و أتت نهاية الأسبوع أخيراً , جاء كآيين و حياها في المخزن الذي بالقرب من المطبخ , حيث كانت آيمي تتناول إفطارها ..
ألقى إليها بمظروف بني كبير .. فحدقت به بتعجب و نظرت نحو السيد كآيين
ابتسم لها : هذا أجرك لهذين الاسبوعين , و السيد يشكرك لعملك الشاق "
" لكن .. آه حقاً ..."
أمسكت المظروف بين يديها .. بدى ممتلئا .. ولم تصدق , فتحته و حدقت بكمية ليست بقليلة من الأوراق النقدية
رفعت رأسها و قالت بتوتر : هذا... أهذا كله لي ..؟! "
" أجل , أنه عمل الأسبوعين .. و الآن ألا تريدين المغادرة لزيارة أخيك ؟! , سأوصلك بنفسي للبلدة "
أبقت آيمي جزء بسيط من المبلغ الكبير في غرفتها , و آخذت الباقي معها لتشتري لأخيها الكثير من الاشياء .. ثم لبست أحد الثياب الداكنة الرسمية التي اعطتها لها السيدة آرمينا و خرجت مع السيد كآيين من الباب الجانبي ...
وصلوا للمدينة بسرعة , و طلبت أن تنزل قرب الاسواق .. ثم شكرت السيد كآيين بحرارة و قال بأنه سيعود لاصطحابها عند المساء ..
" لكن لا تزعج نفسك سيد كآيين , أنا أدل الطريق للمنزل سأذهب بنفسي "
" كلا , سآتي لاصطحابك بنفس هذا المكان قبيل الغروب , فهمتِ .. و الآن طاب يومك آنسة آيميليا "
و ذهب سريعا بالعربة التي تجرها الخيول . دارت في الاسواق و اشترت الثياب الكثيرة لأخيها , و الكثير من الطعام . ستطلب منه أن يخبأها جيداً..
وعند الميتم , اقتربت من الأسوار الخلفية حتى لا يشاهدوها .. و يالا المفاجئة.. رأت أخيها يقف خلف الأسوار فنادته و كان معه صبي أسمر أكبر بقليل منه جسدا و عمراً !
فلتفت الصبي أولا و رآها ثم لكز جوناثن الذي التفت بعده و ظهرت ابتسامته الواسعة .. تسللا إليها و تسلق السور بمساعدة رفيقه الذي ينتظره و يراقب لهما الاوضاع . عانقت أخيها بقوة شديدة ..
-" آووه يا عزيزي .. هل أنت بخير ؟! لقد اشتقت إليك ! "
-" آآخ آيمي أنتِ تخنقيني , وأنا بخير , جوردن معي ونحن بخير .. "
جلست معه تحدثه عن عملها قليلا , ثم أعطته الطعام و راقبته وهو يأكل بنهم و يترك قليلا جانبا
-" هذا لي و لـ جوردن .. سنآكله لاحقاً .. و الملابس الجديدة رائعة لكن .. سيرونها ! "
-" لن يروها .. أرتديها تحت ثيابك هذه لتقيك من البرد ولن يلاحظوها , ثم و أن لاحظوها تبا لهم سأجمع مالا أكثر و سأخرجك من هنا ... ".
-" حقاً , هل يمكنك فعل هذا ؟! .."
-" بالطبع يا أخي سأفعل هذا بأقرب وقت .. أنت اصمد قليلا فقط و سأخرجك بعيدا عن هنا أنا و أنت "
-" و أيضا جورد و كيلي و ستان و ...."
اتسعت عينيها الخضراء وهي تقول بقلق : حسنـا .. سنرى هذا .. "
" أختي ماذي تعملينه كي يعطوك كل هذا المال ؟! وأين أنت الآن ؟!! "
ترددت قليلا ثم أخبرته بما تعمل و أين مكانها , ثم قالت له بأن هذا أمر سري لا يجب أن يخبر به أي أحد..
ظلا يتحدثان طويلا , حسنا يبدو أخيها جون أفضل حالا منها عندما كانت هي هنا , هو لديه رفاق .. أم هي فكانت منطوية كثيراً و لا تهتم بالعلاقات .. في الواقع لم يهتم أيضا أي أحد بالتحدث إليها !.
غربت الشمس ببطء .. وأتى الصبي المدعو جوردن و ناداهم يحذرهم .. فودعت أخيها بحزن و وعدته مجدداً بأنها ستعود لتخليصه من هذا المكان العفن .. أيضا أصدقاءه أن أمكن !.
عادت تسير ببطء إلى وسط المدينة الصغيرة المكان حيث أنزلها كآييـن , و كانت تشعر بالحزن و البؤس وتفكر كيف يمكنها جني الكثير من المال لأجل وعدها , الذي يجب ان يكون بأقرب وقت.
حدقت حولها جيداً في العتمة التي حلت .. ولم ترى العربة , كانت هناك فقط عربة سوداء مظلله جداً واقفة في ركن مظلم خلف الحانة التي رأتها قبلاً بخيول داكنة هادئة تزفر الهواء الساخن بهذا الجو البارد كالسحب.
نظرت مرة ثانية حولها ..وحكت عينيها .. من المفترض أن يكون...
" آآه !! "
شهقت برعب وهي تشعر بلمسه على كتفها فلتفتت مرعوبة و حدقت برجل طويل بلباس أسود و قبعة سوداء لا يبين سوى ذقنه وشفتيه و بشرته البيضاء بلا أي مصدر للضوء , من أين ظهر ؟!. همس فقط بصوت خافت
".. إلى العربة "
وكأن ضربات قلبها توقفت .. ظهر شخص آخر قرب العربة شخص آخر بمثل ملبسه تقريباً عباءة طويلة داكنة من رأسه حتى منتصف ساقيه .. ينظر نحوهما منتظر..
أنها تُختطف ..!!!
فصرخت برعب وهي تتراجع عنه : لاااا .. النجداااة ! "
لكن الرجل أمسك بطرف معطفها و حذرها ببرود : " يجب أن نعود للقصر "
لكن آيمي قالت برعب وهي لا ترى من ملامحه شيئا : من ؟!! ماذا ؟! "
اعتدل بقامته الفارعة وهمس بهدوء :" السيد كآيين لم يستطع الحضور , فجئنا نحن.. "
ليست لديها أي فكرة عما تشير إليه كلمة "نحن" !!, لم تفهم مقصده..! عندما دققت جيدا بنبرته الهادئة والتي ربما تحمل شيئا من نفاذ الصبر , هل يمكن أن يكون ..؟!
" أ ..أ حقا !! "
" من هنا... "
و سار من جانبها نحو العربة, فحدقت به وهو يقف و يهمس بشيء ما للآخر بدى الأول أكبر سنا و أطول قليلا , ثم نظرا نحوها منتظرين , فجرت قدميها جراً , و ضربات قلبها ترتفع .. أهم من الحراس المرعبون , أم .. هل من المعقول أن يكونوا من أسياد القصر ؟!.
وقفت بعيدة خطوات , تقدم الآخر و فتح لها الباب ثم نظر نحوها , استطاعت رؤية لمعان عينيه تحت ظلال القبعة الكبيرة .. عينين زرقاوين جداً لامعتين كبحيرة مظلمة. وفقط من طرف أنفه الدقيق و فكه و شفتيه المطبقة شعرت بالبرودة والقسوة.. هبت رياح بارد مفاجئة و تطايرت عباءته , لترى بدهشة وتوتر السيف الملفوف بقماش أسود معلق في حزام الرجل.. , لما يحملون الأسلحة.. تسائلت بخوف سرعان ما تلاشى مع تلاشي الصدمة والتوتر!
صعد الأكبر بمكان سائس العربة و لكن الآخر صعد فوق ظهر حصان أسود و أخذ يمشي خلفهم , أخذت الأحصنة تهرول مسرعة ما أن خرجوا من البلدة الصغيرة..
وصلوا القصر أخيراً , لم تعرف كيف تفتح باب العربة الغريبة , وهي لم تركب واحدة من قبل قط , هبط الأصغر من حصانه الأسود في اخلف و فتحه لها بسرعة..
سارت خلفه ببطء حتى البوابة كان الضباب يسير بسحب حول اقدامهم , ثم شاهدت الشبح الذي تسميه مع كلآبه المتوحشة يفتح لهما البوابة بكلا يديه النحيلتين البيضاويتين جداً كالعظام , ثم تراجع مع كلابه , بلا أي صوت ولا حتى نباح أمام السيد..
حتى اختفوا بالظلام , أما هو فظل يسير بهدوء و خيلاء وعباءته المزخرفة أطرافها بزخارف فضية خفيفة تتحرك من حوله فوق الممر الحجري بدا لباسه فاخر وأنيق رغم سواده , توقف أمام الباب المؤدي للمخزن , فتحه لأجلها و بقي واقفاً . مرت من جانبه بتوتر شديد و حلق جاف لم تستطع قول شيء.
وكذلك لم تسمع شيئا منه.. شفتيه ظلتا مطبقتين وعينيه مختفيتان تحت الظلال, بعدما دخلت أغلق الباب خلفها.
وجدت آرمينا داخله ترتب المخزن, قالت لها المرأة ببساطة ولطافة : اهلا عزيزتي , كيف كان يومك , و كيف هو أخيك ؟!"
أخبرتها آيمي عن أخيها فقط ..
ثم قالت بتردد و توتر لا تدري مصدره : السيد كآيين لم يأتي لأخذي , بل ... آه من كانوا للتو ؟! "
ظهر التوتر في عيني آرمينا , لكنها استطاعت الابتسام ببطء وهي تقول " حسنا .. حدث أمر طارئ و غادر كآيين لعمل مهم , آسفة لأنه لم يأتي لأخذك باكراً "
و سكتت لتعود وتكمل عملها بترتيب السلال , فلم تقبل آيمي بهذا كجواب, ألحت : لقد جلبني , رجل و شاب يبدو أصغر سنا , من يكونوا حراس ؟! "
اتسعت عيني المرأة و قالت وهي تدور حول نفسها لتضع الممسحة من يديها :
" حراس !!!, يا ألهي هذين هم السيدين!! لقد صدف أنهما في مهمة في المدينة , و أحضراك فقط , لا شك بأنه يوم طويل , تناولي شيئا ثم اذهبي للراحة .."
طوال سنوات حياتها الستة عشر لم تخرج من الميتم ولم تقابل بشراً حقيقيين , من كانوا هناك "في الميتم" أقرب للوحوش , و من بدأت تراهم هنا يحيطهم جو من الغموض القاتم الثقيل .. و المتعب..!
أنها لا تشعر حتى بطبيعية السيدة آرمينا و زوجها كآيين , عندما تبدأ بطرح الأسئلة ! وما أسم اسياد هذا القصر على كل حال !!.
فكرت ببرود وهي تمسح الأرضية في منتصف نهار اليوم التالي .. ستظل تتجاهل هذا الأمر و فضولها ليس بقوي .. لكن شعورها الغامض يتسلل إليها , ليس من الطبيعي أن تتجاهل كل ما حولها لفترة طويلة , ستجن.. ليتها تجمع مبلغ ممتازا من المال و تغادر هذه البلاد كلها مع أخيها ولن تعود أبداً إلى هنا !. إلى حيث الذكريات الحزينة..
في المجلس الصغير الأنيق الذي تهتم بتنظيفه .. لقد وجدت بعض الأرائك قد تغير مكانها والخشب في المدفئة قد أصبح جمرات لامعة , الشمعدان فوق المنضدة الثقيلة بالزاوية لا يزال مشتعل !, بينما هناك آثار تراب على السجاد الفاخر.
اهتمت بوضع كل شيء بمكانه ونظفت السجاد , وعندما اقتربت من المنضدة وجدت مظروف رمادي , بحجم مظروف الرسائل .. , كان هناك خط أسود أنيق في طرفه , مكتوب ( سريّ.. إلى السيد نيكولاي فينوس )
إذن , هل هم ( آل فينـوس) , وأحدهم يدعى نيكولاي !, هذه معلومات تزيح الكثير من الفضول الذي يزعجها , لكن ليس لديها أي فكرة عمن يكونون بالضبط !..لم تعرف ماذا تفعل بهذا المظروف , تركته كما هو ولم تمسه كما أنه لم يبدو بأنه قد فتح !..
_ آيمــي ؟!
شهقت و التفتت نحو السيدة آرمينا الواقفة قرب الباب بثوبها الرسمي البني المرتب , قالت لها بهدوء :
_ هلا أتيت لمساعدتي في تحضير بعض الطعام..
_ آه.. بالطبع..
حضرت معها أطباق قليلة من اللحم و الفطائر والفاكهة , ثم كؤوس العصائر , لفردين فقط.. فكرت آيميليا , ربما هما السيدين الذين رأتهما بالأمس , انتهت من عملها وطلبت منها السيدة أن تعود لترتاح بغرفتها .. وهي خارجة في الممر ..توقفت مدهوشة.. محدقة بظهر أحدهم يمشي نحو الدرج بعيداً عنها..
كان ببدلة رمادية داكنة و معطفها الرمادي الى ركبتيه يتدلى , حدقت بشعره البني الداكن الذي يصل لأسفل عنقه بصدمة , كانت المصابيح في الأعلى تعكس عليه لمعة ذهبية .. وكان طويلا جداً يبدو بمنتصف العمر ويديه بقفازين أسودين ممسكا بعصا فضية داكنة طويلة !.
فتحت فمها دون قصد وهي تراقب خطواته الصامتة جداً يصعد الدرجات , تقسم بأنها لو أغمضت عينيها لن تشعر بأحد يمشي من هنا.. شاهدت شيئا يسيرا من جانب وجهه , انفه المستقيم و فكه الحاد ولم ترى عينيه من غرة شعره الطويل قليلاً..
أومأت بصمت وهي تمشي على أطراف أصابعها لغرفتها , على الأقل تأكدت بأنها لا تعيش بمنزل مسكون بالأشباح.. , كما أنها لم ترى أي أطفال أو نساء هنا , المكان بغاية الغموض و الهدوء !
مرت بالمجلس الصغير الذي تهتم بتنظيفه , كان كما تركته , ألقت بنظرة فوق المنضدة ولم تجد المظروف , لقد أخذه صاحبه إذن , هبت رياح باردة لسعت ظهرها , فاتجهت إلى النافذة الكبيرة المفتوحة و أغلقها وهي تنظر خارجاً كانت الغابة الكثيفة تحيط بالقصر من ثلاث جهات , الشمالية والغربية والجنوبية , بينما طريق المدينة الصغيرة من الجهة الشرقية , نظرت إلى الأسوار الحجرية التي تحيط القصر كم هي عالية وكبيرة لكن البوابات من قضبان معدنية , أو على الأقل البوابة الخلفية التي تعرفها كذلك..
شعرت بالتوتر والخوف عندما رأت أحد الكلاب السوداء الضخمة الموحشة يتمشى بالأسفل بين أشجار الحديقة.. هل يتركون هذه الوحوش بحرية هكذا!!