.
..
ضربت بقوة يديها طاولة المقهى , ارتعد الفنجان المسكين لكنها لم تأبه لذلك .
بدأ جسدها الضئيل بمغادرة الكرسي صعوداً .أوقفته في المنتصف محنياً و تمتمت بهمس : " و أنا أيضاً " .
رفعت صوتها شيئا فشيئا ، متبعة جملتها تلك بسيل من الكلمات التي اختلطت مع دموعها و أنينها ، أفرجت
بها أخيراً عن سجين جوفها الذي لطالما آلمها الاحتفاظ به ، لطالما أوجعها ضجة صداه المترددة في فراغ
صدرها دون توقف و لطالما منعها ثِقله من التحليق عاليا كما تتمنى .
لم فقدت السيطرة فجأة ؟ لم الآن ؟ لم هنا ؟ ، لم أمامهم ؟ لا تدري !!
لكنها وجدت نفسها دون أن تعي مجردة من سلطة العقل، هاربة من حكم المنطق، لم تجد ما يردعها هذه
المرة فتكلمت بهمسٍ من بين دموعها :
( أنا أيضاً سيئة ، أنا أيضاً تركتُ أحدهم يبكي ليلاً، أنا أيضا طعنت أحدهم في قلبه بسكين صدأ و كسرت
على ظهر آخر لوح مرمر، أنا أيضاً هربت من الحقيقة و لم أجرؤ على مواجهتها . سيئة أنا ، بل غاية في
السوء، لم اهتم بأحد، لم أبكي أحد، و لم أتوقف دقيقة للأخذ بمشورة أبي أو أمي، لم أرى إخوتي، وأكره
جداً أقاربي، و أبكي وحيدة ليلاً للا شيء و لكل شيء، لكني لست بخائنة، لست أنانية، لست حسودة،
و لست .. سيئة ).
عند ذلك توقفت . مدهوشة توقفت و صدى جملتها الأخيرة يتردد في نفسها ( لست سيئة )
همست مبتسمة بعذوبة : ( أنا لست سيئة ) ،
تعالى صوتها شيئاً فشيئاً : ( لست سيئة ، لست سيئة ، لست سيئة ) استقامت صارخة ( لست سيئة ) .
ضحكت و ضحكت حتى جلست تعبة على الكرسي الذي تحركت منه قبل قليل .
مرت نوبة اليأس و انتهت من البكاء و الضحك معاً ، تفكرت لدقيقة فيما حدث ثم حمدت الله على تلك النوبة
فقد أُنقذت بها من هاوية الضياع، من ثم أكملت شرب فنجان قهوتها و كأن شيئاً لم يكن ، و كأنها لم تنفجر
قبل قليل بأخطر أسرارها في شرفة مقهى واقع في تقاطع الشارع الرئيسي ، و كأن نظرات المارة الفضولية
لا تهمها و أعين المتسائلين المستغربة لا تعنيها، أكملت فنجان قهوتها بهدوء دفعت حسابها و مضت .
قبل ذلك بقليل
سمعها بوضوح الثلاثيني الوسيم الجالس بالطاولة المجاورة ، لم يستطع فك طلاسم كتلة المشاعر المتحدثة أمامه
لكنه أنصت ، لم ينصت لهمسها الذي آثار فضوله ، بل أنصت لبؤسها الذي ذكره ببؤس مسكينة تبكي الآن من أجله .
هو أيضا بكى من أجلها ، لكنه لم يراها كما رآأها الآن من خلال البائسة أمامه ! فقد رأى عيناها الجميلة محمرة من
البكاء بلا حياة و لا لمعة مميزة أحبها، زينتها تأبى الثبات على وجهها البديع فتغادره متحججة بدموعها ، جسد خال
من الحياة رغم تنفسه ، انعزال تام عن مجموعة هي تعيش وسطها .
شرد مبدلاً وجهته لحديث نفسه اللائمة التي انتهزت الفرصة مجدداً و حدثته :
( لا استطيع تصديق أنك أقررتها قرار الانفصال ، ما الذي أذنبته المسكينة لتُعاقبها هكذا ؟ )
رد بحنق : ( لستُ أُعاقبها إنما أنهي المشاكل ، أمي لن تهدأ حتى تستعيدني ، هي تغار!!
رأيت ما حصل عندما قررت ترك المنزل و جيداء. لا استطيع احتمال فقدان أمي أولاً و فقدانها بسببي ثانياً ،
أيضاً لا أُريد الانفصال عن جيداء ، لكني رأيت ذلك بالأمس ، قرأت الرغبة بالفراق في عينيها ... )
- ( غبي ، أتسمي ما رأيته رغبة في الفراق ، بل كان رغبة في البقاء ، كانت ترجوك أن تتمسك بها ،
أن ترفض قرارها صارخاً في وجهها . تنازلت بالأمس عن كبريائها الذي تُقدسه و رجتك بصمت وكنت أنت من الغافلين ) .
صمتت نفسه فقد سئمت محاورته .
نفسه تعلم يقيناً أنه يُعاقبها لطلبها ، أنه يتحجج بذلك كي يمنعها من العودة جرياً لها و أنها نالت
عقابها كاملاً أيضاً لكن فراس غاضب و لا يستجيب ، فتضامنت مع عقله و قلبه و أقامت عليه الحرب .
أخذت تُقلبه بينهما ، رمته أولاً لنيران عقله الذي قرر : " عليه أن يُبطل حجته فلا يجد مفراً من العودة "
فبدأ بتطويع أفكاره : " الإحسان للوالدين حق لكن الانفصال عن زوجته ليس إحساناً، بل ضعفاً و حقارة ".
انتهز بعد ذلك الفرصة وحدثه : ( بربك ألا تستطيع أن تقف كرجل و تخبر أمك أن كفى، و أنك لم تأتي بالفتاة
زوجة كي تُعيدها، اجلس مع أمك و حدثها ، لا أقول لك أصرخ أو اكسر زجاجيات المنزل ، بل أطالبك نقاشها،
بسؤالها عن أسبابها ، بإخبارها أن لجيداء عليك حق ، حق الزوجة و حق الأم ، أخبرها أنك تُحبها يا جبان ) .
انسحب بعد ذلك عقله تاركاً الجولة الأخيرة لقلبه الذي لم يستطع فراس تحمله حين بدأ ، فقد كان قاسياً عليه
حد أنه أوجعه بها!لم يحدثه فما لديه فراس يحفظه عن ظهر قلب. بدأ عمله مباشرة موجعاً إياه بها، فأرداه شوقاً
وعبث بخياله , يجسد ذكرياتهما معا حتى إذا ما ابتسم يذكره بقراره الظالم فيبتئس ، يريه طيفها في كل مكان
ويعيدها إليه ، من ثم يرميه لحقيقة أقرها "لا مكان لها في عالمك". يجسد له مستقبلاً فارغاً خالياً منها
وألم دائم لا يبرأ . لم يحتمل وجع قلبه بها ، فقرر صارخاً ضارباً بقوة يديه طاولة المقهى أيضاً : " كفى !! " .
رقص قلبه ، صفر عقله ، ابتسمت نفسه ، و تحرك هو .
تحرك منطلقاً إلى منزله . إلى حبيبته الباكية عازماً على إيجاد حل . توقف قليلاً قبل أن يصل لسيارته ،
استدار جهة البائسة تمتم بكلمات الشكر ومضى مصطدماً بتيم الذي ظل يصرخ طويلاً لكنه لم يتوقف ليعتذر !!! .
الأخير لم يتوقف عن الصراخ ، بدأ يتمتم ساباً ثم أكمل صارخاً . توقف كلامه و استمر صراخه فترة طويلة .
لم يعد يصرخ على فراس استمر بالصراخ لنفسه !! عله يُخفف وطأة الألم الذي زلزل كيانه و يُخرج قليلاً مما
التهم صبره . مكملاً بذلك مثلث مجانين المقهى .
توقف صراخه فجأة ، وقف يتطلع للسماء العالية لحظة ثم أكمل سيره مفكراً يحاول أن يفهم ، لم انقلب كل شي عليه ؟
لم يستفق بعد من صدمة موت زوجته الحبيبة آيات ، لتلحقها أمه التي سقطت ضحية سرطان الدم في مراحله المتقدمة .
حُرق بنارين آنذاك نار الفقد ، و نار الخوف من الفقد ، لكنه كان يستطيع الاستمرار , أجل استطاع الثبات حتى أطاح به
زياد بعنف ، فقد سرق من خزنة رب عملهما مبلغاً أدخله حسابه و استقال ، و حين كُشف أمره كان قد هرب فزُج
بأمين الخزنة تيم في السجن .
ظل يردد أنا بريء و يصر على ذلك ، حتى أن المفتش أُعجب بإصراره و أعاد النظر في قضيته فوجد أن لا دليل
يدينه سوى أنه أمين الخزنة، و كيف تُفتح خزنة دون أمين ؟ ما زال الشك يدور حوله إلا أنه بفضل انعدام الأدلة خرج .
طبعاً طُرد من عمله و شُهر به أيضاً ، إضافة إلى أنه سيُسجن إن لم يُعد ما سُرق . هو لا يملك مليون درهماً
كي يعيدها و يجب أن يعيدها لذا ترك الحزن جانباً كعادته و بدأ بجمعها ، فكر ببيع بيته و العودة لمنزل أبيه،
فآيات توفيت على أية حال و هو أضحى وحيداً وسط كومة ذكريات لا تنفك تؤلمه . هو بأمس الحاجة لمساندة
أحدهم و مع خيبته بصديقه لم يعد يثق بأحد باستثناء والده الذي سانده منذ الصدمة الأولى . فتوجه إليه
و أخبره بمخططه، وافق أبيه فوراً و رحب بعودته .
تمت إجراءات البيع و توفر له المبلغ المطلوب إلا قليل ، فقرر بعد إلحاح أبيه قبول اقتراحه :
" رهن دكانه كضمان قرض البنك " .
تمت الإجراءات أيضاً و توفر المبلغ أخيراً فسدد ما عليه ، بقي أن يبحث عن وظيفة جديدة كي
يسدد قرض البنك و يعيد لأبيه دكانه ويتفرغ بعد ذلك لمحاربة النارين التي تلتهمه ببطء .
بدأ بالبحث عن وظيفة جديدة . خرج صباحاً مُتفائلاً لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن !!
..
.

