السَّلام عليُكم ورحَمة الله
بدايةً اسمحِي لِي أن أُثِني على قلمكِ وجمال
نصَّكِ ورقَّة الحرُوف الأنيَقة الِّتي تهادَت كمُعزوفَة
تَصحَبُنا إلى حيُث تبتغِي لنا كلِماتكِ ،
نصَّ جميَل بالفِعل يستحَّق كلَّ الثَّناء والإشَادة :أوو:
وحيثُ أنَّ ردِّي يجيء حسبَ نُسقٍ معيَّنةٍ تُواكبُ
الشَّرُوط المُتّبعَة فِي المُسابَقة الِّتي اشترِك بِها: هُنـا
سأقسِّمُه إلى عدَّة أقسَام :
[ الفكَرة - الأسلُوب - مواضِع القَّوة - مواضِع الضَّعف ]
الفِكرَة :
تتِحدَّثِين عن الفِراق ، ولكِن عَن عَدم الهرُوب مِن
ألِمه وَ تقِسيم أتراحِه على أفراح القلَب لإحالتِه لشَكل ألطَف
أو لتخفيف وقعه الألِيم على النَّفس.
هكذَا فهِمت الفكرَة ، وهَكذا جاء النَّص داعِماً
لها فِي مواضِع دُون أخرَى ، ولكنَّها كانت بدايَة جميَلة مُواكِبة
للمطلُوب في العنوان وقد أثَّبتِ إنتماءِك لما أجملِته في عنوان الخاطرة منذُ
البدايَة ولقد كان ممَّا يدَعم ذلِك وجود العُنوان بين ثنايَا النَّص.
أيضاً ، كَان هُناك حدِيث مُقتضَب عن
الذَّكرى ووَجوب التَّذُكر فِي النهايَة ، جاءَ
على غرار مُواجهة الفِراق إنَّما كان الانتقال
إلِيه مُشتَّتاً بعضَ الشيءّ كما فِي حال هويَّة المُخاطِب
إذ أعتقِد بأنَ المُخاطِب فِي الخاطرَة قد يجيءُ
شخصاً وشيْئاً وربَّما يَضّلُ مُتحدِّثاً يُرسل كلِماته
لإنسان يريُد التَّعبير له عن مشاعرهِ.
وهَذا رائع وجيَّد جداً،
إنَّما كان الانتقال من فكرَة الحديث
عن إحالة ألآم الفِراق لفرَح إلى
فكرَة التّذكر والذَّكريات مُتسارعاً فودَّدت مُعه لو
يطُول النَّص لتدَعم الفكَرة العُنوان الّذِي
بدا لي أساسَاً للفكرَة الأولى أكثر مِنه للثَّانِية.
الأسلُوب :
جمِيل ، لا تِكرارَ ولا أخطاءَ إملائيَّة -وأعني لا تكرار يُضعف النّص
بل جاء التَّكرار في بعض المواضع داعماً لقوَّة الكلِمة وَ مُذَّكراً بهيمنتها - ،
إذ وظَّف أسلُوبكِ الكلِمات المُناسَبة فِي الأماكِن المُناسِبة ، وقد كان سلِساً جداً
بل دفعِتني جزالَة الجُمل القصيَرة الرَّنانة المُعبَّرة
لقراءِته أكثر مِن مرَّة .
وإن كانت المُلاحظات تمسَّ الفكرة والنّص فهيَ
ستبتعد كلّ البعد عن أسلُوبكِ والمسَاس بِه ، فأنا
كما قُلت أُعجبِت بانِتقاءِ الكلِمات ولكِننَّي ودَدت
لُو خَدمتْ بعُض من تلك الكلِمات النًّص بشكلٍ أفضَل،
إذ إنَّ الانتقاءَ الحسَن يُنتج نصَّاً أنيقاً
لن يحتاج مَعه لأن يكُون أطُول ولَّعل هذا خيارٌ
يدَعم لكِ ما رغبِته من طُول معيَّن للنَّص ، وممّ جعل
برِيق بعضَ الكلِمات يخبُو هو خللٌ فِي شيءٍ من علامات الترَّقيم
الّذي سأوضَّحه لاحقاً.
مواضِع القَّوة :
النَّص بمُجملِه مُوضع قوَّة فَقد انتصَر للفكَرة ،
ورجَحت كفَّة الإيجابيَّات لـِجماله وَ مُميَّزاته ::جيد::
و إِليكِ مثلاً :
إقتباس:
لا لستُ مَنْ يَهبُ الطّفولَةَ
أَو يوَزِّعُ سحرها!!
لكنِّي أحمِلُ سُكْرَهَا
في صرخَتي،في مُهجَتِي،
في ذِكرى يقتُلُهَا الخريف،
وَتحيَا مُجدّدَاً على شَفتَيكِ!
أن ترتِسم الطفَّولة كـبسَمة على الشَّفاه
دُون أن يذُكر ذلِك علانيةً لهُو ميَزة جميَلة، :rolleyes:
تترُك للقارئ حريَّة التَّفسير والإنطلاق فِي التَّعبير
عمَّ قرأ ومسَاحة ليُلامِس النَّص وجدَانه . فما تبدَّى
لِي من كُون الطَّفولة بسمةً ترِتسم على الشَّفتِين ،
قد لا يتبدَّى لغيري!
بمعنى الأمُر سيُعود للقارئ وطريقة
استقباله للجمال لكنَّه يوَّحد جمال الفكرَة والمشاعر
السَّاحرة خلف هذا الجُزء
حتَّى أن إحياءَ ذَكرى الطفَّولة جاءَ بهِيجاً،
ولم يمُتَّ لألِم الفِراق بصَلة ولكِنَّه نقلَنا نحُو
ضَّفة جديدة
إقتباس:
غداً ستذكرينَ سمائنا،
وأرضَنَا الحمراء..
فالدّمُ فوقَ تُرابِها لنْ يستحيلَ لِماء!
لكنْ سيسقِي زَهرهَا، تُفَّاحها-بِنَقاءِهِ-
وعيونَهَا الزَّرقَاء!
الذَّكرى ، على ألِمها بدَت لِي
وسيَلة لإحياءِ الجمال فماهِيَ تلك الذّكرى
أهِيَ للطَّفولة أم للفِراق ؟ وكيَف ترُسم البسَمة
فِي مُوضعٍ وتسقِي الزَّهر رُغم كُونها دَماء والدَّماءَ
هُنا لربَّما كانت مجَازاً يُقصَد بِه الألَم ؟ لذلِك كان النَّقاء
- وهُو صفةٌ عادت على الدَّماء- مُناقضاً لكونها دماء- .
بالمُجمل اختيار الدَّماء حيَّرني قليلاً فِي ماهيّة الذَّكرى ؟
إذ على جمال التَّشِبيه والنَّسقُ
وَ حُسن انتقاءِ الألفَاظ غدا للذَّكرى انطبَاع جديِد
يِعني الألَم فـ حجِم هذِه الذَّكرى كبير فقد كان لها
أرضٌ وسَماء !
فهل يستِحيُل ألُمها إلى وسيلةٍ لإحياءِ
الجمال مِن مبدأ الفكرة الأولى الِّتي جَعلت مِن
الفرَاق نُقطَة انطلاق نحُو سماءِ الفَرح ؟!
مَواضِع الضَّعف :
إقتباس:
وَلتَجْمَعِي،
الأحزانَ في مُقَلٍ
تُهدِينَهَا فرَحاً غداً بيديكِ!
ولتِجمعي الأحَزان فِي مُقلٍ ،
تهدِينها فرحاً غداً بيديكِ!
علِينا إلغاءَ الفاصِلة فِي ولتجمِعي
لأنَّها لام الأمر ونحتاج لإتمام الجملَة الفعليَّة
إقتباس:
فالدّمُ فوقَ تُرابِها لنْ يستحيلَ لِماء!
لكنْ سيسقِي زَهرهَا، تُفَّاحها-بِنَقاءِهِ-
وعيونَهَا الزَّرقَاء!
العيُون الزرَّقاء جاءَت بـ هاء لم أستطِع أن
أعرِف على مَن تعُود ؟ :مرتبك:
إقتباس:
من جوف عتمةِ ليلةٍ
كي تُبصِري،ولتَنظُرِي
من بعدها
أملاً يسيرُ إليكِ!
كي تُبصِري مِن بعدها
أملاً يسيرُ إلِيكِ!
لأنَّ النَّظر والإبصَار لهما ذات
المعنى و(كي) السَّببية أوضَحت أنها
ستَصبُر إذِن إمّا كِي (التي أتت بسببٍ قبلها
ثمَّ وضَّحت وعلَّلت ما بعدها وهو حدُوث الإبصَار والرؤّية)
أو (لام الأمر) لأنّ فِي الاثنان تكراراً
لفكرةٍ استوضَحتها إحداهما بشكلٍ كافٍ
سيَّما وأنَّ كي ستكُون الأنسَب لأنَّها أتت بالسَّبب
ووعلَّلت كيفيَّة الإبصَار بما جاء قبَلها .
خِتاماً :
هَذا وأرجو أن أكُون قد أنصَفت وَ وُفقَّت فِي ما قُلته
كما أرجو أن أكُون قد وفَّيت هذِه القطَعة الفنيَّة الرَّائعَة حقَّها ،
فمهما أجزلَت الثَّناءَ وأطلَت فِي رِصف الأحاسِيس الجميَلة الِّتي
أُخذِت نحُو عوالِمها ، فلن يكُون ذلِك كافياً للتَّعبير عن إعجابِي بحرُوفكِ عزيزِتي.
شكراً لكِ وللنّص الجميل ،
بارَك الله بقلمكِ المُحملَّ بـالأناقَة .
سأسَعد بـحضُورٍ يجدَّد لِي عهداً مع محبرتكِ الذَّهبية
فِي إبداعاتٍ قادِمة ::سعادة::