إقتباس:
مدخل \\
لو قيل لكـ أن النهاية قد اقتربت ~
كلماتٍ أتت , وبسرعةِ البرق ابتعدت ~
حقيقةُ الحياة رسمت بأيادٍ جَمُدَتْ ~
همساتٌ لحفيف الأشجار وخمول البحار انتشرت ~
تأبى السكينة أن تتوغل في قلوبٍ بكت ~
تلك العيون , تلك الجفون , ارتجفت ~
بكت على خسارة ويا ليتها لو كذبت ~
بكت على عمرٍ ضاع , وبلحظةٍ واحدةْ صمتتْ !!
حين تلامست أعينُ الحقيقة وواقع النجاةْ ..
حين أصبحت تغفو على أصواتٍ ملئت بالحياة ..
حين لامست أناملها أيدٍ رمت لها مرساة ..
إخلاصٌ رُسم على جدار زمنها ~
كلماتٍ دبّت بين شرايين قلبها ~
وسط بؤرة الظلام .. رسمت أناملُ الإخلاصِ لوحة خلاصها ~
أفاقت أعينها الخاملة على وقع تلك الخطوات الباردة كالصقيع , بدأت بهمسات خافته لتعلو صراخ .. تعالى وسط تلك الجدران الهشة كقلبها ,
علت تلك الخطوات شيئاً فشيئاً عند مسمع إذنيها , أحاطتها بتلك الأنامل النحيفة دون وعي , كوّرت نفسها كالطفل الرضيع , بتلك الثياب الرثّة والممزقة , ولونها البني الفاتح ,
قدميها الدامية , عينيها الباكية , شعرها الرمادي الطويل يغطي أكتافها العارية ,
أنفاسٌ تخرج كالبخار من شفتيها المرتجفة وقد اكتستْ بلون السماء ~
شعورُ الخوف هذا بدأ صغيراً ليكبر شيئاً فشيئاً مع علوّ وقع تلك الخطوات ,
في زاوية الغرفة المظلمة , وجدت تلك الفتاة ...
نلمح تلك الأقدام وقد وقفت بعيداً عن تلك الفتاة ذو الـ 15ــ ربيعاً .. رفعت رأسها وقد لمحت ظلٌ طويل عكسه ضوء القمر وقد غدا بدراً خلف نافذة غرفتها المهشمة ... خصلات شعرها تغطي وجهها , فقط تلك العينان الرمادية المتوسعة تظهر لنا من بينها .. ارتجف بؤبؤ عينيها وكأنها لا تصدقْ ما رأته لتوها ...
_ أ .. أبي ؟!
نطقت تلك الكلمة من بين شفتيها المرتجفة وكأنها في حلم ,
شُقّت تلك الابتسامة الحزينة بين شفتي ذلك الرجل الواقف بصمت أمامها , مرتدي ثياباً أنيقة بلونٍ غامق .. اقتربَ منها أكثرْ لينحني تجاهها ويمدّ يده التي غلفها ذلك القفاز الأسود ..
نظرت إليها لتعيد أنظارها نحو عينا ذلك الرجل السوداء , دمعت عينيها لتقول بخفوت اقرب للهمس
_ لـست أبي !
تنهد بخفة ليمسكها من يدها قائلاً بنبرة هادئة وصوتٍ عميق : لا يا سلمى , أبواكِ ذهبا إلى مكــانٍ أفضل , فقط ادعي لهمـا !
مجددا تكورت تلك الدموع الفضية لتغزو وجنتيها الباردة ,,
حملها ذلك الرجل بعد أن اغشي عليها وسط بكائها مؤكداً لها ذلك الخبر التعيس مرةٌ أخرى , ليخرج من غرفتها التي اكتست جدرانها طبقةٍ من السواد , كحال منزلها البسيط المحترق تماماً ...
تنهد ليعيد أنظاره إلى الطريق وقد عادت به ساعتي الرملية إلى الوراء , إلى سنتين مضت ...!
نرى رجلٌ يسير ويتخبط بين تلك الأزقّة المظلمة , كأنه تائه , كأنه ترك الدنيا تفعل به ما تشاء دون مقاومة ..
رجالٌ كثيرون منتشرون حوله , ابتسامةٌ غريبة تعلو شفاههم , ضحكات ماكرة , خنجر في صدره ! لا يفهم ما يجري من حوله , هذه كانت حالة ماجد قبل ان يتعرف على منقذه , رجلٌ بلا هدف ولا مأوى , كانت لديه تلك الشركة الكبيرة باستثماراتها الناجحة , هفوة واحدةٌ منه جعلته أسير الأزقة المظلمة ! أصبح بلا هدف أو حتى روح , أصبح نكـرة !
..
بعد 3 أيام من ذلك الاعتداء , أفاقَ بخمول ليرى نفسه في تلك الغرفة الواسعة بجدرانها البيضاء , لم يفهم ما يجري من حوله ,
أتته الممرضة ليتساءل عن ما حدث وتجيبه بابتسامة غريبة ..
_ غريب ما حدث معك أيها السيد , قبل 3 أيام وعند الساعة الـ ثالثة بعد منتصف الليل , أتى لينا رجلٌ يحملك بين يديه ودمائك تملأ قميصه الأبيض اللون ,
أتى وكل الفزع بين عينيه , قام احد اللصوص بالاعتداء عليك وأصابوك إصابة خطيرة , أدخلناك لغرفة العمليات والحمد لله قمت لنا بالسلامة , وحين اتصلنا بالرجل الذي أتى بك قال انه لا يعرفك ولا يمتّ لك بأي صلة , رآك مرمي وسط ذلك الطريق المظلم وجلبك الى هنـا ,,
استغرب ماجد من أمرِ ذلك الرجل الذي ساعده لا بل دفع مصاريف عنايته وبقائه في المستشفى ل 3 أيام مع أفضل الخدمات ,
اخذ عنوان منزله من المستشفى وتوجه له في صباح اليوم التالي كي يشكره , لكن ما حدث كان مفجعاً للغاية ,,
رأى ذلك المنزل الجميل يحترق , والناس من حوله تدور ولا تعرف ما الحل , سيارة الإطفاء تأخرت بالوصول وأصواتُ الصراخ لا يزال يتعالى والناس من حولهم , جيرانهم , يخشون الدخول !
تصببت عروق ماجد فور رؤيته لهم بهذا الجبن ليدخل مسرعاً ودون تفكير إلى المنزل , لا يعرف لم فعل هذا !!
احتمال نجاته تقترب من الصفر بالمائة مع كل خطوة بخطيها للأمام .. وأخيراً وجد غايته , ولكنه منظر لا يحتمل قلب احدٍ رؤيته ,
جسد ذلك الرجل القوي مرتمي فوق زوجته وابنتهم ,
دمعت عيناه دون وعي ليقترب ويداه تحيط فمه , أغمض عينه اليمنى من شدة الحرارة ليحاول إبعاد ذلك العامود المحترق من فوقهم بمعطفه الأسود ,, صحا الرجل من إغمائه لينظر إليه بابتسامة متألمة ,,
أراد ماجد مساعدته لكنه رفض ذلك ,, قال له جملة واحدةٍ فقط , غيرت له مجرى حياته : اجعلها تعيش , وعش معها !
توسعت عيناه وهو يراه قد أغمض عينيه مجدداً ولكنه لن يفيق هذه المرة , نظر إلى مكان إشارة يد ذلك الرجل ليرى تلك الفتاة الصغيرة وقد أحيطت من قبل يدي أمِّها التي شابهت حال زوجها ,,
لم يعرف ما يفعله حينها رفعها دون وعي وحملها بعيداً عن المنزل قبل ان يهوي ويغدو ركاماً ..
صحت سلمى بعد يومٍ كامل لترى نفسها في منزل ذلك الرجل البسيط ,
لم تصدق ما قاله لها كذبته مراراً وتكراراً
" أبواكِ قد ماتا "
تكررت تلك الجملة داخل رأسها ولم تصدقها , أبت أن تصدقها !
في كل مرة , تهرب سلمى إلى منزلها المحترق وتغفو هناك ودموعها تتخذ مجرى على وجنتيها ,
تحت عنوان الإخلاصْ , نراه ازدهر بعمله , وبقيت تلك الفتاة الصغيرة تحت رعايته , تبناها واتخذها ابنته الصغيرة , التي كبرت معه ليمحو حزنها بفرحٍ وسعادة , وتمحي ظلام قلبه بنورٍ وابتهاج ,
للإخلاص معانٍ كثيرة وأحكامٍ بجذورٍ طويلة في ديننا الإسلامي العريق , أولها أن تخفي حسناتك كإخفائك لسيئاتك , وثانيها أن تبني شيئاً محطماً لترفعه نحو القمم .. بإخلاصك في عملك وحياتك !
هنا كان دور والد سلمى بان أنقذ حياة ماجد , وهنا كان دور ماجد بأن لملم بقايا حطام حياته وبدأ ببنائها بتأني وإتقان , ونظر إلى حال تلك الفتاة الصغيرة وقد شاب تويجاتها أنين الحزن والتعاسةِ المرة .. جعلها تغدو زهرةٍ نظرة بأخلاقٍ عالية ,
هي ألآن تدرس في الجامعة , وتطمح لأن تكون أفضل طبيبة ~ هذا ما علمها عليه والدها منذ الصغر , أن تبني جسراً من الأمل فوق نهرٍ من اليأس ,,
بَنَتْ نفسها , وساعدها بذلك ماجد لتحقق حلمها وتدخل كلية الطب ...
وهو الان رئيس شركة مقاولاتٍ في مدينته .. هذا ما علمه إياه أباها , حين رفعه من بؤرةِ ظلامه وجعله يعيش ...
" اجعلها تعيش , وعش معها "
فهم ماجد وقع تلك الكلمات وأخيراً , وهو يرى تلك الفتاة ترمي قبعة تخرجها نحو السماء بفرح كبير , ليلتقط لها صورٌ جميلة , ويعلقها على جدار ذكرياتهم البيضاء !
مخرج\\
وهنآ حيث بدأت حياة , بأنتهاء حياة ~!
كلماتٌ بسيطة رسمت تلك المرسآة ~!
لحظآت صامته احتوت لوحةٍ بلا سمات ~!
هنــآ انهي سطوري بكلمةٍ لهآ حبلٌ للنجآة ~!
الاخلاص لمن عاش , والاخلاص لمن يعيش ...
هو معنى تلك الحياة ~!