رحلتي من الصفعةِ إلى الإيمان ! ~
رحلتي من الصفعةِ إلى الإيمان ! ~
في ذاكرة الطفولة مشاهدُ محفورة، لمّا كنتُ وصديقتي نتهامس بكلماتٍ محظورة ؛ الله خلقنا، ومن نطفةٍ أوجدنا، لكن وأستغفر الله، من أصلا خلق الله ؟!
ظلّ هذا السؤالُ يطاردني، وفي الأحلامِ يراودني، وحين ألِفتُ في نفسي بقاءَه، فكرتُ في ما وراءَه، فتجاوزتُ خطوطًا حمراءَ كثيرة، لم يزدني الإمعان فيها إلا حِيرةً فوق حِيرة. ثم إنّ روحَ الطفولة التي لا تهدأ، والعقل الذي يخاف من قلة الاستعمال أنْ يصدأ، كانا قد تزاوجا فأنجبا المبدأ ؛ سأستفهم، وإنْ كنتُ لا أفهم، فأفْهِموني على الأقل لماذا لا أستطيع أنْ أفهم.
في مرةٍ من المرات، وقفتُ أنا وصديقتي أمام إحدى المعلمات، وكقنبلةٍ ألقتْ إحدانا عليها السؤال، غير عالمةٍ بالمآل، فلم تستطع حمايةً لنفسِها من شظاياها، وقد هوى الكفُّ على وجهها غير ممهلٍ إياها. ولستُ متأكدةً مَن التي فينا ألجمها الوعيد، أو مَن تلقتِ الصفعةَ بالتحديد، لكني أعلم أنه لو ضربني العالمُ أجمع، ما وجدتُ صفعةً أوجع.
تلك كانتْ رحلتي الأليمةُ في سالفِ الزمان ؛ صفعةٌ، فخوفٌ، فإذعان. ثم الأيامُ مرّت، وجرأتي قلّت، فجبنتُ عن التفكير جهرًا، فيما اشتعلتْ أفكاري سرًا. ثم سنواتٌ عصيبةٌ مضت، ولهفتي للحقيقة ما قضت، والسؤال ما انفكّ يطرق الباب، دون لقاءِ أيّ جواب.
في حصارٍ معنويٍّ وقعت، ولأفكارِ الآخرينَ خضَعت، عن خوفٍ ورهبة، لا عن اقتناعٍ ورغبة. ثم مضت سنين أُخَر، نسيتُ فيها ما كنتُ فيه أمُر، وقد وجدتُ في نفسي إيمانًا منبعه الفطرة، بعيدًا عن وسوسةِ الشيطان وخبيثِ الفكرة. لكنّ كل شيءٍ تغيّر وتحوّل، وعما كان عليه في الماضي تبّدل، لمّا وجدتُ نفسي ذات يومٍ أجادل شخصًا على شفيرِ الإلحاد، وقد ظننتُ إيماني أيامها عن إيمانِ الصبا قد ازداد. ففي غمرةِ الجدال، أوشكتُ لحججه الامتثال، وشعرتُ يومها بالتضاؤل، ونفسي صرتُ أسائِل : هل أورثتني تلك الصفعةُ ذلك الكمَّ من الجهلِ والإحجام، كما أورثني المجتمعُ منذ ولادتي الإسلام ؟! أجل، فواأسفي على مجتمعٍ يضرب دون أنْ يفسِّر، بل هو نفسُه على الإجابة لا يَقدِر.
من شعوري بأني مسلمةٌ بالوراثة خجِلت، وآهٍ ثم آهٍ كم حزِنت ! لكن صوتًا من داخلي ناداني، وفي آناء الليل ناجاني، فالبحث بدأت، والشكّ من بعده أزلت، وقد هداني الله إلى كتاب لمصطفى محمود، وهو مفكرٌ على واسعِ علمه محسود، كتابُه في الروعة غاية، وفي البساطة والإقناع آية، من بعده اختفى كثيرٌ من الالتباس، وبقراءَته أنصح كلَّ الناس، ففيه للمؤمن راحة، وللمرتاب من شكِّه استراحة، وفيه إنذارٌ لمن كفرَ وألحد، وعن دينِ الإسلام صارَ أبعد.
الكتابُ يزيّنه العنوان ؛ (رحلتي من الشكِ إلى الإيمان)، محا أثرًا تركه الزمان، من الصفعةِ إلى الإذعان !
~ وئام عبيد ~
2 – 11 – 2012