: لا بد من أنك جديد على المكان .. هل زرت البحيرة من قبل ..؟
سألت ليزلي ليهز رأسه نافيا بملامح تدل على أنه لم يكن يعرف أصلا وجود بحيرة هنا من قبل ..
ابتسمت لتعلن .: جيد إذا سآخذك إليها لو أردت ..
استمر الحديث الممتع بينهما طوال الطريق للبحيرة , فلما وصلا أدركا مغيب الشمس , تركت ليزلي الكلب ليتمرغ في الوحل هنا ويلعب هناك وضحكاتهما يتردد صداها , كانت البحيرة خالية إلا منهما , فوقفا يتأملان تمازج الألوان عند المغيب , تودع نظراتهما شمسا راحلة ببطء وتؤدة , يتبعها شعاع كان يجلي درب الكادحين ,
فاختلطت بقاياه بسواد سماء الليل المطل , راسما منظرا يبعث على الراحة , لا يسهل تجاهله
فخُضِب المنظر على البحيرة وانعكس على أعين حاضريه , افلتت تنهيدة من بين شفتي إنريكي مما دفع ليزلي للتساؤل .: هل أنت بخير ..
هز إنريكي رأسه مجيبا .: بالطبع .. أعني .. من يرى مشهدا كهذا كيف لا يكون بخير ؟!
بسمت ليزلي قبل أن تستلقي على العشب الرطب وعيناها تستمران بمراقبة السماء .: البحيرة أجمل مكان بالنسبة لي .. أحب أن أقصدها برفقة السيد بيغلز بين الحين والآخر ..
تربع على الأرض موجها نظراته نحوها , فانطلق سؤال صاغه بلا تفكير وبتعجب بالغ .: أوليس لديك أصدقاء
قطعت تأملها لتنظر إليه قائلة .: بلى بالتأكيد لدي ..
عادت تتأمل الفضاء الوسيع مكملة .: ولكني أحب أن أنفرد بنفسي أحيانا .. وأفكر في حياتي وما إلى ذلك
أجابها قائلا .: شيء جميل .. وأنا أفعل ذلك أحيانا ..
ثم استلقى على العشب يعاين السماء , و بدأ يحاول إختيار زاوية مناسبة لتجمع هذا الإبداع في لوحة يفكر برسمها
- إذا أنت تحب الرسم ..
وكأنما قرأت أفكاره , قالت ليزلي تلك الكلمات بثقة .. وعندما رصدت استغرابه من ذكرها هذا الأمر الآن .. أكملت .: لأن من يحبون الرسم يحيطون أنفسهم بالكثير من الأصدقاء , ولكنهم مع ذلك يفضلون الوحدة أحيانا .. وهنا كان استغرابه أشد , أنى لها أن تعرف .. فهزت كتفيها مكملة .: أحب علم النفس ..
وهكذا بدأت قصتهما , أحب كل منهما رفقة الآخر , فقد ملأت ليزلي برفقة السيد بيغلز حياة إنريكي الفارغة بالكثير من المرح و المغامرات , وبدأ يشعر معهما بحرية أكبر , وأما ليزلي فقد أعجبها في إنريكي شخصيته المتفردة والتي يندر وجودها , تلك الشخصية الوديعة المطيعة ذات الأفكار التي تسبق عمره , وجذبها فيه حبه لمساعدة الغير ..
و مع مرور الأيام توطدت معرفتهما , فعرف إنريكي أن ليزلي قد تنقلت كثيرا في صغرها , وهذا ما شكل شخصيتها العفوية التي يحبها الجميع , وعرف أيضا أنها تحب قراءة كتب تخص علم النفس وتحلم به كاختصاص لها مستقبلا , ولكن والدتها تعارض هذا الأمر لاعتقادها أن لا فائدة منه , لذلك فهي تأمرها بالاهتمام بشيء أكثر جداء , و أكثر ما تحبه ليزلي في الحياة بعد تحليل شخصيات الآخرين هو السيد بيغلز واللون الأخضر بالإضافة لهوسها بالحلوى ..
بينما تبينت هي سبب انزعاج إنريكي عند ذكرها لموهبته الفنية , فقد أخبرها أن والده توفي عندما كان صغيرا , فتزوجت والدته برجل كان يكره إنريكي , وبعد رحيله اضطر للاتكال على نفسه والاهتمام بوالدته المحطمة الفؤاد , و التي كانت تعمل في مطعم بسيط لتجني منه ما يعيلها وولدها , وأدى ذلك إلى فقدانه الثقة بنفسه وبمواهبه , لذلك كانت هي أول من يرى له رسما بعد والدته , واستنتجت أن هذا هو السبب وراء صدمته عندما قدمت رسمه لوالديها , ولكن اعجابها به قد زاد لصلابته التي تفوق عمره ..
جمعتهما علاقة رائعة , وكانت والدة إنريكي سعيدة برؤية التغيير في حياته , فقد بدا سعيدا بشوش الوجه كما تمنته دائما أن يكون , وعزت هذا التغيير إلى رفقته لليزلي وكلبها الذي تخافه ..وذات يوم خلال نزهاتمهما المعتادة , جاء دور إنريكي لينزه الكلب, فاستلمه من ليزلي ليتقدمها قليلا وهو يحاورها .: حقا ؟! .. وكيف عرفتي ذلك..؟
أجابت وهي تراقب كلبها يهم بالتقاط شيء من الأرض .: الرسم وعلم النفس مرتبطان ببعضهما كثيرا ..
إلتفت إليها مبتسما وهو يقول .: حسنا .. أظن أن لديك الكثير من الوقت لتشرحي لي هذا الرابط العجيب ..
توقفت ليزلي عن المشي لتشحب بشرتها فجأة , رمقها إنريكي باستغراب فأخفضت رأسها لتهرب من نظراته المتعجبة
- ما بك ؟!
عندما رأى صمتها المطبق أمسكها من كتفيها تاركا الكلب ليهزها قائلا .: ماذا هنالك .. ما الذي حدث لك فجأة ..؟
أخبرته بكمد عندما رأت إصراره على معرفة ما حل بها , خبرا جعله حبيس غرفته بعدها , حزينا مكتئبا لا يطيق الحديث حتى مع والدته , والتي لم يسرها حاله أبدا , فقررت الإجتماع بليزلي لتسألها عما حدث , فأبلغتها ليزلي بعيني حزنتين وصوت تشبع كربا برحلتها إلى أقصى الأرض بسبب عمل والدها , سترحل وتفارق حياة الريف التي عاشتها فأحبتها , ستفارق أصدقاء عاشوا معها أفراحها وأتراحها , والأهم من ذلك .. ستفارق إنريكي ذو الشخصية الرائعة , لم تستطع إخضاع دموعها أكثر فسالت على خديها , و قامت لتحتضن والدته هامسة في أذنها ببعض الكلمات التي جعلتها ترتعش , قبل أن تتجه صوب الباب لتغادر بعدها ..
بعد خروجها فتحت والدته باب غرفته لتلمه بين أحضانها , حاورته وحادثته , تأسفت كثيرا لما وصفته بالحماقة منها , تأسفت عن انتكاستها وقت وفاة والده , عندما كان بأمس الحاجة إليها تركته ولم تهتم به , بدلا عن ذلك وافقت على أول من تقدم للزواج منها ليكون لأسرتهم معيل , وبالرغم من أنه أحبها إلا أنه كرهه , فكانت تعرف أن ولدها يذوق المر وهو ساكت ولكن لم تتمكن من منع ذلك لضعفها وحماقتها , تأسفت لتحميله ما يفوق سنه بعد رحيل هذا الرجل , فما كان منها إلا أن اكتفت بأمر كسب الرزق تاركة له أمر الإهتمام بها وبنفسه ,
اعتذرت وندمت , ووعدته بأنها ستحاول إصلاح الأمور , وذكرت له أمر حوارها الصغير مع ليزلي , تلك التي طلبت منها تولي مهمة الأعتناء بالعائلة بدلا عن إنريكي , وأن تكون له أما لأنه بأمس الحاجة لها , وذكرتها بأن الأوان لم يفت بعد ..
خرج إنريكي راكضا عله يلحق بها , يريد توديعها أو حتى شكرها فحسب , فقد كان بحاجة لسماع تلك الكلمات من والدته , ولم يتمكن مطلقا من فعل ما فعلته ليزلي لذلك هو يدين لها بالشكر ..
أخبره والدها أنها ذهبت لتوديع المحافظة وساكنيها , فعرف أين يجدها , وتوجه رأسا لذاك المكان ..
- أخبروني أنك هنا ..
التفتت بعينين باكيتين لتجده واقفا هناك , بينما كان كلبها ينبح بوجهه , فوجهت حديثها الذي تخللته اهتزازات باكية نحو السيد بيغلز .: لا بأس يا صغيري .. قلت لك أنه سيأتي ..
اقترب إنريكي حاملا ورقة بين يديه, وناولها إياها بدون أن يقول شيئا , فقد تبخر كلما كان قد جهزه من قبل ..
كانت الورقة تحمل رسما لها , ولكن كما تصورها إنريكي بالضبط , انتصبت قامتها بوقفة تدل على الثقة والنشاط معا , وبجانبها يجلس السيد بيغلز مخرجا لسانه ليلهث كما يفعل دائما , وقد أحاطت بهما دائرة شُكِّلت بأنواع الحلوى والمثلجات التي تحبها ليزلي , كانت ترتدي ملابس خضراء تماثل لون عينيها , وعلى شفتيها رسمت ابتسامتها المعهودة , كانت تلك اللوحة تمثلها باختصار ..
قال إنريكي بنبرته المميزة .: عديني فقط بأنك ستبقين كما عهدتك , وأنك ستسعين لتحقيق أحلامك مهما بدا الأمر صعبا , أريد أن أراك في المرة القادمة طبيبة نفسية يشاد بها ..
التمعت عيناها الدامعتين وهي تقول .: أعدك , ولكن عدني أنت بأن تهتم بنفسك وبوالدتك , وأن تثق بقدراتك ومواهبك , وأن لا تنساني أبدا ..
افلتت ضحكة سعادة لم تستطع كفّها قبل أن تستكمل .: أريد أن نلتقي في المرة القادمة في معرض يخص رسوماتك وأريدك أن تتذكرني وقتها ..
تحت سماء توشحت سوادا لا يخترقه سوى بدر تلألأ على البحيرة بجانبهما , وضوءه الذي سُلِّط عليهما , قطعا تلك الوعود , وعودا حافظا عليها حتى جمعتهما الأقدار مرة أخرى بعد مضي سنين ..
فكان إنريكي ينشغل صباحا إما بتوقيع عقد لمعرض يعرض فيه رسومه , أو بمساعدة أحدهم على بما يقدر عليه قبل أن يزور والدته ليؤنسها كما اعتادت ..
بينما تقوم ليزلي بافتتاح الحفل المقام بمناسبة نزول كتابها الجديد المختص بعلم النفس في الأسواق , أو تتمركز في مكتبها تقدم الاستشارات لمن طلب , وتمد يد العون لمن احتاج ..
وفي المساء يجلسان برفقة آكسل ذو العشر سنوات , وسارة ذات السنوات السبع لمشاهدة فلم عائلي مميز يجمعهم سويا ..
أحاط كتفيها بذراعه ليبتسم غير قادر على نسيان ما جمعهما في المقام الأول , كيف ذلك وهو يتابع فلما عن الكلاب أصر أولادهما على مشاهدته ..![/quote]
تمت |||