- راويه -
لمَ تعدَ الحياةَ تُغرينيَ كـ السَابقَ , لايزال الخوّفَ مُلازماً ليَ حتى هذه اللحظه , أُفرغ شحناتهَ الزائدهَ بقضمَ أظافريَ , الرجلَ الذيَ يُدعى - سايمنَ - مُغترباً عنَ ديارهَ منذُ ثلاثينَ عاماً , قدمَ إلى هُنا لـ يُكمل سير عمل والدهَ , المُتاجرةِ بـ الأعضاءَ البشريّه وَ بيّعها , أخبرتنيَ كاثرينا بـ أن مُعظمَ ضحاياها لآيقتلهمَ إنما الحصول على الأعضاء السليمهَ وبيّعها للمرضىَ الذينَ يُعانونَ فقدها , أو وضعَ الجارياتَ قيدَ الإستئجارَ والعملَ كـ خادمه مدةّ شهرٍ أو أكثر , بـ الأمس أحضرَ طفلٌ صغير لايتجاوزَ عُمره الثانيةَ عشرَ , قامَ بـ إجراءَ عمليّةً له والإستيلاء على كُليته , ذاكَ السفّاح لآيُدركَ خطورةَ أدواته المُستخدمهَ , ملوّثة يتآكل الصدأُ فيها , أينَ عائلةَ الطفلَ ! , سؤال بعثرتهَ بوجه كاثرينا المُتجهمَ , أجابتنيَ وهيَ تنفضُ الغبارَ عن فراشَ زوجها ..: لاتقلقيَ , والدهَ يعلمَ بـ أمرهَ , الفُقراءَ يأتونَ بـ أطفالهمَ إلى هُنا من أجل بيعَ أعضاءهمَ , زوجيَ يوّفر لهمَ المُبلغَ الذيَ يُريدونهَ , أنه عملٌ شريفَ لآيجبَ أنْ يخجل منهَ .
لمَ تُثيري الحزن وحسبَ بلَ الجنونَ معهَ ..: لآ أُريده أن يخجلَ بلَ يخشىَ .
نفثتُ الهواء من صدرها بضجر ..: أذهبيَ , وأسقيَ الحمَارْ ولآتنسيَ حضيرة الدجاجَ قوميَ بتنظيفها , لدينا ضيوفٌ هذه الليلهَ .
ضيوفَ , هل هُناك عاقلٌ يأتيَ لزيارةَ هذه العائلهَ ! , أنهيتُ أعمالي فيَ ساعةٍ متأخره , توجهتُ إلى مستودعَ الأثاثَ الخربَ طلباً للنومَ , هيهاتَ له مالمَ يطرحنيَ الحنينَ إلى أحبتيَ .
صديقتي - سارا - غريبةَ الأطوار , تحُّثنيَ على الصبرَ طوال الوقتَ وكأننيَ منْ أختارَ مذاقَ جُرعتهَ , أودُّ أن أتلاشىَ حينما يهتفُ ثغري بـ إسمها , يطَرقَ الحقدَ مسمَار الكراهيةَ لـ شخصٍ أعرفهَ , أرآهُ فيَ أحلاميَ وَ يقضتيَ ولآيرانيَ فيَ قلبهَ , أشعلتَ فتيلَ التباعُد بيننا حينما أختارتَ فراقيَ والظفرَ بـ الدنيا لوحدها , ربّآهُ هلَ يحقُّ ليَ نسفَ التسعةُ أشهرَ فيَ سراديبَ الجحد ! , ظالمةٌ أنا إن فعلتها .
النومَ مُهاجراً لمُقلَتيّ منذُ ساعات , نهضتُ من الفراشَ السئَ وقد إلتصق فُتات القطنَ بشعري وملابسَي , تأملتَ شارعَ ليومانغَ من خلال النافذه المُطلّةِ عليه , تتساءلون عن إسمَ الشارعَ الغريب ! , هذا الحيّ لآ يقطنهُ سِوى الأجانبَ المُعاهدونَ , إبتعدتُ عنَ النافذهَ حينما رأيتَ أحدَ الأشخاصَ ينظُر إليّ , يا لجُنونكَ راويهَ سـ يقضيَ سايمنَ على ماتبقىَ من عُمركَ إن علمَ برؤيةَ الرجلَ ليَ !
فُتحَ البابَ بقوّه أدرتُ وجهيَ ناحيةَ المُقتحمَ , جلستَ منَ الرهبهَ , تحدّث ..: مابكَ ؟!
إصطكّ فكّي ببعضهما , إقترب منيَ ..: أينَ صديقتكَ ؟!
أجبتهَ بذعرَ ..: لا أعلمَ .
أتانيَ صوتَ الموسيقىَ الصاخبِ من الأسفلَ وقدَ صدَحَ بـ قُبحهَ أركانَ المنزل , هزّ خاصرته ..: أنتيَ مدعوّة إلى الحفلةِ في الأسفلَ , أرتدي أفضل مالديكَ .
مالذيَ يهذيَ به هذا الأهوجَ , لمَ أتمكّن من إجابته , حدّثنيَ مُجدداً ..: الحفلُ مُمتعٌ للغايه .
صرختُ به مُتناسيةً ماحدثَ للفتاةِ مُسبقاً ..: لآتكَنْ وقحاً ياهذا ! , لنَ آتيَ إلى الحفلَ , لستُ إمعةً أوّجه كما تُريدَ و ..
ألجمتُ أحرفيَ , حينما رأيتَ الغضبَ يغزو تفاصيلَ وجهه المُعتمَ , تحدّثَ وهوَ يشدُّ كتفيَ ناحيتهَ ..: هل نسيتِ بـ أنكِ جاريهَ وأفعلُ بكِ ما أُريدََ , سـ أُمهلكَ خمسُ دقائقَ وحسبَ إن لم أركِ فيَ الأسفلَ سـ أسحقُ عِظامكَ .
خرجَ من الغُرفهَ مُتمايلاً على أنغامَ الموسيقىَ , ربّآه أخسفَ به الأرضَ قبل أن يصل إلى مُبتغاهَ , هل سارا في الحفلَ ! .
خرجتُ من الغُرفه بحثاً عنها , ظهرتَ أماميَ بكامل زينتها , فُستانٌ بـ اللونَ القُرمزيَ يكَسيَ جسدها النحَيلَ جداً , الغنجُ في خطواتها طَربُ , حدّثتني ..: ألن تحضريَ الحفل ؟!
مررتُ أصابعيَ بينَ خصلاتَ شعريَ لـ أشدّه بقوّه , أُريدَ للصداعَ أن يهدأ منَ ثورته ..: لا , لنَ أذهبَ بقدميّ إلى الجحيمَ .
حركتَ أصبعها الخُنصر فوقَ عُنقها ..: سـ يقتلكَ سايمنَ , لنَ يحدُث لكِ مكروه في الأسفل , ثقيَ بيَ إن كُنتيَ تعقُلينَ .
دفعتُها إلى الوراءَ من شدةَ غضبيَ ..: سـ تذبُلينَ كزهرةً ماتتَ عطشاً , ذاكَ المُجرم لنَ يسقيكَ الماءَ , سـ يجرفكِ بمجرفةَ العصيانَ و ..
قاطعةَ حديثيَ لـ تُفجّر أحرفُها القاسيه بوجهيَ ..: أنتيَ جاريتهَ أيّ عروسهَ , الجميعُ يُدركَ ذلكَ لاتكَونيَ حمقاءَ بـ أفكاركَ , عن إذنكَ .
لستِ بحاجةً إلى تذكيريَ , فـ وسمهَ على عنقي عجزٌ يُصيبَ مُستقبليَ المجهول , لازلتُ أرتديَ الثوبَ الأبيضَ الذيَ أهدتهَ ليَ عمتيَ لينَ , مُتسخٌ جداً , لا أملكُ غيرهَ ومقاسَ سارا صغيرٌ جداً بـ النسبةِ لي أما كاثرينا فهيَ عملاقةً كـ الغول تماماً , سكبتُ الزيّت الخاصَ بـ الطهي على شعري وملابسَي حتىَ تشبّعَتُ منهَ , بعثرتُ خصلاتَ شعريَ لـ أبدو شعثةً رثّه .
هدأتَ الموسيقىَ فيَ الأسفلَ , ضممتُ يديّ إلى صدّريَ طلباً للأمان , هل ينتظرنيَ ! , رُبما أنه قادمٌ برفقةَ ساطورهَ , أنا ضعيفةً بما يكَفيَ لأنَ أقفَ بوجهه , أسرعتُ بهبوطَ السلالمَ واحداً تلو الآخرَ , أُداريَ غضبهَ وجبروتهَ قبلَ أن يقضيَ عليّ , إصطدمتُ بجسدهَ الضخمَ الذيَ يقفَ فيَ منتصفَ السُلّمَ , إزدرءتُ ريقيَ بصعوبهَ ,
قطّبَ مابينَ حاجبيهَ ..: مالذيَ فعلتهَ بنفسكَ ؟!
وضعتُ يديَ على خديَ إحتساباً لأيَ صفعةٍ مُباغتهَ ..: لا أملكَ ثوباً غيرهَ .
أحكمَ قبضةَ يده على عُنقيَ ..: لما تأخرتيَ ؟!
جرّنيَ معَ ذراعيَ إلى الأسفلَ وهو يشتمُ بيَ بـ أبشعَ الألفاظَ , رمىَ بيَ بـ القُربَ منَ أقدامَهمَ , رفعتُ رأسيَ ناحيتهَ خائفهَ ..: أرجوكَ , لآتقتلنيَ .
وقفَ الشابَ والسيدتينَ مذهولينَ من تصرّفهَ , أغلقَ الشابَ آلة الموسيقىَ
شدّ شعريَ ..: ألمَ أُحذّركَ من التأخرَ ؟!
أسرعتَ كاثرينا ناحيتهَ لتُبعدهَ عنيَ , همستَ له ..: كُنّ لطيفاً , أخشى أن تفضحَ أمرنا.
إبتعدَ قليلاً كمنَ وجدَ ضالتهَ ..: معكَ حقَ .
يا شبيهةَ الثُعبانَ بحجمهَ وسُمّهَ , نظرتُ إلى السيدتينَ , إحداهما تملكُ عصاً تتوكؤا عليها كـ زينةً لآ أكثر , بينما الأخُرىَ كبيرةً في السنّ تُمسكَ بذراعَ الشابَ الطويل , يبدو أنه أبنُها لكنّه أجملُ منها بكَثيرَ , إقتربتَ منه أكثر حتى أصبحتَ بحضنهَ , تحدّثتَ ..: أنها بشعهَ , صحيحَ .
وضعَ يده على كتفها , همسَ لها برّقه لمَ أستطعَ سماعَ قولهَ , إبتسمتَ العجوزَ حتىَ ظهرتَ أنيابها الطويلهَ يتوّسط إحداها كريستالةً بشكلَ حذوةَ حصان !
أنها مُتصابيةً لآ أكثرَ , تحدّث سايمنَ ..: أعتذرَ عن الإزعاجَ , هذه الجاريهَ لآ تُقومَ بـ أعمالها كما يجبَ .
سألته العجوزَ ..: لما تحتفظُ بها إذنَ ؟!
..: تعلمين بـ أن زوجتيَ مريضهَ و لآ يُمكنها القيامَ وحدها بـ أعمال المنزلَ دونَ مُساعدهَ .
شاركتهمَ الحوار السيده صاحبةَ العصا ..: ماذا عنَ الجميلةِ سارا ؟!
ظهرَ الخجلَ على ملامحهَ ..: إنها زوجتيَ , لآيُمكننيَ إشراكُها بـ أعمال المنزلَ .
رمقتُ سارا بتساؤل , إبتسمتَ ليَ , تِلكَ الساذجهَ ! , مالذي تنوي فعله , حدّثنيَ سايمنَ ..: ألنَ تُشاركيَ في الرقصَ .
أدرتُ لهَ ظهريَ , فـ ليفعلُ بيَ مايشاءَ , إن رغبَ بقتليَ فـ أنا رآغبةً بـ الموتَ منذُ صغريَ , جلستُ على الكُرسيَ أنظُرَ إلى تمايلَ سارا فوقَ المنصّه , لآ أُنكّر بـ أنها جذّابةً جداً
لآضير بـ أن يُفتنَ بها هذا السمينَ .
- جياد -
الرهينةُ جوادَ منَ أجمل الهدايا التيَ تمنيتُ الحصول عليها , سـ أنتقمَ منه بـ أبشعَ صورهَ قدَ يتصوّرها إبنَ فرعونَ , سـ أُذيقَ والدهَ مُرّ رحيله ليتعظَ ويستكينَ , توّجهتَ إلى وكر العصابهَ عازماً على إخبارهمَ بـ أمرهَ , طلبتَ مُقابلةَ ذوَ الوشومَ السبعةَ البشعهَ فما لدّيَ أمرٌ خطير لآ يحتمل التأخير , مُوقنٌ بـ أنه سيدُّكَ رأسيَ بـ الأرضَ , أنتظرتُ طويلاً حتى ظهر أماميَ كـ شبحَ بلغَ من العُمر عتيّا , حدثنيَ بنفور ..: قُل مالديكَ .
بدأت العدّ حتى العشرهَ , لـ أتمالكَ نفسيَ عند أي هجومَ مُضادَ , أخبرته ..: الرسالهَ !
جلسَ على كُرسيّه الخشبيَ ..: مابها , هلَ علمَ أحداً بسرّها ؟!
إزدرءتُ ريقيَ بصعوبه , أيُها الأحمقَ بسببيَ سيتمَ تفجيرَ المخزنَ الذيَ أنتم به فرحونَ , تحدّثتُ بحذر كيَ لآ أفضحَ أمريَ ..: أجل .
نهضَ من مكانه بغضبَ , لكمنيَ معَ أنفيَ بقوّه ..: أيُها السافلَ لم ..
قاطعتهُ مُتحدثاً على عجل غير مُباليَ بـ الدمَ المُتناثرَ , إلا أن رجفةً أصابتَ جُمجمتيَ جراء لكمته..: هُناك من هو أهمُّ من الرسالهَ , جواد إبن القائد قبضتُ عليه بالساحةِ العُليا للمخزنَ يُزرعَ القنابل بينَ الدباباتَ الحربيهَ , سيتمَ تفجير المخزنَ قريباً بـ إستخدامَ القُنبلهَ الواويهَ الحراريهَ .
وضع مُسدسهَ على ناصيتيَ بينما يده الأُخرى أغلقتَ فاهِ , يبدو أننيَ أخطأتَ إسمَ القُنبلهَ , تباً ليَ من جاهلَ , تحدّثَ ..: منَ أخبرهُ بـ أمرها ؟!
سـ أكذبَ هذه المرّةَ وحسبَ , أنا مُظطرٌ إليهَ رغبةً بـ النجاةَ من مطرقةَ الموتَ ..: راميَ .
الحوار الذيَ دار بينيَ وبينَ فاديَ قبلَ أربعَ ساعات منَ الآنَ , أنتظرَ قدومَ جوادَ بفارغَ الصبّر والخوّفَ معاً , ليتَ الكلابَ مزّقتَ جسدهَ قبلَ أن يأتيَ ويُفصحَ عن الحقيقهَ .
طرقٌ متواصلَ على البابَ الخارجيَ , ذهبَ فاديَ ثمَ عاد سريعاً برفقةَ جوادَ المُقيّد , يبدو أنَ الجنودَ أوسعوهَ ضرباً حتى عضّ الأرضَ بنواجذه , أجفانهَ ترتخيَ منَ شدةَ الألمَ , هذه ماتستحقَه وأكثر , شدّ وثاقهَ جيداً بـ إحدىَ الأعمدهَ , حدّثهَ فادي ..: مالذيَ تفعلهَ بـ الساحةَ العُليا للمخزنَ ؟!
أرجوكَ جوادَ أبلعَ لسانكَ ودعَنيَ أنجوا بـ عُنقيَ منَ الهلاك , لآ أعلمَ مالذيَ يفكّر به عندما رمقنيَ بعينيهَ , إبتسمتُ لهَ بسذاجه ! , شاح ببصرهَ عنيَ , ركلهَ فادي مِراراً , لم يشكو أو يصرخَ طلباً للنجدهَ , إكتفى بقول ..: ياحُزن الياسمينَ , مافعل الموتَ !
نظرتُ إلى عينيهَ الذابلهَ , الآنَ تعتبرهَ حُزنَ حينما وقعَ الفأسُ برأسكَ , مهلاً يا لعينَ ! , مالذيَ تعنيهَ بـ حُزنَ الياسمينَ , هل سـ تلفظهمَ شِفاه الحياهَ هذا المساءَ .
نهايةَ البارتَ
* الكتاب / المُقتطف للدكتور عائضَ القرنيَ