بسم الله الرحمن الرحيم
= = = =
.::.
مـوت الـحـاكـم ~
http://www.mexat.com/vb/attachment.p...1&d=1359854985
.
لم ير أحدٌ من عابري السبيل الذين جنَّ عليهم الليل بضواحي المدينة ذلك القادم الغريب، ليس لأنه كان متوارياً عن أنظارهم، وليس لأن رداء الليل كان يحجب مرآه عنهم، بل لأنه لم يكن من أولئك الذين يمكن رؤيتهم.
ولو قُدِّر لأحدٍ أن يرى ذلك الوافد ليلاً على المدينة، لما كان بمقدوره أن يتبين من ملامحه شيئاً، ولما استطاع أن يصفه سوى بكونه رداءً أسود يغطي رأسه ووجهه، ويحمل بيده العظمية اليمنى منجلاً هلالياً ضخماً، لامعاً حاداً يثير الرعب في النفوس.
كان يتقدم بخطىً وئيدة، ويقف على أعلى التل البعيد الذي يطل على البلدة الواقعة بين جبلين، لقد بدا وكأنه قادمٌ من أجل مهمة.
كان يغطي رأسه، ولم يكن بالإمكان رؤية وجهه بحالٍ من الأحوال، ما الذي جاء من أجله هذا القادم من السماء؟
مدَّ الرداء الأسود ذراعيه، حاملاً بيمناه منجله الكبير، بدا وكأنه يحتضن المدينة والجبلين معاً، وهبت ريحٌ قويةٌ لها صفيرٌ مهول، كان كل ما في ذلك المشهد الرهيب ينذر بأن أمراً جللاً سوف يحصل.
ليلٌ دامس، وسماءٌ تلبدت بغيومٍ كثيفةٍ انساح فيها ما تناثر من ضوء القمر، كانت تلك السحب مصدر الضوء الوحيد، والذي نستطيع من خلاله رؤية الأبنية الكثيرة المتزاحمة والممتدة على مساحةٍ كبيرةٍ بين جبلين شاهقين، والرداء الأسود المجهول يقف بعيداً عنها، مشرفاً عليها، ماداً ذراعيه إلى الحد الأقصى، وفجأة بدا وكأنه قفز.
لا، لم يكن انتحاراً، بل إنه قد حلق بانسيابٍ متجهاً نحو المدينة، وكان يتمايل ملايناً أمواج الرياح، ثم إن سرعته قد ازدادت شيئاً فشيئاً، وصار مقترباً من المدينة شيئاً فشيئاً، وغاب أخيراً في الظلام فلم نعد نستطيع رؤيته.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ أهل المدينة على خبر وفاة الحاكم.
* * *
كان يوماً لم تشرق فيه شمس، وأعلنت فيه السماء حدادها، وأبت الغيوم المحتشدة أن تنقشع، فخلعت على أجواء المدينة ومبانيها وطرقاتها ذلك الثوب المأتمي الكالح.
وعند المقابر المزدحمة بسكانها، احتشد جمعٌ من الناس عصراً، ليشهدوا حاكمهم وهو يوضع في حفرة، ويُحثى عليه التراب. لقد كان بالأمس حاكماً مُهاباً، وهو اليوم جثمانٌ مسجَّى، ممددٌ على نعشٍ خشبيٍّ، محمولٍ على أكتاف أناسٍ يشقُّ سيرُهم البطيء جموعاً من الرجال وقد انحسرت أبصارهم، وانخفضت رؤوسهم، وأظلم مرأى الحياة في عيونهم، فأظلمت في مرأى الحياة وجوههم.
وصل النعش إلى الحفرة الفاغرة فاها، وأُطعمت الأرض جسداً جديداً، وبرز من الجموع فتيانٌ عراة الأذرع مفتولو الأجسام، يحملون معاول شرعوا يغرسونها في كومة التراب، ثم يُفرغون ما حملوا منه داخل الحفرة يغلقونها.
في تلك الحفرة يرقد حاكم البلاد في مثواه الأخير، ولو أن الروح عادت إليه في لحظاته تلك، وقُدِّر له أن يسمع الأصوات من فوقه، لما سمع شيئاً غير صوتِ التراب وهو يُحثى على لحده، وضرباتِ الحديد وهي تنغرس في التراب، ممزوجةً بأنينِ بكاءٍ خافتٍ وشهقاتٍ لا تكاد تُسمع، وصوتِ رجلٍ يتلو برزانةٍ نصاً لن يسعه أن يتبين حروفه وكلماته.
انفضَّ زحام الناس عن القبر الجديد، وانقشعت الغيوم كاشفةً عن قرص الشمس وهو ينحدر نحو مغيبه وراء الأفق القاحل، وإن هي إلا لحظاتٌ حتى أطفأ الكون سراجه، وإن هي إلا لحظاتٌ حتى تلاشت أضواء الشفق، وغرقت المدينة، ومقابر المدينة في ظلامٍ دامس.
كان الصمت رهيباً، ولم تزده أصوات الرياح العاتية في تلك الليلة إلا رهبةً ورعباً، ومن بعيدٍ كانت تلوح أعلامٌ سوداء نُصبت فوق سطوح المباني في المدينة الحزينة، كان كل شيءٍ يبدو حدادياً، وكانت الرايات السوداء ترفرف بعنف.
وحوالي منتصف الليل، وأمام القبر الذي لم يزل مبللاً تعلوه قطوفٌ من سعفات النخيل، انبثق من الفراغ شعاعٌ ما.
* * *
كان ضوءً، كانت شرارةً قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.
لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.
ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.
نطق الشبح فقال:
- ”إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟
ما أسعدك يا مولاي بما صرتَ إليه، وما أعظم مصابنا بفقدك، لقد جئتُ أبكيك بدموع رعيتك رجالها ونسائها، صغارها وكبارها، وهل لأحدهم مصابٌ أعظم منك؟ وهل للبلد بعد رحيلك خلفٌ عنك؟ لا ورب السماء ليس بعد الكمال إلا النقصان، وليس بعدك إلا مقتبِسٌ من نورك، سائرٌ على هدي خطاك فمسدَّدٌ وضال.
ومن ذا قادرٌ على أن يحلَّ محلك؟ ويملأ مكانك؟ ويعتلي عرشك؟ ويدبر أمر البلد من بعدك؟
إنه من يقل يا مولاي بأنك قد أتعبت مَن بعدك فما عرفك حق معرفتك، وما قَدَرك حق قدْرِك، بل إنك يا سيدي قد أعجزت خلفاءك عن مجاراتك، وأرحتهم من بلوغ مقامك، فكان يأسهم من ذلك عذراً قبله الناس منهم، واقتداؤهم بك فضلاً يتنافس عليه العقلاء فيهم، ومن ذا قادرٌ منهم على أن يخلق من الأرض اليباب دولةً قويةَ البنيان ثابتةَ الجِنان شامخةَ العمران، يخطب ودَّها الأصحابُ ويهاب جنابَها الأعداء؟ وهل يسَعُ عابرَ السبيل إن اتفق له على أبناء رعيتك مرور، إلا أن تضطربَ عيناه ويحارَ عقله، ثم يفيضُ لسانه بما قد هاج في نفسه، فإن خيراً فمحبةٌ ودعاء، وإن شراً فأحقادٌ وعداء؟
إنك يا مولاي قد حملت همَّ البلد فرداً، ونهضت لخدمة رعيتك فرداً، فضبطتَ أسماءهم وأنسابهم، ووزَّعتَ بالعدل بينهم أرزاقهم، ثم درستَ طباعهم وأحوالهم، ولمستَ أفكارهم وأحلامهم، فكتبتَ لهم الدساتير وشققتَ لهم القوانين ودوَّنتَ لهم الدواوين، ثم جيَّشتَ لهم الجيوش وأقمتَ عليهم الشُّرَط تحفظ أمنهم، وشيَّدتَ لهم المباني والصروح تحفظ ثغورهم وحدودهم، وأقمتَ لهم المدارس والمعاهد، والمصانع والمعابد، ووظَّفتَ لهم من إخوانهم من يسهرون لهم على مصالح شؤونهم.
إنهم كانوا قبلك يا مولاي هملاً رعاعاً، هائمين على وجوههم متأبطين لشرورهم وأسلحتهم، متغايرين متحاسدين يقتل بعضهم بعضاً، ويغير القوي منهم على الضعيف فتسيل دماؤهم على الأرض أنهاراً، وتتناثر منهم الرؤوس والأشلاء تفترسها الوحوش الضواري والطيور الجوارح.
ثم جئتَ يا مولاي فوقفتَ على شأنهم وشددتَ أزرهم، وسوَّرتَ بلادهم وأقمتَ فيهم سلطان العدل فانضبطوا، وألزمتهم بدين الحق فصلُحتْ أحوالهم وعمَّ فيهم نظام العيش، وكان من رحمة الله بهم أن طال عمرك ومُدَّ في زمان حكمك خمسين عاماً ما رأت فيها رعيتك إلا خيراً، حتى مُتِّعتَ بمرأى أرضك وقد أمست جنةً يعلوها شامخ الصروح، وبرعيتك وهي تعرف لك فضلك وتدين بالولاء لك، حتى وُلد لهم اليوم أبناءٌ وأحفادٌ يرفلون في نعيم أفضالك عليهم، وليسوا يعرفون مما سبق من أيام آبائهم وأجدادهم إلا حكاياتٍ هي عندهم من أساطير الأولين، يسمعونها فيلهون بها، ثم سرعان ما يعرضون عنها، ويمضون ملتفتين إلى أعمالهم وألعابهم.
وها قد رحلتَ يا مولاي ومعك العزة والمجد، وتركتنا بعدك والله أيتاماً حيارى، فطبْ نفساً يا سيدي وارقد بسلام، فإن الذي مدَّ في عمرك حتى انصلحت أحوال البلد على يديك، لقادرٌ على أن يقيِّض للبلد من بنيك من يحفظ لك هيبة سلطانك وسؤدد عرشك أبداً ما طال الزمان.
طب نفساً يا سيدي، ونحن ندعو الله أن ينفعنا بحبك ويجمعنا بك غداً في جنات النعيم على سررٍ متقابلين، فلتشملك وإيانا رحمة الله ومغفرته.”
* * *
وما إن كاد ذلك المخلوق الغامض ينهي كلامه، حتى انبثق إلى جانبه آخر مثله.
ضوء، فشرارةٌ قاتمة، انقدحت أمامها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وتكاثفت مع بعضها وتمازجت، واتخذت شكلاً ملتهباً داخناً هو نصف إنسانٍ ونصف شبح.
لم تكن لذلك الشكل ملامح واضحة، ولم يكن ذا لونٍ واحدٍ أيضاً، بل كان حزماً من الألوان المشتعلة المضيئة لا تكفُّ عن التداخل والتمازج فيما بينها، وبدا وكأن بخاراً منيراً يتراقص مرتفعاً من الحواف الآدمية لذلك الشبح الذي خُلق من أحشاء الليل فجأة.
ثم بدا وكأن الشبح يخفض رأسه قليلاً، ينظر إلى القبر الذي لم يجفَّ ماؤه بعد، ثم نطق بصوتٍ رهيبٍ يشوِّشه الصدى، ولقد كان الصوت أشبه بخطابٍ تلقيه جماعةٌ لا حصر لتعدادها، من الرجال والنساء معاً، بصوتٍ واحدٍ ونبرةٍ واحدة.
نطق الشبح فقال:
- ”إن اليوم ليومٌ عظيمٌ وإن الحادث لجلل، وإني أنا صوت الرعية، صوت الحق، ولقد جئت لأقول كلمتي فهل من سامع؟
لقد هلكتَ أخيراً أيها الغاشم الظالم لرعيته، ولم تهلك إلا بعد أن استطال بك زمانك واستدام عذابك، وإني أتساءل أين احتملك الآن زبانيتك، وفي أيِّ حفرةٍ من حفر الجحيم أنت الآن تهوي؟
سبحان مالك الملكوت إن لكل طاغيةٍ نهاية، وإن يد الموت أقوى من كل قوي، وها هو صاحبكم الآن وقد طغى وتجبر خمسين عاماً، كان يحسب نفسه فيها خالداً مخلَّداً تفرُّ منه الأقدار وتهابه أجنحة الموت، فإذا به الآن ملقىً في حفرة، مردوماً عليه التراب، وإن هي إلا ليلةٌ أو ضحاها حتى تجور عليه ديدان الأرض وهوامها فتهتك ستره وتفتك بجسمه، فأين الآن حُجَّابه وحُرَّاسه؟ وأين الآن عساكره وجنوده؟ ثم أين غلمانه وجواريه، وخدمه وحشمه؟
إنكم قد أفرطتم في إظهار الحب لصاحبكم حتى علا عليكم، وحسب نفسه إلهاً يصرِّف أقداركم ويقسِّم أرزاقكم، ولقد استكنتم له فاستمكن من أمركم، ثم لما طال زمان خنوعكم قبض على أزمَّتكم واقتادكم في هواه وجثم على صدوركم بشططه.
إن الطاغية ما كان ليجعل نفسه عليكم سيداً حتى جعلتم أنفسكم له عبيداً، وما ذاك إلا من مهانة أنفسكم وحقارة معادنكم، حتى إذا اطمأنَّ منكم الذل والخنوع ساسكم قطيع شياهٍ ترتع في مرعاه وتَرِدُ من واديه، وما طعامكم وشرابكم إلا من فضلةِ ما يمنُّ به عليكم.
إنه إن كان إظهاركم الولاء لجلَّادكم عن خوفٍ من سطوته فذلك من ذِلَّتكم وانحطاط هِمَّتكم، وإن كان عن عرفانٍ له منكم بأفضالٍ له عليكم، فذلك من صميم حمقكم وغباوتكم، وهل فعل صاحبكم ما فعل، إن كان قد فعل، إلا لنفسه؟
هل زرع الظالم أرضاً إلا أن تكون حديقةً لقصره؟ وهل استنبت زهراً إلا أن يكون زينةً لشُرَفه؟ وهل أجرى نهراً إلا لترتع فيه ماشيته؟ -وهل أنتم إلا من ماشيته؟!- وهل بنى سداً إلا ليحفظ جدران مبانيه؟ وهل أقام جنداً على التخوم إلا رعايةً لنفوذ حكمه وبسطاً لمساحة جبروته؟ وهل نشر الشُّرَط بينكم إلا ليتحسَّسوا من أخباركم ويحصوا عليكم أنفاسكم، ثم ليقطعوا لسان شجاعٍ منكم إن استيقظت فيه عزَّته، وسولت له مروءته أن يقول فيه كلمة حقٍّ ومقالة صدق؟
وهل كان حقنه لدمائكم إلا استكثاراً لعبيده منكم؟ وهل كان تعليمه لكم إلا لكي يعرِّفكم حقه عليكم؟ ثم لتمضوا أعماركم تسبِّحون بحمده وتقدِّسون لاسمه؟
لقد استخفَّكم صاحبكم فأطعتموه، وحنيتم له رؤوسكم فأعمل فيكم صوته يخادع به حمقكم، وسيفه يتسلَّط به على ضعفكم، ثم استأثر بالحكم عليكم، وعضَّ بنواجذه على عرشكم، وأبى أن يترك حكمكم حتى يهلك وعلى رأسه تاجكم، ولقد تم له مراده، وهلك وعلى رأسه بحقٍّ تاجكم، وهل كان لينزل عن عرشكم من ذاق حلاوة الجور على أمثالكم؟ وهل يصنع طاغيةٌ تسجد له رعيته إلا أن يتمادى في طغيانه على أرزاقكم وأعماركم؟
سيذكر التاريخ عاركم، وسيأتي في قابل الأجيال من يقرأ شناركم، وسيذهب الله بكم كما ذهب بمن كان قبلكم، وسيذهب بمن سيحكمكم كما ذهب بمن قد حكمكم، وغداً سيجلس على عرشكم من نسل الهالك طاغيةٌ جديد، ولسوف تَذِلُّون له كما ذللتم لأبيه من قبل، ولسوف يجور عليكم بأشنع مما جار به الأسبقون.
لكن لصوت الرعية، صوت الحق، كلمةٌ هي الفصل في ما سيأتي، ومن بين ظهرانيكم سيبرز من يكسر القيد ويحطِّم الغل، ويقذفها في وجه الطغيان صرخةً مدويةً يهتز لصداها عرش الظالم، وتتهدَّم من شدتها حصون القهر وأسوار الرهبة.
إن غداً لناظره قريب، وسترون منا ما ترتعد منه قلوب طغاتكم، ويرتجف له ضعاف الهمة منكم، وعلى الهالك المأفون لعائن الله تلحقه إلى يوم الدين.”
