شـآبتر آلـ 18 ـ ألا ينتهـّي بـّحر دموعّهـّا يومـآ ؟
شـآبتـّر الـثآمنّ عـّشر ـ
آلا يـّنتهـيّ بـّحـرّ دّمــوعهـّا يـّومـّا ؟
خـطوة تليها خـطوات سريـعة قـبل أن يصدر صوت سقوط عميق، استندت على تلك الشجرة القريبة منها و هي تلهث باحثة عن قليل من الطـاقة ثم وقفت تعلوها نظرة تصميم و عزم لتعود إلى الركض مجددا ..كانت ضعيفة و بلهاء لكن جرى هذا قبل أن تستيقظ حياتها من سبات الحداثة العميق و قبل أن ترتفع جناحيها إلى السمـاء و قبل أن توقظ في قلبها شعلة المحبة و الحب ، لديها الآن سبب أقوى في المضي .. في الـركض لآنقاذ الشخص الذي اختاره قلبها شريكا له أيام دنّياها المتبقية و سوف لن تستسلم لليـأسأنيرت عينيها بضوء الأمل عندما وصلت آخيرا إلى الطريق العام فرفعت يديها شاكرة الله ، حينما ارتجفت قدميهافجـأة و سقطت على ركبتيها أرضا بكل إمتنان ، إنها نهاية مـأساتهم و سوف تجد المساعدة ليهبوا بإنقاذهما فانتـظرت مقاومة جفاف رمقها ، ألآلام جسدها و رغبتها في النوم لسبيل الخلاص ، انتظرت و قلبها يدق عنفا
بينما أمالها تختفي تدريجيا من شدة خوفا عليه و قد قـارب الظلام على الرحيل و الشمس على الـشروق حين رأت سيارة قادمة من بعيد فتحاملت على نفسها بعزم و ركضت لتقف مجددا وسط الـطريق مغلقة عينيها الواسعتين، انحرفت السيارة من طريقها بقوة فلم تفصل عنها سوى أنشا أو اثنين ، خـرجت إمرأة بجزع متـأملة حال ماري و قد ظنت أنها قد أصابتها يرافقها رجل في منتصف الثلاثينات ، دماء تلطخ
ثوبها و شعرها الأشعث كمـا لو كـأنها شبح ما ، بينما تقدمت ماري منها و قـالت بغصة متوجعة تقطع أنفاسها
ـ أرجوك سـاعديني يـا آنسة ، خطيبي بين الحيـاة و الموت أرجوك أنا أتوسل إليك
تنهدت المـرأة براحة و قد اختفت فكرة كونها مجنونة أو شبحـا من رأسها قـليلا ثم أمسكت بذراع ماري لتجعلها تستند عليها كي تستقيم في وقوفها ، تحدثت بنبرة قلقة و هي ترمق زوجها بنظرات محذرة
ـ ما الأمر ؟
نـظّرتّ إليها مـّاريّ بـأملّ لتنـّزل دّمعة استقصرتها الرحمـّة و الألمّ منّ أجّفانهاّ السّوداءّ ، لتتحدّث بـّنبرة مـّبحوحّة خـّافتة
ـ لقد تعرضنا لحادث و سقطت السيارة من أعلى المنحدر فأصيب خطيبي و لا يستطيع الـحركة أرجـوك سـاعدينا، سـأكون ممتنـة لك للأبد
أومـأت المرأة بالإيجاب و عـادت تنظر إلى زوجها ، ركنا السيارة جانبا و أسرعا خلف ماري التي كانت تركض بخفة كما لو كـأنقدميها لم تلامسا الأرض قط و بكل رشـاقة قد آثارت الرعب في أنفسهما ، فكيف لشخص بكاحل ملتوي و جروح لا زالت تنزف أن يركض هكذا كما لو كـأن هناك قوة خفية تحركه و تحثه على الاستمرار ؟ استغرق الأمر وقتا حينها بدأت الريبة تنتقل شيئا فشيـئا إلى
قلبي المـرأة و الرجل ظنا أنها مجنونة أو ربما قـاتلة لكن أنينها المتـألم المنـاجي باسم حبيبها كـان بمثـابة الأمل الوحيد لهما بـأنها ربما ذات عقل سليم
حين وصلا إلى حيث تلك البقعة الخالية ، كانت هناك آثار لحطام سيارة في نهاية المنحدر فكيف استطاع هـذين الآثنين أن ينجوا من السقوط في الهاوية ؟ .. اتجهت ماري مسرعة إلى ذلك الشاب المستلقي على الأرض و يبدوا كما لو كـأن روحه في آي ثانية ستفـارق جسده ، أمسكته من معصمه و احتضنته بخفة لتسمع دقات قلبه المتبـاطئة شفتيه المـائلتين لزرقة و شحوب وجـهه الفـظيع بينما عـينيه مصـوبتان نـاحيتها ببرود قد اختفى منهما شعلة الحياة ، يهمس متـألما
بكلمـات عدة حيث تضاءلت مقاومته لتعادل الصفر تقريبا ، همست بنبرة خافتة بـأنين متـألم
ـ نايت لقد أحضرت المسـاعدة ، أرجوك لا تتركني حسنا ؟ لقد وعدتني
تقدم الرجل واضعـا نايت بكل بطء و حذر على ظهره بمسـاعدة كلا من زوجته و ماري كي لا يصيب جروحه بإلتهاب أو يزيدهم سـوءا
في حين أمسكت ماري بيده البـاردة بكل لطف و خوف في آن واحد ، إنها خـائفة من أن تفقده بـعد أن وجدته .. السبب الذي يدفعها بالاستمرار في العيش ، بينما بدأت تلك المـرأة بمواساتها و هي لا تعلم فعلا ما الذي قد تقوله لتخفف من وطئه الفـاجعة التي حدثت لهما ،عـادت تهمس مجددا بـرجاء أخير
ـ نـايت أصـغ إلي ، أنت كل مـا أهتم له .. و أنـا أحبك فلا تمت رجـاءا
فتح نايت عينيه الزرقاوتين و قد بهت لونهما المميز بكل تعب ، رفع جفونه ليحدق بها لفترة لست بطويلة ، فلمح دموعها التي غـزّت كل وجههاّ و صوتهاّ المنتحب بكلمات لم يّفهمها حينها فـأغلق عينيه بتعب مفكراّ ، ألا ينتهي بحرّ دموعها يوماّ ؟
/
كانت تجلس خلف مكتبها و تضع نظارتين لترى الأوراق بوضوح ، بينما تحك شعرها بيأس من هـذه الكمية المتراكمة فطوال فترة جلوسها لم تنهي سوى بضعة أوراق تعد على اليد كل هـذا بسبب ويليام إنه السبب فهو يعرقل سير أفكارها في المنحى الصحيح و لما تفكر بّه بكثرة ؟
هزت رأسها بغيض و عادت تحـاول أن تكتب شيئا كي لا تتأخر أكثر في عملها لكن هاهو ويليام يتسلل مجددا إليها هل عـلم بـأن أغنيته قد ألغيت ؟ و أنه مجبر على كتابة أغنية ثنائية مع ذلك المدعو بأوسكار ؟ لما ؟ لقد كانت واثقة أن الكلمات جميلة جدا و ستنال بكل جدارة المرتبة الآولى و ستكون في الصدارة إذن لما رفض مدير أعماله هذه الأغنية ؟ فجـأة رن هاتفها بإسمه فلم ترغب أن تتحدث
معه و أرادت فعلا أن تغلق السماعة بوجهه لكن توقفت قليلا مفكرة ، ربما علم بالأمر إذن لابأس بالرد عليه هذه المرة فقط ، فحملته بتكبر واضح و ردت
ـ مرحبا
ابتسم ويليام شاكرا الله عندما قد رفعت السماعة أخيرا و هو قد خال نفسه أنه سيضطر للبحث عنها أو سحبها من مكتبها ، لذا قال بمرح
ـ أهلا فلورا ، أريد لقائك إن أمكن
قطبت حاجبيها مستغربة ، نبرة مرحة ماذا ؟ ألم يعلم بعد ؟ ظنت أنه بحاجة لمن يواسيه لكنه يبدوا بحال جيدة فكادت أن تقفل السماعة لكنه أكمل كلامه بجدية كما لو كـأنه قد قرأ أفكارها
ـ لدينا بعض الأعمال لننهيها فلور ، حفلة الزفاف
تنهدت و رفعت ساعتها تنظر إليها ، لا ضرر في لقائه فهي ليس لديها أي شيء لتفعله بـعد الآن ، سابقا كانت تحضر العشـاء لوالدها و قبل ثلاثة أيام كانت تسرع بالمغادرة لتعوض ما فاتها هي و أختها أما الآن فظل غياب ماري ، لم يبقى لديها لفعله سوى العمل و النوم فتحدثت بنبرة كسولة خاملة
ـ حسنا لا بـأس ، تعال لاصطحابي عند الساعة الرابـعةّ مساءا
و مـاّ إنّ أنهت جملّتها حّتى فتحّت صدّيقتها بّاب مكتبها و بّرفقتها ويّليامّ قدّ كانتّ واضحة علّيها ملامحّ الإعجاب ، شهقتّ و ابتعدّت بكّرسيّها ، كّيف له أنّ يـّعلم أينّ تـّعمل ؟ أهو دّجـّال أم مـاذّا ؟ بينما ابتسمّ وّيليامّ بسّذاجة و اقتربّ منهـّا ، قّبلها على خدهاّ بعفوية ثمّ قـّال بكلّ تّعب
ـ يّا إلهي زحمة السيّر تستغّرقّ وقتـّا أطّول منّ سيّر مشـّيا على الأقدّام ، دّعيني أرتاحّ قليّلا ثمّ لنذّهب ،
رّمقتها صدّيقتها بـخبّث فـأشّارت لها فلوّر بأنّ تبتعدّ فوراّ قّبل أن تقذّف كومّة هـذّه المّلفات فّي وجهها ، فتحدّثت بلهجة حاولت أن تجمعّ فيها أعّصابها بينما كست حمرة طفيفة وجنتيها
ـ كيّف تتجـرأ على المجيء إلىّ مكان عمليّ أولا ثمّ تقّبيلي ثّانيّا و الاتصّال بّي ثاّلثّا ؟ إنّ كنت لمّ تلحظ فنحن لّسنا أصدقاءا
زم شفتيه باستياء من نبرتها الحادة العالية و همس لها بكل مرح على شفتيه ابتسامة جذابة كادت
لتأسر نسـاء
ـ ماذاّ لقدّ ظننت أنناّ أصدقاء فعلا،
تجاهلته ، فابتسم بسخرية و أخرج من جيبه صورة لماري و نايت كي يضعها أمام نظريها ، رفعت حاجبها مستغربة فقـال بنبرة باردة بـعد أن رأى أنه لا يوجد حل آخر
ـ لقد تم اغتيال كلا من ماري و نايت قبل ثلاثة أيام و حتى الآن لم نجد لهما آثرا لذا أنت سوف تقفين الآن و ستساعدينني على التحضير لهذا الزفاف اللعين قبل أن أفقد عقليّ كليا
شهقت برعب و وقفت بسرعة فلم تدري إذ كيف خطت تلك المسافة بينهما لتجد نفسها أمامه أمسكته من معصمه محاولة أن تتأكد مما قد سمعته أذنيها توا ، قبل أن تسـأله أي شيء أجـابها بنبرة حزينة متـألمة
ـ نحن لا نعلم شيئا ، لا مكانهما و لا أين ذهبا و لا حتى من قتلهما أو حاول قتلهما ، نحن بكل بساطة لا نعلم ما إن كانا لا يزالان على قيد الحياة
و أين كان من فعل ذلك فخطته هي عرقلة سير الزفاف لذلك نحن لن نسمح بهذا بكل تـأكيد
صمتت و قد شحب وجهها من شدة الصدمة فاستندت على المكتب خلفها و وضعت يديها على وجهها محاولة إخفاء تلك الدموع الضعيفة التي قد أفلتت من مقلتيها ، كان يجب عليها أن تكون أكثر حذرا .. كان يجب عليها الإعتناء بها أكثر بينما وضع ويليام ذراعه حول كتفيها و جذبها نحوه بألم ، همس بكره
ـ دعينا نهتم بهذه الحفلة اللعينة أولا ، التي المضيفين الرئيسين فيها مفقودينّ
/
بعد مرور يوم آخر ، و قد بدأ العد التنازلي للزفاف الموعود بقصة حب أسطورية كأنها تعود للعصور الوسطى ، قصة أحب فيها شـاب غني فتاة فقيرة كرواية المشهورة سندريلا و الأمير و توجا حبهما بزفاف لكن هذه المقتطفات لم تكن حقيقية على الإطلاق
أجل فكلا من الأمير و سندريلا قد توفيا الآن و ثورته مع مقعده قد احتلت هي ، هي فقط ابتسمت بخبث ياله من أمر جميل أن تكون مغدقا بالثروات في كل ناحية ، أن تسير على فضة و تشرب من ذهب و تـأكل الألماس فقط ، شعور جميل لن يختبره أحد سواها
ضحكت بسعادة غـامرة
لقد نالت منه قبل أن ينال منها ، نقطة لصالح إليزابيث .. لا بل جميع النقـاط لها و المنافس الوحيد المتبقي هو ذلك العـجوز، كل ما عليها فعله هو إيجاد خطة مثالية لقتله بعد أن تهدى الأوضاع قليلا ربما بـعد عام من الآن سيكون ميتا و ستنعم هي بكل الثروة ، بكل مال لبير
لكن ألن يبقى شخص واحد ؟ آه آجل زوجها ؟ كايل ؟ لا بـأس ببقائه إلى جانبها .. سوف يغدقها
بكل من المال و الحبّ ، إنه زوج صالح فعلا و كذلك هي ، هي أيضا زوجة صـّالحة تريدّ سعادته .. همست بخبث بينما صوت ضحكاتها يعلو بكل فخر و تكبر
ـ و سـعادته تكمن في كوني راضية
لقد حققت مرادها في فترة بسيطة من الزمن ، كان يكفي أن تملك إسم لبير إلى جانبها و ها قد فعلت ما فعلت ، مسكينة هي ماري فهي لم ترى مجّد هذه العائلة أبدا و لن تشعر بهذه الفرحة و لا هـذه القوة مطلقا ، تحدثت بنبرة ساخرة رقيقة مدعية الشفقة
ـ مسكينة هي آجل لكن لم يكن عليها أخذ شيء من أملاكي تلك الحقيرة
/
لم تعلم كم ليلة مرت و هي بهذه الحالة السقيمّة أو كم من دقيقة مضت منتظرة خروج ذلك الطبيب من غرفة العمليات ليبشرها بنجاته ، بعد أن عالجت الممرضة جميع جروحها كانت تجلس على الأرض مقرفصة و قد غالبها النوم في الممر حين خرج ذلك الطبيب و على شفتيه ابتسامة نجاح و فخر ، فخر لأنه أنقذ روح شخص ما .. هزها بلطف من كتفها ففتحت مقلتي عينيها برعب ليتحدث بنبرة فـّرحة سعيدة لهذا الإنجاز
ـ تهانينا سيدتي ، زوجك بخير لكنه يحتاج إلى الراحة
دمعة نزلت بكل هدوء شاقة طريقها عبر خدها المتورم ثم أومـأت بسعادة و تبعته إلى حيث يقودها ، و بعد أن تم نقله إلى غرفة آخرى كآنت تجلس بجانبه على السرير تنظر إلى شحوب وجهه تارة و إلى صدرّه المليء بالشّاش المعقم و الملّفوف بعناية ، أمسكت يدّه الموصولة
بّالمصل و وضعتها في حجرها كمّ هي شاكرةّ الآن لنجاته و أن تسمع نبضّاته لهو أعظمّ شيء تمنته ب
هذا العـالم ، وجودّه فقط إلى جانبها يكّفيها فقـالت بنبرة رقيقة هامسة تحاكي نغمة الناي
ـ لا أعلم ما الذي كنت قدّ أفعله إن لمّ تدخل حياتي ، وجودكّ هو أفضل شيء حدث لي
تنهدت براحة غير مصدقة نجاتهما سّالمين من هـذه الحـادثة ، ثم احتضنته بخفة خائفة من أن توجعهّ بلمساتها الحـّانية ، عليهاّ أن تستغل جميع هذه اللحظات فبمجرد أن يستيقظ سوف يبعدها كعادته فرفعت أصابعها و أزالت بضعة خصلات من على عينيه ، ثم حركت شعره الأسود الحريري بهدوء .. لن تتركه أبدا من الآن فصاعدا لن تتركه و هذا وعد إلى نفسها
نظرت إلى مذكرة معـلقة في الجـدارّ ، إنه الخامس و العشرين من شهر أكتوبر أهذا يعني أنه لم يبقى سوى ثلاثة أيام لزفافهما ؟ ضحكت بمرح ، زوجين مليئين بالخدوش تمكنا من حضور حفل زفافهما بعد محاولة قتلهما ، أجل إنه عنوان مضحك
فتح عينيه الزرقاوتين الداكنتين بتعب ليجد وجه ماري ممتلئا بدموع كعادتها لكن ليسّ حزنا أو ألما و إنماّ فرحا لنجاتهما ، تسللت رائـحة أدوات المـعقمة إلى أنفه فـأدرك من خلالها أنهما في المستشفى إذن يبدوا أنها قد وجدت المساعدة الملائمة ، و كانت تجلس بالقرب منه تمسك بيده رافضة تركها و تنـظر إلى توقيت الأسبوعي بكل شرود فبقي صامتا عندما عادت لتراقبه وجدت أنه قد استيقظ فشهقت بعدم استيعاب لأنه لم يمضي الكثير من الوقت على خروجه من غرفة العمليات ، ابتسمت بكل لطف إنه مكافح حتى النخـاع فكشر نايت بوجهها قـائلا و البرود يغلف كلماته
ـ لا تضعي مثل هـذا التعبير السخيف على وجهك ، إنه يجعلك تبدين بلهاءا
رفعت حاجبها باستياء ، أهذه هي طريقته في إظهار قلقه عليها ؟ لآنها لا تبدوا نافعة على الإطلاق ،
ردت بنبرة متهكمة
ـ شكرا عزيزي لسؤالك أنا بخير و سعيدة لأنك بخير أيضا
تنهد و رفع ظهره ببطء قبل أن تلامس قدميه السيراميك شديد البرودة ، بينما ماري تراقبه بكل ترقب ، ثم وقفت أمامه قـائلة بشكّ
ـ ما الذي تحاول فعله ؟
نـظر إليها بجدية و قد ظهر بريق الإنتقام في عينيه فإرتجفت قليلا حيث آثار الرعب بقلبها ، أيعقل أنه سيحاول الإنتقام الآن ؟ لكنه بالكاد يستطيع السير ؟ هل ستضطر مجددا لرؤيته و هو يعاني ؟ أن يواجه الموت مرة آخرى ؟ بينما همس هو بنبرة حادة قوية
ـ و ما الذي تخالينني أفعله ؟ سوف نعود
شحب وجهها بشدة ، و لم تعد قدميها قادرتان على حملها .. لما لا يفهم قلقها عليه ؟ بدأت دموعها بالنزول مجددا ، و بغصص متوجـعّة بـنظرات متـألمة و بنبرة حزينة صـاحت به
ـ أنت لن تفعلّ هذا بي ، ألا تدرك ما انعكاس تصرفاتك المتـهورة عليك ؟ حسنا مادمت تحاول التصرف بعناد فكذلك سوف أفعل أنا لذا أنت لن تغادر أبدا سوف تبقى هنا حتى أنا أسمح لك بالرحيل ، أيها الغبي ألا تدرك أنك قد كسرت ضلعين أحدهما قريب جدا من قلبك ؟ و نجاتك معـجزة فلا تصعب الأمور و ابقى مستلقيا
ضيق عينيه بعدم رضى و احتذت نظراته بشكل خطير جعلها تبتعد لا إراديا عنه ،تغـيرت ملامحـه الجدية إلى الغضب فرد عليها بلهجة شديدة التحـذير و التهديد
ـ أتظنين و بإنقاذي لحياتك سوف تتغير الأمور ؟ أنت مخـطئة يا هـذه بل سوف أبقى دوما الرجـل الذي اشتراك و أنت دومـا المرأة التي وضـعت قيمة نقدية لنفسها فلا تحاولي أمري
صدمت من كلماته و تلعثمت غير قادرة على إيجاد شيء تقوله ، لقد ظنت أنهما أصبحا على وفاق الآن ، بينما كاد هو الآخر يسقط لولا أنه وقف متحاملا على نفسه مستندا على طرف السرير ثم كشر بغيض شديد ، لامحا نـظراتها المصدومة و شحوب وجهها الفظيع، كما لو كـأن الموت قد إختطفها في تلك اللحـظة فـابتسم بإستهزاء متحدثا
ـ أنت تتسـاءلين عن سبب إنقاذي لك أليس كذلك ؟ حسنا سـأخبرك إذن ، ليسّ لأنني طيب القلب و لا لأنني أشفقت عليك بل لأنني بكل بساطة سئمت من الحياة ، سئمت من العيش فأفضل طريقة للمـوت كانت هي بدفع نفسي اتجاهك
خـطت بضعة أمتـار لتصل إلى باب الغـرفة و تـقف أمامه بتصميم ، ثم أمسكت مقبض بكل قوة امتلكتها في تلك اللحـظة و علت ملامحها
صفات الهدوء بابتسامة صغيرة لطيفة تخللت شفتيها الورديتين ، بينما زادت حدة غضبه هو ليصرخ بـنبرة عالية مبحوحة
ـ أنت تمـاثلين فتيات الهوى فكلاكن تضعنّ قيما لأنفسكن و تنفذن أوامر أسيادكنّ بلا نقـاش لكن الفرق هو أنهن يعتـرفن بأصلهن لكن أنت لا ، تـظنين أنك شريفة .. أتعلمين ؟ أنا أكره هؤلاء الناسّ الذين يدعون الطيبة و الشـرف أكثر من أي شيء آخر
وضعت يديها على أذنيها مغلقة عينيها الواسعتين بشدة ، لتنحدر دمعة يتيمة على خدها و هي تهز
رأسها نفيها ، لماذا يفعل هـذا ؟ لماذا يتصرف هـكذا ؟ لما يقول هذه الكلمات الجارحة كمـا لو كـأن لسانه قد اعتاد على نطقها ؟ أفعلا لا تعني له أكثر مما وصفها به ؟ فتاة هوى ؟
فتحت عينيها مجددا بثّقل و نـظرت إليه ، حينها لمحت شيئا مختلفا بملامحـه الوسيمة .. فبين تقـاسيم وجهه الحـادة و بين شفتيه المـطبقتين بتعب، خلف عينيه الداكنتين كان هناك أسى و قهر ، فابتسمت بلطفنايت شـاب لطيف لكنه يـرفض الإعتراف بذلك ، لذا لا بـأس إنه لا يعني ما قـاله تواّ .. هذه هي طريقته في إظهار قلقه فلما هي تشـعر بهذا الظلام يلتف حول قلبها و يعتصره بكل قوة ؟ حين ارتخت عضلاتها و سقطت أرضـا بلا حـراكّ، لا بـأس إنه لا يعني ما قـاله توا ، هو فقط مستاء لأن شخصا ما حاول قتله ..
سوف تـأخذ غفوة بسيطة و عندما تستيقظ ستجد نفسها مجددا في ذلك المكان ، حيث العشّب النديّ و الرياح العـاتية ، الأزهار العبقة و رائحـة المياه المنـعشة .. و ابتسـامة نايت اللطيفة الهـادئة نحوها
شآبتر الـ 19 ـ حـّب حـّلو مـّر المـذّاق
شـآبتـّر التـآسـّع عشـّر
حـــــــّب حـّلو مـّر المـذّاق
حاولت عبثّا حاولت و رغما عني اجتهدت لكي أعلم لما قد ثبّت حبه في قلبّي كسيران الدمّاء فيّ عروقي ، و لما صـّارت كل نبضة تهمس بإسمه خفية ، و لما قد نبتت بذور العـواطف فيّ صدري ، لما أحببت شخصّا قاسيّا مثله ؟ مهما اقتربت أبعدني عنه مـائة خطوة للخلفّ كـأنه ابتلاء .. مصيبة حلوةّ
مرة المـذاقّ و هل يوجد طعم بمثل هـذه الصفات ؟
فتحت عينيها الـواسعتين بجهد ، رائحة الدواء المعقم و ذراعها مـزينةّ بأنبوب يّصل إلى دمهاّ كي يزودّها بالتغذية الملائمة ، مـرتدية فـستاناّ أزرق اللون خفيف على جسدهاّ النحيل .. جلست بتعب و نـظرت حولهاّ بالرغم من أن المكان يشبه المستشفى لكنّه ليس كذلك على الإطلاق ، إذن أين هي ؟
نـزعتّ المصل بقوة و وقفت فأصابها الدوران لتعود كي تجلس على السرير بقلة حيـلة ، حين فتح باب الغـرفة و دخلت فلور بابتسامتها السعيدة ، سـآرعت لاحتضانها بينما ماري ساكنة بلا حراك ، كلام فـلور يبدوا مبهما و الصورة مشوشة فلا ترى شيئا سوى الجدران المتمايلة همست بنبرة خـافته
قلقة متعـبة و بكلمات متلاحقة
ـ هل .. نايت ؟ بـ .. بـخير ؟
حالما انتهت من جملتها أنضم إليهما كلا من ويليام و نايت ، فـنـظرت إلى حضنها بهدوء يبدوا أن كل شيء بخير الآن ، فعـادت تغلق عينيها مجددا ليغمى عليها .. أمسكتها فلور و وعدلت من وضعية الوسادة ثم غطتها جيدا ، بينما لم يصدقّ نايت أنها قد انهارت فقد بدتّ قوية جدا خلال بحثها عن
النـجدة أو عبر منعه من مغـادرة المستشفى ، تـقدم منها بخطوات متـرددة ثم أمسك بيده المضمدة البـاردة يدهاّ الدافئة ، شدّ عليها بقوة عندما تحدثت فلور بقلق
ـ ما الذي حدث بالضبط نايت ؟ أنا لا أفهم شيئا ..
راحت أحداث الحـادث تعاد في ذاكرته مرارا و تكـرارا قبل أن يبتسم بكل استهزاء و سخرية ، لقد حـاولوا قتله هـذا ما جرى ، إنه لفي غاية الشـوق لمعرفة هوية القاتل الذي تجـرأ على وضع شبـاكه عليه هو ، جلس في الكرسيّ الذي بجانب ماري و قال بشرود بينما عينيه الداكنتين مصوبتان نحوها
ـ ويليام ، نادّ فرانسوا فورا
أومـأ بالإيجاب و سـارع لمنـاداته ، خلال لحـظات كان يقف أمامه بكل إحترام .. ابتسم نايت ببرود و قد احتدت عينيه بشكل مخيف أكثر من المعـتاد ، همس بنبرة مبحوحة ماكرة
ـ قلّ ما بجّعبتك فرانسوا
ـ سيدّي ، لقدّ علمنا من مصادر موثوقة أن رئيس شركة جونسون لم يغادر فرنسا قط كما أن السيارة التي قامت بالاصطدام بك تم شراءها من سـوق العام قبل أسبوع من الحـادثة و السائق لم يعثر عليه بعدّ ، لذا سيدي لقد أبعدنا احتمالية رئيس جونسون و لم يبقى أمامنا سوى ..
ثم صمت على مضض ، وقفت فلورا بإنزعاج و غادرت الغرفة عندما علمت أنها المعنية الوحيدة التي لا يجب عليها سماع بقية الحـديث ، عند خروجها أكمل فـرانسوا كلامه ببرود
ـ سيدي ، بقي أمامنا احتمالات عدة تستهدفك بشـأن اقتراب زفافك منهم راسكلانكوف و شركات التي تبعت جونسون و سقطت معها ، إنهم حوالي تسعة أو عشرة شركات ليست بذلك الثـراء لكن لها مبلغا محترما و أسهما أيضا .. سيد كايل آل لبير
زفّر ويّليام بـّغيض ، و هل يمتلك ناّيت أصدقاءا ؟ بينمـّا ابتسمّ هو بّسخرية و نظـّر إلى مـّاري ، قــّال بـبرودّ
ـ كون السيارة قد اشترت قبل أسبوع من الحادثة يجعلني غير معني ، فأنا كنت في فرنسا و موعد عودتي كان مجهولا كما أن شركات لن تخاطر بخسارة
سمعتها إلى جانب أموالها لذا استبعدهم جميـعا ، الشخص الوحيد الذي كان يخطط لقتله في ذلك اليوم هو ماري ، لذا أريد منك أن تتحقق من تحركات السيارة قبل الحادثة فلابد أنه كان يراقبها منذ مدة ، صمت للحـظات و همس بنبرة حـاقدة مبحـوحة كاتمـاّ غضبه الجامح
ـ أيضـّا .. فـرانسوا حـاول جلب ذلك السـافل لي في أسرع وقت ممكن
أومـأ فرانسوا بالإيجاب و غـادر مسرعا في حين ابتسم ويليام بهدوء ، أجل هذا هو نايت الانتقام يسري كالدم في عروقه و لن يرتاح له جفن إلا بجلب ذلك الرجل حيا يرزق له ، تنهد و قد تذكر شيئا مهما قد أغفله طوال هـذه المدة .. لم يبقى الكثير لموعد الزفاف ، كم هذا مرهق ، حالما رأت
فلور فرانسوا مغادرا كـادت أن تـهم بالدخول للاطمئنان على أختها لولا سماعها لصـوت ويليام المتحدث
ـ ماهو رأيك نايت ؟ أخبرني بصراحة فـأنا أظن أنك تعلم تماما من خلف هـذه الحـادثة
صّمت نايتّ و لمّ يّقل شيئّا ، لّيس قّبل أن تتأكد شكوكه فـعادّ بعّينيه يجّول حولّ مـّاريّ و تنهدّ بـهدوء ، يبدوا أنهّ اكتسّب نقطـّة ضـّعف أكثر مما هي نقطة قوة .. شدّ على قّبضته بكلّ قوة ، عندما لمحـه ويليامّ ليهمس له قـائلا بلطف
ـ نايت ، لم يكن خطـأك ..
التفت إليه نايت بعينين باهتتين و ملامح خالية من أي تعبير قد تّساقطت خصّلات من شعره الأسود على جبهته مـانعة ويليام من معرفة أفكاره لكنه آكمل حديثه بنبرة أشد ليونة
ـ نايت ، لم يكن بوسعك فعل أي شيء لذا أنا واثق أن ماري لن تلومك ،
رمقه ويليام بأسى ، كم يكره نـظراته الخـالية من معاني الحياة كـأنه لا يملك حقا في العيش تمعن النظر ناحيته ليرى إمساكه المحكمّ ليد ماري ،تنهد بغيض و همس بصوت خافت
ـ أبله
/
بـعدّ مرورّ يّوم آخر كـّان قدّ آتى موعدّ الـزفّاف فـأصّبح الخدمّ فّي ضجة عـّارمةّ يحّاولونّ تصليّح كلّ شيء و جـّعل المكـّان مثّاليّا حسّب أوامـّر ويّليامّ أمـّا فـّرانسوا فكّان بـّرفقة نايتّ الذّي لمّ يـظهرّ للعـّيان أبدّا ، يحـّاولونّ الـحصّول على بـّضعة إجابات غّير مبّالي بزّفافه ، مـّاريّ تـّجّرب فستانّها الأبّيضّ و فـّلور بجـّانبهـّا ، إليزابيّث و كاّيل يتساءلان عنّ هذه الجّلبة التّي يقومّ بها وّيليام و قدّ أصابهما الشكّ في موتّ مارّي و نايتّ ، آرثّر قدّ بدأّ فيّ الخوّف منّ تجاهل مـّاري لطّلباتهّ فأخذّ يحـّاول تدّبير لقّاء معهـّا مهمّا كلفه الأمرّ
/
فّي سـّاعة حـادّية عشـّر ، كانّ نايّ قدّ ارتدى بذّلتهّ الرسميةّ السودّاء بكّل إهمـّال تـّاركّا ربطّة عنّقه و قدّ غـّادره ذّلك الشحوبّ بينمّا لمـّعت عينيهّ بخـطّر محدّق و زيّن فمـّه بإبتسامة سّاخرةّ لا تنبـأ بخيّر ، أنفهّ المسلول و شـّعره ألكحلي الحرّيري المنسـدّل على جّبهتهّ قدّ رّفعه هـذّه المـّرة
بتصفيفه أكّثر عصّرّية ، دّخلّ إلى القـّصر بجـّانبه ويّليامّ و قدّ كـّان الاثنينّ يتنافسانّ فيّ الجاذّبية ، بّشعره الأشّقر المـّرفوعّ و بدّلتهّ الـمرتبة بـّعنايةّ ، خّلفهماّ فـرانسوّا بـّرفقتهّ رجـّاله و همّ يسيّرونّ قدّ أثاروا الضجة من حـّولهمّ بينمـاّ بدأ الضّيوف بالوصـّول ،
حيّن لمحـّه كـّايلّ ، سقطّ كـأس النبيذّ الذّي يمسـّكه من الدّهشة ، أهـذّا فـّعلا نـّايت ؟ إنهّ بالكـّاد قد أصيب بـخدّش ؟ ما الذي يـّعنيه هـذّا بحّق الجحيمّ ؟ ألمّ يّرسل الرجّل لهمّا صـّور للحادثة مرفقة بفيديو لكيفية سقوط تلك السيارة اللعينة من أعلى الجرف ؟ أمسكّ قبّضته بإحكـّام لمـّا اقترب منهّ نـّايت ،
تـّبـّادلا النـظّرات ، و لو أنّ النـظرة تـّقتل لكـّناّ كّلاهمـّا ميتينّ عندّما أتت إليزابيّث من الخـّلف بحّلتها الـّبهية فسّتانّ أحمـّر جميـّل يّظهر تناّسق جسدها كعـّارضة أزيّاء مشـهورة و شعـّرها مـّرفوع على شكّل ذّيل حصّان ، رأتهّ فاتسعتّ عينيهاّ و شّحب وجههّا لتـزدادّ ابتسامة نايتّ اتسـّاعّا ، قـّال بـبرودّ
ـ ألاّ توجدّ تحيةّ أو تهنئة ؟
حيّنها ارتبكّت إليزابيّث ثمّ تقدّمت منهّ و احتضنتهّ بخفّة لتعودّ مكانهـّا بينمّا كّشر كـّايّل و تجّاهله مغـّادر باتجاه أصدّقاءه فقّالت بلطّف
ـ عـذّرا ، تّعلم جميـّعا أننّا معـّارضونّ لهـذّا الزّفافّ و تـّقديمّ تهنئة لهو أمرّ صـّعب جدّا عندماّ لا تـّكون صـادّقا بمشـّاعّرك ، لكنّ على كلّ حـّال أنّا أتمنى لكّ السـّعادة من أعمـّاقّ أعمـّاق قّلبيّ
نـظّر نايتّ حـّوله مستخفّا بـأقوالهّا و عندّ انتهاءها من الحـدّيث ، وجهّ عينيه الداكنتينّ نحوهاّ وردّ عليهّا بسخّرية بينمّا وّيليامّ يكّتم ضحكته
ـ لا أعـّلم ماذا أقولّ لقدّ جـّعلتنيّ عاجـزاّ عن التعبيّر بكّلامكّ المنـّمقّ هـذّا ، شكـّرا على المحّاولة
كـادّ أن يرحّل لولا أنهاّ أمسكته منّ معصمه ، نـظّرت إليّه برجّاء رجـّاء أنّ لا يجـرحّ مشـّاعرها بردودهّ الحـّارقة ثمّ اقتربت منهّ أكثٍّر لتهمسّ قـّائلة بـّرقة
ـ هلّ أنتّ حقا تحّّبها نـّايت ؟ لأننيّ أعّرفكّ جيدّا ، أعّرفكّ عندمـّا كنـّت ذلكّ الشّاب المحبّ الذّي يطـّير بـجّناحيه إلى سماء المحبّة و الآن بـرؤيتكّ هكـذّا أجدّك مـجردّا من الأحّاسيسّ فـمن الصـّعب علينّا فـّعلا التصدّيق بـأنكّ تحبها
ابتسمّ ساخّرا و قدّ نـظّر إليها فيّ عينيها مختـّرقّا صميمّ قّلبها ، ثمّ رّفع يدّه بهدوء و سحّب ذّراعهّا ليّقول بكلّ بـرودّ و قسوة
ـ بمجردّ أنكّ تّعرفينني منذ سنينّ هـذّا لا يعنّي أنكّ تّعرفينني جيدّا إليزابيُّث و إنّ كنتّ لا تّعلمين فـأنّا لّست ذّلك الشخّص الذّي يّغيره الحّب ،
و رحّل مسّرعاّ بينمّا ذّهب خّلفه فـرانسوا ، فـّرمق ويّليام إليزابيّث بّسخرية دوماّ ما تكونّ هكذّا ، فانحنى بـخفّة و لبّاقة ليّرفع رأسه و يتحدّث
ـ دّعي هذاّ اليومّ يمّر بسـّلام ، منّ فضّلكّ
ثمّ ابتسمّ بكلّ جـّاذبية أثارت معظمّ فتيات القـاّعة ، بينماّ أمسكّت إليزابيثّ أعصابهاّ بكلّ غّضب و هيّ تـّرمقهّ بنـظّراتّ لا خيّر منهاّ ، لوّ بيدّها لقّتلته منذّ أمدّ لكنّ لنّ تستفيدّ شيئا سوى تلطّيخ يدّها بدمائه القذرة
/
فّي حيّن أنّ مـّاريّ ترتدّي فّستان كـأنهّ سحّابة بيّّضاء يدّاعبها لمـّعانّ عينيهّا المنـّيرتينّ و أشـّعة الشمّس بشّكل حوّرية ، رّفعّت شّعرها على شكـّل وردّة بسيطّة و تـّركتّ بّضعة خّصلاتّ منسدّلة على وجههاّ ، تجّلس بهدوء على الكرسيّ و على فمها الوردي ابتسامة مرتبكة
في حّين أن فـّلور تّقف أمامهّا بثّوبها الأزرّق المخّمليّ و قدّ تركّت شعرها منسدّلا على ظهرهـّا و بـالرغم من أنهاّ وعدّت نفسها على أن تسّاندّ ماّري في جميـعّ خطواتهاّ ، وجدّت أنهّا عـّاجزة على الابتسـّام أو إدّخاّل ذّرة سـّعادة إلى قّلبها إنهـّا تسلمّ أختهّا الصـّغرى الوحيدّ مـرهفةّ الإحساس و ضّعيفةّ القـّرارات إنهّا بالنّسبة لهاّ مخّلوقة طـّاهرةّ لمّ يدّنس حّضورها سوىّ وجودّ الحّول
منّ غيّرها و محاّولتهمّ التأثير بهاّ ، إلىّ نايتّ ذلّك الرجّل القّاسي ، الذّي يّحنوا الـّرقّاب و تنقّبضّ الأنفّاس منّ وجودّه بنفّس البّقعة معّ غّيره ،
إنهّ شيطّان مّتشكل بهيئة إنسّان وضـّعت سيدة فرانّسيس يدّها على رأسّ مـّاري متمنيةّ الحظّ الوفّير لهاّ فيّ حيّاتها القادمةّ ، عندّما رنّ جرّس الشّقة فـقّالت فلور ببرودّ
ـ لابدّ أنهمّ قد آتوا لأخذّناّ ،
فتحّته على مصّراعيه و نـّظرت إلى القادّم كـّان فرانسوا شخصّيا بعدّ أن أوصّاه نايتّ على إتباع جميعّ خطوات ماريّ و حّراستها بحياته ، تقدّم و خلّفه العديدّ من الرجـّال عند رؤيته لماري انحنى بكلّ لباقة و قّال
ـ سيدّتي لقدّ حان الوقتّ لأخذكّ إن كنتّ تسمحينّ ،
ـ حسنا انتظر لحظة فقطّ
ركّضت بّفستانهـّا ناحيةّ غرفتهاّ فلمّ تجدّ شيئا لتـأخذهّ ، زفّرت بغّيض نايتّ اشترى جميـّع المّلابسّ و الأشّياء كّل ما عليها فعله هو الذهاّب ، لكنّ أفعلا لا يوجدّ شيء قّيم لدّيها ؟ ذّهبت إلى ثّلاجتهاّ و فتحتهّا فلمّ تجدّ حلويّات ويّليام اللذيذةّ لذّا عادّت مجددّا أمام فـرانسوا و قـّالت باهتمام
ـ هـذّه هي المرة الأولى التي أراكّ فيها، مـّا اسمك ؟
تنهدّت فلورا ، إنهاّ تحاوّل تـأخيّر موعدّ ذهابها فـأشارّت فلورا عليه ببرودّ قـّائلة
ـ هذّا فرانسوا قائدّ ساّبق في البحّرية و رئيسّ الحّراسّ كماّ أنهّ المساعدّ الأيمنّ لخطّيبكّ المـزعّوم ، لقدّ سّبق و سـألتّ ويّليام عنه لذّا هيا لنرحّل و ندّع هذا الزفّاف اللّعين ينتهي بحّق السماّء ، نـّظر إليها الجميّع و هي تحمّل حقيبتها بـعّصبية و تغّادر أولاّ فابتسمتّ سيدة فرانسيسّ و تـّبعتها بينماّ قـطّّبت مـّاري و ركّضتّ خلفهمّا قّائلة باستياء
ـ لحظـّة، ألستنّ تنسينّ شيئا ؟ ماذا عنّ مشهد البكاّء ؟ انتظرا لحظة .. أريد أن أذرف دموعا
ابتسمّ فرانسوا بخفوتّ و أشّار لرجـّالهمّ بأنّ يسيّروا أمام و خلف بجانب ماري ، أغّلـقوا بـّاب الشـّقة و اتجهوا إلى تلكّ السّياراتّ المركونّة خـّارجاّ ، أّربعة أحدّهاّ لعروسّ و أفّرادّ عائلتها بينمّا الآخرينّ لحّراستها و لمّ يـخلوا الشـّارع من المصّورينّ المتـطّفلينّ الذّينّ يحاولونّ التـقاطّ صورا لمكانّ
عيشّ مـّاري و إلى أينّ سوفّ تعيّش الآن في أكـناّف عـاّئلة مشبعة الثـّراء لمّ يسمّح لهمّ فرانسوا بأخذّ الصـّور و كذّلك فـّلور فقدّ وّقفتّ أمامّ ماّري مغّطية إيّاها بالكّامل و تنـظرّ إليهم بمتغاض ، بينمـّا ماّري لمّ تبدوا مّبـاليةّ أبدّا جّلست فّي مقعدّ المّخصص لهاّ و بجانبهاّ كلا من سيدّة جورجّيا و فـلورّا ، حيّن انطّلق موكّبها
/
جّلس المدعونّ على الطنافس الحريرية و الكراسي المخملية ؛ حتـى غصتّ تلك القاعةّ الواسعةّ بـأشكّال النـّاس و سـعّى الخدمّ بـأنيّات الحلوّى و الشّراب فتصّاعدّت رناتّ الكـؤوس المتهافتة معّ هتافّ الغبطةّ ليّأتي الموسّيقيونّ و يّسلبونّ الأنفّس بـأنغامهمّ السحّرية و يبطـّنونّ الصدّور
بـألحـّانهمّ الشجّية المنسوجـّة معّ أوتـّار النـّاي و همسـّات الكمـّان يتـرأسهمّ ويّليامّ بـأّصابعهّ التيّ تترّاقّص بكـّل عـّفوان و قدّ أصبحّت فيّ عـّالمهاّ الخاّص صّانعا موسّيقى آسرة تخطّف الأفكـّار فّالعـقولّ منّ ذلكّ البّيانو
حيّن فتحّت البواّبة و قدّ دّخلت مـّاريّ ببسـاطّتها قدّ أشـعّلت تلكّ القـّاعة صمتـّا و دّهشة ، شّفتيها المبتسمّتين و وجّنتيها المتـّوردّتين ، فّستانهاّ الأبّيض الحّريري المنسدّل على جسمهّا كالحـّورية تمـّاماّ و رموشّها الطـّويلةّ معّ عينيهّا اللامـعّتين بـّرغبةّ فيّ الحّياة ، يـّرافقّها العمّ رويّ
و خّلفهمّا فـّلور التيّ قدّ بدأتّ تتّقبلّ الأمرّ تدّريجيّا عندماّ علمتّ أن كلّ ما ّيهم هوّ سـّعادة أختهاّ ماري و سـّعادتها تكمّن فيّ كونهاّ بجانب نأيت فّي نهــّاية ذّلك البلاطّ كّان يّقف نـّايتّ بجـاذّبيته المعـّتادة منتـظّرا إياهاّ ، أغلق عينيه لبرهة محاولا أخذ قسط من الـراحة عندما شّعر بجسده يفقد
توازنه سارع ويليام في إسناد صديقه العـزيز بـعد أن ترك الموسيقى و قد ظهرت عليه تعـابير القلق بينما هذه الحركة لم تستطعّ أن تخفى من خلف عينين كايل الحادتين ، و قد كانا كلا من ويليام و كايل واقفين بجانب نايت بصفتهما اشبينه و صديقه
اقـّتربّ العمّ رويّ و سلمّ يدّ مـّاريّ إلى نـّايت بكلّ استياء منّ مصيّرها لكنهّ أجّبر نفسه على الابتسـامّ ، ثمّ عـّاد أدّراجهّ إلى حيّث تجّلس سيدّة فّرانسيّس بدموعهاّ الحّزينة و بّولّ ، خّلفهما السيدّ بـّاولو سيدّ المـطّعم و سيّليا بالـرغمّ من أنهاّ لمّ تكنّ تملكّ دعوةّ لكنّ تمكنّ رويّ من إدخاّلها بطّريقةّ مـّا
، فيّ الجـّهة الآخرى ، يجـّلس الجدّ بيتر بجــّانبهّ صدّيقه و إبنهّ تومّاس و كـّليّر أيّضا مّع آرّثر بّرفقة صدّيقته الجديدّة عـّارضة أزّياءّ على صّلة بإليزاّبيثّ ، و سيدّة ليكّسي أيّضا فكـّان الفـّرق واضحـّا فّي الطـّبقة الاجّتمـّاعيةّ ـ
وقّفتّ فـلوّر جاّنبا إلى جّنب معّ إليـزاّبيثّ ، فّي حينّ انحنى نـّايت بخـّفة و قـّبلّ مـّاري على خدّها ، ابتـّسمتّ له فـأشّار ويّليام لرجّل بـأنّ يبدأ كـّلامهّ ، يقـرأ نذورّ الزواجّ لمّ تّسمـّع مـّاريّ منّه شيـّئا إلى حينّ لفظّ رجّل فأجّفلت و نـظّرت إليهّ بـتوترّ
ـ قبّل أنّ يتمّ هـذّا الـزواجّ إن كـّان هنـاكّ معّترضّ فليّقل أو ليّصمت إلى الأبدّ
نـّظر الكّل إلى أنفسهمّ لكنّ لم يتجـرأ أحدّ بّقول كلمهّ ، ليّس كـّايلّ و لّيس إليزاّبيثّ ، لا فّلورا و لا حـّتى آرثر أو كلّير ، لا رويّ فلمّ يكنّ أحدّ منهمّ موافقّا لكنّ معظمهمّ صـّامتّ لأجلّ ماّري و الآخـّر لأن ليّس بيده فّعل شيء ، حيّن وقفت سيدّة سيليا فجـأة بقوة مصدّرة ضجيجاّ في القـاعة ،
استدارت ماري ناحيتهاّ كذلكّ نايت و قدّ رمقهاّ بنظرة بـّاردة خـطيّرة ، كـّانت تـّرتديّ فستاناّ أسودّا يّزيد من جمـّال بّشرتهاّ البيضّاء و رفّعت شعرّهاالبنيّ للأعلىّ بّكل أناقّة ، همستّ بّصوت قـّوي شديدّ الـّوضوحّ
ـ أنـّا أعتّرض على هـذاّ الـزواجّ بـأكمله