كبرت القرية والطفلة والحلم ولا يزال صديق الطفولة يلوح في أفق الخيال الواقعي..فغدت القرية تقترب من المدينة..والطفلة شابة بخصلات مختبئ خلف الحجاب..وهربت الغزلان من جوع البشر وابتعدت السنابل عن مد البصر.. وهو لا يزال ينمو بين نبضات قلبها..ذاك الصغير الأزرق القادم من عالم الخيال..كلما حاولت الاقتراب منه تتكاثر الأحلام..ففهمت بمرارة أن الحلم وطن والسجن حرية والحزن سعادة والألم شفاء وبين الظلمات يقبع النور..فالغزال أعدم خلف السور!..
http://www.mexat.com/vb/attachment.p...6&d=1349343674
وقفت الحافلة وسط طريق شديدة الانحدار فامتدت يدها لتفتح الباب لكنها توقفت في منتصف المسافة وهي تحدق باستغراب بيد هرمة كبيرة امتدت من المقاعد الخلفية وقبضت على يد الباب بسرعة وسحبتها..ثم وبكل برود يمكن استيعابه تركت الباب!!..فاهتزت الحافلة بقوة وطار الباب من مكانه حتى خيل للركاب أنه استقر في أسفل المنحدر وصبا مستمرة في متابعة حركات العجوز المرعبة وهي تترجل من الحافلة وكأن شيئا لم يكن!..كان أول من استطاع التعبير عن الموقف هو سائق الحافلة الذي صرخ بهلع وقفز من خلف المقود يلعن حظه ويرثي بابه المسكين ، بينما العجوز تحدق بما فعلت بملامح جمعت الغباء والبرود..ثم قالت فجأة وسط نحيب السائق الفقير :
- باب سيئ !!
صبا لم تعد قادرة عن التعبير بمجرد ابتسامة فأخذ جسدها يهتز من فرط الضحكات المكتومة وغرقت عينيها بدموع فكاهية سرعان ما تعلقت بأهدابها وهي تغمض عينيها باحثة عن بقايا عقلها بعد أن تشتت بين جنون الموقف وانشغاله بإرسال الألم إلى يدها ليشعرها بنقرات صديقتها التي أخذت تهمس لها :
- هل جننتِ ؟..سيقتلنا سائق الحافلة بعد أن ينتهي من العجوز بدون شك!!
لم تكد تنهي عتابها حتى توجه غضب السائق نحو الركاب وهو يقول بما يشبه الصراخ :
- ماذا؟ أتتوقعون أن أوصلكم إلى منازلكم بحافلة تسير دون باب !؟
يبدو أن المرأة العجوز ببرودها قد صبت الزيت على النار!! فراح الركاب الستة ينزلون من الحافلة بسرعة ،منهم من يخفف عن السائق ببضع كلمات وآخرون يحاولون تكرار المشهد في عقولهم لعلهم يستعيدون القليل من ضحكاتهم المكتومة كحال صبا التي أخذت صديقتها تتأفف من إغلاق الطرق إلى المدينة بعد أن تحملت عناء الاستيقاظ باكراً للذهاب إلى الجامعة.. وختمت تأففها بنظرات قاتلة خصت بها صبا :
- هلا أخبرتني ما المضحك بعجوز أخطأت فتح باب سائق فقير فخلعته من مكانه ؟
أجابت صبا بسرعة بعيدة جداً عن الاستهزاء:
- الباب..؟
ثم أخذت تضحك وكأنها أجابت سؤال المليون !، تنهدت صديقتها مجدداً وقد فقدت الآمل بوجود عقل كبير داخل رأس هذه الصغيرة الكبيرة :
- لو سألني أحدهم كيف ستتصرف صديقتك في موقف كهذا؟..لقلت لهم أن صبا ستبكي على حال السائق المسكين وستحزن من العجوز لأنها لم تعتذر..حقاً لا يمكن تخيل حدود لجنونك !
- ما بك تتحدثين كالكبار رغد؟..أنظري إلى حالنا الآن..الجو زيتوني وبارد ونحن نسير في شارع شبه فارغ..بعيداً عن الجامعة والمحاضرات وأزمة السيارات وقد نكون محظوظتان فتمطر السماء ..أتصدقين! منذ أيام المدرسة لم أمشي في هذا الطريق ..
توقفت رغد وهي ترسم ملامح العبوس على وجهها وتحدق بصبا وكأنها مخلوق فضائي من زحل:
- بل أنا أرى أن قدماي متجمدتان وسريري الدافئ ينادي علي من منزلنا البعيد والشوارع مخيفة وقد انشغل أهلها بقطف الزيتون..وأرى أيضاً أنك ستكملين الطريق لوحدك..
نظرت صبا حولها بعد أن قرأت الجدية في آخر كلمات صديقتها، وقالت بدهشة :
- هل هذه الطريق الفرعية تؤدي لمنزلكم !!؟
- أجل يا صديقتي هنا نفترق – أردفت بقلق واضح - هل أنت متأكدة أنك تذكرين هذا الطريق جيداً؟
ابتسمت صبا بمرح وأمسكت بيد رغد تطمئنها وقالت مازحة:
- لست سيئة تاريخياً وجغرافياً إلى هذه الدرجة ..
ضحكت رغد وودعت صبا داعية الله أن يحميها وينير طريقها ..وودعتها صبا بالمثل..
ثم التفتت بحماس لطريق منزلها وهي تفكر ..إنه حقا فارغ !..لا أطفال يصرخون ولا شباب يحدقون ولا نساء فضوليات!..هادئ وبارد وغائم..نظرت إلى يديها المحتضنة كتابها..إنها ترتدي معطفها الأسود الفرنسي الذي يمتد إلى أسفل الركبة وحذاء أسود طويل الساق احتضن قدميها برقة دون أن يفضح أي انحناءة منهما وحجاب كبير دافئ التف حول رأسها وكتفيها بأرضية رملية ودوائر كبيرة وصغيرة باللونين الأخضر والبرتقالي..إنها تعشق الأسود لأنها تراه اللون الذي يحميها من أعين الحرام ويمنحها الثقة بخطوات طاهرة رزينة لا تلفت الأنظار..فشقت طريقها بسعادة وهي تستنشق رائحة قطرات ماء معطرة بزيت الزيتون..وهدوء منعش يلعب مع رياح راقصة ..اقتربت من منزلها فأخذت تتذكر أياماً لم يكن فيها مبنياً..كانت ترافق جدتها إلى عين الماء هذه القريبة منهم..تدافعت ذكريات جميلة كانت تجمعها كلما نزلوا إلى هنا لغسل الصوف...اللعب بالمياه المنعشة مع أبناء الجيران، والتشاجر مع أبناء هذه الحارة على مرجوحة وحيدة كانت تتدلى من غصن تلك الزيتونة، وضرب النساء للصوف بقطع الخشب فتهرب المياه منها..والكثير الكثير من الذكريات.. إنها حقا طفلة كبيرة غريبة !..لطالما أحبت الطيران على الأرجوحة لكنها لم تتمنى يوماً حلماً بين الغيوم..عشقت البحر الأزرق لكن اللون الأخضر هو الذي أفترش له مكاناً واسعاً في قلبها..تؤمن أن الله لا يحرمها من شيء إلا خيراً لها لكن شوقها لأزرق الأمواج لا يتركها وشأنها..إن أحلامها محيرة كلون عينيها الذي لا يثبت على لون محدد بل يتلون حسب ما يحيط به من ألوان..وهي ليست كذلك!..إنها بعيداً عن أرض الأحلام والطفولة فتاة ثابتة لا تهزها الظروف ولا تغير مبادئها وأخلاقها السنين..هي فقط الأيام التي تتغير وتعلمها أن تكون أجمل قلباً وديناً..تعلمها أن الماضي ذكريات جميلة ودروس مفيدة وأن المستقبل قدر مكتوب وعلم غائب إلا على الله سبحانه وتعالى..ونحن الآن في الحاضر نرسم ونلون ..نتعلم ونعلم..نبتسم..نعيش!..فالحياة نعمة من الله والأحلام محققة في جنته والمستقبل يختار لنا منه الأفضل..فابتسم ، إن بعد كل ليل صبح يرتسم..
✿