الغاضبون من فيلم أساء للرسول:فهمنا حرية التعبير. فماذا عن حرية الكذب
ليبي يتجول في مبنى القنصلية الأمريكية في بنغازي التي تدمرت من جراء الاحتجاجات والاعتداءات. رويترز
أحمد الديحاني من المدينة المنورة
يوما بعد يوم، تكشف لك الأيام عن عوراتها، وتتبدى الوقاحة كوجه حضاري مقبول للتعبير، وتنزاح الموضوعية في زمن المتطرفين إلى جمهور المتفرجين لتترك اللاعبين الجدد من الغوغاء وأنصاف المتعلمين والحاقدين هم من يتصدرون المشهد، لتخرج ردود الفعل عن المألوف ويتصدر المشهد في الطرف المقابل متطرفون آخرون لا يؤمنون بحل سوى أن الحديد وحده هو الذي يفل الحديد.. ويضيع العقلاء من الجانبين في زحمة الغوغاء وهدير التطرف.
مرة أخرى، تنتابك الحيرة - كمتابع تحاول الإنصاف ما استطعت – حول أولئك الذين يشعلون النيران ويستمتعون بلهيبها يحرق الأفئدة قبل أن يحرق البنيان، يشعلون النيران بحطب زائف فتتحول نار الزيف إلى واقع يدافع عنه مشعلوه ويتهمون غيرهم بتأجيجه، إذ دافعت أطراف عدة عن فيلم تم إنتاجه من جانب أقباط متطرفين في الولايات المتحدة أساء للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بدعوى حرية الرأي والتعبير، ثم ما لبثت أن تحركت جماهير غاضبة في عدد من المدن العربية والإسلامية لتنتقم من معالم دبلوماسية غربية اعتبرتها المسؤولة عن إعطاء جواز مرور مثل تلك الإساءات على أراضيها.
فنيا، هو فيلم سخيف لا يستحق سوى الشفقة على تخلخل بنائه الفني وضعف منهاجه العلمي، لكنه في المقابل لا يستحق تاريخيا سوى أن يسجل نفسه عورة في تاريخ الحضارة الإنسانية المعاصرة، حين تكذب بجلاء يفضحه أبسط تلميذ في مدرسة ابتدائية في الطرف الآخر من الأرض، حيث يعرف المسلمون ومن عاشرهم شخصية من أساؤوا إليه رمزا للخلق الكريم وللصدق، لا كما صورته تلك الأيدي الفاجرة التي أنتجت فيلما سخيفا، استطاع رغم سخافته استفزاز ملايين المسلمين. يحاول الفيلم القميء في بداية عرضه أن يصور المجتمع المصري في واقعه الراهن، حيث يصوره مجتمعا قائما على التفريق الطائفي، ثم يعمد مخرج العمل إلى استدرار الماضي لتفسير الحاضر من خلال استحضار تاريخ نشوء الدين الإسلامي عبر ذهنية مريضة متطرفة حبلى بالعقد الذهانية والنفسية لا تؤمن سوى بالمال وبالجنس وسيلة للمتعة في حياة الإنسان، لتسقط هذه الصفات على المصطفى المبعوث رحمة للعالمين متهمة إياه بالسعي وراء المال والنساء لا شيء سواه، مستعينة بكل الشبهات التي حاول المستشرقون إغراق السيرة النبوية فيها وبالقصص التي رويت عن الرسول، ويمكن لهم من خلالها الذهاب إلى فكرة مريضة أخرى. نسي هؤلاء أو أنُسوا أو هم في لجات أحقادهم غارقون، أن الرسول الكريم مات فقيرا إلا من بيت صغير يؤيه وأهل بيته، ونسي هؤلاء أن محمدا عليه السلام لم يعلن نفسه يوما "إلها فوق البشر" فيرتفع عن أكل الطعام ومعاشرة النساء، بل هو عبد الله ورسوله يكشف بكل تجرد الإنسان الصادق الشفاف "حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء" ويقول في موضع آخر: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين" رافضا أن يقف في موضع غير أخلاقي أمام الخالق وخلقه، وهو الذي قال لمن آذوه ثم حاولوا إغراءه بنعيم الدنيا في بداية عهده وفي غاية ضعف شوكته: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" وهو الذي لم يدع في أمره هذا لنعيم شخصي أو ملك لأهل بيته بل لتوحيد الخالق وإفراد العبودية له، فمن أين لشياطين القرن الحادي والعشرين أن يأتوا على أبواب سدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام شياطين كل الأزمنة والأمكنة؟
يتعذر أرباب هؤلاء من المنتجين والمدافعين عن حق عرض الفيلم الذي يحمل إساءات بالغة للرسول الأكرم بحرية التعبير في أوطان تفخر بميثاق حرياتها الواسعة، لكن حرياتها الواسعة لم نسمع يوما أنها تضمنت مبدأ حرية الافتراء والكذب. يقول الشيخ ضيف الله العازمي، مشيرا إلى أن الفرق واضح جلي بين حرية أن تنقل فكرة وبين أن تنقل كذبا وزورا ودجلا تحاول من خلاله طمس الحقائق، ولفت العازمي إلى أن هؤلاء الذين يفاخرون بمبادئ حرية التعبير تجدهم يتلعثمون حين يتعلق الأمر بمفكر منصف يحاول فقط أن يعيد التفكير في عدد ضحايا محرقة الهولكوست التي تعرض لها اليهود، فضلا عن أن يشكك في صدقية الرواية اليهودية. ما يفضح زيف الادعاء بحرية الرأي ويكشف القناع بسفور واضح عن حجم العداء الذي يكتنف مؤسسات غربية كبرى تجاه الإسلام وما يمثله من قيم ورموز.