر بعيد نسبياً عن المطبخ بعد أن أعطت آخر أمر لها لهذا اليوم..
تبعتها بياتريس من فورها خلسة محاولة ألا تشعر بها صوفي حيث كانت تبعد عنها بـ خمس عشرة خطوة تقريبا..
و حين دخلت صوفي إلى غرفتها أسرعت الأخرى الخطى إليها لتداهمها هناك و تجبرها على سماع ما ترغب إخبارها به، لكنها حين أمسكت بمقبض الباب محاولة تحريكه سمعت صوت نحيب مكبوت، و كأن صاحبته تتألم لوحدها بخفاء لعدة سنوات.. فانتظرت عدة دقائق إلى أن هدأ الصوت ثم طرقت الباب بهدوء و توجهت للداخل منادية عليها دون أن تنتظر إذنا لفعل ذلك..
.
- ما الذي تريدينه بياتريس؟
.
قالتها متصنعة الهدوء حيث كانت تخفي ملامح وجهها بإعطائها ظهرها لـ بياتريس، فأجابتها الأخيرة: كفاك تمثيلا صوفي، فكلتانا والدتان نفهم ما تشعر به إحدانا تجاه أبنائها.. مهما كنا قاسين معهم، و مهما ازداد جفاؤنا تجاههم، فسيبقون فلذات أكبادنا الذين نفرح لفرحهم و نتألم لحزنهم..
ساد الصمت المكان، و لم تبارح إحداهن مقامها، فأردفت بياتريس بعد لحظات قليلة: أخبري ابنتك ما ترغبين بقوله لها و تخلي عن كبريائك قليلا لأجلها، فهي لا تعلم ما تخفينه في قلبك..
قاطعتها صوفي بعد أن ابتسمت ابتسامة ساخرة غيرت مسار الدموع التي كانت تنحدر على وجنتيها الآخذتين بالتجعد: اعملي بما نصحتني به أولا أيتها الأم الحنون.
ثم ضحكت بشدة، لكن سرعان ما بدأ جسدها بالارتجاف و جثت على الأرض باكية تقول: فات الأوان على ذلك.
و حينها، بدأت ذكريات السنين الماضية تعود إليها الواحدة تلو الأخرى، إلى أن وصلت لليوم الذي علمت به بشأن العلاقة التي جمعت ابنتها و السيد سولومون إدوارديز..
عودة إلى الماضي..
تسير تلك السيدة الشقراء التي تبدو في منتصف الثلاثينات من عمرها بخطى متسارعة على غير عادتها، و من خلفها ابنتها التي تبلغ من العمر سبعة عشر عاما..
تترصدهما أعين الجميع ممن كانوا يعملون في ذاك المنزل الكبير الذي يشبه قصور الملوك بفخامته الداخلية..
و حين ولجتا إلى مكان بعيد عن تلك النظرات المتلهفة، توقفت السيدة فجأة و التفتت بسرعة لتصفع ابنتها التي كانت خلفها مباشرة..
صفعتها بشدة جعلتها تترنح و تسقط أرضاً، فوضعت الفتاة يدها على خدها الأيسر المتخدر، و الذي بدأ لونه يزداد احمراراً..
- هل لديكِ أدنى فكرة عما بدأ الناس بتناقله عنا؟
قالتها الأم المطلقة بنبرة حادة لابنتها التي منعتها شدة الصفعة عن الحديث وقتها، و اكتفت بأن استسلمت لانسياب دموعها الساخنة من عينيها الزرقاوتين، تلك الدموع التي حاولت جاهدة منعها من الانهمار..
مرت ثوانٍ قليلة من الصمت بدت و كأنها ساعات طوال، ثم قطع وتيرة السكون صوت تحركات أنابيل حين كانت ترفع جسدها عن الأرض بتثاقل لتقف معتدلة مشيحة بأنظارها نحو الأرضية المفروشة بسجادة زرقاء ذات نقوش ذهبية أنيقة..
و فور اعتدال وقفتها، قالت لها والدتها بنبرة حادة تعلو تدريجيا: كيف تجرأت على فعل ذلك يا ابنة مدبرة المنزل؟
اتسعت عينا الفتاة الشابة عند سماعها لتلك الكلمات القاسية تخرج من فم والدتها، فقالت بانفعال: لِم تقولينها بتلك الطريقة أمي؟ لماذا تتصرفين مثلهم تماما؟
التفتت إليها صوفي قائلة بغضب: و هل قلت شيئا خاطئا..؟ أنت ابنة مدبرة المنزل، و ستبقين كذلك بنظرهم شئت أم أبيتِ..
تراددها أنابيل: و إن كنت ابنة مدبرة المنزل كما تقولين، فبماذا سيضرهم ذلك؟
- أو تعلمين ما الأقاويل التي انتشرت عنكما؟ الطعن في شرفك و عفتك؟
اتسعت عيناها و اختفت ابتسامتها الساخرة لتقول محاولة الدفاع عن نفسها: لم أفعل شيئا خاطئا أمي، فلم تتعد لقاءاتنا ملامسة أكف أيدينا..
صوفي بغضب: بلى فعلتِ.. لا تطمعي بما هو فوق مستواك.
قاطعتها بانفعال: لماذا؟! ألا تحق لي السعادة كما تحق لهم؟ أم أنها من المحرمات علينا أيضا؟
و فور قولها ذلك صفعتها صوفي بقوة لتسكتها، فابتسمت أنابيل بينما كانت توجه أنظارها الحاقدة نحو والدتها ثم قالت بنبرة متهكمة: هل من مزيد، أمي؟
حينها، رفعت صوفي يدها محاولة صفعها مرة أخرى، لكن قاطعها عن ذلك قول أنابيل لها بينما كانت ملامح الحزن و الأسى تطغى عليها: هل خُضتِّ غمار المحاكم و انتشلتني من عند ذلك الرجل لتفعلي لي ما كان يفعله هو؟!
.
- إن لم تعجبك الضوابط التي ألزمك بها فعودي إلى والدك العزيز.
.
قالتها صوفي بنبرة حادة ساخرة فأجابتها ابنتها بنبرة هادئة تخفي جرحا عميقا: هل حقا تريدين مني العودة إلى والدي و زوجته؟ إلى ذاك الجحيم, لأعود أداتهم لتفريغ الغضب كما كنت سابقا؟
عجزت صوفي عن الرد على ابنتها، فقالت لها بنبرة جافة بعد برهة من الصمت: قد يجعلك ذلك تتذكرين مكانتك جيداً.
- شكراً لكِ، أمي.
قالتها بعينين تكاد تفيضان بالدموع، و ابتسامه متألمة تصارع لأجل البقاء..
ثم سرعان ما التفتت و أسرعت بالخروج من تلك القاعة التي كانتا تقفان بها لتبقى والدتها صوفي واقفة لوحدها هناك، ترتسم على وجهها علامات الحسرة و تخاطب نفسها قائلة "لم يكن ذلك ما كنت أرغب بقوله.."
و بعد عدة أيام من تلك الحادثة، فوجئت صوفي برسالة من مجهول موضوعة على سريرها، و حين بدأت بقراءتها سالت دموعها على وجنتيها، تلك الدموع التي لا تحب أن يراها أحد..
و بعد أن أنهت القراءة، طوت الورقة و رمتها في أحد الأدراج ثم خرجت من غرفتها و توجهت إلى حيث ابنتها التي كانت قد حزمت أمتعتها آنذاك..
توقفت خلفها قائلة: هل صحيح ما ذكرته في تلك الورقة؟
فـ أجابتها بينما كانت تتحقق من بضع أوراق كانت بين يديها: نعم، فقد قمت بقبول المنحة لأدرس في مدينة أخرى.
- و متى ستغادرين؟
سألتها بنبرة صوتها المعتادة لتجيبها: ستأتي سيارة الأجرة لتقلني في أية لحظة من الآن.
- لن تبدأ الدراسة إلا بعد شهر، مع من ستبقين حتى ذلك الوقت؟ "أعني ما زال الوقت مبكراً لرحيلك"
- في مهجع الكلية، فهو مفتوح على الدوام.
- تأكدي أن تضبطي نفسك هناك. "لا..! بل اهتمي بنفسك"
أغمضت أنابيل عينيها محاولة عدم إظهار انزعاجها مما قالته، و قالت: حسناً أمي.
قالت صوفي بعد برهة من الصمت: لا داعي لعودتك إلى هنا إذاً بما أن المهجع مفتوح على الدوام. "لِمَ لا أستطيع التوقف؟! لِمَ..؟!"
التفتت إليها أنابيل و قالت لها بنبرة هادئة و ابتسامة رقيقة: معك حق أمي، لكن سأبقى على اتصال معكِ.
انتفض جسدها لرد ابنتها، و دخلت في صراع مع نفسها المتحفظة لتبوح لها عما ترغب بالفعل قوله لها، و حين همت لفعل ذلك أخيراً، قاطعها صوت نغمة صادرة من حقيبة ذات لون أزرق نيلي تحملها أنابيل، فقالت الأخيرة بعد أن أخرجت هاتفها و نظرت إليه: حان موعد رحيلي.
اقتربت الفتاة الشابة من والدتها و لم تعلم كيف تودعها، فقد كانت الأخيرة تقف وقفة رشيقة منتصبة ضامة كفيها أمام معدتها..
اقتربت أنابيل منها، و همت برفع يديها محاولة احتضانها فأوقفها عن ذلك جسد صغير ارتطم بها فجأة و قالت لها صاحبته بينما كانت تبكي: أنابيل..! لا تذهبي أرجوك.
التفتت أنابيل خلفها لتجدها الآنسة الصغيرة روزماري تحتضنها بشدة و ترجوها ألا تذهب..
فأبعدت يديها الصغيرتين عن ساقيها و قالت لها بعد أن واجهتها و ربتت على رأسها: يجب علي الذهاب للدراسة..
روزماري ببكاء و عناد الأطفال: لا داعي للذهاب إلى مدينة بعيدة، يمكنك الدراسة معي هنا..
أومأت أنابيل برأسها نفياً ثم انخفضت بجسدها إلى مستواها و قامت بمسح دموعها قائلة بنبرة مرحه: لا تحزني، فسأبقى على اتصال معك، و سأرسل لك العديد من الرسائل و الصور..
ابتسمت الفتاة الصغيرة أثناء بكائها و قالت بنبرة مرتجفة: و أنا أيضا سأكتب لك الكثير من الرسائل و سأرسل لك الكثير و الكثير من الصور..
بادلتها أنابيل الابتسام و قالت: حسنا إذا اتفقنا..
ثم احتضنتها و اردفت: و داعاً روزماري الصغيرة.
و بعد قولها ذلك، أبعدتها روزماري بحركة مفاجئة و قالت لها بعد أن وضعت اصبعها السبابة على أنفها المحدب: لا تقولي وداعاً، بل إلى اللقاء..
و أثناء ذلك.. كانت صوفي تقف مذهولة مما تراه، فها هي الآنسة الصغيرة روزماري، التي لم تبلغ العاشرة من عمرها بعد، تقول لـ أنابيل ما عجزت هي عن قوله..
فأشاحت بناظريها نحو يديها المكبلتين ببعضهما، ثم قالت مخاطبة نفسها بعد أن أغلقت قبضتيها بشدة "لِمَ لم أستطع إفلات يدي لأحتضنها؟ لِمَ لَم أستطيع حث جسدي على الحراك..؟"
تعود صوفي إلى الوقت الحالي لتنهض آخذة نفساً عميها، و تمسح دموعها بوساطة منديل أخرجته من جيب فستانها.. ثم التفتت نحو بياتريس و قالت لها بينما كانت تتقدم نحو الباب بخطاها المعتادة: اهتمي بشؤون منزل إدوارديز، أيتها الأم الحنون..
ثم خرجت من الغرفة بهدوء لتبقى بياتريس هناك تنظر إلى حيث اتجهت هي و تقول مخاطبة نفسها: ابذلي جهدك، صوفي.
خرجت بياتريس من الغرفة مغلقة الباب خلفها، و قالت بحماس بعد أن اتسعت ابتسامتها: حسناً، علي أيضاً أن أفعل المثل.
ثم سرعان ما عادت أدراجها إلى المطبخ لتجد أعمال التنظيف توشك على الانتهاء..
فرفعت كمي قميصها لتبعدهما عن ذراعيها و حشرت نفسها عند مغسلة الأواني الكبيرة بين ثلاثة من العاملات لتساعدهن على الانتهاء بسرعة..
كانت إحداهن تغسل بالصابون و الثانية تشطف بالماء..
الثالثة تقوم بتجفيف الأواني و الأخيرة تضعها في الخزائن المخصصة لها..
و بينما هن يقمن بذلك قالت إحداهن بنبرة ساخرة: هل لاحظتن شيئا مريبا بتصرفات كاترين في الآونة الأخيرة؟
الثلاثة معا: شيء غريب! مثل ماذا؟!
- انظرن إليها و ستعرفن ما أعنيه.
و من فورهم، التفتت جميع الفتيات دون بياتريس نحو كاترين التي كانت تقف ممسكة بالمكنسة الخشبية و تنظر نحو كلٍ من ميشيل و مارك الذين كانا يتصفحان إحدى المجلات وقوفا في زاوية المطبخ اليسرى..
- انظرن، هي تبدو غارقة في أحلامها الوردية..
- من برأيكم قد أسر فكرها؟ مارك، أم ميشيل؟
تساؤل صدر من احداهن.. و قبل أن تنطق أيا منهن بما تظنه، التفتت بياتريس بسرعة لتتطاير فقاعات الصابون من إسفنجة الغسيل التي كانت بيدها اليمنى و صرخت قائلة باندفاع: مـــاارك!
لحظتها، رفع الشاب ذو العشرين من عمره المجلة أمام رأسه ليحمي نفسه من قصف الأواني الذي كان ملازما دوما لنبرة الصوت تلك.. و بعد ثوانٍ قليلة، لم يحدث ما توقعه، فقام بإخفاض المجلة ليراها تقف عند المغسلة تنظر إليه بعينين هادئتين و ابتسامة تبدو مرغمة، فقام ببلع ريقه بارتباك و قال: هل ناديتني أمي؟
بياتريس محافضة على وضعيتها السابقة: أجل.
أبعد مارك المجلة ببطء و أخذ ينظر نحو والدته برهبة يحاول إخفاءها ثم سألها: ما الذي كنت تريدينه؟
- لا شيء، فقط أردت تذكيرك بالعمل.
أثار هدوءها الاستغراب في قلب ابنها الذي لم يعتد ذلك منها، فقام بإغلاق مجلته و وضعها على كتفه ثم قال بارتباك بينما كان يخرج من المطبخ: حسنا، سأسأل العجوز جورج عما بقي لإنجازه..
و بعد خروجه، التفتت نحو ميشيل و أردفت: أنت أيضا أيها الفتى.
- حـ..حسنا.
قالها، ثم سرعان ما لحق برفيقه للخارج..
أثناء ذلك في غرفة أعمال السيد إدوارديز..
تقف أمام مكتبه باعتدال مقلبة فكرة ما في رأسها، و تناقش نفسها عن الكيفية التي ستفتتح بها ذلك الموضوع ليقاطع تفكيرها هذا التساؤل..
- ما الأمر صوفي؟
قالها السيد سولومون بنبرته المعتادة بينما كان يقوم بقراءة إحدى الصفقات المتراكمة على مكتب أعماله، فأجابته بنبرة جادة بعد برهة من الصمت: أرغب بـ...
.
.
نهاية الفصل السابع..~
لا أملك الوقت للتفكير بأسئلة للفصل..
لذا..
- ما هي توقعاتكم لمجرى الأحداث ؟
- و هل من آراء/ انتقادات ؟
انتظروني في الفصل القادم.. =)
في أمان الله..~
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أخيرا انتهيت من كتابة الفصل التاسع..
حسنا.. فلنأمل بأن يكون خالياً من التناقض
تفضلوه و أتمنى لكم قراءة ممتعة.. =)
الفصل التاسع..~
.
.
تزامنا مع الأحداث الأخيرة في الفصل الثامن..
في وقت سابق من اليوم و في تمام الساعة الثامنة صباحاً حيث كانت السماء ملبدة بالغيوم، فُتحت البوابة الحديدية الخاصة بأسوار منزل عائلة إدوارديز لتتوجه سيارة سوداء للداخل و تقف أمام المنزل مباشرة..
نزل سائقها و قام بفتح الباب الخلفي الأيمن على عجل، لتخرج هي بحذائها المخملي الأسود ذو الكعب القصير و فستانها الرمادي البسيط ذي القماش السميك من السيارة باتزان و روية، حاملة بيدها اليمنى مغلفاً بنياً كبيراً بعض الشيء..
.
- شكراً لك..
.
قالتها بنبرة صوتها الحادة نسبيا فقام السائق بالانحناء لها باحترام قائلا: سأنتظرك هنا إلى أن تحصلي على الموافقة.
ابتسمت من فورها حين سمعت قوله، ثم قالت بنبرة ملؤها الازدراء: لا داعي لذلك، فبالتأكيد ستكون الوظيفة من نصيبي..
بدأت بالتقدم نحو عتبات البوابة الرئيسية لمنزل عائلة إدوارديز بينما تردف قائلة: يمكنك الانصراف بعد أن تُخرج حقيبتي من صندوق السيارة.
أومأ لها إيجاباً ثم سرعان ما قام بتنفيذ ما أمرته به، في حين نظرت هي إلى جورج الذي كان يقف أمام الباب الرئيسيّ لاستقبالها و قالت له: هلا أحضرت حقيبتي إلى الداخل، لو سمحت؟
رفع جورج حاجبه الأيمن للأعلى مبدياً دهشته و انزعاجه لهذا الطلب منها، و خصوصاً بأن ذلك ليس عمل من يحمل منصب كبير الخدم.. و لكن تجنباً للمشاكل و حفظاً لسمعة العائلة التي يعمل في خدمتها، قرر جورج التغاضي عن الأمر و إخفاء انزعاجه بتنفيذه لما طلبته و من ثم إرشادها إلى حيث ستجري مقابلة العمل التي جاءت لأجلها..
تبعته إلى الداخل، قائلة بنبرة استفزازية: لم أكن أتوقع بأن كبير الخدم هنا يقوم بمثل هذه الأعمال..
فـ ازداد انزعاج جورج إذ تقضب كلا حاجبيه و أطبق أسناه العلوية على السفلية بشدة، ثم قال بنبرة تبدي خلاف ذلك تماما: نحن معتادون على مساعدة بعضنا في إنجاز الأعمال هنا، و هذا ما يجعل كفاءة خدماتنا عالية مقارنة بمن يخدم العوائل الأخرى..
.
- هه، سأتحقق من صحة ادعائك حين أباشر الإشراف على أعمالكم.
.
قالتها بطريقة أثارت أعصابه، فقال لها بهدوء مخفياً تهكمه بينما كان مستمراً في إرشادها: هذا إن حصلت على استحسان صوفي أولا..
أرادت أن ترد على ذلك، لكنها امتنعت حين سمعت صوتاً قادما من الخارج لـ فتاة تنادي باسم أحدهم و كأنها تبحث عنه، فتوجهت من فورها نحو أحد النوافذ لتراها..
كانت تلك الآنسة روزماري ترتدي تنورة مخملية خضراء زمردية اللون، و كنزة بيضاء عتيقة، تسير في أرجاء الباحة الخلفية بشعرها البني المموج الطويل منادية على ميشيل، فخرج شاب شديد الطويل يملك شعرا أصهب من الاسطبل و انحنى لها باحترام ثم قال لها بضع كلمات لم تتمكن تلك السيدة الفضولية من سماعها و عاد أدراجه إلى هناك..
و بعد لحظات قليلة رأت شابا آخر ذو شعر عسلي ناعم يغطي كتفيه يخرج من الإسطبل متوجها نحو روزماري بخطى متسارعة..
و حينها، قالت تلك السيدة ذات الشعر الرمادي الملموم باندهاش: لم أكن أعلم بأن لعائلة إدوارديز اثنين من الورثة..!
التفت جورج للخلف نحوها و علامات التساؤل تملؤ قسمات وجهه، فوجه أنظاره خلال النافذة إلى حيث كانت هي تنظر ليرى ميشيل و الآنسة روزماري يسيران جنبا إلى جنب متوجهَيْن نحو المنزل، و يتحدثان بأريحية تامة بينما ترتسم ابتسامة مرحة على محيى كل منهما..
فتنحنح محاولا اخفاء ارتباكه و قال: ليس الأمر كذلك، فهذا الفتى حالة خاصة..
ثم قام باستئناف عملية إرشادها مردفا: اتبعيني من فضلك كي لا تضلي طريقك في الأرجاء.
نظرت إليه بنظرات منزعجة، ثم قامت بفعل ما طلبه منها بعد أن تأوهت بداخلها بتكبر..
بعد دقائق قليلة، في غرفة تقع في سرداب منزل عائلة إدوارديز، و حيث كانت صوفي تجري مقابلة العمل مع كل متقدم لشغل الوظيفة، وقفت تلك السيدة أمام الأريكة المخملية نيلية اللون و أخذت تتفحص محيطها بعينين ثاقبتين..
في حين وضع جورج حقيبتها بجانب الأريكة على الأرض و تراجع للخلف عدة خطوات إلى أن وصل إلى باب الغرفة الأبيض.
طلب منها الانتظار قليلا من الوقت إلى أن تأتي صوفي إليها، ثم خرج من الغرفة على عجل متوجها للأعلى..
و حين وطئت قدمه الدرج ليصعد إلى الطابق الأرضي، قابل صوفي التي كانت متوجهة للأسفل وقتها، فقال لها بنبرة منخفضة: إنها تنتظرك في الغرفة.. سأذهب الآن مع الآنسة الصغيرة و ميشيل إلى المشفى.
.
- حسنا..
.
قالتها صوفي بنبرتها المعتادة، ثم أردفت بهدوء بعد برهة من الصمت: جورج..
لحظتها.. قال لها الأخير بعد أن ابتسم بعفوية: أعلم، سأبلغها بأمر قلقك على كليهما، و الآن اذهبي إلى تلك السيدة النزقة قبل أن يقتلها غيظ الانتظار..
حاولت صوفي إخفاء ابتسامتها المتهكمة لكنها لم تستطع، و اكتفت بأن عنّفت جورج على ما قاله ثم توجهت إلى تلك الغرفة بكل روية..
و حين فتحت الباب بهدوء، لم تنتبه السيدة إلى دخولها إذ كانت منغمسة بتفقد الفخاريات، الأبجورات، و المناضد الخشبية الداكنة من آثار الغبار بإصبعها..
.
- هل الغرفة نظيفة كما يجب؟
.
قالتها صوفي بنبرة جادة بينما كانت تقترب نحوها فـ التفتت الأخيرة إليها بهدوء..
ألقت عليها التحية و أجابتها بالإيجاب على سؤالها، ثم جلست حين سمحت لها صوفي بذلك بعد أن ناولتها المغلف البنيّ الذي كانت تحمله بين يديها..
و بعد إخراجها و قراءتها لكافة الأوراق التي كان يحويها بعناية، بدأت مدبرة المنزل السابقة لـ عائلة إدوارديز بطرح الأسئلة عليها بدءا بأسباب التقدم للوظيفة و انتهاءا بعرض بعض المواقف الافتراضية و كيف ستتصرف المدبرة الجديدة حيالها..
و من خلال ذلك، تيقنت صوفي بأن هذه المتقدمة هي الأجدر حتى الآن لاستلام عهدة إدارة و تدبير أعمال منزل العائلة التي خدمتها لـ خمسة و عشرين عاما..
استمرت المقابلة لساعة و نصف من الزمن، و انتهت بنجاح تلك المتقدمة و الاستعداد للاختبار العملي، لكن و قبل ذلك، قامت صوفي بسؤالها عن أمر يبدو بأنه قد أثار فضولها: سيدة أوفيليا، ما السبب الذي دعاك للاستقالة من خدمة عائلة كامبردج؟!
زفرت أوفيليا مطولا قائلة بنبرة بها بعض الانزعاج: ما سبب هذا السؤال؟ و ما الذي سيضيفه إلى مدى كفاءتي؟!
صوفي ببرود: إنه الفضول لا أكثر، فـ عائلة كامبردج معروفة بمدى تعلقها بمن يخدم لديهم، لذا أنا أرغب بمعرفة السبب الذي دفعهم للموافقة على استقالتك.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على محياها و قالت بنبرة متهكمة: هه، هل تعتقدين بأني سأتحدث للعلن عن أمور تخص عائلةً عملت في خدمتها؟!
عند استماعها لهذا الرد، بادلتها صوفي الابتسام بمكر و قالت بينما هي تغمض عينيها: هذا ما كنت أرغب بسماعه..
ثم نهضت لتردف قائلة: و الآن، فلننتقل للاختبار العملي.
بعد فترة من الزمن، و أثناء إشراف المتقدمة الجديدة، أوفيليا، على عملية تنظيف الستائر الحريرية أرجوانية اللون المعلقة في قاعة الاستقبال الواسعة، فُتح الباب الرئيسي لمنزل عائلة إدوارديز بقوة و اندفاع أفزع جميع من كان هناك و جعلهم يتوجهون بأنظارهم نحوه..
فهذا الباب مصنوع من خشب الزان الذي يمتاز بثقل وزنه، من ذا الذي استطاع دفعه بتلك الطريقة..؟!
كان ذاك التساؤل مرتسما على وجوههم، و لم يبدده سوى رؤيتهم للآنسة إدوارديز تتخطى الباب لتدخل إلى منزلها الكبير بخطى مندفعة متسارعة و ملامح وجه جادة.. جارّة خلفها عنوةً عامل الإسطبل الذي يصغرها ببضعة أشهر، و الذي كان يخاطبها بنبرة غاضبة: أفلتي يدي، قلت لك بأني لا أرغب بسماع شيء.
بينما لم تبدِ هي أي اعتراض على تصرفه الغير لائق، و استمرت بالتوجه إلى حيث ترغب بالانفراد به في مكان ما في الطابق العلوي..
و أثناء ذلك، كانت أوفيليا تراقب ما يجري بذهول تام، ثم قالت لـ صوفي بعد أن اكتست معالم وجهها بالاستياء المطلق: هل تتصرف وريثة العائلة هكذا مع جميع العاملين هنا؟!
.
- لا، فهذا الفتى حالة خاصة.
.
قالتها صوفي بهدوء مخفية انزعاجها الشديد، فهي أيضا تعارض نوع المعاملة التي يتلقاها ميشيل، و لأنها رأت انزعاج السيدة أوفيليا من نفس الأمر، ازدادت رغبتها بالموافقة عليها مدبرة جديدة أكثر فأكثر..
بينما في الطابق العلوي، و تحديدا في الجزء الشرقي من المنزل..
دفعتهداخل قاعة دروس العزف بحركة سريعة و بأكبر قوة لديها، ثم أقفلت الباب خلفها بإحكام..
وجه إلها نظرات حانقة تبعتها محاولة لأخذ المفتاح من بين يديها، لكنها استطاعت مراوغته بخفة عالية.. فـ دروس مهارات الدفاع عن النفس كانت ملازمة لها منذ سن السابعة..
أما هو، فقد كانت حركاته و ردات فعله بطيئة بعض الشيء، بالرغم من التمارين الرياضية التي ذكر لأنابيل سابقا بأن جميع من في الملجأ كان يقوم بها في ثلاث فترات متفرقة من اليوم الواحد..
- أخرجيني من هنا.
.
قالها بنبرة مرتفعة غاضبة بعد عجزه عن مجاراتها، فابتسمت رغم ذلك و قالت له بينما هي تبتعد عنه متوجهة نحو آلة البيان السوداء الكبيرة: سأخرجك من هنا إن استمعت لي أولا.
تبعها بخطى متسارعة قائلاً بانفعال : أخبرتك بأني لا أرغب بسماع شيء..
ثم أغلق غطاء المفاتيح الموسيقية بشدة ليدوي صوت ارتطامه في أرجاء ذاك الجزء من المنزل..
تجاهلت غضبه و جلست على الكرسي بهدوء واضعة المفتاح على جحرها، ثم فتحت الغطاء فقام بإغلاقه مرة أخرى..
فتحته ثانية ليفعل المثل..
و استمرا على تلك الحال لدقيقتين كاملتين قالت روزماري بعدهما: ألم تمل بعد؟
أجابها بنبرة أقل انفعالا من السابق: لا..
فـ زفرت مطولاً ثم ابتسمت بعذوبة و قالت له: أرجوك، أرغب بأن تستمع إلى هذه المقطوعة، فقد كنت أتدرب عليها طويلا.
شد على قبضتي يديه غضباً، لكنه لم يستطع رفض طلبها كما فعل سابقا و استمر بالنظر إليها دون أن ينطق بحرف واحد، فقالت له بنبرة مرحة: السكوت علامة الرضى، لذا سـ أبدأ العزف الآن، و أعدك بأني سأتوقف إن لم تعجبك المقطوعة التي اخترتها..
أرخى قبضتيه و تراجع خطوتين للخلف ليبتعد عن آلة البيان قليلا، ثم قال بنبرة منخفضة حانقة: حسنا.
و بعد سماع موافقته، رفعت الفتاة روزماري غطاء مفاتيح الموسيقى و اتخذت وضعية جلوس أرخت بها عضلات أكتافها، ثم باشرت العزف بأصابع يديها النحيلة ليصدر لحن عذب جميل، أنغام تمس القلب، و كأنها تحكي حكاية دافئة بلا كلمات..
وضع الفتى كلتا يديه على وسط صدره، و اتسعت عيناه لتجتمع الدموع في مقلتيه، تلك الدموع الفاترة التي بدأت بالانهمار على وجنتيه المحمرتين حين وصلت روزماري إلي المقطع الثاني من المعزوفة..
يراقبها برؤية متضببة و هي تعزف بشغف مغلقة عينيها و تميل بجسدها للأمام و الخلف تارة، و تارة أخرى لليسار و اليمين..
و بينما هي تقترب من نهاية المقطوعة، فتحت عينيها و اختلست نظرة عليه فرأت حاله التى أجبرتها على التوقف عن العزف..
وجه مبلل بالدموع التي تسربت إلى الجزء العلوي من كنزته الصوفية الرمادية، و فم حائر بين الابتسام و العبوس..
أخذت نفساً عميقاً زفرته مطولاً بشفاه مضمومة، ثم نهضت بروية وقالت بنبرة بها بعض القلق: توقف عن البكاء أرجوك..
لكنه لم يستجب لها، حيث كان يمسح دموعه مستخدما أكمامه، و مع كل مسحة يقوم بها، يزداد فيض تلك المياه المالحة من عينيه..
اقتربت إليه و همت بتحريك يديها محاولة فعل شيء ما، فقاطعها قوله بصوت مرتجف: ما الذي سأفعله؟ فـ أنابيل لم تعد تحبني..
.
- هذا غير صحيح.
.
قالتها بنبرة مترددة فصاح باكيا: بلى، هي تكرهني الآن..
ارتبكت، و خاطبت نفسها بانزعاج "ليس هذا ثانية.."
ثم قالت له بنبرة هادئة بعد أن أمسكت بكلا كفيه و رفعتهما إلى مستوى ناظريها: ميشيل.. هل تعلم سبب غضب أنابيل اليوم؟
أومأ برأسه نفياً و هو لا يزال يشهق ببكائه فأردفت: لأن سؤالك لها جاء في وقت غير مناسب..
صمتت قليلاً ثم أكملت بصوت دافئ: أحيانا، تتزاحم مختلف المشاعر بداخل الإنسان فتثقل كاهله، و تجعله يفقد ملكة تفكيره لبعض الوقت، فتصدر منه تصرفات دون إرادة منه، تلك التصرفات قد تؤذي من حوله، و حتى أقرب الناس إليه.. وحين يدرك الخطأ الذي أقدم عليه يكون في أشد حالات الندم.. و قد يصاب باليأس إن كان ذاك الخطأ غير قابل للإصلاح..
قال لها ببعض الغيظ بينما كانت دموعه مستمرة بالانهمار: لم أفهم شيئا.
فتنهدت، ثم قالت: هل تستطيع أن تصف لي ما شَعَرتََ به حين فعلت أنابيل ذلك؟
توقف عن البكاء قليلا و بدأ بأخذ شهقات متتابعة بينما يفكر بالإجابة، ثم قال لها بصوت منخفض مرتجف: لا أعلم.. ربما خوف و غضب و دهشة، و شيء آخر لا أعرف ما هو..
- حسنا، و ما الذي فعلته بعد ذلك؟
كانت ترمقه بنظرات جادة فأشاح بوجهه و ناظريه بعيدا عنها ثم أجاب: قمت بالهرب..
- و..؟
أجاب بعد أن انخفضت وتيرة صوته أكثر: و صرخت عليكِ..
أفلتت يديه ثم قالت بينما هي تتراجع للخلف عدة خطوات: هل رأيت؟ هذا ما كنت أعنيه.. فـ أنابيل تشعر بـ حزن كبير بسبب ما حلّ بـ ديلان، و تشعر كذلك بالغيظ بسبب معاملة والدتها صوفي لها، و مشاعر أخرى كذلك جعلتها منهكة.. ثم جئت أنت لتقول لها ما قلتَه بكل أنانية، دون مراعاة للوضع الذي كانت به..
استمر بالنظر بعيدا بعينيه التي تتجمع بهما الدموع ثانية و علامات الانزعاج ترتسم على وجهه.. فشدت روزماري قبضتيها على قماش تنورتها المخملية و قالت باندفاع مصطنع بعد ثوانٍ من الصمت: اسمع.. ما رأيك بأن تنسى أنابيل لبعض الوقت إلى أن تهدأ أحوالها، و تأتي معي غدا إلى شمال البلاد؟
تعكرت تقاسيم وجهه حين سمع ذلك و تقضب كلا حاجبيه، فأردفت روزماري بنبرة هادئة: أنا متأكدة بأنها ستستأنف عملية تعليمك القراءة و الكتابة كما وعَدَتْك.. فقط امنحها بعض الوقت لوحدها..
يتبع..
Human.. قد أكون مجهول الهوية، لكنني أظل إنساناً.
تابع..
استمرت تنظر إليه لبعض الوقت تنتظر تجاوباً منه، و حين لم يحرك ساكناً بدا عليها الغيظ و التفتت متوجهة نحو الباب بخطى بطيئة متزنة ثم وضعت المفتاح في القفل، و بينما كانت تقوم بإدارته قال لها بصوت منخفض و نبرة هادئة: روزماري..
فالتفتت إليه من فورها و ملامح الدهشة تملؤ قسمات وجهها، فهذه هي المرة الأولى التي يناديها باسمها مجرداً دون إضافة لقب الآنسة إليه..
التفتت إليه لتراه مشيحا بناظريه بعيدا عنها، و عيناه تهتزان في مقلتيه، ثم قال لها بشفاه عابسة بينما كانت وجنتيه تحمران خجلاً: أعتذر عما بدر مني سابقاً.
نفضت دهشتها و أرادت أن تمازحه لتخفف من ارتباكه الواضح، لكنه أردف قبل أن تفعل ذلك: يدك.. هل تؤلمك؟
أومأت له بالنفي ثم قالت بنبرة هادئة تخفي سعادة غامرة بعد أن أخفت ذراعيها خلف جسدها: لا تقلق، فعظامك الهزيلة لن تستطيع إيلامي..
لم يستجب لتهكمها الواضح عليه، فانحنت نحوه قليلا متسائلة باستغراب: ميشيل..؟!
لحظتها، رفع ناظريه إليها بحركة مفاجئة و قال لها باندفاع: أنا آسف لأني جعلتك تبكين..
.
"هه..؟!"
.
أسرت ذلك بداخلها بينما كانت تمعن النظر إلى عينيه المرتبكتين.. بينما أشاح هو بناظريه مرة أخرى بعيداً ليقع بصره على مجموعة من آلات الكمان يتوسطها كمان أصغر منهم حجما، ذو حواف سوداء مزخرفة بأناقة، و لونٍ أفتح من البقية يميل للاصفرار..
و قبل أن تستجيب لما قاله لها، سألها بعد أن أشار إليه عن سبب اختلافه، فابتسمت بسخرية وتمتمت بانزعاج: ما السر في انجذابك للكمان؟!
لم يسمع ما قالته و استمر ينتظر إجابتها لتتوجه هي نحو ذاك الكمان و علامات الغيظ ترتسم على وجهها الجميل، فـ مهما قالت يبدو بأنه لن يستمع لها..
تنهدت بعمق لتبعد الضيق الذي شعرت به، ثم أمسكت ذاك الكمان و التفتت نحو ميشيل قائلة بـ ابتسامة مرحة: هذا الكمان يدعى بـ ستراد، أو ستراديڤاريوس، نسبة إلى صانعه أنطونيو ستراديڤاري..
- ستراديڤاري؟
قالها متسائلاً فأجابته من فورها: أنطونيو ستراديڤاري، من أشهر صناع اللآلات الموسيقية في القرن الثامن عشر، كانت آلاته متميزة عن البقية دائما.. حتى أن الصوت الذي يصدر منها له نغمة و عمق خاص..
.
- حقا..؟!
.
قالها بفضوله المعتاد فأومأت برأسها إيجاباً، ثم قامت باتخاذ وضعية العزف و قالت: هل ترغب بالاستماع إليه؟
أشاح بناظريه نحو الأرض و أجابها بعد أن احمرت وجنتيه: أجل..
فابتسمت قائلة: كنت أعلم بأنك لن ترفض ذلك.
ضحكت بخفة و أردفت: توجد علاقة غريبة بينك و بين الكمان لا أعرف كيف أصفها.
لم يجبها و ازداد احمرار وجنتيه بينما لا يزال يوجه أنظاره نحو الأسفل فقالت له بعفوية مطلقة: هل ترغب بتعلم العزف على الكمان؟
رفع ناظريه نحوها و الدهشة الممزوجة بالسعادة بادية عليه..
أجابها باندفاع: أجل.
ثم سرعان ما شعر بالارتباك من موقفه و التفت بوجهه نحو شيء آخر غيرها ليردف قائلا بنبرة منخفضة: هل يمكنني ذلك؟
.
- أجل بالطبع.
.
أجابته بذلك، ثم باشرت العزف على الكمان من فورها..
أثناء ذلك في الطابق الأرضي..
قال مندهشا بصوت منخفض: أنت تمزحين، أليس كذلك؟!
فأجابته من فورها: لا، فكفاءتها المتميزة مناسبة لهذا المنصب.
.
- و لكن..
.
قالها جورج منزعجا لتقاطعه صوفي بنبرتها الجادة: بعيداً عن الأهواء و الأنانية، فمصلحة عائلة إدوارديز هي أولويتي.. حتى و إن لم يتفق الجميع معها، فأنا ألتمس حاجة هذا المنزل لمزيد من الصرامة و الانضباط الذي أنا متأكدة بأنها ستحققه أفضل مني..
فهم جورج ما تشير إليه صوفي بحديثها هذا، فهو قد شهد قبل بعض الوقت على شيء ربما يكون بداية لعلاقة لا يجب أن تكون..
فزفر مطولا ثم قال لها بنبرة مستسلمة: أعتقد بأنك محقة.. حسنا لن أعترض على قرارك.
و حينها، ارتسمت ابتسامة واثقة على محياها سرعان ما تبددت حين تذكرت ابنتها، فقامت بسؤاله عنها ليجيب بنبرة متأسفة: لم أتمكن من محادثتها، فحين دخلت إلى الغرفة كانت تبكي بمرارة، ثم تركتها لأبحث عن الآنسة الصغيرة و ميشيل كما أخبرتك قبل قليل..
.
- لا بأس.. سأذهب إليها في الغد على أية حال.
.
قالتها بصوت هادئ يخفي حزنا دفينا، ثم ارتدت قناع الهدوء و الحدة مرة أخرى لتستأنف اختبارها العملي للسيدة أوفيليا، و التي تمت الموافقة على تعيينها في تمام الساعة الخامسة مساءاً بعد أن قدمتها صوفي إلى السيد سولمون إدوارديز..
بينما في الباحة الخلفية..
يقف وحيدا أمام باب الإسطبل من الخارج سارحاً بفكره بعيداً.. يفكر ملياً بما حدث سابقاً في المشفى، و بما قالته روزماري له..
"فلتنسَ أنابيل لبعض الوقت"
ابتسم بسخرية ثم أغمض عينيه فتراءت له اللحظة التي حركت بها الآنسة إدوارديز القوس على أوتار الكمان.. اللحظة التي عزفت بها نفس مقطوعة البيانو السابقة، و لكنها بدت أكثر تأثيراً من قبل..
تذكر ما شعر به لحظتها من دفء في قلبه، و كذلك انتفاض جسده و القشعريرة التي سرت به..
تذكر سؤاله لها عن اسم المقطوعة و اهتمامه في تعلمها لتفصح هي عن اسمها له، و تعده بتعليمه العزف على الكمان بعد أن وافق على اقتراحها في الذهاب معهم..
عاد إلى واقعه بعد أن لامس شيء ما شفته السفلية برقة، فرفع ناظريه نحو السماء ليجدها تمطر بهدوء..
.
"قُبلة المطر"..
.
قالها بقليل من الدهشة، ثم رفع يده اليمنى لتلامس أطراف أنامله قطرة المطر التي سقطت على شفته، و ارتسمت ابتسامة متألمة على محياه ليردف بنبرة منخفضة: اسم غريب للحن مؤلم..
بعد فترة من الزمن، و بينما تتناول عائلة إدوارديز، المكونة من والد و ابنته فقط، وجبة عشائهم.. كانت روزماري تجلس بانضباط إلى طاولة الطعام الأثرية الطويلة تنتظر انتهاء والدها لتفاتحه بأمرٍ تعتبره مهماً..
و حين وضع الشوكة الفضية من يده اليسرى، و قام بمسح فمه بالمنديل القماشي الأبيض قالت روزماري بنبرة جادة: أبي، أرغب بمحادثتك بأمر مهم.
التفت نحوها بعينين متمللتين، و سألها بنبرة لا مبالية عما ترغب بقوله لتجيبه بلا تردد: سأصطحب ميشيل معنا غداً.
ارتفع حاجبه الأيمن لا إرادياً إشارة إلى عدم استساغته لهذا القرار، ثم قال لها بنبرة بها بعض الحدة: أليس عمل ميشيل هو الاعتناء بالخيول؟
- بلى.
- ليس لديه عمل لفعله هناك إذاً.. لا داعي لاصطحابه.
- و لكن..
- روزماري..
قالها بنبرة صوتٍ و تعابير وجهٍ حادة جعلت شيئا ما بداخلها ينتفض رهبة، ثم سرعان ما تصنعت عكس ذلك لترد على والدها: إلى أين سيذهب؟ فـ..
أوقفت نفسها عن الحديث و أسرت بداخلها "فهو لن يستطيع العودة للعيش مع أنابيل في ظل تلك الظروف"
فسأل والدها ببعض الاستهزاء: إلى أين سيذهب؟! سيعود من حيث جاء.
أجابته من فورها: لكنه لا يستطيع العودة.
نظر السيد سلومون إلى ابنته ببعض الاستخفاف و قال لها متسائلا بتهكم: لا يستطيع العودة إلى الريف؟! و هل أنساه الشهر الذي قضاه هنا الكيفية التي كان يعيش بها في ذاك المكان؟
شدت روزماري على قبضتيها الموضوعتين على محجرها و خاطبت نفسها "يا إلهي، كيف نسيت هذا الأمر؟ فوالدي لا يعلم حقيقة كونه من ملجأ مجهول للأيتام"
بدأت تفكر في كذبة محبوكة لجعل الأمر لصالحها، فقالت بنبرة تصطنع الحزن بعد ثوانٍ من الصمت: أجل، هو لا يستطيع العودة إلى هناك لأنه يتيم الأبوين بلا أقارب، و الأشخاص الذين كان يعيش معهم لا يعاملونه بطريقة جيدة..
بعد قولها ذلك، مضت ثوانٍ من الصمت كأنها الدهر بالنسبة لها.. ثم نهض والدها من مقعده بروية متنهدا بانزعاج، و هم بالخروج من غرفة الطعام لتنهض هي باندفاع مصدرة ضجة إثر احتكاك أقدام الكرسي بالأرضية الرخامية، و قالت بانفعال: أبي..!
ليرد عليها بحدة: حسنا، افعلي ما تشائين..
ثم أكمل طريقه خارجا فلحقت به منادية عليه، و حين التفت إليها قامت بالانحناء له برقة معبرة عن شكرها..
فابتسم لا إراديا ثم قال بعد أن تنهد بعمق: تعلمين بأني لا أستطيع الرفض أمام إلحاحك..
بادلته الابتسام، فـ تقدم منها، ثم وضع كف يده اليمنى على وجنتها اليسرى و أردف قائلا: اقترب الحدث الكبير روزماري، ستكونين أجمل جوهرة في الحفل و سيطمع بك الكثير.. لكن عليك الاختيار بحكمة بينهم، فأنت ستحددين الشخص الذي سيشاطرك مسؤولية عائلة إدوارديز كاملة..
ارتبكت لقوله هذا، و أشاحت بنظرها بعيداً ثم طأطأت رأسها و قالت بنبرة تصطنع الهدوء: حسناً أبي.
و حين تركها و ابتعد متوجها للأعلى، ظلت هي واقفة في مكانها للحظات محافظة على هدوئها الذي ما لبث أن تبدل إلى انزعاج مطلق..
في صباح اليوم التالي..
تقف أصغر عاملات منزل إدوارديز أمام باب السيارة حاملة حقيبة سوداء صغيرة تضع بها بعض حاجياتها، سارحة بفكرها في ما حصل ليلة البارحة حين أعلنت السيدة أوفيليا، مدبرة المنزل الجديدة، عن عقد اجتماعٍ طارئ و تم إيقاظ جميع الخادمات من النوم لأجل حضوره..
و حين تجمعن حول مائدة طعام العاملات حيث أمرتهن، قالت لهن بينما كانت تقف أمامهن: لا بد بأن الجميع يعرف من أنا الآن..
أومأت جميعهن برؤوسهن إيجاباً فأردفت: و يعلم الجميع بأن السيد و الآنسة إدوارديز سيغادران صباح الغد متوجهيْن شمال البلاد للتحضير لحفلة الديبوتانت الأولى للآنسة روزماري..
أومأ الجميع بالإيجاب مجدداً فقالت: و تعلمون بأن الآنسة قررت اصطحاب ميشيل معها..
تفاجأت جميعهن عند سماعهن لذلك، و بدأن بالتهامس فيما بينهن، فصرخت عليهن أوفيليا بحدة لإسكاتهن ثم قالت: سأقوم بإرسال إحداكن و إعطائها بعض التعليمات التي ستتبعها إلى أن ألحق بالجميع بعد أسبوع، من ترغب بالذهاب و تظن بأنها قادرة على تحمل تلك المسؤولية فلترفع يدها..
بدأن بالنظر إلى بعضهن، فجميعهن ترغبن بالإجازة مدفوعة الأجر التي سيحصل عليها جميع العاملين بعد اسبوع، و التي ستمتد لأكثر من شهر..
لكن إحداهن شعرت باضطراب في قلبها لما سمعته، و رفعت يدها ببطء شديد فالتفت الجميع إليها..
نظرت إليها أوفيليا بتمعن ثم قالت: اسمك كاترين، أليس كذلك؟
- أجل..
- حسنا إذا.. ابقي هنا، أما البقية، فعدن إلى النوم.
انصرف الجميع لتبقى كاترين المرتبكة مع أوفيليا لوحدهما، فقالت الأخيرة بعد تأكدها من خلوّ المكان: لا داعي للارتباك، فما سأطلبه منك ليس صعباً البته.. فكل ما عليك فعله هو مراقبة ميشيل عن كثب..
استغربت كاترين هذا الطلب لكنها التزمت الصمت و لم تتجرأ السؤال عن سببه، في حين وضعت أوفيليا يدها اليمنى على كتفها مربتة عليه ببعض الشدة ثم قالت: سأنتظر منك تقاريراً يوميا عنه، و ستستمر مهنتك تلك حتى بعد مجيئي إليكم..
.
.
تعود كاترين إلى الواقع لتتنهد بعمق ثم تدخل إلى السيارة بعد أن وضعت حقيبتها في الصندوق الخلفي..
بينما أمام الباب الفرعي للمنزل، كان ميشيل يقف مرتدياً حقيبة ظهر صغيرة نسبيا، و يتحدث مع مارك الذي كان يبدو في أشد درجات السعادة..
مد الأخير يده إليه لمصافحته قائلا بنبرة هادئة: إلى اللقاء يا صديقي.. فقد لا نلتقي قريباً.
سأله ميشيل باستغراب: لماذا؟
فأجابه مارك بابتسامة متسعة بعد أن رفع علامة النصر: تم قبولي في كلية الطيران الحربي.
- حقاً..!!
قالها بسعادة فأومأ الآخر برأسه إيجابا ثم قال: سأخطو خطوة نحو تحقيق حلمي أخيرا، و أنت يجب أن تجد حلما تسعى إليه أيضا.
في هذه اللحظة، تقدم جورج نحوهم و أمر ميشيل بأن يصعد إلى السيارة لأن الرحلة على وشك أن تبدأ..
فقام الفتى بتوديع مارك للمرة الأخيرة ثم قال بسعادة بينما هو يبتعد عنه: سأحاول فعل ذلك بكل تأكيد..
أثناء ذلك، و أمام مشفى يقع في ضاحيةٍ بعيدة نسبياً عن ذاك المنزل..
انحنت بجسدها الرشيق لتصل إلى نافذة سيارة الأجرة التي خرجت منها للتو، و التي قام السائق بفتحها حين قامت بالطرق عليها..
.
- ما الأمر سيدتي؟
.
قالها بكل احترام لتجيبه بنبرة مترددة: لقد غيرت رأيي، سأعطيك أجرتك الآن.
- لا تريدين مني انتظارك إذا.
- أجل..
و بعد هذه المحادثة، ناولته النقود ثم التفتت لتواجه بوابة المشفى الرئيسية بمشاعر متأرجحة..
أخذت نفسا عميقا زفرته مطولا، ثم خطت أولى خطواتها متوجهة إلى الداخل بعزم..
بدأت بشق طريقها هناك متوجهة نحو وحدة العناية المركزة متبعة الإرشادات التي منحها كبير الخدم جورج لها، و حين و صلت إلى حيث يفترض أن يكون ديلان، إلى السرير الرابع، فوجئت بشخص آخر يرقد عليه..
أصيبت بالهلع داخلياً، و أسرعت الخطى نحو أقرب ممرض لتسأله عما حصل للمريض السابق، فأجابها أحدهم بعد اطلاعه على عدد من الأوراق بأنه قد نُقل إلى الغرفة السادسة في الجناح الثاني..
أحست بالراحة نوعا ما.. فنقله يدل على استقرار حالته الصحية، لكنها لا تزال قلقة..
خرجت من وحدة العناية المركزة بهدوء، ثم قامت بسؤال أحد العاملين في المشفى ليدلها إلى حيث تم نقل خاطب ابنتها..
و حين وصلت إلى الغرفة المنشودة، وقفت أمام بابها لبعض الوقت و قلبها ينبض باضطراب مترددة في الدخول إليها، لكنها حافظت على تعابير وجهها الجادة رغم ذلك.. أخذت نفسا عميقا زفرته بشفاه مضمومة ثم قامت بطرق الباب أخيراً..
.
.
نهاية الفصل التاسع..
لا أسئلة لهذا الفصل.. يمكنكم التعقيب كما تشاؤون =)
و انتظروني فلدي القليل من الإضافات في الرد القادم..